Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


مقدمة

بدأ القديس يوحنا كاسيان مناظرته بذكر العادة التي كانت  سائدة بين بطاركة الإسكندرية، وهي أن يبعثوا برسالة عيد القيامة المجيد في يوم عيد الغطاس إلى كل مدينة وقرية ودير. وقد وصلت الرسالة من الأنبا ثاؤفيلس إلى الدير، وتعرضت الرسالة إلى بدعة سادت بين بعض الرهبان، تتلخص في تشبيه الله بالإنسان، وأن اللاهوت له جسد ووجه وذراع... معتمدين في ذلك على ما ورد في العهد القديم مع تفسيره حرفيًا.

أُثير هذا الأمر مع الأب إسحق، وكانت فرصة للربط بين موضوع "إعلان الله عن ذاته" وبين "الصلاة"، وفيما يلي حديث الأب إسحق:

6- أهمية الخلوة الروحية

كما قلت في المناظرة السابقة أن كل عقل يرتفع ويتشكل في الصلاة حسب نقاوته. فإن كان مهتمًا بالأمور المادية الأرضية يحمل هذه النظرة أمامه، وتبقى هذه النظرة قدام عينيْ نفسه الداخليتين في رؤيته للرب يسوع، سواء عندما جاء في اتضاعه في الجسد، أو عند مجيئه في عظمته. أمثال هؤلاء لا يقدرون أن يروا الرب يسوع آتيًا في ملكوته، إذ هم مُمسكون بنوع من الضعف اليهودي (أي النظرة المادية)، ولا يستطيعون القول مع الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفهُ بعدُ" (2كو16:5).

أما الذين يرتفعون فوق الأعمال والأفكار الأرضية السفلية، ويصعدون في جبل الانعزال (الانفراد) المرتفع، متحرّرين من الاضطراب بكل المتاعب والأفكار الأرضية، في أمان من تدخل الخطايا، ممجّدين بإيمان قوي، هؤلاء يمكنهم أن يتطلعوا بعيون نقية إلى لاهوته، وفي أعالي الفضيلة يكتشفون مجده وصورة سموه...

يُعلن يسوع للموجودين في المدن والقرى والمزارع، أي الذين لهم أعمال يقومون بها، لكن ليس بالبهاء الذي يظهر به لمن يصعدون معه على جبل الفضائل السابق ذكره... ففي الوحدة (العزلة) ظهر الله لموسى وتحدث مع إيليا.

وقد رغب ربنا في أن يؤسس هذه (الخلوة الروحية)، تاركًا لنا مثالاً... فإذ هو ينبوع القداسة الذي لا يُنتهك، وليس محتاجًا إلى عون خارجي، ولا إلى مساعدة الوحدة (الخلوة)، لأن كمال نقاوته لا يمكن أن تتأثر بالجماهير، ولا تتلوث من مخالطته للبشر، بل هو الذي يقدس ويطهر الأمور الدنسة، ومع ذلك نجده يعتزل في الجبل وحده للصلاة.

باعتزاله يعلمنا أننا إن رغبنا في الاقتراب من الله بمحبة صادرة عن قلب نقي بلا دنس، يلزمنا أن ننسحب من كل اضطرابات الجموع، حتى تتدرب نفوسنا - ونحن بعد في الجسد - على تذوق السعادة الموعود بها للقديسين، وهي أن "يكون الله هو الكل في الكل" (1كو28:15).

7- تذوقنا عربون السعادة الأبدية

صلى مخلصنا إلى الآب من أجل تلاميذه قائلاً: "ليكون فيهم الحبُّ الذي أحببتني بهِ" (يو26:17)، وأيضًا: "ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا" (يو21:17).

عندما تحقق فينا صلاة مخلصنا تحقيقًا كاملاً، أي تلتهب مشاعر قلوبنا بكمال محبة الله الذي أحبنا أولاً (1يو16:4)، ونؤمن أن هذه الصلاة لا يمكن أن تخيب، عندئذ يكون الله هو كل حبنا واشتياقنا ورغبتنا وطاقتنا وكل فكر فينا وكل حياتنا وكل كلمة ننطق بها وكل نسمة حياتنا... حينئذ أيضًا ينسكب في قلوبنا وأذهاننا رابطة سرية... إذ نرتبط بالله في حب دائم لا ينقطع، كما أحبنا هو حبًا نقيًا غير واهن لا ينحل. هكذا نتحد به حتى يكون الله هو كل نسمة حياتنا...

هذا هو غاية الانعزال (الخلوة)... حيث يوهب للراهب أن يملك في جسده عربون السعادة المقبلة، ويبدأ في هذا العالم يتذوق شيئًا من غيرة الحياة السماوية والمجد العلوي.

أقول، أن هذا هو نهاية كل الكمال: إن الذهن بتحرره من كل شهوات الجسد يرتفع نحو الأمور الروحية لتصير كل حياته وأفكار قلبه صلاة دائمة!

8- سؤال بخصوص الصلاة الدائمة

جرمانيوس: بهذا عدنا مرة أخرى إلى الحيرة الشديدة التي كنا فيها أثناء المناظرة السابقة، بل وبصورة أشد. لأن هذا التعليم يلهب فينا الرغبة نحو السعادة الكاملة، وإذ لا نعرف كيف نطلب هذه الأمور شاهقة العلو أو كيف ننالها نعود إلى يأس عظيم. لهذا نرجوك في طول أناة أن تسمح وتوضح لنا كيف ننشغل على الدوام في تأمل طويل؟

[بدأ جرمانيوس يطلب منه أن يحدثه على قدر ضعفه قائلاً له إنه كطفلٍ صغيرٍ يريد أن يتعلم الحروف الأولية للـعمل الروحي والتدريب على الصلاة الدائمة، وقد اعترف للأب إسحق بمعرفته البسيطة عن الأسس الأولية التي يستخدمها الإنسان ليعيش في حياة تذكر لله على الدوام.]

9- يُشير سؤالك الدقيق إلى النقاوة التي تقترب منها جدًا. لأنه لا يقدر أحد أن يعرض أسئلة في هذه الأمور ما لم يكن لديه باعث نحو اختبار هذه الأمور بذهنٍ متقدٍ مثابرٍ في اهتمام بالغ، ولا يقدمها إلا من كان هدفه الدائم موجه نحو الحياة الصالحة المضبوطة، متعلمًا بالتجربة العملية محاولة الدخول إلى هذه النقاوة وقرع أبوابها...

10- الصلاة الدائمة

بخصوص هذا التدبير (نظام الصلاة الدائمة)، إذا قارنته بتعليم الأطفال (الذين ليس لهم القدرة أن يتلقنوا الدروس الأولية الخاصة بالحروف الهجائية، لكنهم يتعرفون على شكلها، ويتدربون على رسمها قدر ما يستطيعون، حيث تقدم لهم نماذج منها على الشمع...) هكذا يلزمني أن أقدم لك شكل التأمل الروحي لتضعه نصب عينيك على الدوام... وتتدرب على التأمل فيه باستمرار لأجل نفعك... حتى تصعد إلى نظرة أعلى.

سنعرض عليك طريقة خاصة لبلوغ هذا التدبير الذي ترغب فيه، وتلك الصلاة التي يجدر بكل أحد أن ينفذها لأجل تقدمه الروحي في تذكر الله، متذكرًا هذا التدبير في قلبه بغير انقطاع، طاردًا كل أنواع الأفكار الأخرى. لأنه لا يقدر القلب أن يتمسك به ما لم يتحرر من كل اهتمامٍ خاص بالجسد.

لقد سُلمت إلينا هذه الطريقة بواسطة قليلين تسلّموها عن آباء شيوخ حاذقين... فلكي تحتفظ بتذكر الله الدائم ضع قدام عينيك هذه الصلاة الورعة: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني" (مز 1:70).

اُختيرت هذه الآية من الكتاب المقدس كله ليس جزافًا، إنما تحمل كل المشاعر التي يمكن أن توجد في الطبيعة البشرية، وتتفق مع كل الظروف والأخطار التي تحلّ بنا. فهي تحمل تضرعًا إلى الله من أجل كل الأخطار، وتحمل اعترافًا ورعًا مملوء انسحاقًا واهتمامًا يقظًا ومخافة دائمة.

إنها تحمل إحساس الإنسان بضعفه، مع ثقة في الاستجابة، وتؤكد بأن المعونة حاضرة وسريعة، لأن الإنسان إنما يدعو الله الحاضر معنا على الدوام لكي يعينه.

إنها تحمل تأجج حب ومحبة، وتحمل فهمًا بخصوص مؤامرات الأعداء (الشياطين) ومهالكهم. فمن يرى نفسه محوطًا بهم ليلاً ونهارًا يعترف بعجزه عن التحرر منهم بغير مساعدة معينة.

هذه الآية حصن منيع للذين يتعبون من هجمات الشياطين، ودرع حصين، فهي لا تسمح للذين يسقطون في اكتئاب وقلق فكري أو المتضايقين بالحزن أو المهمومين بالقنوط وكل أنواع الأفكار المشابهة، أن ييأسوا من وجود علاجٍ شافٍ، إذ تُعلن أن الله الذي نتضرع إليه ناظر إلى صراعنا على الدوام، وليس ببعيد عن سائليه.

إنها تنذرنا نحن الذين نصيبنا هو النجاح الروحي وبهجة القلب، فلا ننتفخ قط لسعادتنا، إذ تؤكد لنا أنه لا يمكننا أن نعيش بدون الله حافظنا...

هذه الآية هي معين، ونافعة لكل واحد منا مهما كانت أحواله، لأن الإنسان يحتاج في كل أموره إلى معونة. محتاج إلى مساعدة الله، ليس فقط في الأحزان والضيقات، بل وأيضًا في النجاح والأفراح، حتى يُنقذْ من الأولى ويستمر في الثانية. لأن الضعف البشري يعجز عن أن يحتمل كليهما بغير معونة الله.

فإذا ما ثارت فيّ شهوة النهم، وطلبت الطعام الذي ليس في البرية، وسبحت في رائحة الولائم الفاخرة، ووجدت نفسي منسحبًا بغير إرادتي، أسرع قائلاً: "يا الله التفت إلى معونتي. يا رب أسرع وأعني". وإذا ما طلبت الطعام في غير ميعاده، وحاولت في مرارة شديدة صادرة من القلب أن أحفظ حدودًا ملائمة ومنتظمة خاصة بالقوت الزمني، يلزمني أن أصرخ متنهدًا: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني". وإذا ما بدأ الخِوار يدب في أعضائي ليعوقني عن الاستمرار في قانون صيامي، ويثور جسدي محتجًا، ويجف جوفي، وتهدد طبيعتي بالإمساك المخيف، فلكي ما تنطفئ رغبات الجسد... أصرخ: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

عندما أجيء إلى العشاء في الساعة المناسبة حسب النظام الموضوع، واشمئز من الطعام وأمتنع عن أكل أي شيء لأجل الاحتياجات الضرورية لطبيعة الجسد، أصرخ متأوهًا: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

حينما يطير النوم من عيني وأقضي الليل تباعًا وأنا مسهدًا وقد دبّ فيّ الهزال من الأرق بفعل الشيطان، حارمًا أجفاني من الهدوء والراحة الليلية، عندئذ يجب عليّ أن أصلي متنهدًا: "يا الله التفت إلى معونتي. يا رب أسرع وأعني"

عندما أكون في جهادي ضد الخطية، وقد التهب جسدي بالشهوة، وسرى في أعضائي إحساس باللذة، جاذبة إيّاي إلى مراضاتها أثناء نومي، فلكي لا تحرق النار الثائرة من الخارج زهور العفة الذكية الرائحة يجدر بي أن أصرخ: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

عندما أشعر بأن دافع الشهوة قد نُزع عني، ولهيب الخطية في أعضائي قد مات، فلكي ما تبقى هذه الحالة الحسنة المكتسبة أو بالأحرى لكي ما تستمر هذه النعمة الإلهية يجب علىّ أن أقول بغيرة: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

حينما تسري فيّ لدغات الغضب والطمع والكآبة، وأجد نفسي قد فقدت سلامي المحبب إليّ، فلكي لا يحملني الغضب إلى مرارة الحقد، يلزمني أن أعلن بأنات عميقة: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

وإذا ما تآمرت عليَّ نفسي ومجدت ذاتي وطلبت المديح والمجد الباطل والكبرياء، وتملقني ذهني بأفكار مراوغة بأن الآخرين باردون ومهملون، فلكي لا تتسلط عليّ هذه الأفكار التي يقترحها العدو، يلزمني أن أصلي بكل انسحاق قلب قائلاً: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

وإذا ما أشرقت عليّ نعمة الاتضاع والبساطة، وتتحرر نفسي من نفخة الكبرياء … فلكي "لا تأْتِني رِجلُ الكبرياءِ، ويد الأشرار لا تزحزحني" (مز11:36)، وحتى لا أهلك هلاكًا خطيرًا بالزهو في نجاحي، يجدر بي الصراخ بكل طاقتي: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

وعندما تحرقني أفكار طائشة بلا عدد، ويتوه قلبي، وتتشتت أفكاري، ولا أستطيع ضبطها، ولا أقدر أن أجمع نفسي للصلاة بغير اضطراب أو تصورات باطلة، أو أمتنع عن تذكر الأحاديث والأحداث أثناء الصلاة، وأشعر بأن نفسي قد أُثقلت بالجفاف والعقم، ولا أستطيع أن أنجب أي فكر روحي، فلكي ما يوهب لي التحرر من حال فكري البائس هذا... يجب عليّ أن أصرخ: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

 مرة أخرى إذا شعرت بفاعلية الروح القدس، وصار لنفسي هدف وثبات في الفكر، وحذاقة قلب، مع فرح غير موصوف، وتغيير في الذهن وفي غزارة المشاعر الروحية، أدركت بإنارة ربانية مفاجئة تعلن لي أفكارًا مقدسة وفيرة كانت مخفاة عني، ولكي ما يوهب لي أن استمر على هذه الحال طويلاً يلزمني أن ألح على الدوام قائلاً: "يا الله التفت إلى معونتي، يارب أسرع وأعني".

 وإذا ما داهمني رعب الليل... فاضطربت، وأفزعتني خيالات الأرواح النجسة حتى تطغيني بخوفها وتفقدني رجائي وخلاصي، فإنني أطير إلى الملجأ الآمن لهذه الآية وأصرخ بكل قوتي: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

مرة أخرى حينما أكون منتعشًا بتعزيات الرب، ومبتهجًا بمجيئه، شاعرًا كما لو كنت محاطًا بربوات الملائكة غير المحصيّين، وأجد في نفسي شجاعة وغيرة لكي أقتحم حرب (الشياطين) وأدخل المعركة مع الذين كنت منذ قليل أخافهم أكثر من الموت، وكنت أرتجف ذهنيًا وبدنيًا لمجرد الاقتراب منهم، ولكي ما تستمر معي هذه الجرأة بنعمة الرب أصرخ بكل طاقاتي: "يا الله التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعني".

إذن يجب علينا أن نصلي بهذه الصلاة بغير انقطاع، سواء في شدة بلوانا حتى تزول، أو في نصرتنا لكي تدوم علينا ونحفظ من سقطة الكبرياء. ليكن فكر هذه الآية موجهًا دفة صدوركم بلا انقطاع. أيَّا كان العمل الذي في أيدينا، أو المهمة الملقاة علينا، وفي أي موضع تسير إليه، لا تكف عن التغني به. فكر فيها وأنت على سريرك لتنام، وفي أثناء الأكل، وفي كل الأعمال الضرورية.

ليكن هذا الفكر في قلبك لينقذك ويحفظك من أذية هجمات الشياطين، بل ويقيمك من كل الأخطاء والوصمات الأرضية، ويقودك إلى التأمل السماوي غير المنظور، ويحملك إلى حرارة الصلاة القوية التي لا يختبرها إلا القليلون.

ليته يأتيك النوم وأنت مشغول بها، فتنطبع في قلبك من كثرة استخدامها، حتى أنه من كثرة تكرارها ترددها حتى في أثناء نعاسك. وعندما تستيقظ، لتكن هي أول ما تفكر فيه، فتسبق جميع أفكارك. وعندما تقوم من سريرك تدعوك للركوع، وتشع في عملك، وترافقك طوال اليوم.

يلزمك كما أوصى المُشرع (تث7،6) أن تفكر فيها في بيتك وفي رحيلك، في نومك ويقظتك. تكتبها على مدخل فمك وبابه، تنقشها على حوائط منزلك وفي داخل قلبك، حتى متى ركعت للصلاة تتغنى بها، وإذ تقوم بالأعمال الضرورية في الحياة تكون صلاتك الدائمة أينما كنت.

11- يجدر بالذهن أن يلتصق بهذه العبارة على الدوام، فيتقوى باستخدامها الدائم والتأمل المستمر فيها، وبهذا يطرد عنه كل الأفكار الأخرى الغنية مستهينًا بها... مكتفيًا بفقر هذه العبارة الوحيدة. وهكذا يبلغ بأقصى سرعة إلى التطويب الوارد في الإنجيل، محتلاً مكان الصدارة بين التطويبات، إذ يقول: "طوبى للمساكين بالروح، لأن لهم ملكوت السموات" (مت 3:5).

وإذ يصير الإنسان مسكينًا للغاية بفقرٍ كهذا يتحقق فيه قول النبي: "الفقير والبائس ليسبحا اسمك" (مز 21:74). حقًا أيّ فقر أشد من أن يعرف إنسان عن نفسه إنه بلا قوة ليدافع بها عن نفسه، طالبًا العون اليومي من جود غيره. وهكذا يعلم أن كل لحظة من لحظات حياته تعتمد على العناية الإلهية... فيصرخ إلى الرب يوميًا: "أما أنا فمسكين وبائس، الرب يهتمُّ بي" (مز 17:40).

هكذا يصعد بواسطة الاستنارة الروحية إلى معرفة الله من جوانب متعددة، ويتقوّت بأسرار عالية مقدسة كقول النبي: "الجبال العالية للوعول، الصخور ملجأ للوبار (للقنفذ)" (مز 18:104).

هذا ينطبق تمامًا على المعنى الذي نقدمه، لأن من يسلك في بساطة وبراءة لا يؤذي أحدًا، مكتفيًا بالجهاد لحماية نفسه من أذية أعدائه. ويكون مثل قنفذ روحي يتدرع دائمًا متحصنًا في صخرة الإنجيل، أي محتميًا بتذكر آلام الرب... ولقد جاء في سفر الأمثال عن هذا القنفذ الروحي "الوبار (القنفذ) طائفة ضعيفة، ولكنها تضع بيوتها في الصخر" (أم 26:30)…

قوة صلاة المزامير

من يتقدم في هذه الحالة لا يضمن بساطة البراءة فحسب، بل و يتدرع بفضيلة التمييز، ويكون ذهنه المتقد مثل أيل عاقل يتغذى على جبال الأنبياء والرسل، أي يرعى على قمم الأسرار العليا. إنه يتغذى من هذا المرعى على الدوام، مقتاتًا بأفكار المزامير، مسبحًا بها هكذا، أي ينطق بها بأحاسيس قلبية عميقة للغاية، لا كأمور من وضع المرتل، بل كأن هذه المزامير من نطقه هو وأنها صلاته هو. يأخذ المزامير على نفسه، فلا يرى كلماتها على أنها تخص النبي ومِنْ نُطقه، بل يجدها في حياته هو في كل يوم. وعندئذ ينفتح أمامنا الكتاب المقدس في وضوح أعظم، ويظهر ما بداخله من أوردة ونخاع خفي، ونختبر معانيه ونشعر بها مقدمًا، وندرك مغزى كلماته لا بتفسير كلامي إنما ببرهان اختباري.

عندما نختبر بأنفسنا الحالة التي كان عليها المرتل عندما كان يسبح بالمزامير ويكتبها، نصير كأننا نحن المرتلون بها، ونتلمس معانيها مقدمًا ونجمع قوة كلماتها... فعندما نقرأها نتذكر ما قد حدث معنا وما يحدث معنا في صراعنا اليومي، وعندئذ تأتينا أفكار المزامير.

ففي تسبيحنا بالمزامير نتذكر إهمالنا نحن أو غيرتنا الناقصة ونتذكر العناية الإلهية الممنوحة لنا أو مثيرات العدو (الشيطان) ضدنا، ونسياننا المملوء دهاء أو ضعفنا البشري أو الجهل الذي يغشنا. كل هذه المشاعر عبّرت عنها المزامير، وإذ ننظر ما يحدث معنا في مرآة ناصعة للغاية نفهمها بأكثر وضوح. فلا نعرف المعنى بمجرد قراءة النص، إنما نختبره وندركه مقدمًا. وهكذا يبلغ ذهننا إلى تلك الصلاة غير الفاسدة التي تحدثنا عنها في المناظرة السابقة...

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع