Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


حدَّثوا عن عذراءٍحرةٍ عفيفةٍ هادئةٍ في منزلها، فأحبها شابٌ رديءٌ، ولم يكن يكف عن الترددِ على منزلها، فلما شعرت العذراءُ بتردده وقتاله، شقَّ ذلك عليها جداً وحزنت. فحدث في يومٍ من الأيامِ أنه جاء كعادتِهِ يدقُّ البابَ، وكانت العذراءُ حينئذ جالسةً على المنسج، فلما علمت أنه هو الذي يدقُّ على البابِ، خرجت إليه ومعها كركدنها (أي مخرازها)، وقالت له: «ما الذي يأتي بك إلى ههنا يا إنسان؟». فقال لها: «هواكِ يا سيدتي». فقالت: «وما الذي تهواه مني؟»، فقال لها: «عيناك فتنتاني، وإذا أبصرتُك يلتهبُ قلبي»، فجعلت مخرازها في إحدى عينيها، وقلعتها بصرامةٍ ورمتها له، وشرعت في قلعِ الأخرى، فأسرع الشابُ وأمسك بيدها، فدخلت إلى منزلِها وأغلقت بابَها. فلما رأى الشابُّ أن عينها قد قُلعت حزن جداً، وندم على ما كان منه، وخرج إلى البريةِ من ساعته وترهب.

قيل إنه لما نُهبَ بيتُ المقدس، وقعت عذراءٌ راهبةٌ شابة جميلة في قسمِ أحدِ الفرسان، الذي أراد إفسادها. فقالت له: «تمهَّل قليلاً لأن بيدي مهنةً تعلمتُها من العذارى، ولا تصلح لعملِها إلا عذراء، وإلا فلا نفع لها». فقال لها: «وما هي؟»، فقالت له: «هي دُهنٌ، إذا دُهِنَ به إنسانٌ، فلن يؤثرَ فيه لا سيفٌ ولا أيُّ نوعٍ من الأسلحةِ البتة، وأنت تحتاجُ إلى ذلك، لأنك في كلِّ وقتٍ تخرجُ للحربِ». فقال لها: «وكيف أتحقق ذلك؟»، فأخذت زيتاً ووجَّهت إليه الكلامَ قائلةً: «ادهن رقبتَك، وأعطني السيفَ كي أضربَك به». فقال لها: «لا، بل ادهني أنتِ رقبتَكِ أولاً، وأنا أضربُ بالسيفِ»، فأجابته إلى ذلك ببشاشةٍ، وأسرعت فدهنت رقبتَها وقالت: «اضرب بكلِّ قوتِك». فاستلَّ سيفَه، وكان ماضياً جداً، ومدت القديسةُ رقبتَها، وضربَ بكلِّ قوةٍ، فتدحرج رأسُها على الأرضِ، ورضيت عروسُ المسيحِ أن تموتَ بالسيفِ، ولا تدنس بتوليتها. فحزن الفارسُ جداً، وبكى بكاءً عظيماً، إذ قتلَ مثلَ هذه الصورةَ الحسنة، وعرف أنها خدعته لتفلتَ من الدنسِ وفعل الخطيةِ.

قيل عن شيخٍ إنه كان جالساً في البريةِ سنين كثيرةً، وكان يُتعِبُ نفسَه بأتعابٍ كثيرةٍ، فلما رآه الإخوةُ هكذا، قالوا له: «لماذا تعاني هذه الأتعابَ الكثيرةَ، في هذا الموضعِ القفر»؟ قال لهم الشيخ: «هل رأيتم عذابَ جهنم؟»، قالوا له: «لا»، فقال لهم: «اغفروا لي، فإن هذا التعبَ جميعَه الذي نكابده ههنا، لا يعادلُ عذابَ يومٍ واحدٍ في جهنم».

قال شيخٌ: «الدلالُ والمزاحُ والضحكُ، هذه تُهلك، إذ تُشبه ناراً تشتعلُ في قصبٍ».

وقال شيخٌ: «إن السيرة اليابسةَ المقرونةَ بالمحبةِ، تُدخل الراهبَ إلى ميناءِ غَلَبةِ الآلامِ بسرعةٍ».

قال أنبا بيمين: «من أدلةِ الرهبانيةِ الشدةُ والمسكنةُ والمعرفةُ، لأنه مكتوبٌ عن هؤلاءِ الثلاثة رجال: نوح وأيوب ودانيال، إن نوحاً يشبه المسكنة، وأيوب يشبه الشدة، ودانيال يشبه المعرفة، فإن كانت هذه الخصال الثلاثة موجودةً في إنسانٍ، فالله ساكنٌ فيه».

وقال أيضاً: «إنه لأخيَر للراهبِ أن يفرَ من الجَسََدانيات، لأنه ما دام الإنسانُ قريباً من الجَسَدَانيات، فإنه يشبه إنساناً جالساً عند فوهةِ جبٍّ عميقٍ، ففي أيِّ ساعةٍ أراد العدو دفعَه فيه، هان عليه طرحُهُ فيه، أما إذا كان الراهبُ بعيداً عن الجسدانيات، فإنه يشبه رجلاً بعيداً عن الجبِّ، ففي الوقتِ الذي يعملُ العدو على جرِّه إليه، يكونُ اللهُ قد بعث إليه بمن يخلِّصه».

سأل أخٌ شيخاً: «هل تحبُ يا أبي أن أحبسَ لنفسي دنانيرَ فتكونَ عندي لئلا يصيبني مرضٌ». فلما رأى الشيخ أن فكرَه قد هوى إمساكَ الدنانير، قال له: «نعم». فلما مضى، أزعجته أفكارُه قائلةً له: «أترى بحقٍ قال لك الشيخ أم لا»؟ ثم قام أيضاً، ورجع إلى الشيخ وطلب إليه قائلاً: «من أجلِ اللهِ، قل لي الحقَّ، لأن أفكاري تحزنني جداً من أجلِ الدنانير». فقال له الشيخ: «إني لما أبصرتُ أنك تحبُّ إمساكَ الدنانير، قلتُ لك أمسك أكثرَ من حاجتك، أما إن أمسكتَ بالدنانير، فسوف يكون رجاؤك عليها، فإن هي نفذت، فإن اللهَ لن يهتمَ بك ولن يعينك».

قال أنبا ماطوايس: «إني أحبُ العملَ الخفيفَ الدائم، أكثرَ من عملٍ شديدٍ في بدئه، لا يلبث أن ينقطعَ سريعاً».

قال أنبا بيمين: «علامةُ الراهبِ إنما تُعرف من البلايا».

سأل أخٌ شيخاًقائلاً: «أيَّ شيءٍ أصنعُ، فإن أفكاراً كثيرةً تقاتلني، ولستُ أدري كيف أقاتلها»؟ فقال له الشيخ: «لا تقاتل مقابلَ الكلِّ دفعةً واحدةً، ولكن قاتل واحداً، لأن أفكارَ الراهبِ إنما لها رئيسٌ، فاجعل بالَك إلى رئيسِها، ونحوه اجعل قتالَك، فإذا هزمتَ ذلك الفكرَ، فقد انهزمت البقيةُ».

قال شيخٌ: «كما أن الفارسَ إذا خرج للقتالِ لا يهتمُ بأحدٍ من الناسِ، ولا يفكرُ إن كان هذا قد طُعِنَ أم ذاك، أو إن كان هذا قد خلص أو ذاك، وإنما همُّه كلُّه يكون في نفسِه كيف يخلص، هكذا ينبغي أن يكونَ الراهبُ».

عبر راهبٌ براهبٍ، فقال له: «ما هو تمامُ الحكمةِ؟»، فأجابه: «ليس الحكيمُ التامُ هو ذاك الذي يفرحُ بشيءٍ من لذاتِ هذه الدنيا، أو يحزنُ بشيءٍ من مصائبها أو يغتمُّ به، وإنما الحكيمُ التامُ هو ذلك الذي لا تُفرحه السراءُ، ولا تحزنه الضراءُ، بل يكون عارفاً الابتداء، وما يؤول إليه الانتهاءُ».

حدَّثنا أحدُ الآباءِقائلاً: إني في بعضِ الأوقاتِ كلَّمتُ الإخوةَ كلاماً نافعاً، فغرقوا في النومِ غرقاً، انتهوا فيه إلى أنهم ما استطاعوا أن يحركوا جفونَهم، فأردتُ أنا أن أبينَ فعلَ الشيطانِ، فأوردتُ حديثاً باطلاً، فانتبهوا للوقتِ وفرحوا، فتحسرتُ وقلتُ: «إلى هذا الوقتِ كنا نتكلم في أشياءٍ سماويةٍ، فكانت أعينُكم كلُّكم غارقةً في النومِ، فلما أوردنا أقوالاً باطلةً، قمتم كلُّكم بنشاطٍ، فلهذا أسألكم يا إخوتي، أن تعرفوا فعلَ الشيطانِ الخبيثِ، وتصغوا إلى أنفسِكم، محترسين من النعاسِ، متى علمتم وسمعتم شيئاً روحانياً».

أخبروا عن راهبين قديسين، كانا أخوين وسكنا البرية، فحرص الشيطانُ على أن يُفرِّقَ بينهما، ففي بعضِ الأيامِ أوقدَ الصغيرُ منهما سراجاً ووضعه على منارةٍ، وبحيلةٍ من الشيطانِ وقع السراجُ وانطفأ، فحينئذ حرد الكبير وضربه، فصنع الصغيرُ له مطانيةً، وقال له: «لا تضجر يا أخي، طوِّل روحَك عليَّ، وأنا أوقدها مرةً أخرى»، فلما أبصر الربُّ صبرَ الأخِ، عذَّبَ ذلك الشيطانِ إلى الصباحِ، ثم ذهب ذلك الشيطانُ فأخبرَ رئيسَ الجنِّ بما كان، وكان كاهنُ الأوثانِ، الذي يخدمهم موجوداً، فلما سمع هذا الكلامَ، ترك كلَّ شيءٍ وآمن وترهبَ؛ ومن بدء رهبانيته، كان يستعملُ الاتضاعَ الكاملَ، وكان يقولُ: «إنَّ الاتضاعَ يقدرُ أن يقهرَ ويحلَّ ويُبطلَ كلَّ قوةِ العدو، وقد سمعتهم يقولون بعضُهم لبعضٍ: إنه كلما ألقينا السجسَ بين الرهبانِ، نجدهم يتلقونه بالاتضاعِ، ويعمل بعضُهم لبعضٍ مطانيات، فكانوا بذلك يُبطلونَ قوَّتنا».

أخٌ من الإخوةِسأل شيخاً وقال: «يا أبتِ أعني فقد أهلكتني أفكارُ الزنى؟»، فقال له الشيخ: «يا ابني، إن كنتَ تستطيع، فلا تترك الفكرَ يسكن عندك»، قال: «وكيف أستطيع ذلك يا أبتِ؟»، قال: «كلما بدأ الفكرُ، فلا تدعه يصعد إلى دماغك، بل ألحقه بذكرِ الموتِ، وخوفِ الله، واذكر نَتنك، وكيف تصيرُ في القبرِ، لأن هذا الفكرَ الرديء، إن غَلب الإنسانَ يقوده إلى قطعِ الرجاءِ واليأس من الخلاصِ، وكمثل السفينةِ التي تصدمها الأمواجُ، والعواصفُ الشديدةُ، وأهوالُ البحرِ، فإن أنزل عنها قدراً من الرملِ أو مما تحملُ ليخفَّ حملها، فإنها لن تعطبَ سريعاً، بل تسبح، وإن انكسرت قربتُها أو شيءٌ منها، فلا زال لها أملٌ صالحٌ في السلامةِ. أما إن أصيبت بثقبٍ من أسفلِها، وامتلأت ماءً، فقد عطبت. هكذا تكون حالُ الراهبِ، فإنه إن توانى قليلاً في بعضِ الأشياءِ، فهو يؤمل أن يغلبَ بالتوبةِ، أما إن سقطَ دفعةً واحدةً في الزنى، فقد عَطِبَ ويوشِكُ أن يُقادَ إلى اليأسِ في هذا الغرقِ».

قال أحدُ الآباءِ: «إن لم تهزّ الريحُ الشجرةَ، فلن تنشأ لها أغصانٌ، ولن تنمو فروعُها، هكذا الراهبُ إن لم تنله محنٌ، فيصبر شاكراً، فلن يصيرَ متجلداً ولا شجاعاً».

سأل أحدُ الإخوةِشيخاً وقال: «ما هي فِلاحةُ النفسِ؟»، فقال الشيخ: «إنَّ فِلاحةَ النفسِ هي السكوتُ، وضبطُ الهوى، وشقاءُ الجسدِ، والصلاةُ الكثيرةُ، والامتناعُ عن معاتبةِ زلاتِ الناسِ، وتأمل الإنسان في هفواتهِ وحده، فمتى ثبت الإنسانُ في هذه الفضائل، فإن نفسَه لا تبطئ في النجاحِ والنمو حتى تثمرَ». ثم سأله الأخُ: «وما هو نجاحُ الراهبِ»؟ فقال: «هو التواضع، لأنه بمقدارِ تواضعه كذلك يكون صعوده إلى علو الفضيلةِ». وسأله كذلك: «كيف تقتني النفسُ الفضيلةَ»؟ فقال: «إذا هي اهتمت بزلاتِها وحدها».

قال أنبا مطايوس: «إن الشيطانَ لا يعرفُ في أيِّ الأوجاعِ تنهزمُ النفسُ، ولكنه يزرعُ، ولا يعلم هل سيحصدُ أم لا؛ إنه يزرع زنىً، ودينونةً، ووقيعةً، وقتلاً، وجميعَ الأوجاعِ والشرِ، فأيُّ وجعٍ يرى النفسَ مائلةً إليه، ففيه يشغلها».

قال قائلٌ من الإخوةِ الرهبان لشيخٍ من الشيوخ: «يا أبي، لستُ أجدُ في قلبي قتالاً»، فقال له: «إنك تُشبه القبةَ المرتفعةَ في وسطِ السوقِ، فكلُّ من أرادَ جازَ تحتها، كذلك قلبك؛ أما إن أغلقتَ بابَ قلبك، ولم تدخله الأفكارُ الرديئةُ، لنظرتَ الأعداءَ يقاتلونك قتالاً شديداً».

سُئل شيخٌ من الرهبانِ: «ما هو الاتضاعُ؟»، فقال: «إنه عملٌ كبيرٌ إلهي، وطريقةٌ متعبةٌ للجسدِ، وأن تَعُدَّ نفسَك خاطئاً، وأقلَ الناسِ كلِّهم»، فقال له الأخُ: «وكيف أكونُ أقلَ الناسِ؟»، أجابه الشيخ: «ذلك بأن لا تنظرَ إلى خطايا غيرك، بل تنظر إلى خطاياك، كما تسأل الله دائماً أن يرحمَك».

قال أحدُ الإخوةِلشيخٍ مجرَّبٍ: «قل لي يا أبتاه أمراً واحداً لأحفظَه وأخلصَ به»، فقال له الشيخ: «إن شُتمتَ فلو أمكنك أن تحتملَ، فذلك من أشرفِ ما يكون»، وقال الشيخ أيضاً: «كلُّ من استطاع أن يحتملَ محقرةً، أو شتيمةً، أو خسراناً جسدياً، فإنه يخلص».

سأل أخٌ شيخاً: «كيف أعلمُ وأنا في القلايةِ، إن كنتُ قاطعاً لمشيئتي، وكذلك إذا كنتُ بين الناسِ، وما هي مشيئةُ الله، وما هي مشيئةُ الشيطان؟». فأجابه: «أما قطعُ الراهبِ لمشيئته في قلايته، فذلك بتهاونه بالنياح الجَسَدَاني في جميعِ الأحوالِ والأمورِ، أما إذا كان بين الناسِ، فليكن كالميتِ بينهم، أو كالغائبِ عنهم. أما مشيئةُ الله فهي ألا يهلكَ أحدٌ، كما كُتب في الإنجيل، وأن يقبلَ الكلُّ إلى معرفةِ الحقِ، كما قال الرسول بولس؛ وألا يموتَ الإنسانُ وهو خاطئٌ، بل أن يتوبَ ويحيا، كما قال النبي حزقيال، وأما مشيئةُ الشيطان فهي: ثقةُ البارِ بنفسِه، وعدمُ توبةِ الخاطئ عن خطيئتهِ».

قال أنبا إشعياء: «اكتفوا من القوتِ باليسيرِ الحقيرِ، ولا تطيعوا العدوَ في مشورتهِ في الضيافةِ باللذيذ، الكثيرِ، فقد نهى الربُّ (مرثا) تلك التي أضافته عن الاهتمامِ والقلقِ. ولما أضاف الذين تبعوه، لم يُحضر لهم أصنافاً كثيرةً، وإنما أحضر لهم ما كان حاضراً عند أحدِ التلاميذ. تشبهوا أيضاً بالأرملةِ التي أضافت النبي بما وُجد عندها من الخبرِ والماءِ، ولا تشتهوا الإكثارَ من القنيةِ، من أجلِ ضيافةِ الغرباءِ ورحمة المساكين، فإن هذا أيضاً من خداعِ الشياطين، الذي يقود إلى الاشتغالِ بالاهتمامِ، وإلى السُبح الباطل، فاليسيرُ الحاضرُ ممدوحٌ كفلسي الأرملةِ».

سؤال: «بأيِّ فكرٍ يُخرجُ الراهبُ إبليسَ من قلايته».

الجواب: «إنَّ إبليسَ مثل الراقي، فعلى مثال الراقي الذي يُخرج الحيةَ من عشِها بكلامٍ لطيفٍ، فإذا أخذها فإنه يطوفُ بها ويطرحها في شوارع المدينةِ يلاهي بها الناس، حتى إذا شاخت معه، فإما أن يحرقها بالنارِ، أو يغرقها في الماءِ، وعلى هذا المثال يكونُ الراهبُ، إذا سحبته الأفكارُ وترك قلايته».

سؤال: «كيف ينبغي للراهبِ أن يمارسَ خدمتَه في الترتيلِ وتقديرِ الصوم».

الجواب: «سبيلُه أن لا يعملَ شيئاً يزيدُ على المرسومِ، وذلك لأن كثيرينَ أرادوا أن يزيدوا على ما رُسم لهم، فما استطاعوا فيما بعد أن يعملوا حتى ولو أقل منه».

سؤال: «إن ارتابَ فيَّ أخٌ من الرهبانِ، أتؤثرَ أن أسجدَ له سجدةً؟».

الجواب: «اسجد له سجدةً واقطع ذاتك منه، فإن أنبا أرسانيوس قال: أحب الكلَّ وأنت بعيدٌ عن الكلِّ».

سؤال: «ما هي خطية الوقيعة»؟

الجواب: «إن خطيةَ الوقيعة من شأنها أن لا تتركَ صاحبها يحضرُ قدامَ اللهِ، لأنه مكتوبٌ: إني كنتُ أطردُ مَن كان يعاتبُ صديقَه سراً».

سؤال: «إن ألزمني أخٌ أن أشربَ معه قدحاً من النبيذِ في قلايته، فهل جيدٌ لي أن أذهبَ معه؟»

الجواب: «اهرب من شربِ الخمرِ، تَسلم سلامةَ الغزالِ من الأوْهاق (أي من حبل الصياد)، وذلك لأن كثيرين بسببِ هذا الأمرِ، اندفعوا إلى السقوطِ بالأفكارِ».

سؤال: «إني أريد أن أستشهد من أجل اللهِ».

الجواب: «من احتمل رفيقَه في وقتِ الشدةِ فذاك قد أصبح داخل أتون الثلاثة فتية».

سؤال: «ما بال الزنى يؤذي الإنسانَ، ويلح عليه كثيراً»؟

الجواب: «لأن الشيطانَ قد عرف أن الزنى من شأنهِ أن يجعلنا عراةً من الروحِ القدس، واسمع ربنا قائلاً: لا تَثبت روحي في هؤلاء الناس بسببِ كونهم زناةً».

أخٌ من القلاليبلَّ خوصاً، فلما جلس يعمل، قال له فكرُه: «اذهب إلى فلان الشيخ»، فقال هو لفكرِه: «اصبر، سوف تذهب بعد أيامٍ»، فقال له فكره: «فإن متَّ، فكيف تذهب؟ اذهب لتسأله عن الحصادِ»، فرد على فكرهِ: «لما يأتي زمانُ الحصادِ»، كما ردَّ على فكرِه قائلاً: «لما أفرغ من هذا الخوصِ المبلول، سوف أذهبُ». ثم عاد فكرُه وقال له: «الهواء طيبٌ اليومَ»، وإنه من ساعته نهض، وذهب إلى الشيخ، وكان لهذا الأخِ جارٌ قديس يرى الغيبَ، فلما رآه ذاهباً، صاح به قائلاً: «يا مسبي، ارجع وتعال»، فلما رجع قال له: «ارجع إلى قلايتك»، فحدَّثه بقتالِه كلِّه، وصنع له مطانية، ورجع إلى قلايته، فصاحت الشياطين بصوتٍ عالٍ: «غلبتمونا يا رهبان»، وصارت الحصيرةُ التي كانت تحته تلتهب كلُّها ناراً. ثم بادوا مثل الدخانِ. وهكذا تعلَّم ذلك الأخُ خُبثَ الشياطين وحيلهم من هذا الأمرِ.

قال شيخٌ لأنبا بيمين: «إن رأينا أحدَ الإخوةِ يخطئ، فهل ينبغي لنا أن نبكِتَه»؟ فقال أنبا بيمين: «إني إذا كنتُ ذاهباً لقضاءِ مصلحةٍ ما وعبرتُ عليه ورأيتُه يخطئ، حتى ولو جزتُ بجانبهِ، فما كنتُ أبكته، لأنه، ولو أنه مكتوبٌ: اشهد بما تراه عيناك، ولكني أقول لكم: إن لم تجسُّوا بأيديكم، فلا تشهدوا. لأنه حدث مرةً أن لعبَ الشيطانُ بأحدِ الإخوةِ في هذا الأمرِ، فنظر وإذا إخوة مع امرأةٍ في خطيةٍ، فلما قام عليه القتالُ جداً، لم يصبر، فذهب إليهم وقال لهم: كفى، حتى متى؟ فبغتةً نظرهم تلاليسَ قمحٍ. فمِن أجلِ ذلك أكررُ لكم وأقول: إن لم تجسُّوا بأيديكم، فلا تبكتوا أحداً».

ذهب أخٌ إلى أنبا بيمين وقال له: «ماذا تأمرني أن أفعله؟»، قال له الشيخ: «كن صديقاً لمن يحكي عنك بالشرِّ، وهكذا تجيز أيامك بنياحٍ».

قال أنبا زوسيما: إني بينما كنتُ في الدير بمدينةِ صور، جاءنا رجلٌ شيخٌ فاضلٌ. وبينما كنا نقرأ فصولاً مما قاله الشيوخُ، لأن الطوباوي كان يحبُ قراءتها دائماً، ولذلك استثمر منها الفضيلةَ. فاتفق أننا وصلنا في قراءتِنا إلى خبرِ ذلك الشيخ الذي طرقه اللصوصُ وقالوا له: «جئنا لنأخذ جميعَ ما في قلايتك»، فقال لهم: «خذوا ما شئتم أيها الأولاد»، فلما أخذوا جميعَ ما وجدوه مضوْا بعد أن نسوا مخلاةً، فأخذها الشيخ وجرى وراءهم صارخاً قائلاً: «أيها البنون خذوا مني ما قد نسيتموه في القلاية». فتعجبوا من سذاجة الشيخ، وأعادوا إليه سائرَ ما أخذوه، وندموا قائلين بعضُهم لبعضٍ: «بالحقيقيةِ إن هذا الإنسانَ رجلُ اللهِ». ففي قراءتنا هذا الفصل، قال لي الشيخ: «هل علمتَ يا أبانا أن هذا الفصل قد نفعني منفعةً كبيرةً»؟ فقلتُ: «وكيف نفعك أيها الأب»؟ فقال لي: «لما كنتُ في نواحي الأردن قرأتُه وعجبتُ من الشيخ، وقلت في نفسي: يا ربُّ أهلني لأن أسلكَ في سبيلِه، يا من أهلتني لأن ألبسَ زيَّه. ولما كان هذا بشوقٍ مني، فقد حدث بعد يومين أن طرقَ بابي لصوصٌ، فلما قرعوا البابَ، وعلمت أنهم لصوصٌ، قلتُ في نفسي: المجدُ للربِّ والمنة منه. ها قد جاءني الوقتُ لأظهرَ ثمرةَ شوقي. ففتحتُ لهم واستقبلتُهم ببشاشةِ. وأوقدت السراجَ وبدأتُ أقولُ لهم: لا تُقلقوا ثقتي بالله، إني سوف لا أخفي عنكم شيئاً، فقالوا لي: ألك ذهبٌ؟ قلتُ نعم، لديَّ ثلاثة دنانير. وفتحت القفةَ قدامهم، فأخذوا وانصرفوا بسلامٍ».

أما أنا فقد تباحثتُ مع الشيخ وقلتُ له: «ألم يعودوا كأولئك الذين طرقوا ذلك الشيخ»؟ فقال بسرعةٍ: «لا يغفل اللهُ عن ذلك. لأني ولا هذا اشتهيتُ، أعني رجوعهم»، وقال: «ها شوق الشيخ. فماذا منحه وماذا أعطاه؟ إنه ليس فقط لم يحزن، ولكنه يفرح بالحري كمن استحق هذه الموهبة». وقال دفعاتٍ كثيرةٍ: «إننا في أمسِّ الحاجةِ إلى استيقاظٍ كثيرٍ، وعقلٍ غزيرٍ، نلقى به فنون الشيطان، لأنه يسببِ لنا الانزعاج من لا شيء، ودفعاتٍ بسبب حجةٍ واجبةٍ، كمن قد حَرَدَ بسببٍ واجبٍ في موضعهِ، فهذا الأمرُ غريبٌ جداً، وأجنبيٌ عن المشتاقين إلى سلوكِ طريقِ اللهِ، حسبما يقول القديس مقاريوس، إذ قال: الحَرَد غريبٌ عن طبقةِ الرهبان، كما أن حزنَ الأخِ أيضاً، غريبٌ عن طريقةِ الرهبانِ».

وقال: «إنني في وقتٍ ما، استحسنتُ مصحفاً (أي إنجيلاً) عند أحدِ النساخِ، الذي كان ماهراً (في النسخِ)، وبعد أن فرغ من نسخهِ، أرسل إليَّ يقول لي: ها قد فرغتُ من نسخهِ، متى تشاء أن أُرسله لتأخذَه؟ فلما سمع أحدُ الإخوةِ ذلك، مضى باسمي إلى الناسخِ، ودفع له دنانير عن نسخهِ وأخذه، ولم أكن أنا عارفاً بذلك، فأرسلتُ أخاً من إخوتي ومعه دنانير، وكتبتُ إلى الناسخِ ليسلِّمَه المصحفَ، فلما تحقق الناسخُ أنه قد لَعب به وخدعه، ذاك الذي سبق فأخذه، انزعج لذلك، وقال: ها أنا ماضٍ إليه لأوبخَه أولاً، لأنه غرَّر بي، وأخذ ما ليس له. فلما سمعتُ بذلك، أرسلتُ إليه أقولُ له: أنت تعلم يا أخي أننا نقتني المصاحفَ كي نتعلمَ منها المسكنةَ، والمحبةَ، والوداعةَ، فإذا كانت فاتحةُ اقتناءِ المصاحف بحردٍ وخصومةٍ، فلستُ أريد اقتناءَه، ولن أحاربَ أحداً، ولن أخاصمه بسبب ذلك، لأن الخصومةَ والمنازعةَ لا تليقُ بعبيد اللهِ، وها أنا قد طرحتُ عني أمرَ هذا المصحفِ، فلا تُقلق الأخَ بسببه بالكليةِ. ولما تذكرتُ حالَ الشيخ الذي كان الأخُ جارهُ يسرق ما يجده له، وأنه علم ذلك ولم يوبِّخه، بل صار يعمل أزيدَ من رسمِه الأول قائلاً: ربما يكون الأخُ محتاجاً، تعجبتُ من تحنن القديسين، وتذكرتُ الشيخ الذي سُرقت آنيته، ولما وجدها في قلايةِ الأخ، احتشم الشيخ، واختفى إلى أن خبأها الأخ وسترها. ولما ضُبط الأخُ من الوالي، مضى الشيخ ولاطفَ الوالي، حتى أخرجه من الحبسِ».

وقيل عن هذا الشيخ أيضاً، إنه مضى وقتاً ما إلى السوقِ ليبتاعَ له ثوباً، فدفع ثمنَه ديناراً واحداً، وأخذه ووضعه تحته، إلى أن يتمم عددَ الدراهم الباقية من ثمنِه، ثم بعد السدادِ يلبسه، فعبر به من أراد أخذ الثوبَ، وأحسَّ الشيخ بذلك، فتحنن على آخذِه، وتنحى في جلستهِ قليلاً عن الثوبِ الذي تحته، حتى أخذ الثوبَ ومضى، وما وبَّخه الشيخ على ذلك.

وقال الطوباوي: «كم كانت تضحيته بالأوعيةِ التي تضيع أو الثوب؟ ولكن مروءته كانت عظيمةً، لأنه أظهر بما فعله، أنها في حالِ كونها له، كانت كأنها ليست له، وكذلك لما أُخذت منه، بقي غيرَ مغمومٍ عليها، ولم ينزعج لضياعها، لذلك أقول: ليس امتلاكنا الشيءَ مؤذياً، ولكن ميلنا وانصبابنا إلى امتلاكه، هو المؤذي، فمثل هذا، لو كان له كلُّ العالمِ، لكان حالُه كحالِ من لم يمتلكه، لأنه أظهر بتصرفِه، أنه معتوقٌ من كلِّ الأشياءِ».

وقال: «إن الشياطينَ متى رأوا إنساناً غيرَ مائلٍ، ولا منصبٍ إلى الأمورِ، فلا يحزن لفقدِها، حينئذ يعلمون أن هذا الإنسانَ الذي صفتُه هكذا، يمشي على الأرضِ، وليس له هوىً أرضي، وذلك يرجع إلى الميولِ والحركاتِ الخاصة بالنياتِ والإرادات، لأنه يمكن لإرادةٍ وحركةٍ صادرةٍ عن نيةٍ واحدةٍ، إذا كانت شديدةَ الحرارةِ، أن تُقدِمَ لله في ساعةٍ واحدةٍ، ما لا تقدمه حركةُ نيةٍ أخرى في خمسين سنةً».

وقال الطوباوي أيضاً: إن إنساناً أخبره بأنه كان له معلمٌ وديعٌ جداً، وقال إنه لعظمِ فضيلتهِ، والآيات التي كان يعملها، اعتقدتْ فيه تلك الكورةِ إنه ملاكُ اللهِ، فدخل عدوُنا في وقتٍ ما في أحدِ الناسِ، وجاء إليه وشتمه شتيمةً كثيرةً، في غايةِ القبحِ، بمشهدٍ من الكلِّ، والشيخ ناظرٌ إلى فمِ شاتمه لا غير، وقال له: «إن نعمةَ اللهِ على فمِك يا أخي»، فأجابه ذاك: «يا أيها الشيخ الرديء، يا من كلُّ شيبتِه تقولُ هكذا، حتى متى تتصنع بذلك أمامَ الناسِ»؟ فقال له الشيخ: «بالحقيقةِ يا أخي، ما تقوله هو حقٌ». وبعد ذلك سأله سائلٌ: «الآن، أما انزعجتَ يا راهب»؟ فقال: «لا، بل كنتُ أحسُ في نفسي أن الله يسترها». وكان هذا الطوباوي يقول مراراً كثيرةً: «ما قد عرفنا نحن البشريين لا المحبةَ ولا الإكرامَ، بل قد ضيعنا عقولَنا، لأنه لو احتمل الإنسانُ أخاه قليلاً وقت حردِهِ وغضبهِ، ثم عاد بعد قليلٍ إلى نفسِه، وعرف كيف احتمله أخوه، فإنه يضع نفسَه من أجلِه».

وقال أيضاً: «إنه يجب على الإنسانِ أن يشكرَ هؤلاء، ويعتقد فيهم، إن كان ذا ألمٍ وانفعالٍ، كأطباءٍ يداوون جراح نفسِه؛ وإن كان عديمَ الانفعالِ والألمِ، إنهم محسنون يسببون له مُلك السماواتِ».

وسئل أيضاً: «كيف السبيل للإنسانِ كي لا يحرد وقت شتمِهِ وتعييره من بعضِ الناسِ»؟ فقال: «إن ازدرى الإنسانُ بنفسِه وحقَّرها فلن يقلقَ ولن يضطربَ، وذلك حسبما قال القديس بيمين: إن ازدريتَ بنفسِك وحقَّرتها، فقد أرحتَ نفسَك ونيحتها».

وقال أيضاً:في بعضِ الأوقاتِ جاءني أحدُ الإخوةِ الآخذين منه الإسكيمَ، وكنتُ ألاطفه، لأنه كان من الشبان المترفين، فقال لي: «يا معلم، إني أحبك»، فقلتُ له: «إني لم أجد بعدُ من يحبني كما أحبه، أنت قلتَ إنك تحبني، وصدقتُ قولَك، ولكنك إن عرضَ لك مني أمرٌ لا تريده، فإنك سوف لا تَثبت على ما أنت عليه الآنَ، أما أنا فلا يغيرني عن المحبةِ عارضٌ ما». وحَدَثَ، بعد أن عبرَ زمانٌ يسيرٌ، أن انفصل مني، وصار يسبُّني كثيراً، ويقول عليَّ أقوالاً قبيحةً، وكانت تبلغني، فكنتُ أقول لمن يخبرني هذا الكلام: «إنه إنما يقول بما رأى من شروري التي كانت ظاهرةً له، أما قبائحي الخفية فلا يُحصى عددُها».

وبعد زمانٍ، التقي بي في قيصرية، وسلَّم عليَّ كعادتِه، أما أنا فقبلته ببشاشةٍ، كأن لم يبدُ لي منه قبيحٌ، أما هو فسجد لي وقال: «يا معلم، من أجلِ الربِّ اغفر لي، فقد تقولتُ عليك بمثالب رديئةٍ كثيرةٍ»، فقلت له بطلاقةِ وجه: «هل تذكر محبتك عندما قلتَ لي إنني أحبك كثيراً؟ وقلتُ لك وقتئذ: إني ما وجدتُ من يحبني كما أحبه، وليتحقق قلبُك أنه ما خفي عني ما قلتَه، ولمن قلتَه، وفي أيِّ وقتٍ قلتَه، وإن أردتَ قلتُه لك، ولم تقل شيئاً إلا وسمعتُه، كما هو، كما قيل، ولم يقنعني أيُّ مقنعٍ أن أقولَ فيك قولاً رديئاً، ولم أترك ذِكركَ في صلواتي، ولكي تعلم صحةِ محبتي لك، فقد حدث لي في بعضِ الأوقاتِ، أن أوجعتني عيناي وجعاً شديداً، فصليتُ وأنا منكبٌّ على وجهي وقلتُ: يا ربي يسوع المسيح اشفني بصلواتِ الأخِ فلان، وفي الحالِ شُفيت»، هذا هو جميعُ ما قلتُه للأخِ.

وقال أيضاً: علامةُ طرحِ العالمِ هي عدم اضطراب الإنسان بشيءٍ من أمورهِ، وقد يوجد إنسانٌ يتهاون بمالٍ كثيرٍ، ولكن بسببِ إبرةٍ ولمحبته لها، ينزعج بما لا يزعجه ضياع جملة أموالٍ كثيرةٍ، وتقوم له تلك الإبرةُ مقامَ بدرة (أي وثن) فيتعبد لها بأكثرِ مما يتعبد للإسكيم الكبير، فمَن هذه صورته، ليس عبداً لله، وأنعم بما قاله أحدُ الفلاسفة: «إذا كان عددُ مواليك كعددِ أسقامِ نفسِك، فكفى بذلك شقاءً لها وبؤساً». وقد قال بطرس الرسول: «فما انقهر له الإنسان، فله يكون عبداً». وقال أيضاً: «إن النفسَ تريد الخلاص، لكن لمحبتها الأشياء الباطلة وانشغالها بها، تهرب من الأتعاب، أما الوصايا الحقيقية فإنها تحفظها متثاقلةً بخلاف السيئات التي هي رديئة وخبيثة».

وقال أيضاً: إنّ قائلاً قال لي: «يا معلم، إن الوصايا التي أُمرنا بها كثيرةٌ، وربما يظلم عقلي، فلا أدري أيها أحفظُ»؟ فقلتُ له: «لا يزعجك هذا، لكن اعلم أنك متى كان لك عدم تأسف على الأشياءِ، فقد سهل عليك إحكام الفضيلةِ، فلا تعتني بالأمورِ البشريةِ، لتُعتق من العالمِ».