Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ينتهي الصوم، بمعناه الحصري، يوم الجمعة الذي يلي الأحد الخامس من الصوم، إذ تنتهي فترة الأربعين يوماً. وتمتد فترة الآلام من نهاية الصوم هذه حتى عيد القيامة، يوم السبت العظيم، وهكذا تشمل السبت الذي يلي الأحد الخامس من الصوم المدعو بـ (سبت لعازر) والأيام الستة الأولى من الأسبوع العظيم المقدس.

يحتل سبت لعازر مكانة خاصة جداً في السنة الليتورجية. إنه يقع خارج أيام الصوم الأربعيني، وكذلك خارج أيام الأسبوع العظيم الأليمة، والتي تمتد من يوم الاثنين وحتى الجمعة. يشكل هذا السبت مع أحد الشعانين الذي يليه مقدمة فرحة لأيام الآلام. ويجمعه أيضاً الموقع الجغرافي بأحد الشعانين، إذ أن بيت عنيا هو، في آن، مكان قيامة لعازر ونقطة انطلاق يسوع في صعوده إلى أورشليم (21). نقيم في هذا السبت ذكرى حدث قيامة لعازر، هذا الحدث المليء بالمعاني، كما سنرى. إنه مرتبط بصورة سرّية بقيامة المسيح نفسه، ويلعب، بالنسبة لها، دور النبوءة المحققة. ويمكننا القول بأن لعازر يظهر لنا على عتبة أعياد الفصح كسابق ليسوع المسيح الغالب الموت، كما هو شأن يوحنا المعمدان، عشية عيد الظهور، بحيث ظهر كسابق للمسيح المزمع أن يظهر في المعمودية. وعلاوة على المدلول الأساسي لقيامة لعازر فإن مظاهر ثانوية يمكن التوقف عندها لتكون موضوعاً مفيداً للتأمل.

لا تمتّ الرسالة التي تتلى في القداس الإلهي (عبر28:12- 8:13) بصلة إلى قيامة لعازر، لكن يمكن اعتبار إحدى آياتها: (اذكروا الأسرى كأنكم مأسورون معهم والمجهودين بما أنكم أنتم أيضاً في الجسد) تنطبق على رأفة يسوع بالنسبة إلى لعازر. وتشمل الرسالة وصايا أخلاقية مختلفة: الاستمرار على المحبة الأخوية، استضافة الغرباء، عدم تدنيس الزواج، طاعة الرؤساء. على من يعتبر أن هذه التوصيات المناقبية تبقى على أهميتها، على شيء من السذاجة والبساطة، أن يقرأ بانتباه الآيات الثلاث (التي تشكل إطارها العام، الأولى في بداية النص والثانية في وسطه والثالثة في آخره: (إلهنا نار آكلة)، (لأنه قال: لا أخذلك ولا أهملك)، (إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد)، لأن أسمى الحقائق الروحية لا تنفصل عن المقتضيات العملية البسيطة التي تنبثق عنها بالضرورة.

يسرد الإنجيل (يو1:11- 45) حادث قيامة لعازر (22). وتعطينا أناشيد السَحَر تفسر الكنيسة لهذه القيامة هكذا: (سبقت يا مخلّصي فحققت قيامتك المجيدة لما أعتقت من الجحيم لعازر...). هذا هو المعنى الرئيسي لقيامة لعازر: إنها حسب قول النشيد (تحقيق) مسبق لقيامة المسيح، وامتحان أولي لقدرة المسيح على الموت. (أيها المسيح إنك أنهضت من الجحيم لعازر... وقبل موتك زعزعت اقتدار الموت...). ثم تربط الكنيسة بين غلبة المسيح هذه على الموت ودخوله الاحتفالي إلى أورشليم الذي سنحييه غداً: (أيها الموت إن المسيح قد سباك الآن بواسطة لعازر، فأين غلبتك يا جحيم ؟ ها بكاء بيت عنيا عاد وبالاً عليك. ونحن جميعنا نقدم للمسيح أغصان الغلبة والظفر). وأيضاً: (لأجل ذلك ونحن كالأطفال نحمل علامات الغلبة والظفر صارخين إليك يا غالب الموت: أوصنا في الأعالي، مبارك الآتي باسم الرب !).

تعلن أيضاً قيامة لعازر قيامة الموتى التي هي نتيجة لقيامة يسوع: (أيها المسيح لما أقمت لعازر من بين الأموات حققت القيامة العامة)، (لقد أقمته يا مانح الحياة مؤكداً بذلك قيامة العالم...)، (بواسطة صديقك سبقت فأخبرت بعتق البشر من الفساد). سبت لعازر هو بمعنى ما عيد لكل الأموات، إذ يعطينا المجال لنؤكد ونوضح إيماننا بالقيامة. وينبهنا السيد بكلامه الموجّه إلى مرتا إلى تعليم مهمّ جداً متعلق بالأموات: قال يسوع لمرتا: (سيقوم أخوك، فقالت له مرتا أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. فقال لها يسوع: أنا هو القيامة). إن إيمان مرتا كان خاطئاً في ناحيتين: كانت تتكلم عن قيامة تتم في المستقبل فقط، ولم تدرك هذه القيامة إلاّ بالنسبة إلى نوع من القانون العام. لكن يسوع يؤكد أن القيامة هي حدث حاضر منذ الآن لأنه هو القيامة والحياة. يعيش الراقدون بالمسيح وفيه. وترتبط حياتهم بحضور يسوع الشخصي وتظهر فيه. وإذا أردنا الاتصال روحياً بأحد أحبائنا الراقدين، فلا نسعَينَّ إلى أن نحييه في مخيلتنا، بل علينا أن نتصل مباشرة بيسوع، وهنالك ففي يسوع نجده.

إن قيامة لعازر تكوِّن أيضاً تصويراً رائعاً للعقيدة بشخص المسيح، إذ تبيّن كيف تتّحد في شخص يسوع الطبيعتان الإلهية والإنسانية بدون اندماج: (أيها المسيح... حضرت إلى قبر لعازر محققاً لنا طبيعتك...). وهكذا نجد الإنسان في يسوع يتأثر ويبكي لموت صديقه: (وبكى يسوع. فقال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه !). ولكنه من جهة أخرى نرى الله في يسوع يأمر الموت بسلطان: (وصرخ بصوت عظيم: يا لعازر هلُمَّ خارجاً فخرج الميت...). ويقول النشيد: (أيها المخلص، بتخطرك وتدميعك وتلكمك أظهرت فعل ناسوتك، وبإنهاضك لعازر أظهرت فعل لاهوتك). (*)

أخيراً تحث قيامة لعازر الخاطئ على الرجاء بأنه، حتى ولو مات روحياً، سيحيا من جديد: (أتوسّل إليك، أيها المحب البشر، أن تنهضني أنا الميت بالأهواء...). هذه القيامة الروحية كثيراً ما تبدو لنا كقيامة لعازر مستحيلة: (... يا سيّدي قد أنتن لأن له أربعة أيام...). لكن كل شيء ممكن بالنسبة ليسوع: إعادة الخاطئ القاسي القلب، كما إقامة الموتى: (فقال يسوع: ارفعوا الحجر...).

هذا ما نتعلّمه إذا ما ذهبنا في هذا السبت إلى بيت عنيا، لنزور قبر لعازر. إننا لا نريد رؤية لعازر، بل نريد ملاقاة يسوع وأن نبدأ هذا الأسبوع العظيم برفقته. إنه يدعونا وينتظرنا. دعت مرتا أختها سراً قائلة: (المعلّم قد حضر وهو يدعوك). أمّا مريم (فلما سمعت قامت سريعاً وجاءت إليه). المعلّم يدعوني. يريد ألاّ أفارقه في أيام آلامه. يريد أن يعلن ذاته في تلك الأيام إليّ – وقد (أكون أنتنت) – بطريقة جديدة وسامية. هاأنذا يا معلّم !.

 


(21) في القرن الرابع كانت احتفالات الأسبوع العظيم في القدس تبدأ يوم السبت عشية أحد الشعانين، بخدمة طقسية تقام في الكنيسة المسمّاة لازاريوم في بيت عنيا.

(22) لا نعرف عن لعازر أكثر مما نجده في الإنجيل، أي أنه كان أخ مرثا ومريم من بيت عنيا، وكان صديقاً ليسوع الذي أقامه من الموت. ولقد كثرت فيما بعد الخرافات المتعلقة بلعازر، منها أنه وُضع وأخواته من قبل اليهود في مركب بدون أشرعة ولا مقذاف ولا دفّة، لكنهم وصلوا بصورة عجائبية إلى جنوبي فرنسا حيث بشر لعازر كل المنطقة وأصبح أول أسقف على مدينة مرسيليا. ويمكن أن تكون هذه الخرافة قد انطلقت نتيجة كون أحد أساقفة مدينة إيكس الذي رسم في مرسيليا في القرن الخامس أمضى بعض الوقت في فلسطين وكان يحمل اسم لعازر.

(*) لا يجوز إخراج الكلام عن سياقه والقصد منه. فالكاتب هنا يوضح أن السيد المسيح له المجد أظهر ناسوته ولاهوته في هذا الحدث، البكاء كإنسان وإقامة لعازر كإله. ولم يتصرف كشخصين بل أظهر حقيقة الطبيعتين في شخصه الواحد. والمسيح، له المجد، ليس إنسان تجلى فيه الله. بل هو الله المتجسد... الشبكة

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع