Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


توطئة

ننشر في ما يلي ,,دروساً،، تلقاها رهبان دير الحرف في العام 1962 من فم الأب أندره سكريما، باللغة الفرنسية، بمناسبة إقبال أحدهم حينذاك على تقبل سر الكهنوت، وهي دروس لاهوتية كثيفة، لا تغفل في الوقت نفسه عن الوجه الروحاني التأملي والحياتي في سر الكهنوت. لا شك ان صاحبها لن يعطيها اليوم على الصورة التي أعطاها عليها منذ ثماني عشرة سنة، وهو بالفعل يعتبرها ناقصة من نواح كثيرة. ولكن هذا لا ينقص من قيمتها ولا من آنيتها، بل من يقرأ هذا الكتيب بفهم وتمعن لا بد أن يحس إحساساً صارخاً بحاجة كهنتنا القصوى إلى العيش في مضمار مفهوم هذه الدروس وحرارة الالتزام التي تستوجبه، بل بحاجة كنيستنا كلها، بإكليروسها ومؤسساتها ومؤمنيها، إلى تغير الكثير من "نمطها" الناجم عن عادات "المجتمع" ورواسب التاريخ، والذي هو "من هذا العالم"، وتحويله إلى نمط "كهنوتي"، نمط سيدها الذي إنما جاء "ليخدم ويبذل نفسه عن كثيرين".. لأنه إذا كان هذا العالم في الحقيقة بحاجة إلى حب وحسب، فليس من غلبة وقيامة وليس من حياة "أبدية" بالنتيجة إلا عبر كهنوت المصلوب ومن على الصليب، حيث، على منوال المسيح وبنعمة المسيح الذي هو الكاهن الوحيد والأعظم، يبذل المسيحي حياته كل يوم حباً بالآخرين، بل يبذل حياة المسيح التي فيه، فيشرق على الكون وجود جديد وفرح جديد وملكوت جديد: هو ملكوت الله المحبة والثالوث، الملكوت الذي جاء به إلينا المسيح.

وبالتالي فإن الصفحات التالية ليست فقط للكهنة أو طلاب الكهنوت وطلاب اللاهوت، بل لجميع المؤمنين ما داموا منتمين بالمعمودية "للكهنوت الملوكي" وحاملي ختم المسيح ليشهدوا لمحبة الآب للناس.

مقدمة

الكهنوت وجه من وجوه سرّ الله الذي نحيا به ونتحرك ونوجد. وسنحاول في ما يلي أن نتأمل ونفهم ما هو الكهنوت والليتورجيا اللاصقة به، تلك المعطيات والحقائق العميقة في الكنيسة، بل قلب الكنيسة دون أية مبالغة. سنتناول هذا الموضوع من زاويتين: أولاً من زاوية الدراسة والفهم الموضوعي، بمثابة بحث نظري على ضوء اللاهوت والكتاب المقدس لنتبين ما هو الكهنوت وما هي الوظيفة الليتورجية. ثانياً من الداخل بمثابة حقائق ووقائع لكي ندعها تملأنا ونفهم على ضوئها سر حياتنا الروحية. أي إننا سنبحث الموضوع من زاوية علم اللاهوت ومن زاوية الروحانية.

أقسام البحث

  • القسم الأول: التأصل في الله

    • سر الذبيحة                    (المسيح الكاهن الأوحد)
    • دعوة وإرسال                 (الخدمة الرسولية)
    • روح وحياة                    (سر الكهنوت والحياة الداخلية)
  • القسم الثاني: خدمة الكنيسة

    • شفاعة ووساطة
    • اقتبال كل الناس            } (الأبوة الروحية)
    • محبة المصلوب
  • القسم الثالث: بذل الذات

    • الصلاة والتجدد الروحي
    • التفاني                        } (قرباناً حياً)
    • عبيد بطالون

سنبدأ بحثنا حيث ترسخ أصول الكهنوت: في عمق سر الإله الحي، حيث سر الله نفسه كما أعلنه المسيح وجسّده (القسم الأول). ولكن الله منذ الدهور قد أراد هذا السر لأجل الخدمة: إنه أولاً سر خدمة، وخدمة لأجل الجميع. فالمسيحي هو ذلك الكاهن الجديد الذي يتخطى الحدود والفوارق بين الناس، إذ في المسيح وفي كنيسة المسيح كل شيء يجمع. وبالتالي فالكاهن الذي يمارس خدمته في الكنيسة إنما يمارسها في وضع تقبل عام وشامل للجميع وللكل دون استثناء (القسم الثاني). أما بذل الذات (القسم الثالث) فيشمل حياة الكاهن الداخلية: فالكاهن كائن حي يتصل بالمسيح ويحيا حياة شخصية تنير كل حياته. ولكنه يعيش السر الذي يخدمه في الحق والمحبة كعبد بطّال: وهذه هي الحقيقة الأخيرة التي تعيدنا كما في حلقة إلى ما بدأنا به: أن لا نعمل شيئا من أنفسنا، ولأجل أنفسنا، بل أن نكون منفتحين ومبذولين وشفافين كلياً لكيما يعمل فينا آخر هو الله. فإنه عظيم وكبير لدرجة أننا كلا شيء البتة إزاءه. إذن نحن نبتدئ فنتأصل فيه في الأساس ثم نعود وندرك ونبلغ التأصل الذي بدأنا به.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع