Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


حياة متهللة سماوية!

مع صغر الكتاب الذي سجله لنا القديس يوحنا كاسيان في مقاومته لخطية الكآبة، إلا أن تخصيص كتابٍ رهبانيٍ يُهاجم الكآبة كأحد الخطايا الرئيسية، إن صح التعبير، له معناه الخاص في الفكر المسيحي الأول.

في حديثنا عن هذا الكتاب في الفصل الخاص بكتابات القديس يوحنا كاسيان رأينا أن المسيحية هي دعوة للتمتع بالفرح السمائي لا للكآبة القاتلة. وقد حذرنا القديس يوحنا كاسيان من هذه الخطية المرة، مؤكداً أن علتها ليس أخطاء من هم حولنا، بل فراغ القلب الداخلي. فقد جاء مسيحنا يطلب منا دموع التوبة، الحزن البنّاء، المملوء رجاءً، يفتح عينيْ النفس على أبواب السماء لتفرح ويفرح معها السمائيون.

لعله من أخطر الخطايا التي يسقط فيها كثيرون في العصر الحديث هو اليأس وصغر النفس وفقدان الهدف مما يدفع النفس إلى حالة من الكآبة تهدم كيان الإنسان الداخلي، وتُحطم رجاءه في الرب.

بُهر القديس كاسيان وغيره من رجال الغرب الذين جاءوا إلى مصر ورأوا البراري قد تحولت إلى فراديس مملوءة فرحاً. عبّر عن ذلك بقوله إنه إذ عبرَ من الإسكندرية حتى أقصى جنوب مصر، كان يسمع صوت التهليل يصدر عن الأديرة والقلالي والمغاير حتى تساءل: تُرى هل هؤلاء ملائكة نزلوا على الأرض أم أُناس ارتفعوا إلى السماء؟!

إذ انجذب القديس يوحنا الذهبي الفم إلى روح الفرح الذي عمّ الرهبنة، قال في إحدى عظاته على إنجيل القديس متى: ["هلموا إلى برية مصر لتروها أفضل من كل فردوس! ريوات الطغمات الملائكية في شكل بشري… لقد تهدم طغيان الشيطان وأشرق ملكوت المسيح ببهائه!…السماء بكل خوارسها ليست في بهاء برية مصر الممتلئة من قلالي النساك![1]]

تحتاج مفاهيمنا إلى مراجعة، فالحديث المستمر عن الخطية يُحطم الرجاء، لكن الكنيسة الأولى مع دعوتها المستمرة للتوبة ركزت أنظارها على الصليب، لتردد مع داود التائب: "ردّ لي بهجة خلاصك!"

في هذا الكتاب يسجل لنا القديس كاسيان.

1. الكآبة هي عدو النفس، كالعث المفسد للثياب، والسوس الذي يفسد الخشب (فصل 3).

2. كثيراً ما نسقط في هذه الخطية كثمرة لشعورنا بالفشل والإهمال، وعجزنا عن النمو الروحي (فصول 4،6-8).

3. وراء الكآبة فراغ النفس لا أخطاء الآخرين التي نحاول أن نتعلل بها (فصل 5).

4. يليق بنا التمييز بين الحزن المفرط المفترس للنفس والحزن الروحي الذي يملأ النفس سلاماً داخلياً (فصول 10-12).

5. التأمل في المجد الأبدي المُعد لنا والبهجة الإلهية المرتقبة هما دواء النفس للشفاء من الكآبة (فصل 13).

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الفصل الأول

خامس صراع لنا موجه ضد روح الاكتئاب وما يصيب به النفس من أضرار

في خامس صراع لنا، علينا أن نقاوم نوبات الاكتئاب المهلكة: ذلك لأنه لو أُتيحت لهذه النوبات، عن طريق هجمات متفرقة طائشة، وتغيرات عشوائية غير متوقعة، فرصة التسلط على تفكيرنا، لإعاقتنا باستمرار، عن كل استرسال حكيم في التأمل الإلهي، ولدمرت تماماً وأحبطت العقل الذي ينحدر من حالة نقائه الكامل. ومن ثمَّ يتعذر عليه أن يمارس صلواته كما اعتاد ببهجة قلب، أو أن ينتفع بما تُضفيه مطالعة الأسفار المقدسة من تعزية، أو أن يعامل الاخوة بالهدوء والرفق، بل تجعله عنيفاً، ضيق الصدر في إتمام جميع الواجبات المتعلقة بالعمل والعبادة، وما دامت كل مشورة صالحة قد صارت هباءً، وسلامة القلب تبددت، فإن المشاعر قد تنهار حتى تصل إلى حافة الخبل والسفه، ويستبد بها القنوط جزاءً لها.

الفصل الثاني

في العناية اللازمة لشفاء مرض الاكتئاب

لماذا ينبغي علينا، إن كنا جادين في إتمام الجهاد القانوني بمعركة قتالنا الروحي، أن نسعى لعلاج هذا المرض أيضاً، بعناية ليست بقليلة؛… ذلك لأنه كما أن "العث يفسد الثياب، والسوس يفسد الخشب، هكذا فإن الاكتئاب يفسد قلب الإنسان" (أم 0:25"الترجمة السبعينية") وهكذا في وفرة من وضوح تام ودقة المعنى عبَّر الروح القدس عن عنف هذه السقطة الخطرة الممعنة في الضرر.

 الفصل الثالث

بماذا تُقارن النفس التي تقع فريسة لنوبات الاكتئاب

كما أن الثوب الذي يفسده العث لا يعود ذا قيمة تجارية أو ذا نفع على الإطلاق، وكذلك الحال مع الخشب الذي يفسده السوس لا يعود صالحاً للاستعمال حتى في بناء عادي، بل يلزم أن يصبح طعاماً للنار، كذلك أيضاً النفس التي تقع فريسة لنوبات الاكتئاب الملحة المهلكة، تصبح غير أهل لذلك الثوب الكهنوتي الذي هو وفقاً لنبوة داود البار، طيب الروح القدس النازل من السماء، أولاً على لحية هارون، ثم على هُدب ثوبه، كما جاء بالمزمور: "مثل الطيب على الرأس النازل على اللحية، لحية هارون النازل إلى طرف ثوبه" (مزمور 133: 2).

كذلك لا يمكن أن يكون لنا نصيب في تشييد أو تجميل ذلك الهيكل الروحي الذي وضع القديس بولس أساساته، كبناء حكيم قائلاً: "أنتم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم" (1كو 16:3، 1كو 19:6). وما هي الألواح الخشبية التي لهذا إلا كما تقول العروس في نشيد الأناشيد: "جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو" (نشيد 16:1)، وهكذا فان هذه الأنواع المنتقاة من الخشب لهيكل الله ذات رائحة ذكية وغير معرضة لأن تتآكل أو تبلى من طول الزمن أو نخر السوس.

 الفصل الرابع

من أين يبرز الاكتئاب؟ وعلى أي وجه؟

 أحياناً يتضح أنه ناتج عن سقطة غضب سابق، أو عن رغبة في بعض الكسب الذي لم يتحقق، حين يجد إنسان ما أنه عجز عن تحقيق أمله في نوال تلك الأشياء التي استهدفها وخطط لها.

وأحياناً أخرى، دون أي سبب ظاهر في استدراجنا للوقوع في هذه المحنة تحل علينا فجأة بغواية العدو الخبيث كآبة بالغة لا نستطيع معها أن نستقبل، في أدب لائق، زيارات أقرب الناس وأعزهم إلينا، حتى لنعتبر أن أي موضوع للحديث يطرقونه جاء سقطاً وفي غير موضعه! كذلك نعجز عن الرد المهذب بسبب المرارة التي تستولي على كل ركن من أركان قلوبنا.

الفصل الخامس

تقع علينا الاضطرابات ليست بسبب أخطاء الآخرين بل بسبب أخطائنا

حيث ثبت في وضوح أن أوجاع الاضطرابات لا تحدث فينا دائماً عن طريق أخطاء الآخرين، إنما عن طريق أخطائنا، لأننا اختزنا في أنفسنا بواعث التعدي، وبذور السقطات، التي ما يكاد رذاذ من التجربة يبلل نفوسنا، حتى تبرز فوراً في نبت وثمر. [حول هذا الموضوع ألقى القديس يوحنا الذهبي الفم عظة، سجلت بعنوان "
لا يستطيع أحد أن يؤذي إنساناً ما لم يؤذ هذا الإنسان ذاته"... (الشبكة)]

الفصل السادس

ليس ثمة أحد يقع في الحزن بسبب سقطة مفاجئة، لكنه يتحطم لسقوطه في سلسلة طويلة من ضروب الإهمال

ما من أحد ينساق إلى الخطية مُثاراً بخطأ شخص آخر ما لم يكن لديه وقود الشر مختزناً في قلبه، كذلك ينبغي ألا نتوهم أن رجلا تتم غوايته فجأة حين يتطلع إلى امرأة فيقع في هوة الشهوة المشينة، إذ الواقع ان فرصة رؤيته لها جذبت إلى السطح أعراض المرض التي كانت مخفية ومخبأة في أعماق نفسه.

 الفصل السابع

ينبغي ألا نتخلى عن التعامل مع اخوتنا سعياً وراء الكمال، لكن يحسن أن نزرع على الدوام فضيلة الصبر والاحتمال

هكذا فإن الله، خالق جميع الأشياء لاهتمامه فوق كل شيء بكمال وحسن صنعه، ولأن جذور سقطاتنا وأسبابها لا علاقة لها بالآخرين إذ هي داخل نفوسنا، تعطى لنا الوصية بألا نتخلى عن الاتصال باخوتنا، وألا نتجنب أولئك الذين نظن أننا أسأنا إليهم، أو هم أساءوا إلينا، بل يلزمنا مصالحتهم وتهدئه نفوسهم، عالمين أن كمال القلب لا يحرزه الإنسان بالابتعاد عن الناس واعتزالهم قدر ما يحرزه عن طريق فضيلة الاحتمال والصبر، التي إذا تمسكنا بها حقاً وفرت لنا أسباب السلام حتى مع أولئك الذين يبغضون السلام. لذلك إن لم نحرزها، نصبح على الدوام غير نظراء للكاملين ومن هم أفضل منا، ذلك لأن الرغبة في الابتعاد عن من تربطنا بهم أواصر الوداد لا تدوم طويلاً ما دمنا نعيش بين الناس، لذلك لن نحظى بكامل الفرار والنجاة إنما يلزم أن نغير بواعث الاكتئاب التي من أجلها افترقنا عن أصدقائنا الأولين.

الفصل الثامن

إن أحسنا سلوكنا تيسر لنا التفاهم مع جميع الناس

 لزم علينا أن نسعى جاهدين لإصلاح أخطائنا ومعالجة سلوكنا، فإذا ما وُفّقنا في ذلك توفرت لنا أسباب السلام دون أدنى شك، ليس مع البشر فحسب، بل وحتى مع الحيوانات والوحوش، مصدقين ما جاء في سفر أيوب المطوَّب: "لأن وحوش البرية تسالمك" (أى :5-23). لأننا لن نخشى أية ضروب للإثارة تأتى إلينا من الخارج، ولا أية فرصة للسقوط تزعجنا، مادامت لا تلج أو تغرس داخل نفوسنا: لأن "سلامة جزيلة لمحبي شريعتك وليس لهم معثرة" (مز 165:119).

الفصل التاسع

نوع أخر من الاكتئاب يؤدى إلي القنوط من الخلاص

يوجد أيضا نوع بغيض من الاكتئاب، الذي لا يولد في النفس المذنبة عزماً على تطهير الحياة من الشر أو إصلاح الأخطاء، إنما يغذيها باليأس المؤدى للهلاك، كما حدث مع قايين الذي لم يندم ويتب بعد قتله لأخيه، ومع يهوذا الاسخريوطي، بعد خيانته، فإن يأسه لم يدفعه لترك الشر بل أدى به إلى شنق نفسه.

الفصل العاشر

الشيء الوحيد الذي ينفعنا به الحزن

علينا أن نعلم أن الحزن يفيدنا في حالة واحدة فقط، حين نذعن له إما في الندم علي الخطيئة، أو يدفعنا للتعطش نحو الرغبة في الكمال، أو التأمل في متعة العطف الإلهي، وعن هذا يقول الرسول المطوَّب: "لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فينشئ موتاً" (2كو :7-10).

 الفصل الحادي عشر

كيف نميز بيت الحزن النافع الذي هو حسب مشيئة الله، والحزن المهلك الذي يوحي به إبليس؟

الاكتئاب أو الحزن الذي "ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة" يجعل الإنسان مطيعاً، مهذباً، متواضعاً، عطوفاً، لطيفاً، طويل الأناة، ذلك لأنه نابع من محبة الله. وهو ينبعث دون ملل أو كلل، من رغبة في الكمال، ممتداً إلى كل أسى جسدي أو حزن روحي، بطريقة أو بأخرى، إذ يبتهج ويتغذى على رجاء لنفعه الخاص، يحتفظ بلطف معاملته وطول أناته، ذلك لأن في ذاتها كل ثمار الروح القدس، التي قدم الرسول نفسه قائمة بها: "وأما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف" (غل 5:22-23).

أما النوع الآخر من الحزن فهو عنيف، ضيق الصدر، قاس، مفعم بالحقد، والأسى الذي بلا نفع، واليأس القاتل، لهذا فهو يحطم الشخص الذي يتعلق به، ويُعوّقه عن الحزن السليم الصحي، لأنه غير معقول، ويُفقده طاقته. فهو لا يعطل الثمار المرجوة من صلاته فحسب، لكنه إلى جانب ذلك يهلك فعلاً كل ثمار الروح القدس التي عددناها، والتي يعرف النوع الأول من الحزن كيف ينتجها.

الفصل الثاني عشر

فيما عدا ذلك الحزن السليم الصحي الذي يبرز في ثلاثة طرق، ينبغي مقاومة كل حزن أو اكتئاب يسفر عنه ضرر

أجل، فإنه فيما عدا الحزن الذي يُقبل لأجل توبة الخلاص، سعياً وراء الكمال، أو إيثاراً للحياة القادمة، لا مناص من مقاومة كل حزن واكتئاب يتعلق بهذا العالم، ومادام كذلك "مؤدياً إلى الموت" فلابد من استئصاله من قلوبنا كروح الزنى والطمع والغضب.

الفصل الثالث عشر

الوسائل التي بها نستطيع أن نقتلع جذور الاكتئاب من قلوبنا

ينبغي علينا إذن أن نكون قادرين على أن ننتزع من قلوبنا هذه النزعة المفرطة في الضرر، كي نستطيع بالتأملات الروحية أن نجعل عقولنا مشغولة دائماً بالرجاء في المستقبل وتدبر وعود البهجة الإلهية المرتقبة. فبهذه الوسيلة يتيسر لنا الإفادة من كل أنواع هذا الاكتئاب، سواء في ذلك ما نشعر به بسبب العجز عن الكسب، أو ضياع شئٍ ما أو الإساءة إلينا، أو لإثارة طائشة تستبد بالعقل.

أولاً، ذلك النوع الذي يملأنا قنوطاً مميتاً ومن ثمَّ نبتهج بالتغلغل روحياً إلى أعماق الأمور الخالدة والمستقبلية، والاستمرار في الكف عن عدم الاستقرار، فلا نكتئب لما يصيبنا في الحاضر من كوارث، أو نسرف في الابتهاج بالنجاح والازدهار، إنما نرنو بأبصارنا إلى كل حالة منها باعتبار أنها غير ثابتة ومن المحتمل زوالها سريعاً.

 

 

ترجمة: الراهب باسيليوس السرياني (السابق).

 

 


[1] In Matt. Hom 8:6. PG 58:87.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع