Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


" أشعر بالمرض كمحبَّةِ المسيح "

˜يا مسيحي، محبَّتُك ليس لها حدود

أشكر الله الذي أعطاني أمراضاً كثيرةً. أقول له مراتٍ عديدة: «يا مسيحي، محبَّتُك ليس لها حدود!». كيف أحيا إنّها أعجوبة. إضافة إلى الأمراض المتفشِّية فيَّ، سرطان في الغدّة النُّخامية في الدماغ. من جرّائه تكوَّن ورمٌ صار يكبرُ ويضغط على عصب النظر. لِذا فقدْتُ بصري الآن. أتألّم تألُّماً شديداً. لكنَّني أصلّي حاملاً بصبرٍ صليبَ المسيح. أرأيتم كيف هو لساني؟ قد كبُر، لم يعُدْ كما كان. وهذا من جرّاء السرطان الموجود في رأسي. وكلَّما تقدَّمتُ في السنّ تسوءُ حالتي. سيكبَرُ لساني أكثر، سيصعُبُ عليَّ الكلام. أتألَّم كثيراً،أعاني ، لكنَّ مرضي جميلٌ جدّاً. أشعر به كمحبَّةِ المسيح. أتخشَّعُ وأشكرُ الله. هذا المرض لخطاياي. إنَّني خاطئٌ والله يحاولُ جَعلي نقيّاً.

* كان الأب البار يعاني من الأمراض التالية :

1- سداد في عضلة القلب،2- قصور مزمن في الكلي،3- قرحة المعي الإثني عشر (مع نزيف متقطّع)،4- إجراء عملية المياه الزرقاء في العين (مع فقدان البصر)، 5- zoster herpes (القوباء المنطقِيّة) في الوجه،6- إلتهاب جلدي (عنقودي) في يده،7- فتق (فتاق)،8- إلتهاب شعبي مزمن،9- ورم خبيث في الغدّة النُّخامية في الدماغ *.

عندما كنت في السادسة عشرة من عمري، كنت أرجو الله أن يُنزِلَ بي مرضاً مستعصياً، سرطاناً، كي أتألَّم لمحبَّته وأمجِّده من خلال الألم. لوقتٍ طويلٍ كنت أقومُ بهذه الصَّلاة. لكنَّ أبي الروحي قال لي إنَّ طلبي أنانيٌّ وبه أجْبِرُ الله. يعرف الله ماذا سيفعل. عندها لم أعُدْ أُكمل صلاتي. لكن، انظروا، إنّ الله لم ينسَ طلبي وأعطاني هذه النعمةَ بعد عدّة سنوات!.

لا أرجو الله الآن، أن يأخذ منّي ما طلبته منه.

أفرح لأنَّني أحملُ المرضَ، لأصيرَ أنا أيضاً–من محبَّتي العظيمةِ له– شريكاً بإلآمه. تأديبُ الله معي.

«إنّ الذي يحبُّه الربُّ يؤدِّبه». (عبرانيين6: 12).

إنَّ مرضي لَتقديرٌ مميّزٌ لي من الله، يدعوني به أن أدخُلَ في سرِّ محبَّته، وأن أحاولَ بنعمته الخاصّة أن أتجاوب (مع محبَّته). لكنَّني لستُ مستحقّا ً. ستقولون لي: «كلّ ما يكشفُهُ الله لك لا يجعلُكَ مستحقّاً؟». هذه تُدينُني وهي من نعمة الله. لا شيءَ منّي. أعطاني الله نِعَماً كثيرةً، لكنَّني لم أتجاوبَ معها. ظهرتُ غيرَ مستحقٍ. لكنَّني ولو للحظةٍ لم أترك المحاولة. وربَّما أعطاني الله مساعدتَه ُلأستسلمَ لمحبَّتِه.

لِذا لا أصلّي ليجعلني الله بخير. بل ليجعلني صالحاً. أنا على يقينٍ بأنَّ الله يُدرك أوجاعي. ولكنَّني أصلّي لنفسي لِيغفِرَ لي آثامي. لا أتناول أدويةً، وما ذهبتُ لجراحةٍ، ولا لفحوصاتٍ ولن أقْبَلَ بعمليّة جراحيّة. سأترك التدبيرَ لله. وما أقومُ به هو محاولتي فقط أن أصيرَ صالحاً، هذا أُطلبوه أنتم لي كذلك. نعمةُ الله تُمسكني. أحاول أن أُعطي ذاتي للمسيح، أن أقترب من المسيح، أن أتَّحِدَ بالمسيح. أتشوَّقُ لهذا، لكنَّني ما نجحتُ به بعد –لا أقول هذا تواضعاً– لكنَّني ما خسِرت شجاعتي. أصبر. أصلّي لِيغفِرَ الله خطاياي. قد سمعتُ من كثيرين قولَهُم: «لا أستطيعُ أن أصلّي».

أمّا أنا فلم أُعانِ من ذلك. مرّةً واحدةً فقط «لِعدم طاعتي» حلَّ بي هذا في الجبل المقدَّس.

لا يُشغِلُني كم سأعيش وإذا كنت سأعيش، هذا قد تركتُهُ لمحبَّةِ الله. يحصُلُ مع بعضهم مرّاتٍ كثيرة، أن لا يريد أن يتذكَّر الموت، وهذا لأنَّه يرغب الحياة. هذه وجهةُ نظر وعلامة خلود النفس (عدمُ موتِها). لكن، «إن حُييْنا، فللربِّ نحيا، وإن مُتْنا فللربِّ نموت». (رومية14: 8). الموت جسرٌ سوف يأخذنا إلى المسيح. وفي الّلحظة التي تُغمضُ عيونُنا ستُفتَح في الأبديّة. وسنحضُرُ أمامَ المسيح. سنعيشُ في الحياة الأخرى نعمةُ الله بشدّة أكبر.

4 كنتُ أشعرُ بفرحٍ عظيم بالفكرة أنَّني سوف ألتقي مع الرب

قد وصلتُ مرّةً من المرّات إلى الموت.*هذا الحدث حصل سنة 1983*. قد عانيتُ من نزيفٍ معويٍ شديدٍ من الكورتيزون الذي وضعوه لي في المستشفى عندما أجريْتُ عمليَّةً في العين التي خسِرتُها في النهاية. يومَها كنتُ أسكنُ قلاّيةً صغيرةً، لم يكن الدَّير قد شُيِّد بعد. ومن جرّاء إنحلالٍ قويٍ حلَّ بي صرتُ لا أميِّز بين الليل والنهار. وصلتُ إلى الموت ولكنَّني –عشتُ. ضَعُفتُ كثيراً. انقطعت شهيَّةُ الأكلِ منِّي. لمدَّةِ ثلاثة أشهر كنت أحيا بثلاث ملاعق من الحليبِ في اليوم. نجَوْتُ من عنزةٍ!!.

كنت أعيش مع فكرة الرحيل. كنت أشعر بفرحٍ عظيم بالفكرة، أنَّني سوف ألاقي الربَّ. كان في أعماقي إحساسٌ بحضور الله. حينها أراد الله أن يقوِّيني ويعزِّيني ببركة كبيرة. كلّما كنت أشعر بأنَّني ألفُظُ أنفاسي، كنت أرى نجمةً في السماء تَبْرُقُ، كانت ترمي حولَها إشعاعاتٍ حُلوةٍ لذيذةٍ. كانت رائعةَ الّلمعان، كانت نجمةً جميلةً جدّا ً! كان لنورِها سحرٌ بديعٌ لا يوصف. كانت بلونٍ أزرق سماويّ فاتح، كانت كالماس، كحجرٍ غالي الثمن. كانت تملأُني تعزيةً وفرحاً كلّما كنت أراها، لأنَّني كنت أشعر في داخلها بأنَّها الكنيسة كلّها، الله الثالوث، الكلِّيةُ القداسة، الملائكة، القدّيسون. كان عندي إحساسٌ بأنَّ أقربائي كانوا هناك، نفوس أعزّائي كلّهم، آبائي الأجلاّء. كنت أصدِّق أنَّني عندما كنت سأرحلُ من هذه الحياة إلى تلك النجمة، كنت سأذهب أنا إليها من محبَّة الله، وليس من فضائلي. كنت أريد أن أصدِّق أنَّ الله، الذي يحبُّني، يُظهرها لي، ليقولَ لي: «أنتظرك!».

كنت لا أريد أن أفكِّر بجهنَّم، وبالأرواح الشرّيرة. كنت لا أتذكَّر خطاياي في الوقت الذي كان عندي الكثير منها. تركتُها. كنت أتذكَّر فقط محبَّةَ الله وكنت أفرح. وكنت أرجو: «أن أكونَ أنا هناك، «في تلك النجمة»، لِمحبَّتِك، يا إلهي!. لكن إن كان بسبب خطاياي، يجب أن أذهب إلى الجحيم. فَلتضعني محبَّتُك أينما تريد. يكفي أن أكون معك!».

السنوات الطويلة التي عشتها في الصحراء كانت محبّةً عظيمةً للمسيح. كنت أقول لذاتي: «إن ذهبتَ إلى فوق إلى السماء وسألكَ الله: ”يا صاحبي، كيف دخلتَ إلى هنا وأنت لا تلبِسُ ثوب العرس؟ (متى12: 22). ماذا تريد أنت هنا؟“، سأجيبُهُ: «كما تريد يا سيّدي، كما تريد محبَّتُك، لِتضعْني محبَّتُك أينما تَرغَب. أسلِّم ذاتي إلى محبَّتِك. إن شئتَ وضعي في جهنَّم، فضعني، يكفيني أن لا أخسَرَ محبَّتَكَ!».

كان لي إحساس بالخطيئة، لِذا كنت أقول ضمناً ودون انقطاع صلاةَ القدِّيس سمعان اللاهوتي الحديث: «إنّني أعلمُ أيّها المخلّص أنْ لا أحَدَ غيري أخطأ إليك كما خطئتُ أنا. ولا فعلَ ما فعلتُ أنا. ولكنَّني أعلم يا إلهي علمَ اليقين، أن لا عِظَمَ الزلاّت ولا كثرة الخطايا، تفوق طولَ أناتِكَ الكثيرة ومحبَّتكَ القُصوى للبشر». (الإفشين الثامن لسمعان المترجم في صلاة المطالبسي). كلماتُ الصلاة هذه ليست من أقوالنا. نحن لا نستطيع أن نفكِّرَ ولا أن نعبِّرَ بأقوال كهذه التي كتبَها قدّيسون. وهذه الكلمات التي كتبَها القدّيسون، علينا أن نتبنّاها، أن نشعرَ بها وأن نعيشَها. ويُعجِبُني ما يلي هذه الطلبة.

«ليس خافياً عنك، يا إلهي، يا صانعي و منقذي، لا قطرةٌ من الدموعِ، ولا جزءٌ من القطرة. وقد عرَفت عيناك عدم عملي. وفي كتابك مُدوَّنٌ ما لم أفعلْه بعد أيضاً. فانظر إلى تواضعي، وتعبي ما أكثر مقدارَهُ!! واغفر خطايايَ جميعَها يا إله الكلّ.....»

هذه الصلاة كنت أردِّدُها دائماً وبغبطةٍ، لأرحَلَ بأفكارها. وبمقدار ما كنت أردِّدُها، بمقدار ما كانت تظهَرُ النَجمَةُ معزِّيتي، هناك بعيداً فوق في الّلانهاية. كانت تطِلُّ عليَّ تلك النجمة طوال الأيام التي كنت أتألَّمُ بها وعند إطلالتِها، كانت تطيرُ نفسي فرحاً وكنت أردِّد في أعماقي: «أتت نجمتي!!». كنت أشعر بأنَّها تجذُبني إليها مرتحِلاً عن الأرض. كنت أحسُّ بفرحٍ عظيمٍ عندما كنت أراها. كنت لا أريد أن أفكِّر بخطاياي، كما سبقَ وقلت لكم، لأنَّ خطاياي كانت ستُخرِجني من هذا السرّ. مرّةً واحدةً فقط، فقط مرّةً واحدةً، شعرت بالنجمةِ فارغةً،لا لمعانَ فيها ولا فيها أحد.فهمت أنَّ هذا كان من الشرّير. تجاهلت هذا، دُرتُ إلى مكانٍ آخر، وتكلَّمتُ مع أختي عن أعمالٍ، وبعد قليلٍ أبصرتُ النجمةَ مرّةً أخرى تتلألأُ ببهاءٍ. عاودني الفرحُ من جديد بحيويّةٍ أكثر.

كانت الأوجاعُ رهيبةً في كلّ جسمي طَوالَ هذا الوقت. كان يراني الآخرون أنَّني ألفظُ أنفاسي الأخيرة.أمّا أنا فكنت قد سلَّمتُ ذاتي إلى محبَّة الله. ما كنت أصلِّي ليحرِّرني الله من هذه الأوجاع. شوقي كان أن يرحمني فقط. كنت قد اتَّكأْتُ عليه، انتظرت أن تفعلَ نعمتُهُ فِعلتَها. كنت لا أخاف الموت. كنت سأذهب إلى المسيح. كما قلتُ لكم، كنت أتلو دوماً صلاةَ القدّيس سمعان الّلاهوتي الحديث، ولكن دون مصلحةٍ ذاتيّة حتى ولا لِيُعطِيَني صحَّتي. هذه الصَّلاة، كنت أشعر بها كلمةً كلمة.

5 السرّ في المرض هو أن تجاهد لِتَكْسَبَ نعمة الله

إفادةً كبيرةً نجني من الأمراض، يكفي أن نصبُرَ عليها دون تذمُّرٍ وأن نمجِّد الله، طالبين رحمته. الموضوع، حين نمرَض لا يعني أن لا نأخُذَ الأدوية أو أن نذهبَ لِنصلِّي إلى القدِّيس نكتاريوس، بل علينا أن نعرِفَ السرّ الآخر وهو أن نجاهد لِنكْسَبَ نعمة الله. هذا هو السرّ. المسائل الأخرى ستعلِّمنا إيّاها النعمة، يعني كيف يجب أن نُسلِّم أنفسَنا للمسيح. أي أن نزدري بالمرض، أن لا نفكِّرَ به، بل نفكِّر ببساطةٍ، بغير انفعال وبغير مصلحة، والله بدورِهِ يعمل أعجوبته لفائدةِ نفوسِنا. كما نقول في طلبة الليتورجية (القدّاس الإلهي) «لِنودع أنفسنا وكلّ حياتنا للمسيح الإله».

لكن يجب علينا الإزدراء بالمرض. وإن لم نرد، صار من الصَّعبِ أن نقول «إنَّني أزدري به». وفي الّلحظة التي نعتقدُ فيها أنَّنا نزدري به، وأنَّنا لا نعطيه الأهمِّية، نكون في الواقع قد أعطينا المرض شأناً وهو دائماً موجودٌ في عقلنا ولا نستطيع عندها الحصول على حالةِ هدوءٍ سلاميَّة في أعماقنا. وسوف أبيِّنُ لكم هذا. نقول: «أؤمن بأنَّ الله سيشفيني. لا أتناولُ أدويةً. سأفعل هكذا، سأبقى طوالَ الليلِ ساهراً راجياً منه الشفاء ممَّا أعاني، سيسمعني الله». نصلِّي كلَّ الليل، نرجو، نتضرَّع، نطلبُ، نصرخُ، نغصب الله وكلّ القدِّيسين أن يجعلونا بصحَّة جيِّدة. نغصبهم نهاراً وليلاً. نركض من هنا ومن هناك. إيه، ألا نشير بتصرفاتنا هذه أنَّنا لم نزدرِ بالمرض؟؟ بقدر ما نصِرُّ ونغصب الله والقدِّيسين على أن نصيرَ معافين، بقدر ما نعيش المرض. وبقدر ما نهتمّ بطرده، بقدر ما نعيشهُ أيضاً. لهذا، لا نتعافى. وعندنا الإنطباع أنَّه ستحصَل أعجوبة دون شكّ. –ولكن في الحقيقة لا نثق بذلك، وبهذه الطريقة لا نتعافى.

نصلِّي كثيراً، لا نأخذ الأدوية. وبهذا لا نهدأ والأعجوبة لا تحصَلْ. لكن ستقول:«لم آخذ الدواء، كيف لا أؤمن؟» وفي أعماقنا شكٌ وخوف ونفكِّر: تُرى ستحِلّ هذه الأعجوبة؟؟ وهنا يصلُحُ القول: «إن كان لكم ايمانٌ ولا تشكّون، فإنَّكم تعملون لا مثل ما عَمِلْتُ بالتينة وحسب، بل إن كنتم تقولون لهذا الجبل: انقلع وانطرح في البحر، يكونُ ذلك». (متى21: 21) عندما يكونُ الإيمانُ حقيقياً، سيحصَلُ ما سيحصل إن أخذتَ الدواء أو لم تأخذهُ. والله يفعل بالأطبّاء وبالأدوية. تقول حكمة سيراخ: «أدِّ للطبيبِ كرامته لأجل خدماته فإنَّ الربَّ خلقه هو أيضاً. الربُّ أخرجَ الأدوية من الأرض والرجل الفطن لا يستخفُّ بها. ثمَّ راجع الطبيب فإنَّ الربَّ خلقه هو أيضاً ولا يفارقك فإنَّك تحتاج إليه».(حكمة سيراخ 38: 1، 4 ، 12 )

السرّ كلُّهُ هو الإيمان؛ أن يكون عفويّا ً، بسيطاً، مطواعاً وصافياً. «ببساطة وصفاء القلب». (حكمة سليمان 1: 1). موضوع الإيمان لا يُفرض فرضاً. من الممكن أن يكونَ هذا الفرضُ عند مسكين (مشعوذ) ووقعُ هذه الكلمة ليس مستحبَّا ً. لِيكن عندنا إيمانٌ أنَّ محبَّةَ الله لنا تفوق كلَّ محبَّة، وإنَّه يريد أن نصيرَ خاصَّته. لِذا يسمح بالأمراض، حتّى نسلِّم ذواتِنا بثقةٍ إليه.

لِنحبَّ المسيحَ، وكلّ ما في حياتنا سيتبدَّل. لا تكونُ محبَّتُنا للمسيح كي نأخُذَ مقابلاً، مثلاً، الصحَّة. لكن، أن نحبَّهُ بلهفةٍ، من عرفان جميلهِ، دون أن نفكِّر بشيء إلاّ بالمحبَّة الإلهيَّة. ولا أن نصلِّي لِمنفعة ولا أن نقولَ لله: «إجعل فلاناً بصحَّةٍ جيِّدةٍ لِيأتي إليك». إقتراحُنا له طرقاً، ليس صحيحاً. كيف نقول لله: «إجعلني بخير؟» كيف نقولُ له، وهو الذي يعرفُ كلَّ شيء، بِمَ سنُعْلِمُهُ؟ نحن سنصلِّي، لكنَّ الله يستطيع أن لا يرغَبَ الإستماع إلينا.

سألني مريضٌ منذ زمن طويل:

- متى سأصبِحُ بصحَّةٍ جيِّدة؟

- آه، قلت له. إن تقلْ «متى سأصبِحُ بصحَّةٍ جيِّدة؟»، بهذا لن تصبِحَ أبداً. ليس صحيحاً أن ترجو الله طلباتٍ كهذه. ترجو الله بقلقٍ أن يأخذَ منك المرض، عندها يغمُرُكَ المرضُ ويضيِّقُ عليكَ أكثر بكثير. يجب ألاّ نرجو الله لهذا. ولا أن تقيمَ لهذا صلاةً.

خاف وقال:

- أن لا أقيمَ صلاة!؟

- واعتباه! قلت له. نعم، أن تصلِّي كثيراً، ولكن لِيغفِرَ الله خطاياك وأن يُعطِيَكَ القوة لِتحِبَّهُ ولِتُسلِّم ذاتكَ له. لأن بقدر ما ترجو أن يرحَلَ المرضُ عنكَ، بقدر ما يلتصقُ بك، يغمرُكَ، يضيِّق عليك، لا يَزيحُ ولا ينفصل عنك. إذا شعرتَ حقيقةً بصعوبة داخليَّة وضعفٍ، عندها أُرْجُ الربَّ بتواضعٍ أن يطرحَ عنك المرض.

6 لِنسلِّم أنفسنا بثقةٍ لِمحبَّة الله

عندما نسلِّمُ أنفسنا للمسيح، تسلمُ بُنْيَتُنا الروحيَّة، وهذا السلام يُنتِجُ عملاً طبيعيّا ً لكافَّةِ أعضاء الجسم وغِدده. يتأثَّرُ الكلّ. نصيرُ بصحَّةٍ جيِّدة، ونتوقَّف عن المعاناة. والسرطان إذا حصل وتركناه لله وهدأت نفْسُنا، فبهذا الهدوء، تستطيع النعمة الإلهيَّة أن تُرحِّلَ هذا السرطان وتذهب بسائر الأمراض.

وإن أردتُم أن تعلموا، فقرحةُ المعدة تتكوَّن من التعصيب. يُضغَطُ على الجهاز العصبي، يُضيَّق عليه ويعاني وهكذا تتكوَّن القَرحة. مرَّة، مرَّتين، ثلاث، تضييق، تضييق، تضييق، زعل، زعل، زعل، قلق، قلق، قلق «Pop» وتأتي القرحةُ : قرحةٌ أو سرطانٌ، حسْبَ الحالة. عندما يوجدُ في نفسنا تعقيدات، تؤثِّر هذه التعقيدات على الجسم فيعتلُّ، وتسوءُ الصحَّة.

الكمال هو أن لا نصلِّي من أجل صحَّتِنا. ولا أن نطلب لِنصيرَ بخير، بل لِنُصبِحَ صالحين. وأنا لذاتي أدعو هذا، أقولُ لكم. أسمعتم؟ لا أن تكونوا صالحين، يعني أصحاب فضائل، «أن نصيرَ هذا، وهذا، وهذا.....» بل أن نربَحَ الغيرة الإلهيَّة. أن نسلِّم أنفسنا بثقةٍ لمحبَّته. أن نصلِّي أكثر بكثير لِنفسنا. ونفسُنا نعني بها نفساً متَّحدةً بالكنيسة –التي رأسُها المسيح– مع كلّ من يعيشُ معنا ومع جميع الإخوة بالمسيح.

أمَّا أنا فأفتح يديّ وأصلِّي للكلّ. وأمام الكأس المقدَّسة، عندما أتناولُ، أفتحُ نفسي لإستقبالِ الربِّ، حانياً رأسي، داعياً طالباً إليكم، وللآخر، وللكنيسة كلِّها. هكذا إفعلوا أنتم. أفهمتم؟ لا أن تُصلّوا من أجل صحَّتكم. لا أن تقولوا: «يا رب، إجعلني بخير». لا!! بل، قولوا: «يا ربّ يسوع المسيح، إرحمني»، إطلبوا هذا بدون مصلحة، بمحبَّة، غيرَ منتظرين شيئاً.

«يا ربّ، كما تريد محبَّتك.....». هكذا ستعملون فقط من الآن فصاعداً، محبِّين للمسيح ولإخوتنا. أحبّوا المسيح. صيروا قدِّيسين. إرموا ذواتكم فقط بالصداقة مع المسيح، فقط في محبَّته، فقط في العشق الإلهي.

تُرى ألا يحصُلُ لي أن لا أُذَلَّ للمرض ولا للسرطان، وأنا الذي أحُسُّ بهذا الحماس الإلهي الشغوف، وبهذه العبادة، ولو أشعُرُ باهتراءِ جسمي؟ يجب ألاّ أتكلَّم، غيرَ أنَّ محبَّتي لكم ولكلّ العالم لا تُجيزُ لي الصمت. وأنا أتحدَّثُ إليكم، تبقى رئتايَ دون أوكسجين، وهذا سيءٌ للغاية، لأنَّ القلبَ يصاب بهكذا حالةٍ. أُصبتُ بشيء أسوأ من هذا بكثير من جرّاء جلطة دمويّة لكنَّني أحيا. أليس هذا هو التدخّل الإلهي؟ نعم، وأنا مطيعٌ في المرض لإرادة الله. أصبُرُ دون تذمّر و.....مع ترتّي على ذاتي، لأن «لا أحد خالٍ من النجس». (أيّوب 14: 4). أنا مقرفٌ وروحي تعاني من المرض.

قلت للنّاسكِ الذي أتَّصل به:

- صلِّ لأجلي. أنا أحبُّك! وأنت أحبِبني واشفق عليَّ، ولله صلِّ من أجلي ليرحمني.

- إيه، أنت صلِّ، قال لي.

- أنا، قلت له، أبدأ الآن بالتّراجع بكلّ ما كنت أفعله طوال هذه السنين. ماذا تقول الطروبارية؟

«إنّ العقلَ قد تجرّح والجسمَ قد ضني

والروحَ قد اعتلّ والنطقَ قد ضعف

والعمر قد أُميت والنجاز على الأبواب

فماذا تصنعين أيتها النفسُ الشقيّةُ إذا ما

جاء القاضي لِيستفحص أمورَك؟».

(القانون الكبير للقدِّيس اندراوس الكريتي، الطروبارية الأولى الأودية التاسعة).

تصلُحُ لي هذه الطروبارية، بهذا أرى ذاتي. أفكِّر بأنَّني لو ما فعلت هذا وذاك، لما كنت توجَّعْتُ الآن، وكنت أكثرَ قرباً للمسيح. أقول هذا لي أنا الطّائش. ....

إن أردتم أن يكون لكم صحَّةٌ و أن تعيشوا سنين كثيرة، إسمعوا ماذا تقول حكمة سليمان:

«بَدءُ الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدّوس فهمٌ. لأنَّه بي تكثر أيّامك، وتزداد لك سنو حياة». (أمثال 9: 10،11).

هذا هو السرّ، لِنكسِب هذه الحكمة،هذه المعرفة، وعندها سيعمل الكلّ بخير، وسيتنسَّق ويتناغم الكلّ، وسنعيش بفرحٍ وصحَّة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع