Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لا أقصد من كتابتي هذا الموضوع أن أثير جواً من الكراهية والبغضاء بين أبناء كنيستين شقيقتين ترتبطان بأوثق الروابط وأمتنها، وتسيران جنباً إلى جنب مع بقية الكنائس الأرثوذكسية الأُخرى لنشر كلمة الله في العالم. ليس من ينكر على الكنيسة اليونانية فضلها الصميم في التعليم المسيحي على توالي الأزمان وفي المحافظة على العقيدة سالمة من دون عيبولها في ذلك مواقف جليلة تذكر، وفي مساهمتها بتوطيد أركان الكنيسة الجامعة على أسس تتحدى الزمان، إن من ينكر ذلك يكون مارقاً من الدين غريباً عن الأرثوذكسية، إذ يتعمد إخفاء نور الحقيقةالساطعة المنبعث من بطون التاريخ والاحقاب الغابرة، لا بل يخالف الحقائق التاريخية الثابتة.

وليس المجال هنا أن نتبسط بذكر فضل الكنيسة اليونانية، ولا أن نذكر أبطالها المجاهدين الذين مهروا تاريخها بالدم المراق دفاعاً عن الحقيقة المسيحية.

ولكن مما نأخذه على بعض رجال الدين اليوناني في العصور المتأخرة تعصبهم العنصري الذميم، وإيثارهم المصلحة اليونانية على الكنيسة، وهذا ما لا ينحصر فيهم دون غيرهم من أبناء الكنائس الأُخرى، وهذا العصبية العنصرية قد سببت وتسبب اليوم أكبر معضلة في الكنيسة المسيحية قاطبة، لا بل هي مشكلة الساعة في الكنيسة عامة.

أما في الكنيسة الأرثوذكسية، فإن القضية تكاد تكون محلولة تقريباً لوجود كنائس وطنية مستقلة تتساوى جميعها بالصلاحية أو العمل، وليس لكنيسة ما تسلط على كنيسة أُخرى، وليس لها حق التدخل بشؤونها الإدارية، مادامت كل كنيسة تُحافظ على المعتقد القويم والتعليم الصحيح. وهذا ما يفسر لنا وجود الكنائس العديدة: كاليونانية والرسوية، والبلغارية، والرومانية واليوغوسلافية والأنطاكية وغيرها. وأما ما يجمع بين هذه الكنائس فرابطة العقيدة الصحيحة والتعليم الأرثوذكسي القويم.

وتعدد لغات هذه الكنائس لم يكن يوماً ما عامل تفريق بينها، وبشارة الإنجيل يُكرز بها بأية لغة شئت، مادامت هذه اللغة تؤدي المعنى الصحيح لكلمة البشارة. وإن كان للغة بعض الفضل فيرجع ذلك لاعتبارات تاريخية فقط.

وفي حالة انحراف أية كنيسة عن جادة الصواب فعلى الكنائس الأُخرى أن تتدخل فوراً للنظر في هذا الانحراف. وكلمة الفصل تقول الكنيسة مجتمعة. هذه الصلاحية لا تنحصر بكنيسة ما دون أُخرى، وأوضح دليل يؤيد صحة هذا القول المجامع المسكونية التي كانت تبت بكل قضية تطرأ في الكنيسة. فالكنيسة مجتمعة حكمت على آريوس ومن ثم نسطوريوس، ولم تنفرد كنيسة ما بمفردها بهذه الأحكام. وليس لنا من دليل في التاريخ الكنسي الطويل والتقليد الكنسي ماينفي هذه الحقيقة الساطعة.

ولا يمكن للباحث المدقق أن يتغاضى عما قامت به كنيسة القسطنطينية مع أخواتها الكنائس الشرقية الأُخرى، عندما قامت تحكم على بدع جديدة نشأت في الغرب، حين أراد رئيس أساقفة روما أن يفرض سلطته على بقية الكنائس، لغايات عرقية وعنصرية، فوقفت كالصخرة الراسخة أمام موجة العرقية الرومانية وردتها على أعقابها من حيث أتت.

إنه لا مجال لتشبيه أزمة البطريركة الأرثوذكسية الأنطاكية بتلك الأزمة التي هزّت أركان الكنيسة هزة عنيفة، كان من نتيجتها أن انصدعت وحدتها؛ وانشقت على بعضها هذا الانشقاق الذي يشكل اليوم معضلة الكنيسة الكبرى. إلا أن هذا لا يمنع وجود شبه من بعض الوجوه بين الأزمتين، ولا سيما من أن ينحصر بالتمييز العرقي الذي ظهر جلياً في حوادث الأزمة، وذلك عند تدخل رجالات الكنيسة اليونانية وكل من يمت بصلة في شتى الأمصار في حوادث الأزمة، فقاموا يشددون أزر أبناء جنسهم لدعم مركزهم المتداعي الذي سقط أخيراً، وكان سقوطه عظيماً أمام العاصفة الوطنية التي هبت عليها.

هذه ظاهرة غريبة تلوح لنا من خلال حوادث الأزمة لم تعهدها الكنسة الأرثوذكسية من قبل، فادعاء أكليروس ما من جنسية معينة احتكار السلطة المطلقة في كنيسة أُخرى هو خروج على تقاليد الكنيسة الأرثوذكسية، ولم تكن هذه الظاهرة الشاذة إلا تحدياً عنيفاً من قبل رجال الدين اليونان للوطنيين. وكان من الطبيعي أن يُقابل هذا التحدي برد أعنف من قبل الوطنيين اطلع به وقضي عليه قضاءً مبرماً، وكانت انتصار القضية الوطنية انتصاراً مبيناً.

لم تكن محاولتي لتبيان عناصر هذه القضية وأسباب نشوئها وتسلسل حوادثها المحاولة الأولى، فلقد سبقني الكثيرون إلى ذلك. ولكني لم أعثر أثناء تحري المصادر والأوراق على بحث واحد يتناول القضية من كل وجوهها ومن ألفها إلى يائها، بل هناك أبحاث كل منها تعنى بناحية خاصة وبفترة معينة. وإن قامت بعض المحاولات لعرض القضية بمجملها، فإن هذه المحاولات لم تكن موفقة لأنها تأتي (لماما) على ذكر الحوادث وتمر هنا مر الكرام دون أن تعمق في درس أسبابها ومسبباتها، فتعطينا صورة ناقصة ومشوهة لا تشبع نهم الباحث المدقق ولا ترضي طموحه العلمي.

ومع يقيني بأني لم أفِ الموضوع حقه تمام الإيفاء، فأملي أن تكون محاولتي هذه قد سجلت بعض التقدم، عما سبقها من محاولات، في تعليل الأمور وربط الحوادث، وتفسيرها تفسيراً ينطبق على المنطق العلمي والبحث التاريخي المنظم.

المتروبوليت الياس قربان
مطران طرابلس والكورة وتوابعها

تحميل الكتاب: الأزمة البطريركية الأنطاكية الأرثوذكسية 1891-1899

 

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع