Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يدخلنا يوم الخميس العظيم في السر الفصحي (38)، إذ يحيي ويحضر أمامنا القسم الأول من هذا السر والذي جرى في العلّية.

نقرأ في صلاة السحر، بعد المزامير والطروبارية، الإنجيل (لو1:22- 39) الذي يسرد الأحداث التي حصلت ابتداء من حديث يهوذا مع اليهود إلى الوقت الذي ترك فيه يسوع العلّية ليذهب إلى جبل الزيتون. ثم يلي ذلك ترتيل القانون. نعود في الساعة الأولى إلى قراءة سفر ارميا (18:11- 15:12)، حيث نسمع: (أنا خروف بريء من الشر مسوق إلى الذبح... رعاة كثيرون أفسدوا كرمي ودنّسوا نصيبي... فأرحمهم وأسكنهم كلاً في مورثه وكلاً في أرضه).

ثم تقام خدمة الغروب حيث نتابع قراءة سفر الخروج (10:19- 19): يهبط الله على جبل سيناء وسط النار والدخان، لكنه لا يعطي وصاياه بعد. وكان موسى قد أوصى الشعب: (كونوا مستعدين لليوم الثالث). وكان أفراد الشعب قد غسلوا ثيابهم وتطهروا. كل هذه الأمور هي بمثابة صور عن قيامة المسيح في اليوم الثالث، وعن ظهوره للبشر بعد الفصح، وعن الطهارة التي علينا أن نتحلى بها. في اقترابنا من السر الفصحي، نتابع أيضاً قراءة سفر أيوب (1:38- 23، 1:42- 5). يكلم الله أيوب ويسأله بعض الأسئلة، قائلاً: (إني أسألك فأخبرني). ثم يتكلم أيوب بدوره ويقول لله العبارة نفسها: (فأتكلم أسألك فأخبرني). هذا هو نموذج الحوار العجيب الذي يجب أن يتم بين الله والإنسان. لقد وصل أيوب إلى نهاية مصاعبه وبقي أميناً. فيقول للرب ما تصبو كل نفس لقوله (وما يقوله العديد من النفوس المحبة المصلّية): (كنت قد سمعتك سمع الأذن، أمّا الآن فعيني قد رأتك). نقرأ أخيراً بعض الآيات من بداية سفر أشعياء النبي (4:1- 11)، حيث يوبّخ الله إسرائيل، لأنه (أمة خاطئة، شعب ثقيل الإثم). ويعلن أنه ملّ من الذبائح المقدّمة له: (أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمّنات وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أُسرّ). وها أن ذبيحة أفضل ستقدم له الآن.

نقرأ في القداس مقطعاً من الرسالة الأولى إلى الكورنثيين (23:11- 32) حيث يتكلم بولس الرسول عن تأسيس سر الشكر: (... إن الرب يسوع، في الليلة التي أُسلم فيها، أخذ خبزاً وشكر...). أمّا التلاوة الإنجيلية فهي مجموعة نصوص طويلة (متى2:26- 20، يو 3:13- 17، متى21:26- 39، لو43:22- 44، متى40:26- 2:27)، تتحدث عن مجمع الكهنة، دهن رأس يسوع بالطيب في بيت عنيا، تهيئة الفصح، الغسل، تأسيس الإفخارستيا، الصعود إلى جثسماني، قبلة يهوذا، توقيف يسوع واستجوابه عند رئيس الكهنة، نكران بطرس، وأخيراً تسليم يسوع إلى الوالي الروماني. وتبتدأ البركة الختامية هكذا: (يا من بصلاحك علّمتنا التواضع بغسلك أرجل تلاميذك...). وفي بعض الكاتدرائيات يحيي الأسقف، بعد القداس، خدمة غسل الأرجل، حيث يقوم هو بدور المسيح واثنا عشر كاهناً بدور الرسل.

إن خدمة أناجيل الآلام الاثني عشر التي يعتبرها الشعب من خصائص الخميس العظيم، هي بالفعل تتعلّق بيوم الجمعة العظيم، لذلك سنتحدث عنها فيما بعد.

توجز إحدى قطع صلاة السحر المسماة بـ (البيت) OIKOS بدقة معنى طقوس الخميس العظيم. تقول الترنيمة: (لنتقدم جميعنا بخوف إلى المائدة السرّية، ونقتبل الخبز المقدس بنفوس طاهرة، ولنمكث مع السيّد، لكي نعاين كيف يغسل أقدام التلاميذ وينشّفها بالمنديل، فنقتدي به. ولنخضع بعضنا لبعض، ونغسل بعضنا أقدام بعض، لأن المسيح نفسه هكذا أمر تلاميذه وصار قدوة لهم. إلاّ أن يهوذا، ذاك العبد الغاش الدافع، أبى أن يسمع وأمسى عادم التقويم). يبرز هذا النص ثلاثة أوجه للخميس العظيم: الغسل، مائدة الرب، وخيانة يهوذا. فلنتأمل بكل من هذه الأوجه على حدة.

لكن قبل أن نرى ما يحدث في العلّية، فلنلتفت إلى العلّية نفسها. أرسل يسوع تلاميذه ليقولوا لصاحب البيت: (عندك أصنع الفصح (متى18:26) ... فأين هو المكان الذي يمكنني أن آكل فيه الفصح مع تلاميذي ؟ (مر14:14)). إن هذه الجملة موجّهة إلى كل منّا. يرغب يسوع، في كل عيد فصح، أن يأتي بصورة خاصة إلينا و (يصنع الفصح) روحياً في أنفسنا. وخارج زمن الفصح، وفي كل مرة يوزّع الرب يسوع علينا، من مائدته الخاصة، الخبز الذي هو شركة جسده، والخمر الذي هو شركة دمه، فإنه يقيم الفصح في علّيتنا الداخلية، في نفس الوقت الذي يتم فيه السر الخارجي. ولكن هذا ليس بكل شيء. فعلاوة على عيد الفصح وعلاوة على سر الشكر، بإمكاننا أن نقيم كل يوم في علّية أنفسنا فصحاً غير منظور وفي الصمت. يمكننا أن نتقبل كلما شئنا، الرب يسوع بالإيمان والمحبة، وأن نجعل منه، بالروح، غذاءنا. ويقول لنا يسوع عن هذه المائدة الداخلية الروحية: (اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم...) (لو15:22). لكن أين هي العلّية التي سنستقبله فيها ؟ أكل شيء فيها جاهز؟ لا توجد في نفسي غرفة مؤهلة بنظافتها وزينتها لزيارة كهذه (39). على كلٍ لن يكفي أن أهيئ زاوية في نفسي متجاهلاً الفوضى التي تعم الأجزاء الباقية في داخلي. إذ لا بد من أن أغسل نفسي كلها وأن أقوم بتنظيفها. ليس لدي القوة الذاتية للقيام بهذا العمل، لذا، تعال يا سيّد وهيّئ أنت لنفسك فيَّ علّية. لا تمرّ بي مرور الكرام بل ابق واسكن في نفسي باستمرار، لا بل تملكها. ها هي المفاتيح التي تفتح كل الأبواب. وهاأنذا الآن ضيف عليك.

وإذا أردت يا رب أن تأتي إليّ مع تلاميذك، فهذا يعني أنه يجب أن أستقبلك في داخلي بشكل (جماعي). لا يمكنني أن أفصلك عن أعضاء جسدك السرّي. لذا عندما أستقبلك، أستقبل أيضاً بالروح كل جماعة تلاميذك، كل الكنيسة. على نفسي أن تنفتح بعطف وتتحد بصلاة واحدة مع كل الذين يؤمنون بك، وكل الذين يحبونك، وكل الذين يتضرعون إليك. فلأصبح إذاً واحداً معهم جميعاً، الذين يعيشون فيك والذين ماتوا فيك، مع والدتك القديسة ورسلك وشهدائك وجميع قديسيك، في الأمس واليوم وغداً. أدخل إليّ، يا رب، مع تلاميذك.

تقترب مني، يا رب، لتغسل رجليّ، دون أن تسمح لي بالاحتجاج على تواضعك الفائق الذي يجعلك تركع أمامي وتغسلني. تقول لي: (إن كنتُ لا أغسلك فليس لك معي نصيب) (يو8:13). بقوله هذا يشير إلى أمرين. أولاً أنه يجب علينا أن ندعه يطهرنا من خطايانا، من غبار الطريق ومن اللطخات الكبيرة: (يا سيّد ليس رجليّ فقط بل أيضاً يديّ ورأسي) (يو9:13) كما قال بطرس. ثم إن اشتراكنا بالمسيح هو اشتراك بتواضعه وتنازله، اشتراك بالإله الإنسان الذي يغسل أقدام البشر. سيكون لي نصيب مع مسيح الغسل إذا تركته يغسل رجليّ وإذا غسلت أنا أقدام الآخرين كما فعل هو: (فإن كنت وأنا السيّد والمعلّم قد غسلت أرجلكم، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض) (يو14:13). ماذا يعني أن نغسل أرجل البشر؟ هذا يعني أنه يجب، قبل صب الماء على أرجلهم، أن نتخذ الموقف الجسدي الوحيد الذي يسمح لنا بذلك، في اتضاع تام، أي يجب أن نكون على مستواهم وأن نركع أمامهم. باختصار يجب أن نتضع. نجد في هذا الموقف إشارة ذات أهمية فائقة بالنسبة لحياتنا الروحية: يمكننا أن نذهب نحو الله، أمّا بالصعود وأمّا بالنزول، الارتفاع نحوه أو الاتضاع. في بعض الأحيان نفقد، إذا جاز التعبير، أجنحتنا، وتمتد الصحراء إلينا، ولا يسعنا أن نرتفع إلى الله. في هذه الأوقات حيث لا نستطيع أن نجد الله أعلى منّا، وحيث لم نعد نجده ربما حتى فينا، يمكننا أن نجده إذا نزلنا إلى ما هو أسفل منّا. يمكننا أن نهتم بضيق أو خطيئة يبدوان في الظاهر (أَفْظَعْ) من خطايانا وضيقاتنا، (أقول بالظاهر لأنه إذا ميّزنا بوضوح نعرف أن خطايانا هي (أفظع) ما يكون)، أو أن نهتم بآفة جسدية لم نتعرّض لها. في مساعدتنا هؤلاء نجد الله في حركة نزولنا هذه. غسل أرجل الناس يعني أن نعزّي كل حزين، ونساعد كل متألم. ولكنه يعني أيضاً السعي لجعل الخاطئ يبتعد عن خطيئته. إن تطبيق عملية (غسل الأقدام) على الخاطئ يتطلب جهداً خاصاً وأسلوباً دقيقاً للغاية، إذ يجب الكف عن الملامة والتأنيب وابدأ النصائح والمبادئ العامة. إن لهجة التعالي التي يمكن استعمالها في بعض الأحيان لا مجال لها في مثل هذه الحالة. يجب أن نتخذ تجاه الخاطئ موقف الخدمة والتواضع. ويجب أن يؤثر هذا التواضع وهذه الخدمة عليه بشكل يدفعانه معه، بدون أي جدل، خارج خطيئته. هذه هي الاستنتاجات العميقة والصعبة التي يوصلنا إليها المقطع الإنجيلي المتعلق بغسل الأرجل (40).

يكمن سر العلّية الرئيسي في سر الشكر، حيث يعطي الرب يسوع، الحاضر حقاً كموزِّع وموزَّع، ذاته لنا في الإفخارستيا (41). جميع المؤمنين الأرثوذكسيين يعتقدون بأننا، في السر، نحصل على خبز الحياة، أعني جسد المخلص ودمه الكريمين: لذا لن نتوسّع، هنا، في هذه الناحية من الموضوع، لكننا سنتطرق باختصار على نواحي أخرى، ربما كانت أقل وضوحاً. فالإفخارستيا قبل أن تكون حضوراً للمسيح فينا، هي ذبيحة المسيح من أجلنا (42). يجدر بنا أن نتذكر، في الخميس العظيم، بصورة خاصة، الصلة التي أرادها السيد بين عشاء العلّية والفصح اليهودي (43)، وبين هذا العشاء والآلام (44). كل إفخارستيا هي عشاء تقدمة وذبيحة. وفي كل مرة نتناول فيها جسد المسيح المذبوح ودمه المهراق، فإنا نشترك بآلامه، نشاركه ذبيحته. لذلك يجب علينا أن نذبح كياننا بالذات ونقدمه مع رغباتنا الأنانية وإرادتنا، علينا أن ندع سكّين الذابح ينغرس عميقاً في قلبنا. كل مناولة ذبح روحي. لكن يجب ألاّ ننسى أن مفهوم الذبح لا يشمل كل معاني الذبيحة: إن قبول الله للضحيّة هو جزء لا يتجزأ من كل ذبيحة. يشكل العشاء في العلّية وكذلك خدمنا الإفخارستية ليس فقط سر آلام السيّد لكن سر تمجيده واستجابة الآب الظاهرة في القيامة والصعود أيضاً (45). إن إفخارستياتنا المقامة على الأرض تجعلنا في صلة مع الإفخارستيا الأبدية السماوية (46).

توجد ناحية أخرى من سر الشكر لا يتوقف عندها المسيحيون بما فيه الكفاية، ألا هي أنهم يتناولون المسيح الكلي، أي أنهم يشتركون ليس فقط بالرأس بل بكل أعضاء الجسد السرّي. باشتراكنا بجسد ودم المسيح، نشترك مع كل الناس بقدر ما يشتركون، بالطبيعة والنعمة، بالإله المتأنس (47). لأنه يدمجنا بشخص يسوع، يدمجنا سر الشكر، أيضاً، في الكنيسة، بكل إخوتنا وأخواتنا.

ثم لا بد من التذكير بما قلناه بشأن علّية نفسنا، إذ، يوجد، علاوة على الفصح المنظور والذبيحة والمناولة الأسرارية، فصح غير منظور، ذبيحة ومناولة روحيتان يمكننا أن نقدمهما ونتقبلهما في خفاء نفوسنا. وبإمكان هذه الإفخارستيا الداخلية التي نحن خدامها والمستفيدون منها في آن، أن تجني لنا ثماراً كثيرة. يمكن أن نغتذي بالروح من الخبز الحي النازل من السماء وأن نأكل جسد السيد ودمه الكريمين. يقول لنا كاهننا الأبدي، يسوع المسيح، في كل لحظة، كما يقول الكاهن في قداديسنا الأرضية: (بخوف الله وإيمان ومحبة، تقدموا) (48).

يدعونا يوم الخميس العظيم لتأمل خيانة يهوذا. إن هذه الخيانة كانت قد تمت عندما اتفق يهوذا مع الكهنة اليهود على أن يسلّمهم السيّد، لكنها ظهرت بصورة أشد فظاعة في العلّية، أثناء العشاء الأخير: (الذي يأكل معي الخبز رفع عليّ عقبه... الحق الحق أقول لكم إن واحداً منكم سيسلمني... هو ذاك الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه. فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا الاسخريوطي، فبعد اللقمة دخله الشيطان) (يو18:13، 21، 26، 27). يقبل يهوذا، وقد دخلت الخيانة قلبه، اللقمة المقدّمة من يسوع ! إننا، لا شك، نمقت عمله هذا، لأنه دنّس مائدة الرب. لئن كم من مرة جلسنا نحن أيضاً إلى هذه المائدة بدون أن نطهر قلبنا كما يليق ؟ كم من مرة سقطنا في الخطيئة بملء إرادتنا وبعد اشتركنا في عشاء الرب ؟ خان يهوذا سيّده مرة واحدة، نحن نخونه باستمرار. قال يسوع ليهوذا: (ما يجب أن تعمله، فاعمله بسرعة) (يو27:13). فخرج يهوذا ليتمم عمله، و (كان ليلاً) (يو30:13). كان الظلام يعمّ كل مكان خارج العلّية وفي قلب الخائن. يشتمل كلام يسوع هذا، داعياً يهوذا للخروج لإتمام جرمه، على عمق ورحمة أوسع بكثير مما يبدو لأول وهلة. يقول لنا الإنجيلي الرابع أن الرسل اعتقدوا أن يسوع كان قد كلّف يهوذا بشراء بعض الأشياء، أو بإعطاء بعض النقود للفقراء لكي يقيموا العيد. وكان هذا الاعتقاد صحيحاً بمعنى لم يتوقعه الرسل، إذ أرسل يسوع يهوذا لشراء حمل الله الفصحي بثلاثين من الفضة، لأنه، بعمله هذا – أي بتسليمه سيّده – أعطى يهوذا العالم ضحية الفصح المزمعة أن ترفع كل خطيئة. إن الكرم الذي أظهره يسوع في عمله الفدائي يفوق ويغمر كل الخيانات.

فلنختصر معنى يوم الخميس العظيم في ترتيلة نأخذها من خدمة هذا النهار الليتورجية وتعاد في كل مرة أحد المؤمنين يتناول جسد المسيح ودمه الكريمين: (اقبلني اليوم شريكاً لعشائك السرّي، يا ابن الله، لأني لست أقول سرك لأعدائك ولا أعطيك قبلة غاشة مثل يهوذا، لكني كاللص أعترف لك هاتفاً: أذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك).

 


(38) تشكل أيام الخميس والجمعة والسبت العظيمة ما كان يسميه الطقس اللاتيني القديم: (الأيام الثلاثة المقدسة) (Tridum Sacrum). وفي القرن الرابع كان القداس، في أورشليم يقام عشية يوم الخميس العظيم. وكان جميع المؤمنين يتناولون ثم يذهبون إلى جبل الزيتون ليقيموا خدمة خاصة هي مزيج من القراءات والترانيم إحياء للوقت الذي قضاه يسوع هناك في الحزن ومن ثم قبض عليه وكانوا يعودون إلى المدينة صبيحة يوم الجمعة. أمّا في رومية فكانت تقام كل خدمة الخميس أثناء النهار. وفي كنائس أفريقيا كان يحتفل بالإفخارستيا بعد عشاء يوم الخميس العظيم. لذلك سمح القانون 29 لمجمع قرطاجة بأن لا يصومون في ذلك اليوم قبل المناولة. وكانت فكرة اليوم الليتورجية الأساسية تأسيس سر الشكر، لكن، مع الوقت، تميّز يوم الخميس بطقوس أخرى: أولاً الغسل، ثم – على الأقل في رومية – تلاوة دستور الإيمان من قبل الموعوظين ومعموديتهم (علماً أن يوم سبت النور كان مخصصاً عادة للمعمودية)، ثم، في رومية أيضاً، مصالحة التائبين، وأخيراً تقديس الميرون. وتستمر الكنيستان اليونانية واللاتينية حتى أيامنا هذه بإجراء هذا الطقس الأخير في يوم الخميس العظيم، مع الفارق أن كل أسقف لاتيني يمكنه تقديس الميرون لأبرشيته، بينما يقوم بهذا العمل في الكنائس الأرثوذكسية، البطريرك أو رئيس أساقفة كل كنيسة مستقلة.

(39) يوجد في كل نفس غرفاً سريّة تراكم فيها الغبار والوسخ لا نوّد فتحها لأحد. يوجد خطر روحي كبير في اعتبار زيارات المسيح لنا في المناولة (كزيارات رسميّة) ندخله فيها فقط إلى (الصالون) وقاعة الاستقبال حيث الواجهة الرئيسية للبيت. يجب أن ندخله إلى أعماق أنفسنا، وإلى الغرف السريّة المخفية بالذات.

(40) أعطت الكنيسة أهمية كبرى لطقس الغسل الذي لا يزال يُقام في الشرق والغرب في الكاتدرائيات وقد جعل منه مجمع طليطلة السابع عشر في 694، طقساً ضرورياً للخميس العظيم في كل كنائس إسبانيا وبلاد الغال. يثير المقطع المتكلم عن الغسل في الإنجيل الرابع مشكلتين سوف نتطرق لهما باختصار. يوحنا هو الإنجيلي الوحيد الذي يتكلم عن الغسل ولا يقول شيئاً عن تأسيس الإفخارستيا، فكيف يمكن أن تفسر هذه الظاهرة الغريبة ؟ لم يكن يوحنا يجهل أن يسوع كسر الخبز، كما لم يجهل الإنجيليون الآخرون حادثة الغسل، لكن يبدو أن يوحنا، (الذي كان سبق وتكلم عن الإفخارستيا في الإصحاح السادس من إنجيله)، قد أراد بصورة واعية أن يستبدل كسر الخبز بظاهرة الغسل ليبيّن أن العملين يعبّران، بطرق مختلفة ومتفاوتة، عن شيء واحد وحيد، ألا وهو محبة المسيح المتواضعة الصائرة إلى الموت: (وقد أحب خاصته... حتى النهاية). أمّا المشكلة الثانية فتكمن في ما يلي. قال يسوع لبطرس: (الذي قد اغتسل ليس له حاجة إلاّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله. وأنتم طاهرون...). يبدو أن كلمة (اغتسل) ترمز هنا إلى المعمودية المسيحية، بينما تدل عبارة (غسل رجليه) على غسلٍ جزئي ضيّق، كمثل نفض الغبار الذي تراكم في طريق الحياة. ولكن بأي معنى (تلقى) الرسل هذا (الغسل) وهم الذين لم يكونوا قد اعتمدوا بعد، بتلك المعمودية التي لا يمكن أن تعطى قبل موت المسيح الخلاصي ؟ يمكن أن نعتبر أنهم كانوا قد تعمدوا على يد يوحنا المعمدان باستعداد داخلي فائق أهلهم لتقبل النعمة المقدّسة... ويمكن أيضاً أن نعتبر أن اتصالهم اليومي بيسوع واتحادهم الصميمي معه كانا بمثابة (غسل) كلي يطهر من الخطايا. فيكون غسل الأقدام إذاً عملاً خاصاً نزع به يسوع عنهم بعض اللطخ الثانوية التي لم تكن لتؤثر على الطابع العام. لم يكن هذا النوع من الغسل ليشكل تغييراً أساسياً، بل كان ليكمل التغيير الكلي الذي كان قد حدث. يمكن أن نطبق بشكل ما التمييز نفسه على حياة المسيحي المعمَّد. طالما نحن معمَّدون أو تائبون مغفورة خطاياهم، تبقينا محبتنا الدائمة للمسيح والتصاقنا به ودالتنا عليه، بحالة نظافة داخلية. لكن يبقى أننا لا نزال بحاجة على مزيد من (الغسل) لنزيل، يوماً بعد يوم، الغبار من أرجلنا.

(41) تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية أن ربنا يسوع المسيح حاضر فعلاً في الإفخارستيا وأن حضوره ليس رمزياً أو دينامياً، وتؤمن أن الروح القدس يحوّل المواد المقدَّمة إلى جسد ودم الرب. لكن الكنيسة الأرثوذكسية لم ترتبط بأي تفسير لاهوتي يتعدى ما سبق ذكره عن هذا الحضور وهذا التحويل. لا تتعدى ما يعبِّر عنه كلام الاستحالة: (واجعل من هذا الخبز جسد مسيحك المكرَّم، آمين. ومن هذا الخمر دم مسيحك المكرَّم، آمين محوِّلاً إياهما بروحك القدوس، آمين، آمين، آمين).

(42) غالباً ما تتكلم الليتورجيا البيزنطية عن الإفخارستيا (كذبيحة غير دمويّة)، (كذبيحة بالروح). لقد تجادل اللاهوتيون كثيراً – وسوف يستمرون – بشأن طبيعة (الذبيحة الإفخارستية) الحقيقية. إن الكنيسة الأرثوذكسية لم تصدر أي تحديد عقائدي بهذا الشأن. لكن يجدر بنا أن نتساءل ماذا تعني الكنيسة عندما تستعمل كلمة (ذبيحة) في هذا المضمار. وبدون الدخول في تفاصيل غاية في التقنية نرى أن الاعتبارات التالية، غير الغريبة عن فكر الآباء والليتورجيا والمتناغمة مع تقليد الغرب الإفخارستي، تعطي بعض ملامح الجواب. أولاً تشتمل الإفخارستيا على كل عناصر الذبيحة الأساسية. هناك تقدمة معيّنة نقدّمها لله. وتعبّر تقدمة الخبز والخمر هذه على المذبح رمزياً، عن تقديس الخليقة كلها وكل ممتلكاتنا الأرضية وأشخاصنا أيضاً. ثم هناك بعض التغيير أو الضياع أو حتى بعض الاختفاء بالنسبة لهذا الخبز وهذا الخمر المقدَّمين لله، إذ، بتقديمهما له، نمنع عنهما الاستعمال العام، ويحرم استعمالهما لغايات محض بشريّة. وهنا تبرز أهميّة قبول الله، بصورة مجيدة رهيبة، لتقدمتنا. يعبّر عن هذا القبول بحلول الروح القدس، مثل نار هابطة من السماء، وتحويله الخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع المسيح. يحلّ المسيح نفسه محل العناصر المقدَّمة. ذبحه يحل محل اختفائهما. الكاهن الكامل والذبيحة الكاملة يحلان محل البشر وتقدماتهم الفقيرة. وإذا ما بقيت هذه الذبيحة ذبيحتنا، فلكوننا أعضاء المسيح. توجد أخيراً المناولة. يشترك المؤمنون بالضحيّة المقَّدمة، المذبوحة والمقبولة. وبما أنها ملك الله فإنهم هكذا يتّحدون بالألوهة. يتحقق في الإفخارستيا بطريقة فائقة كل ما كانت تحتويه الذبائح اليهودية والوثنية بصورة رمزية، ناقصة. ولكن ما هي الصلة بين الذبيحة الإفخارستية وذبيحة الصليب ؟ علينا هنا أن نتقي منزلقين. الأول: أن نعتبر الإفخارستيا نوعاً من الذبح الثاني، غير الذي حصل على الجلجلة. والثاني: (ودون ذكر خطأ من يعتبر أن الإفخارستيا هي مجرد تذكار لذبيحة الصليب) أن نتجاهل كلياً وجود ذبح آني واعتبار أن الإفخارستيا هي مجرّد تقدمة لذبيحة يوم الجمعة العظيم. إن مفهوم العلامة الناجعة (efficace) الأساسي في كل ما يختص بالأسرار يقينا من هذين المنزلقين. الإفخارستيا تشير بفاعلية (efficacement) إلى ذبيحة الصليب. تصوره من جهة بواسطة بعض الأعمال الرمزية. ومن جهة أخرى تحييه سرياً وتحضره بدون أن يعيش المسيح مجدداً آلامه، إذ تسمح لنا علاقة السببية المتبادلة القائمة بين الإشارة (الإفخارستيا) والشيء المشار إليه (ذبيحة الصليب) أن نتكلم عن ذبح في الحاضر. وأخيراً تطبِّق علينا الإفخارستيا ثمار ذبيحة الصليب. إن الذبيحة الكاملة الصائرة مرّة على الصليب لا تعاد كلما أقمنا قداديسنا، لكن هذه القداديس تحضر هذه الذبيحة وتجعلها قابلة للشركة في مكان ما وزمن ما. قداديسنا هي بالتالي انعكاسات لذبيحة الصليب الوحيدة في مجال الصيرورة البشرية. يستطيع الله، الذي لا يرتبط بأية مؤسسة، أن يهبنا نعمة الصليب، بشكل يختلف عن الذبيحة التي تقدمها الكنيسة. يبقى أن ننظر كيف أن موت يسوع على الصليب هو ذبيحة بحد ذاته، لكننا سنعود إلى هذا الموضوع بمناسبة يوم الجمعة العظيم.

(43) هل كان عشاء يسوع الأخير عشاء الفصح اليهودي ؟ تاريخياً، تبقى المشكلة غامضة. يوجد في هذا المضمار اختلاف واضح بين الأناجيل المتوازية (السينوبتية) والإنجيل الرابع. لن ندخل بالتفاصيل التقنية (راجع (المسيح في الأناجيل) لكيزيتش، منشورات النور– الناشر)، لكن نقول أنه من الأكيد أن يسوع اعتبر العشاء في العلّية عشاء فصحياً. يمكن أن يكون يسوع قد استبق العشاء الفصحي اليهودي لكي يتمم موته في الساعة التي يذبح فيها الحمل الفصحي في الهيكل، بعد ظهر يوم الجمعة. ويسلط الإنجيل الرابع بصورة خاصة الضوء على التشابه بين ذبح يسوع والفصح اليهودي. يسمّي يسوع حمل الله (الرافع خطايا العالم). بعد ذبح هذا الحمل لا حاجة لأي حمل فصحي آخر. يلاحظ يوحنا أن عظام يسوع لم تُكسر، إذ كان من الواجب ألاّ تُكسر عظام الحمل الفصحي. يخبرنا يوحنا أيضاً أن الإسفنجة المملوءة خلاً وُضعت على غصن من الزوفى ورفعت إلى فم المصلوب. من المستحيل ألاّ نرى في غصن الزوفى هذا إشارة إلى غصن مماثل استعمل، لدى الفصح الأول في مصر، لرش دم الحمل الفصحي على الأبواب (زد على ذلك أن يوحنا هو الوحيد بين الإنجيليين الذي ينقل كلام يسوع القائل: (أنا الباب)).وكذلك توجد إشارة واضحة للخلاص بدم الحمل في قصة راحاب الزانية التي نجت من القتل، بعد أن اهتمت بالجواسيس المرسلين من قبل يشوع، وأرشدتهم بواسطة علامة متفق عليها مسبقاً، هي حبل قرمز شدته إلى النافذة. وهكذا يمكن لكل نفس، بالرغم من دعارتها، أن تخلص، إذا ربطت (حبل القرمز في الكوّة) (يشوع 21:2)، أي إذا فتشت عن الخلاص في دم المسيح، مبدأ التبرير والتجديد.

(44) لقد جمع العشاء السرّي والآلام بصورة لا تنقصم عراها مع أنهما حدثان منفصلان. فبينما تمثل قداديسنا (العلامة الناجعة) لذبيحة المسيح الصائرة، فإن الإفخارستيا التي تمت في العلّية هي (العلامة الناجعة) لذبيحة المسيح التي ستحصل. في الموقفين توجد صلة سببية متبادلة بين العلامة والشيء المدلول إليه: في يوم الخميس العظيم تسبق العلامة الذي تدل إليه، أمّا بعد الجمعة العظيمة فتلحقه. كان العشاء السرّي عربون الآلام، ليس فقط لأنه كوّن إطاراً ملأته ذبيحة الصليب حقيقة تاريخية دامية، بل لأن الفصح في العلّية كان يستدعي ذبح الحمل على الصليب ويجعله حتمياً. مساء الخميس، أصبح يسوع (ملتزماً) لأنه قدّم ذاته كذبيحة، ودخل معنوياً في الآلام. يسلط التأمل بهذا الأمر نوراً ساطعاً على معنى مناولتنا الإفخارستية. كلما نشترك بعشاء الرب، (نلتزم) آلامه.

(45) يعبّر كل من قانون القداس البيزنطي والروماني عن ذكر (anamnesis) غلبة المخلِّص وتمجيده. يقول قداس الذهبي الفم: (ونحن بما أننا متذكرون هذه الوصيّة وكل الأمور التي جرت من أجلنا، الصليب، والقبر، والقيامة ذات الثلاثة أيام، والصعود إلى السماوات، والجلوس عن الميامن، والمجيء الثاني المجيد أيضاً...). إن القداس الإلهي هو إذاً مؤلَّف يعرض لكل عمل المسيح.

(46) في السماء يستمر يسوع المسيح بتقديم ذاته للآب كضحيّة مذبوحة، مقبولة ممجّدة. إن وجود جسده المصلوب هو شفاعة دائمة من أجل العالم. يظهر ملء القبول الإلهي لذبيحة الابن بتمجيد الضحيّة. لذلك يتكلم سفر الرؤيا عن الحمل المذبوح والممجد في آن في السماء. إن هذه (الذبيحة السماوية) استمرار وامتداد مجيد أزلي لذبيحة الصليب، الذي لم يكن العشاء السرّي سوى باكورة وتذوّق مسبق لها. تدخلنا إفخارستيتنا الأرضية منذ الآن في الإفخارستيا السماوية، ولها معنى (أخروي)، إذ أنها متجهة نحو (يوم الملكوت الماسياني الذي لا يعروه مساء). (كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء) (1كو26:11). إن ذبيحة العلّية وذبيحة الصليب، والذبيحة السماوية والذبيحة الإفخارستية هي ذبيحة واحدة فريدة. لا يوجد سوى ليتورجيا واحدة.

(47) كان يطيب لأوغسطين أن يشدّد، ففي مواعظه، على هذا المظهر من الإفخارستيا: (إن سركم الخاص موضوع على المذبح).

(48) لا نريد أن نقلل أبداً من قيمة السر، السر الموضوعي المقام من الكنيسة. ولا نكون مقللين من قيمته إذا ذكرنا أن النعمة الإفخارستية – أي الإتحاد بالسيّد كضحيّة مذبوحة صائرة لنا مأكلاً ومشرباً – ليست مرتبطة بالضرورة بعمل خارجي وبعناصر منظورة. وهكذا نجد إنساناً شديد التعلّق بالأسرار، كتوما الأكويني يقر بحقيقة وفاعلية (المناولة الروحية)، في مجال النعمة. وكان احد الأولين من أعضاء (جمعية الأصدقاء) الفرنسيين، إتيان دي غروليه، يقول أنه لم يجلس مرة إلى المائدة بدون أن يذكر في داخله عشاء الرب. إن موقفاً كهذا يستحيل أن لا نرى فيه حالة نفسيّة يمكن وصفها (بالإفخارستية).

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع