Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


من قولِ مار إسحق: «الراهبُ هو إنسانٌ قد ترك العالمَ بالكليةِ وكذلك بلدَه وأقاربَه وانتقل إلى الأديرةِ أو البراري، ليجلسَ في الهدوءِ ويعملَ بيدِهِ ويُقيتَ نفسَه ويعبدَ اللهَ ليلاَ ونهاراً. وأما عملُه فهو: الصومُ من العشاءِ إلى العشاءِ، والسهرُ لنصفِ الليلِ، وصلواتٌ لا تنقطع ليلاً ونهاراً، وضربُ المطانيات والسجودُ وخدمةُ المزاميرِ وقراءةُ الكتبِ، والمسكنةُ والتجرد، والبعدُ عن كلِّ شَرَهٍ ورغبةٍ، والزهدُ في كلِّ شيءٍ ما خلا الخبز والماء، والرقادُ على الأرضِ إلى وقتِ الشيخوخةِ إلا في حالةِ المرض، وثباتٌ داخل القلاية في الدير. ولغير سببٍ هام لا يخرجُ إلا للصلاةِ أو لأمرٍ ضروري للجميع. البكاءُ والنوحُ والتنهد. لبسُ المسوحِ. الرحمة، خدمة الغرباء، الطاعة لسيدنا بحفظ وصاياه. الخضوع للآباء، الاتضاع، تحقير نفسه في كل شيء، المحبة للرهبان. السكوتُ والصمتُ. اعتبار الراهب نفسه كلا شيءٍ. الامتناع من شربِ الخمرِ إلا في حالةِ مرضٍ أو واجب ضيافة، وهذا إذا ما عرض فلا يزيد عن ثلاثة أقداحٍ فقط لا غير. خدمةُ الضعفاءِ. عملُ اليدين. حفظُ الحواسِ، العفةُ، الاحتراسُ من طياشةِ الأفكارِ، الصبرُ، عدمُ الغضبِ. الصفحُ عمَّن يضرُّه أو يُحزنه. التعري من الآلام. الهذيذ في الصلواتِ. تضرُّع القلبِ. بسطُ اليدين نحو السماءِ. وباختصارٍ: النسكُ والتوبةُ ومحبةُ الأعمالِ مع بغضةِ الذاتِ، والوقوفُ بثباتٍ ليلاً ونهاراً مقابل الآلام والشياطين والعالم والنفسِ والجسدِ حتى الموت. هذا هو الراهبُ وهذه هي سيرتُه، وكلُّ راهبٍ لا يمارسُ كلَّ ذلك في ذاتِهِ فهو لا يزالُ في رتبةِ العلمانيين. طوبى للذين يحفظون ويعملون. لا تفتخر بالاسمِ بل اجتهد في الأعمالِ، لأن العملَ هو الذي يبررُ ولو كان بلا شكلٍ ولا اسمٍ».

وقال أيضاً: «طوبى لمن يغصِبَ نفسَه كلَّ أيامِ حياتهِ، لأنه من مزبلةِ الفقرِ يتكرَّم بجنسِ المملكةِ العظمى. طوبى لمن يغصِبَ نفسَه دائماً في طريقِ الله لأنه يصيرُ وهو من الجنسِ الحقيرِ مناسباً للجنسِ العظيمِ الشريفِ المعقول. التغصُّب هو مُغني الفقراء ومُكَرِّم المرذولين. التغصُّب هو مبدأ طريق الوحدةِ وبه يسعد النشطون في طريقِ ملكوت الله، فيتوَّجون بالتيجان من القوي القاهر. وإن كنتَ تسأل وتقول: إلى أين ولأيِّ حدٍ أغصِبُ ذاتي؟ فإني أقولُ لك: إلى حدِّ الموتِ اغصب ذاتَك من أجلِ الله. اغصب نفسَك في صلاةِ الليل وزدها مزاميرَ، لأن رجاءً عظيماً ومعونةً في الجهاد من أجل الله، له المجد إلى الأبد، آمين».

إن ما سيأتي لاحقاً، جاء في الكتاب تحت في فقرة لاحقة، ولكن تحت نفس الاسم. لكننا رأينا أن ندمجهم سويةً من أجل سهولة التنسيق، على أن نحافظ على الأصل في الكتاب بصيغته الـ PDF

.

من قول مار إسحق: مثلُ المصوِّر الذي يصوِّر الماءَ في الحائطِ، ولا يقدرُ ذلك الماءُ المرسوم أن يبرِّد عطشَه، وكمثلِ المرءِ الذي ينظرُ الأحلامَ، كذلك الإنسانُ الذي يتكلمُ من غيرِ عملٍ. أما الذي من اختباراتهِ يتكلمُ عن الفضائلِ فيكون مثل ذلك الذي من بضاعةِ تجارتهِ يُلقي كلمتَه لسامعيه، ومن الشيءِ الذي اقتناه في نفسِه يزرعُ التعليمَ في آذانِ السامعين، ويفتحُ فَمَه بدالةٍ مع بنيه الروحانيين. وذلك كموقفِ يعقوب الشيخ مع يوسف العفيف إذ قال له: هو ذا قد أعطيتُك نصيباً فاضلاً عن إخوتك وهو ما اكتسبتُه من الأموريين بسيفي وقوسي.

كلُّ إنسانٍ تدبيرُه رديءٌ، حياةُ هذا العالمِ عنده شهيةٌ. ويَلي ذلك قليلُ المعرفةِ. حقاً لقد قيل إن مخافةَ الموتِ ترُعب الرجلَ الناقصَ، أما الذي له في نفسِه شهادةٌ صالحةٌ فإنه يشتهي الموتَ كالحياةِ. لا يُعتبر عندك حكيماً ذاك الذي من أجلِ حياةِ هذا العالمِ يستعبدُه فكرُه للأرضيات. كلُّ الملذاتِ والشرور التي تعرضُ للجسدِ لتكن عندك شبهَ الأحلامِ، لأنه ليس بموتِ الجسدِ فقط تنحلُّ منها بل كثيراً ما يمكنك رفضها والهروب منها قبل الموتِ. فإن كان لك منها شيءٌ مشتركٌ في نفسِك فاعلم أنه مكنوزٌ لك إلى الأبدِ. لأنها تذهبُ معك إلى العالمِ العتيد. فإن كان ما اكتنزتَه من الطالحاتِ الرديئاتِ فاحزن وتنهد واطلب الابتعادَ عنها ما دمتَ في الجسدِ. ليكن معلوماً عندك أن كلَّ خيرٍ لن يكونَ مقبولاً إلا إذا عُمل في الخفاءِ. بالحقيقةِ إن المعموديةَ والإيمانَ هما أساسُ كلِّ خيرٍ، فبهما دُعيتَ ليسوعَ المسيحِ بالأعمالِ الصالحةِ. شُكر الذي يأخذُ يحرِّكُ الذي يعطي إلى بذلِ العطايا التي هي أعظمُ من الأوائل. مَن لا يشكرُ على القليلِ فهو كاذبٌ وظالمٌ إن قال إنه يشكرُ على الكثيرِ.

المريضُ الذي يعترفُ بمرضِهِ شفاؤه هين. كذلك الذي يُقرُّ بأوجاعِه فهو قريبٌ من البَرْءِ. أما القلبُ القاسي فتكثُر أوجاعُه. والمريضُ الذي يُخالفُ الطبيبَ يَزيدُ عذابُه. ليست خطيةٌ بلا مغفرةٍ إلا التي بلا توبة. وليست موهبةٌ بلا نموٍ وازديادٍ إلا التي ينقصها الشكرُ. الجاهلُ جزاؤه دائماً في عينيه صغيرٌ. تذكَّر الذين هم أعلى منك في الصلاحِ كي ما تَحسب نفسَك ناقصاً بالنسبةِ لهم. تأمَّل دائماً في البلايا الصعبةِ وفي الذين هم في شدةٍ ومذلَّةٍ، وبهذا التأمُّل يمكنك أن تقدمَ الشكرَ إزاء البلايا الصغيرةِ التي تنتابُك، وحينئذ تستطيع أن تصبرَ عليها بفرحٍ. في الوقتِ الذي تكون مغلوباً مقهوراً وفي مللٍ وكسلٍ، وقد قيَّدك عدوك بسماجةِ فعلِ الخطيةِ، اذكر الأوقات القديمة التي فيها تنشطَّت، وكيف كنتَ مهتماً حتى بصغائرِ الأمورِ، وكيف كنتَ تتحرك بالغيرةِ على الذين يعوِّقون مصيرَك. وتنهَّد على أقلِ شيءٍ فاتك من عملِ الفضائلِ. وكذلك اذكر كيف كنتَ تحظى بإكليلِ الغلبةِ على الأعداءِ. فبمثل هذه التذكارات تتيقَّظ نفسُك كمثلِ مَن في نومٍ عميقٍ وتلبس حرارةَ الغيرةِ. وكمثل مَن في الموتِ تقومُ النفسُ من سقطتِها وتصلب ذاتَها كي تعودَ إلى طقسِها الأول بالجهادِ الحارِ قبالةِ الشيطانِ والخطيةِ. اذكر كيف سقطَ الأقوياءُ لكي ما تتَّضع بصلاحِك. اذكر عِظمَ خطايا القدماءِ الذين سقطوا ثم تابوا ومقدار الشرف والكرامة اللذين نالوهما من التوبةِ بعد ذلك لكي ما تتعزى في توبتِك. كن مضيِّقاً على نفسِك ومحزناً لها لكي ما يُطرد العدو من أمامِك. اصطلح أنت مع نفسِك فتصطلح معك السماءُ والأرضُ.

محبُ الصلاحِ هو الذي يحتملُ البلايا بفرحٍ. استر على الخاطئ من غير أن تَنْفِر منه لكي ما تحملك رحمةُ الربِّ. اسند الضعفاء وعزِّ صغيري النفوس كي ما تسندَك اليمينُ التي تحملُ الكلَّ. شارك الحزانى بتوجعِ قلبِك كي يُفتح بابُ الرحمةِ لصلاتِك. دع الصغارَ تنال الكبارَ. كن ميتاً بالحياةِ لا حياً بالموتِ. لا تطلب الأمورَ الحقيرةَ من العظيمِ القادرِ على كلِّ شيءٍ لئلا تهينَه. اسأل المواهبَ الكريمةَ من الله فيُنعم عليك بها. لقد سأل سليمان من الله الحكمةَ فأعطاه معها الغنى ودوامَ السلامةِ، وسأل إسرائيل الحقيرات فرُذل لأنه ترك تمجيدَ عجائبِ الله وطلب شهوةَ بطنِهِ، وإذ الطعامُ في أفواهِهم أتى رِجزُ الله عليهم كما هو مكتوبٌ. اطلب من الله ما يلائم مجدَه لتكونَ كريماً عنده، ولا تسأل الأرضيات من السمائي فقد كُتب: اطلبوا ملكوتَ الله وبرَّه وهذا كلُّه تزدادونه. لا تسأل أن تجري الأمورُ حسب هواك لأنه أعرف منك بالأصلحِ لك. لا تكره الشدائدَ فباحتمالها تنال الكرامةَ وبها تقترب إلى الله، لأن النياحَ الإلهي كائنٌ داخلها. قبل البلايا يُصلِّي الإنسانُ للهِ كغريبٍ، فإذا قبِلها من أجلِ حبِ الله، حينئذ يصيرُ من أحبائِه وخواصهِ المحاربين لعدوه حباً في رضاه، ويُصبح كمن وجب حقهُ عليه.

توكَّل على اللهِ وسلِّم نفسَك له وادخل من البابِ الضيقِ وسِر في الطريقِ الكربةِ. فذاك الذي كان مع يوسف ونجاه من الزانيةِ وجعله شاهداً للعفةِ، والذي كان مع دانيال في الجبِّ ونجاه من الأسودِ، والذي كان مع الفتيةِ ونجاهم من أتونِ النارِ، والذي كان مع إرميا وأصعده من جبِّ الحمأةِ، والذي كان مع بطرس وأخرجه من السجنِ، والذي كان مع بولس وخلَّصه من مجامعِ اليهودِ… وبالجملةِ فإن الذي كان في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكانٍ مع عبيدِهِ في شدائدهم ونجاهم وأظهرَ فيهم قوَّته، هو يكونُ معك ويحفظك. فخذ لك يا حبيب غيرةَ الأنبياءِ والرسلِ والشهداءِ والقديسين قبالة الأعداءِ الخفيين، واقتنِ غيرةَ الذين ثبتوا قائمين في النواميسِ الإلهية، فطرحوا الدنيا وأجسادَهم إلى ورائهم وتمسكوا بالحقِّ فلم يُهزموا في الشدائدِ التي انتابتهم في أنفسِهم وأجسادِهم، إذ فازوا بالقوةِ الإلهية وكُتبوا في سفرِ الحياةِ، وأُعدت لهم ملكوتُ السماوات التي نؤهَّل لها كلُّنا برأفتِهِ وتحننهِ تعالى. له المجد إلى الأبد، آمين».

ومن كلامهِ أيضاً: النفسُ المحبةُ للهِ سعادتُها في اللهِ وحده. حِلَّ قلبَك من الرباطاتِ البرانية أولاً، حينئذ تقدر أن تربطَه بحبِ الله. مَن لم يفطم نفسَه من حبِّ الدنيا لا يستطيع أن يتذوَّق حلاوةَ محبةِ اللهِ. إن الأعمالَ الروحانية تتولَّد من الأعمالِ النفسانية، والأعمالُ النفسانية تتولَّدُ من الجَسَدَانية. مَن يهرب من سُبح العالم بمعرفةٍ فإنه يكتنز في نفسِه رجاءَ العالمِ العتيد. الذي يفرُّ من نياحِ الدنيا فقد أدرك بعقلِه السعادةَ الأبديةَ. المرتبطُ بالمقتنيات والملذَّات فهو عبدٌ للأوجاعِ الذميمةِ. بالإيمان يُدرِكُ العقلُ الأسرارَ الخفيةَ كما يُدرك البصرُ المحسوسات. المعموديةُ هي الولادةُ الأولى من اللهِ. والتوبةُ هي الولادةُ الثانية كذلك. الأمر الذي نلنا عربونَه بالإيمانِ، بالتوبةِ نأخذُ موهبتَه. التوبةُ هي بابُ الرحمةِ المفتوح للذين يريدونه. وبغير هذا الباب لا يدخلُ أحدٌ إلى الحياةِ، لأن الكلَّ أخطئُوا كما قال الرسولُ. وبالنعمةِ نتبرَّر مجاناً. فالتوبةُ إذاً هي النعمةُ الثانيةُ وهي تتولَّد في القلبِ من الإيمانِ والمخافةِ. والمخافةُ هي عصا الآب التي تسوقُنا إلى محبةِ اللهِ. فإذا أدركناها تركتْنا ورجعتْ. محبةُ اللهِ هي فردوس كلِّ النعيمِ الذي فيه شجرةُ الحياةِ وما لم يخطر على قلبِ بشرٍ. فمن يدركه لا يموت، لأنه يغتذي بلا تعبٍ من الخبزِ الذي نزل من السماءِ الذي يهبُ الحياةَ للعالمِ. فمن عاش في هوى حبِ المسيح فقد استنشق من ها هنا نسيمَ نعيمِ الأبرارِ بعد القيامةِ. الحبُّ هو هذا المُلك المُعدُّ الذي وَعَدَ به السيدُ المسيح لمحبيه. والحبُّ هو المسيح. لأن الرسولَ يقول: إن اللهَ محبةٌ. وكما أنه لا يمكن عبورُ النهرِ بلا سفينةٍ، كذلك لا يمكن لأحدٍ أن يعبرَ إلى حبِّ الله بغير خوفِ الله. لأن التوبةَ هي السفينةُ، والمخافةُ هي مدبِّرُها، والمحبةُ هي ميناءُ السلامةِ والكرامةِ، حيث يلقَى المتعَبون راحتهم، والعمَّالون المجاهدون نياحَهم، والتجارُ ربحَهم، حيث هناك الآب والابن والروح القدس الإله الواحد له المجد.

ومن كلامهِ أيضاً: طوبى للإنسانِ الذي يعرفُ ضعفَه، فإن هذه المعرفةَ تكونُ له أساساً صالحاً ومصدراً لكلِّ خيرٍ. لأنه إذا عرفَ ضعفَه ضبطَ نفسَه من الاسترخاءِ وطَلَبَ معونةَ الله وتوكَّل عليه. أما من لا يعرف ضعفَه فهو قريبٌ من سقطةِ الكبرياءِ، وبلا اتضاعٍ لا يتمُّ عملُ العابدِ. ومن لا يَتِمُّ عملُهُ لا يُختَمُ كتابُ حريتِهِ بخاتمِ الروحِ. ومن لا يُختمُ كتابُ حريتِهِ بخاتمِ الروحِ فإنه يكون عبداً للأوجاعِ ولا يتضع إلا بالبلايا. ومن أجل ذلك يتركُ اللهُ البلايا والتجارب على محبي البرِّ حتى يعرفوا ضعفَهم، إذ أن البلايا تولِّد الاتضاع. وربما كَسَرَ قلبَهم بأوجاعٍ طبيعيةٍ، وربما بشتيمةِ الناسِ لهم وامتهانِهم، وأحياناً بالفقرِ والمرضِ والاحتياجِ. وأحياناً أخرى بالخذلانِ ليأتي عليهم الشيطانُ بأفكارٍ قذرة، وكل ذلك عساهم يحسُّون بضعفِهم فيتضعوا حتى لا يعبر بهم نعاسُ الغفلةِ. فينبغي لكلِّ إنسانٍ إذاً أن يتيقَّظَ دائماً ويفكرَ في أنه مخلوقٌ، وكلُّ مخلوقٍ محتاجٌ إلى معونةِ خالقِهِ، فيطلب حاجَتَه ممن هو عارف تماماً بما يحتاجُ إليه، فهو قادرٌ أن يعطيه احتياجاته. له المجد إلى الأبد، آمين.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع