Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


كانت تشير كلمة (الأرثوذكسية)، عندما تأسس هذا العيد عام 842، إلى هزيمة محاربة الأيقونات والجهر بشرعية إكرامها (15). وتوسّع معنى الكلمة فيما بعد، فعني بـ (أرثوذكسية) مجموعة العقائد المقبولة في الكنائس التي تقيم الشركة مع القسطنطينية. وكان يقرأ في هذا الأحد في الكنائس، مستند رسمي، اسمه (السينوذيكون) الذي كان يحرّم كل الهراطقة بأسمائهم. ويتراءى أن المسيحيين البيزنطيين، في بدء الصوم، اعتبروا واجباً وحاجة أن يجاهر المرء بعقيدته. ويوجد في أيامنا، على الأرجح اهتمام أكبر مما كان عليه الأمر آنذاك، بالتكلم بمحبة عن الذين يضلّون واستنباط ما هو جانب الصواب وما هو جانب الضلال في تفكيرهم. لكنه كان من الحسن المفيد أن تؤكد الكنيسة (الأرثوذكسية) بدون مراوغة موقفها الذاتي. ولا يمكن أن تعني الاهتمامات المسكونية التي تشاطرها اليوم الأرثوذكسية وكنائس أخرى، تخلياً عن عقائدها الأساسية أو إنقاصاً لها. ومن جهة أخرى فإنه يلزم تشذيب حقل الأرثوذكسية من الأعشاب الداخلية وعدم انتهاك حرمة النعت (أرثوذكسي) بتطبيقه على ما يمكن أن يكون خرافة أو فضول كلامي.

إن النصوص المتلوة أو المرنمة في صلاتَيْ مساء وسَحَر هذا الأحد تلح على حقيقة التجسد. وفي الحقيقة، يؤلف مجيء المسيح في الجسد أساس إكرام الأيقونات. فالمسيح المتجسّد هو الصورة الجوهرية، المثال الأصلي لجميع الصُوَرْ. وتُعرب بعض جمل التريودي جيداً عن المعنى العميق لإكرام الأيقونات:

(حقاً أن كنيسة المسيح قد اتخذت زينة فائقة الإكرام بالأيقونات الشريفة المقدسة المختصة بالمسيح المخلّص وبوالدة الإله وجميع القديسين، المرفوعة اليوم بالحبور والبهجة، وبها تبتهج مشرقة بالنعمة... إذ نحفظ صورة من نعبده (أي المسيح) ونوقره لا نضل. فليتسربل الخزي والعار الذين لا يؤمنون هكذا لأن سجودنا بحسن عبادة – بغير تأليه لأيقونة المتجسد – هو مجد لنا).

كان القديسون الممجدون صُوَراً حيّة لله وإن كانت غير كاملة. لقد كانوا صُوَراً مضعفة للصورة الإلهية الحقيقية، التي هي المسيح. وأثناء قداس هذا الأحد، نسمع الكاتب الملهم (16) في ما يتلى من الرسالة إلى العبرانيين (24:11- 26، 32- 40) يصف آلام موسى وداود وآباء إسرائيل وشهدائه والذين (لم يكن العالم مستحقاً لهم)، الذين جُلدوا ونُشروا وقُتلوا بحد السيف، لكن إيمانهم غلب، مع ذلك، العالم. هؤلاء كانوا صُوَراً مرسومة، لا على الخشب بل في الجسد. وكانوا يرمزون إلى الأيقونة النهائية، شخص المخلّص، وينبئون بها.

إن إنجيل هذا اليوم لا علاقة مباشرة له بالأيقونات أو الأرثوذكسية. ففي التلاوة الإنجيلية (يوحنا 43:1- 51) نرى الرسول فيلبس يقود إلى يسوع نثنائيل الذي سيصير، هو أيضاً، تلميذاً. قال يسوع لنثنائيل: (قبل أن يدعوك فيلبس، حين كنت تحت التينة، رأيتك). وإذ قد هزّ هذا الإعلان نثنائيل، صرّح: (رابي، أنت ابن الله). فأجاب يسوع أن نثنائيل سيرى (أعظم من هذا)، أعظم من هذه الرؤية عن مسافة: (سترون السماء منفتحة، وملائكة الله صاعدين نازلين فوق ابن الإنسان).

تفتح هذه الكلمات حقلاً واسعاً لتأملنا. فلا نعرف ماذا كان يفعل نثنائيل أو بماذا كان يفكر عندما كان تحت التينة. أكانت ساعة تجربة، أو حيرة أو نعمة ؟ أو راحة فقط ؟ لكن يبدو أن الرب ما كان قد نوّه إلى هذا الحادث العرضي لو لم يكن لحظة حاسمة، نقطة انعطاف في حياة نثنائيل. ولقد وجدت في حياة كل منا، اللحظة أو اللحظات التي كنّا فيها (تحت التينة)، لحظات عصيبة، كان يرانا فيها يسوع، دون أن يكون هو نفسه مرئياً، ويتدخل أقبلنا هذا التدخل أو رفضناه ؟ فلنتذكر هذه اللحظات... لنعبد هذه التدخلات الإلهية. لكن لا نتوقف عندها. لا نقر أنفسنا على رؤية ماضية. (سترى أعظم من هذا). لنبق مستعدين للنعمة الجديدة، للرؤية الجديدة، لأن حياة التلميذ، إن كانت أصيلة، ترتقي من ضياء إلى ضياء. نستطيع أن نرى (السموات مفتوحة والملائكة صاعدين) نحو المخلّص أو نازلين فوقنا. إنها إشارة ثمينة إلى هذه الدالة على الملائكة، التي يجب أن تكون مألوفة لدينا. إن عالم الملائكة ليس أقل قرباً منّا ولا أقل محبة لنا من عالم البشر.

 


(15) نذكِّر هنا ببعض المفاهيم الأساسية المتعلقة بالأيقونات. ليست الأيقونة بادئ ذي بدء رسماً مشابهاً. فالأيقونة التقليدية لا تنقل، لا تمثل. إنها توحي، تعبّر. فما هو جوهري في الأيقونة، ليس تعابير وجه بل مواقف، حركات، إيقاعاً، ألواناً. ويملك كل من هذه العناصر معنى رمزياً ويعبّر عن حقيقة روحية غير منظورة. بهذا المعنى يكون فن رسم الأيقونات فناً مجرداً. وهذا الفن المقنن قديماً في جبل آثوس يتطلب الرضوخ لقواعد دقيقة، وحياة نسك وصلاة من قبل الرسّام. لا (تُعبد) الأيقونات كما تعبد الأقانيم الثلاثة الإلهيون، إنها تكرّم وتجل. ولها قيمة تعليمية، بمعنى أنها تعرض على تأملنا أمثلة، نماذج، يمكن لعملنا أن يستلهمها. ولكن للأيقونة ما هو أكثر من قيمة تربوية. فمذ تُبَارَك الأيقونة تصبح شيئاً مقدساً، ملتقى الله والإنسان،لأن كل أيقونة شعاع من نور الله الوحيد غير القابل للانقسام، سواء كان موضوعها شخص المسيح أم والدة الإله، أم ملاكاً، أم قديساً، أم قديسة، أم حادثة من حوادث الكتاب المقدس، إنها مظهر خاص للحضرة الإلهية. والله هو النهاية القصوى التي ترجع إليها كل أيقونة، بصورة غير مباشرة أحياناً. وأخيراً لا يجب أن يبالغ في دور الأيقونة في التقوى المسيحية. فالبعض تساعده الأيقونات، والبعض الآخر لا يشعر بانجذاب نحوها. ولم تلزم الكنيسة المؤمنين أبداً بأن يقتنوا لديهم أيقونات أو بأن يصلّوا بالضرورة أمامها. لكن المؤمن الأرثوذكسي الذي ينكر شرعية الإكرام العلني أو الخاص المؤدى للأيقونات يسقط في بدعة محاربي الأيقونات.

(16) من المسلّم به بصورة عامة أن رسالة الرسول بولس إلى العبرانيين ليست من تأليف القديس بولس الرسول نفسه، بل من تأليف أحد المحيطين به، الذي ألِف أفكار بولس الرئيسية.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع