Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يتابع هذا الأحد الإفاضة حول موضوع الندامة والتوبة الذي قد تطرقنا إليه أثناء أحد الفرّيسي والعشّار. لكن الرسالة (1 كو 12:6- 20) تأتي بجملة معترضة تفتح موضوعاً خاصاً: موضوع النسك الجسدي. لكوننا سندخل بعد ثمانية أيام في فترة الصوم، تسمعنا الكنيسة منذ الآن تنبيهاً من بولس الرسول متعلقاً بهذا النسك. قال الرسول، بادئ ذي بدء، للكورنثيين، أن جميع الأشياء المباحة ليست مفيدة. فعلينا أن لا ندع شيئاً ما يتسلّط علينا، حتى ما هو مشروع. الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة. ولكن لا الجوف ولا الأطعمة بذي أهمية للحياة الروحية، لأن الله سيبيد الأطعمة ويبيد الجوف.

وإذ وسّع الرسول موضوعه تحدث آنذاك عن النجاسة. إذا كانت الأطعمة للجوف، فليس جسدنا للفسق. جسدنا للرب، والرب لجسدنا. نجد هنا حجة يتميّز بها بولس، ألا وهي حكمة في كل شيء (بلغة المسيح). فكان بالإمكان أن يتوقع المرء أن يدين الرسول النجاسة على الصعيد الأخلاقي، صعيد الناموس والرذائل والفضائل. لكن بولس يرى الأشياء من زاوية أخرى: (أما تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية ؟ حاشا). ولسنا فقط أعضاء المسيح، بل هيكل الروح القدس: (أما تعلمون أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس ؟) (4). إذاً، (اهربوا من الزنى...). وليس الامتناع عن الطعام طريقة الصوم الوحيدة وليس أفضل طرقه أيضاً. فالرب يتطلب منا بصورة إلزامية الطهارة في الزواج والعزوبة، بحسب وضع كل واحد، طهارة تشمل القلب والفكر والجسد.

ولنأت الآن إلى فكرة هذا الأحد الرئيسية. فهي معروضة في الإنجيل الذي نتلوه أثناء الخدمة الإلهية: مَثَل الابن الشاطر. بين الأمثال الإنجيلية، ربما كان مَثَل الابن الشاطر (لوقا11:15- 31) معروفاً ومألوفاً أكثر من سواه. وهو بالتأكيد أحد الأمثلة الأكثر تأثيراً. عَلَماَ يريد السيّد التركيز في هذا المثل ؟ أعلى تغيير روح الشاب الذي ترك أباه، وبدّد ماله في حياة خلاعة، وعانى الجوع، واشتهى الخرنوب الذي كانت تأكله الخنازير، وقرر أن يسافر ويرجع إلى أبيه؟ أجل، إن كلام الشاب: (سأقوم وأمضي إلى أبي وأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماء وإليك. ولست أهلاً بعد أن أدعى لك ابناً)، أجل، هذا الكلام يبقى تعبيراً عميقاً مؤثراً عن الندامة.

فقرار الابن الشاطر: (سأقوم وأمضي إلى أبي)، يوضح أهمية فعل (المضي)، فعل الإرادة (لا يمكن المضي إلى الأب إن لم يقم المرء أولاً ويسافر). ومع هذا، ليس الشاب النادم الوجه الأكثر جاذبية في المَثَل.

فليست ندامته نتيجة تحوّل الضمير تحوّلاً منزهاً تماماً عن الغرض. ليست هذه الندامة غريبة عن كل حساب شخصي: رغب الابن الشاطر في الإفلات من البؤس، فاختار المخرج الوحيد المفتوح أمامه. فالشخص المركزي في المثل هو بالأحرى شخص الأب. هنا، نحن أمام حنان منزّه عن الغرض إطلاقاً ومجاني، حنان ينتظر ويسهر ويرتقب رجوع الابن المبذّر، وإذ يراه على بعد، لا يطيق بعد احتمالاً، فيسرع إلى ابنه، ويلقي بنفسه على عنقه ويقبّله طويلاً. (نعلم كم قد يشين موقف كهذا في الشرق كرامة شيخ). وها هو الأب، بدون توجيه أي لوم إلى المبذّر، يأمر بأن يُجعل في إصبعه خاتم (علامة الوارث) وفي رجليه نعلان (علامة الرجل الحر، المتميّز عن العبد)، وبأن يذبح العجل المسمّن وينعم به. وجعل عبيده يأتون (بأفخر حلّة)، ويلبسونها الابن: فلنلاحظ أن الأمر لا يتعلق بأفخر الحلل التي كان الابن الشاطر يملكها قبل سفره، بل بأفخر حلّة يمكن أن يحولها البيت. فالله لا يكتفي فقط بجعل الخاطئ النادم يتنعم بالنعمة التي كان يمتلكها قبل الخطيئة، بل ينعم عليه بأكبر نعمة يستطيع نيلها، بحد أقصى من النعمة.

إن قصة الابن الشاطر هي قصتنا الخاصة. فالسفر الاختياري والحياة الخاطئة والبؤس والندامة والرجوع والغفران: كل هذا قد عشناه – وكم من مرة !

لنكن منتبهين إلى الدور الذي لعبه شخص ثالث: الأخ الأكبر للابن الشاطر. ففي المثل ظهر الابن الأكبر حسوداً. فغضب من الغفران الممنوح بسخاء. وأبى، بالرغم من توسلات والده، أن يشترك في الاحتفالات. وهذا عكس ما يجري في الرجوع الحقيقي للخاطئ.

فالأخ الأكبر ذلك الابن الذي يقول له الآب: (يا بني، أنت معي دائماً أبداً وكل ما هو لي فهو لك)، الرب يسوع، يحث كل ابن شاطر على الرجوع ويأخذ الخاطئ من يده ويقوده إلى الآب بمودة مضطرمة.

إن صلوات هذا الأحد المسائية والسَحَرية تحوي مقاطع تفسّر لنا ببلاغة تعاليم المَثَل. فإليكم بعضاً منها:

(إذ بدّدت غنى المنحة الأبوية أنا الشقي، رعيت مع البهائم العادمة النطق، وكنت أشتهي غذاءها، فأتضور جوعاً إذ لم أكن لأشبع، لذلك أعود راجعاً إلى الآب المتحنن هاتفاً بعبرات: اقبلني كأحد أجرائك وأنا أجثو لمحبتك للبشر... أيها المخلّص الجزيل التحنن، ترأف عليّ ونقني أنا المتدنس وأعد إليّ حلّة ملكوتك الأولى).

(سبيلنا يا إخوة أن نعرف قوة هذا السر، لأن الابن الشاطر لما فرّ من الخطية مبادراً إلى المأوى الأبوي، استقبله الأب الكلي الصلاح، وقبّله، مانحاً إياه علامات مجده).

 


(4) نحن هيكل الروح القدس. نحن أيضاً أعضاء جسد المسيح. فما هو الرابط القائم بين هاتين الحقيقتين السرّيتين ؟ الروح القدس فينا، ونحن في المسيح. ولأن الروح القدس (الذي هو روح المسيح كما هو روح الآب) يسكن فينا، فهذا الروح يدمجنا بشخص المسيح.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع