Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


فهرس المقال

القسم الثالث: مواعظ لزمَن التريودي
غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع (هزيم) (*)

أحد الفريسي والعشار
اللهم أعطنا نعمة الواضع

الفرّيسي من هو؟ هو ذاك الذي إذا قيس بغيره من اليهود تميّز بمعرفته كتابه المقدس وإدراكه للنصوص الكتابية، ووعيه واجباته الدينية. فهو، إلى حد بعيد، معلّم الإيمان. والصفة (فرّيسي) كانت تُضْفي على الموصوف بها شرفاً وكرامة عظيمين. وهي بمثابة لقب (اللاهوتي) في أيامنا هذه. وباختصار فالفرّيسي هو الرجل الضالع بالشؤون الروحية، بشؤون الكنيسة.

الفرّيسي عاش خبرة فريدة، مرّ باختبار قد يمر به كل من يهتم بشؤون الدين وشؤون الحياة الروحية. عندما خاطب المخلّص الفريسيين قال لهم: (الويل لكم). وهذا الفرّيسي ينتمي إلى تلك الفئة التي وبّخها المخلّص بقوله: (الويل لكم) لأنكم تحبون صدور المجالس واحتلال المقاعد الأولى في الصالونات والكنائس وكل اجتماع. (الويل لكم) لأنكم تحبون أن يحييكم الناس في الطرقات والأسواق وأن يدعوكم (سيدي، سيدي). وهكذا الأمر مع الذين تدعونهم اليوم (سيدنا) فقد يوبخونكم إذا ما دعوتموهم (أبونا) لأنهم كذلك تعوّدوا أن يكرمهم الناس، وأن يكونوا هم محور اهتمام البشر. وفي المجتمع البشري العديد العديد يتوقعون أن يحتلوا صدور المجالس وأن يفرقهم الناس بتحياتهم وأن يلقبوهم بالسيد السيد.

بولس الرسول كان يعتز بقوله أنا يهودي، أنا فرّيسي لأنه كان يقصد أن يهوديته أصيلة، ومع ذلك فقد تجاوز فرّيسيته، تجاوز تلك الديانة إلى دين آخر.

في هذا اليوم عندنا صورة الفرّيسي الواثق من نفسه، الواثق من صحة إيمانه، (الأرثوذكسي) في يهوديته. هذا الفرّيسي يقف في (الهيكل)، نعم في (الهيكل)، وقد نسي أنه في (الهيكل) حيث تتغيّر الأمور. فكم من جاهل عظيم الجهل في العالم يغدو في الهيكل أقدس ألف مرة من أكبر متعلّم. خارج الهيكل الشهادة تأتيك من الناس وأمّ في الهيكل فمن الله يجب أن تأتي الشهادة. فالله يرى ما لا يراه غيره ويعرف ما لا يعرفه غيره. الثياب لا تغش الله وكذلك المظاهر واللياقات وحسن الكلام، تلك التي كثيراً ما نقع نحن البشر ضحايا لها.

نسي الفرّيسي قداسة الهيكل وقداسة الموقف. لم يعد الهيكل مقدّساً في نظره بحكم تعوّده الدخول إليه. لذلك لم يعد هنالك فرق بين الهيكل وغيره من الأماكن وغدا ما هو حسن خارج الهيكل حسناً في داخل الهيكل. وهكذا ظنّ الفرّيسي أنه حتى في الهيكل يمكنه مفاضلة أخيه العشّار والمزايدة عليه في القيام بالواجبات من صوم وصلاة وتطبيق وصايا.

الفرّيسي ظنّ أنه، إذا قام بواجباته، فمعنى ذلك أنه أتم كل شيء أمام الله تعالى. والحقيقة، يا أحباء، أن قلب الإنسان هو الأصل، وما يلفتني دائماً أننا غالباً ما لا نميّز بين طهارة القلب وطهارة المظهر. فالبعض طاهر المظهر ولكن قلبه بعيد عن الطهارة بعد الأرض عن السماء. والبعض الآخر مدنّس المظهر ولكن في قلبه براءة وطهارة نشتهيهما لأنفسنا ونعتبرهما من السمو بمكان.

نعم بين إخوتنا من يُنْعَت (بالناقص) قياساً واعتماداً على نظمنا الحياتية وقواعدنا الاجتماعية. بين الناس من ندينه، وقد يبدو لنا في الظاهر مستحقاً الإدانة، ولكن قلبه أطهر من قلوبنا، ونفسه أشد نقاء وصفاء من نفوسنا، وهو بالتالي أجدر منّا بأن يكون هيكلاً حيّاً لله.

الفرّيسي الذي ذكره المقطع الإنجيلي توقف فقط عند حد الطهارة الخارجية: غسل يدين، غسل وجه، مجيء إلى الكنيسة... عند هذا الحد من الطهارة توقف الفرّيسي. عند الاستقامة في العمل والصدق في القول ودفع العشور المنصوص عنها في الناموس. فهل هذا كل شيء؟ هذا الشخص الذي حدثنا عنه الإنجيلي رجل متديّن قد يكون فقيراً ولكنه يتمم كل ما هو مطلوب منه. ونحن في الكنيسة يمكن لكل مؤمن أن يتمم واجباته.

لننتقل إلى الصورة الثانية: العشّار، الجابي. وهو يذكرنا بزكا العشّار الذي لم تسعفه قامته على رؤية المسيح فاستعان بالشجرة واعتلاها ليراه ولو من بعيد. وأذكركم بأن مخلّصنا يسوع المسيح كان موضوع انتقاد شديد لأنه جالس الزناة والخطأة والعشّارين. فيمكنكم إذاً أن تتصوّروا إلى أي حد كان هذا الصنف من الأغنياء الظلمة مكروهاً.

العشّار، هذا الإنسان المكروه في مجتمعه وقف بعيداً. لم يفتش عن المقعد الأول بل وقف قرب الباب، ولكن ليس ليترك الهيكل ساعة يشاء، كما نفعل نحن في كثير من الأحيان، ولكنه وقف هناك لشعوره بأنه قد يدنّس الهيكل إن هو وطأه وأنه لا يستحق الاقتراب من القدسات. قال الكتاب: (وقف بعيداً ولم يجسر أن يرفع عينيه). والإنسان المذنب لا يجرؤ، عادة، على التطلّع إلى عيني الحاكم بل يطرق في الأرض. هذا الإنسان وقف بعيداً كسير النظرات وصلّى: (يا الله اغفر لي أنا الخاطئ). بعبارة واحدة اختصر كل التسابيح، كل الترانيم، كل الطقوس التي نقوم بها. (يا الله اغفر لي أنا الخاطئ)، (ارحمني أنا الخاطئ). إذا لم تكن هذه العبارة وراء تلك الترانيم والتسابيح والطقوس فإن الصلاة لا معنى لها.

المتكبّر، صيامه لا ينفعه وصلاته لا تفيده. الذي لا يقر بأنه إنسان ضعيف، الذي لا يشعر بأنه في حاجة إلى رحمة من الله مدرارة، ها الإنسان غير مؤمن. الإنسان الذي يأتي الكنيسة بأنفة وكبرياء وعنفوان، هذا الإنسان لا يؤم الكنيسة ولا يصلّي.

في الكنيسة نحني رؤوسنا للرب. هذا الرأس الذي صَمَّم للشر وحاك البائل الشيطانية هو نفسه يجب أن ينحني للرب، هذا القلب يجب أن ينكسر أمام الرب وإلاّ فصلاتنا وصيامنا تدجيل.

لنتقدم خطوة أخرى في حديثنا، أيها الأحباء، فعندما قال العشّار: (ارحمني أنا الخاطئ) كان لوقا الإنجيلي يفترض أننا نعرف النتائج العملية لصلاة إنسان ظالم، إنسان مستغل، جامع للأموال ويقول: (ارحمني أنا الخاطئ). في الواقع نحن لا نعرف النتائج العملية. ولنذكر زكا مجدداً. زكا، عندما اكتشف وجه المسيح الحقيقي ما عاد يفكر بالاقتصاد ولا بالاجتماع أو التوفير... يقول الكتاب أنه تبدّل، تبدّل في قلبه وتغيّر في كيانه. حصل فيه تعديل جذري، فما كان منه إلاّ أن أعلن بكل عفويّة وبساطة: (يا رب نصف أموالي أوزّعها على المساكين). لم يكتف باعتراف الفم وصلاة الفم. فقد شبع الناس ممّا يخرج من الفم، ولكنه عندما تحرك القلب استمال التحرك فعلاً: (يا ربي نصف أموالي أوزّعها على المساكين). بالضبط لأن هؤلاء هم الذين جَمَعْتُ أموالي منهم، إذاً فلتعد أموالهم إليهم. ثم زاد العشّار: (إن كنت قد ظلمت أحداً أردّ له أضعافاً مضاعفة).

هذا الحديث هو النتيجة الفعلية العملية لحضور المسيح في قلب إنسان. المسيح ليس كلمات، المسيح ليس لفظاً، المسيح حياة. والجسم الحي يعيش الحياة التي فيه ويتكيّف بالنسبة إليها. فإن ضعفت ضعف وإن قويت قوي وإن فارقته مات.

لا يمكننا أن نكون مسيحيين إذا كنا ظلمة ومستغلِّين. مدّ يدك إلى جيبك وأَخْرِج منه الظلم والاستغلال. يجب أن تمزّق هذا الجيب وتعيد مال الناس للناس. المسيح ليس مزاحاً، المسيح مغامرة عظمى في حياتك تربح بنتيجتها الحياة بالرب. إنه الشرط لولوجك الملكوت السماوي.

الفرّيسي والعشّار وقفا في الهيكل. ويقول الكتاب بأن الأول لم تُسمع طلبته: صُمْتُ، صلّيتُ، دفعت الصدقة. وأمّا الثاني، (أنا الخاطئ)، قالها بالقلب لا بالفم ولم يكتف بالقول فقط لكنه سلك مسلك التائب – والتوبة هي انقلاب كلّي فيك – فوجد المسيح فيه مكاناً وعاد هذا الإنسان إلى بيته مبرراً.

لوقا الإنجيلي يستعمل مرتين هذه الجملة: (من وضع نفسه ارتفع ومن رفع نفسه اتضع).

معنى ذلك أن الرفعة هي من الله وليس منك، ليس من البشر. فقد تكون عالي الشأن بين الناس ومرفوضاً من الله، وقد تكون مرفوضاً من الناس ومحتقراً ومكانك عند الله أرفع مما يتصوّره الناس. اللهم أعطنا نعمة التواضع. آمين.

{ ألقيت في اللاذقية سنة 1975}.


أحد الابن الشاطر
الآب لا يُحاسب، تعالوا

في الأحد الماضي، في أحد الفرّيسي والعشّار برز أمامنا مثلث حي: أولاّ فرّيسي، ثانياً عشّار، ثالثاً ذلك الذي تُقَدَّم له الصلاة، أعني الله. اليوم أمامنا مثلث آخر: ابن صغير، ابن أكبر، أب صورة للآب السماوي.

الفرّيسي العالم بالنواميس قال: (أنا لست مثل ذلك العشّار)، والصبي الأكبر يقول لأبيه: ما بالك تعامل ابنك هذا الذي أخذ رزقك وصرفه مع الزواني، ما بالك تعامله أفضل مني، أنا الذي حفظتُ وصاياك، أنا الذي لم يخالف لك وصيّة ؟

العشّار في الأحد الماضي عندما سَبَرَ نفسه وأدرك أنه خاطئ قال: إن الصلاة الوحيدة التي يجدر بي أن أرفعها إلى الله، وهي صلاة استرحام واستغفار: (إني خاطئ). والابن الأصغر الذي ترك بيت والده وذهب يعيش كما شاء، هذا الابن وعى وقتاً ما بعد أن تدهورت كرامته إلى مستوى أدنى من الخنازير، وسأل نفسه: (لِمَ كلَّ هذا ؟ ولماذا لا أعود إلى أبي ؟). فكان أن عاد.

والشخص الثالث في مثل الفرّيسي والعشّار صامت لا يتكلم. الله الذي صلّى الفرّيسي أمامه، وصلّى العشّار أمامه لا يُسْمِع صوته، ولكن لوقا الإنجيلي يؤكد أن العشّار بنتيجة صلاته أمام ذاك الصامت، عاد إلى بيته مبرراً: (لأن من وضع نفسه ارتفع، ومن رفع نفسه اتضع).

هنا في إنجيل اليوم الأب يتكلم، وحديثه مع ابنه الصغير غيره مع ابنه الكبير. فمع صغيره لم يقل كلمة عتاب بعد كل ما حصل. ما قال له: يا ابني كنت عائشاً في هذا البيت على أفضل حال، لكنك مزّقت العائلة، قَسَّمت الرزق، وتركتنا نتألم لابتعادك. من هم أولئك الذين آمنت بحبهم لك أكثر منّا ؟ الذين في عينيك يفضلوننا أهلاً لك ؟ لم يقل الأب هذه الأقوال إذ – كما يقول الإنجيلي لوقا – حالما رأى ابنه الصغير يعود صفح عنه وضمّه وقبّله. ومن الجليّ الواضح أن الأب في استقباله ابنه لم يقم بعملية محاكمة داخلية، ولم يعطِ وقتاً لأي تساؤل: هل كان على حق ؟ هل له الحق بذلك ؟ هل يستحق الاستقبال أم لا يستحق ؟ ما أثر عودته في العائلة ؟ في البيت ؟ أحَسَنٌ هو أم سيئ ؟

لم يترك الأب مجالاً لأيٍ من هذه التساؤلات، بل أسرع لتوّه ودون تردد وعانق ابنه وقبّله وصفح عنه.

الإنجيلي يريد أن يقول لنا: الصفح والغفران عند الله صفة من صفات طبيعته وليسا أحد الوجوه العملية لصفاته الجوهريّة، إنهما أصلٌ لا فرع. الله غفور قبل كل شيء. الآب الأب لا يردّ سائلاً ولا يخيِّب تائباً. هذه طبيعته، لذلك سارع إلى استقبال العائد دونما تلكؤ.

لقد ورد عنه أنه ديّان، لكنه أولاً محبّ، أولاً مسامح وغفور. وكل صفة من صفاته تأتي بعد هذه الصفة لا قبلها. هذا كله معكوس إذا نُظر إليه من وضعنا نحن كآباء. إننا نحاسب بينما ذاك الأب الذي منه الحياة والكرامة لا يحاسب. نحن ماذا نعطي ؟ ماذا نعطي أبناءنا ؟ ما هو المثل الذي نقدمه لهم ؟ حياتهم معنا دينونة متواصلة، نهي مستمر وأمر مستمر، لكن الويل لهم إذا هم قابلوا ذلك بمحاسبتنا، وويل لهم إذا حاكمونا: كيف نعيش ؟ ماذا نقول ؟ كيف نتصرّف؟ إذا رأوا ما العلاقة بين ما نقول وما نفعل، بين ما نُظْهِر وما نُبْطِن.

أولادنا يشتهون اليوم الأب أباً والأم أماً. إن بعض الآباء وبعض الأمهات يتوسّلون أولادهم ويتخذونهم ذريعة لإظهار قوتهم وتسلّطهم. الصورة التي عندنا عن الآب الأب، عن الأب الأعظم ترسمه لنا يستقبل ويرحّب، يستقبل الخاطئ، يستقبل المرتدّ، ويرحّب بالعائد. هنا يخطر في بالي: لماذا قال الابن الأصغر في نفسه: (أعود إلى بيت أبي ؟). أما كان يعرف أنه هو الذي قسّم البيت وقسّم الرزق ؟! كان يعرف ذلك ولكنه كان يعرف أيضاً أن بيت أبيه يبقى مفتوحاً له ؟! لو لم يكن مدركاً أن محبة أبيه لا يقيسها مقياس، هل كان فكر بالعودة ؟ لماذا لم يَدُر في خَلَده حل الانتحار مثلاً ؟ ذلك بالحقيقة لأنه يدرك تمام الإدراك أن باب منزل أبيه مفتوح على مصراعيه كل آن وزمان.

لوقا الإنجيلي يركز في إنجيله على التحدث إلى العنصر الشاب. وهذا الشاب في تصرّفه الأول لم يدهشنا إطلاقاً: يا أبي أريد أن أتركك، أعطني حصتي، أود أن أذهب وآخذ رزقي. عقليّة جيلنا لم تعد كعقليتكم، أنتم جماعة رجعية، أنتم جماعة لا تحترم الحريات الشخصية، وأنا أريد أن أشق طريقي بنفسي. هذا نحن على علم به وليس بالشيء الجديد علينا، أمّا الغرض الذي من اجله كُتب هذا الإنجيل وأُعطي هذا المثل، فهو التوجّه إلى الشاب الذي سار في طريق ظنها طريق الكرامة فوجدها طريق المذلّة والتدهور والانحدار، إلى الشاب الذي ظن أن مسؤولية الإنسان في حياته تقف عند هذا الأخذ والتبذير والتنعّم، إلى الشاب الذي ظن أن الحياة فقط بمظاهرها ومباهجها ولذاتها، إلى الشاب الذي ظن كل هذا. الإنجيل يُذَكِّر هذا الشاب ويقول له: لا تنس أن بيت أبيك مفتوح، هيّا إلى الرجعة، الرجعة إلى الحق، الرجعة إلى الصواب، الرجعة إلى العدالة. الرجعة ليست رجعيّة. الرجعة إلى الحق تقدُّم، تَفَتُّح، لأنها نور جديد يشرق في قلب الإنسان، هذا النور الذي كثيراً ما نحاربه لأنه (رجعة) و (عودة). هذه الرجعة هي العبارة التي يستعملها الإنجيل المقدس مرادفاً لكلمة (التوبة).

ليس من احد يتوب كلياً في هذا الكون، ليس من أحد يعترف حقاً بأنه خاطئ. وقد يفعل ذلك بعض الناس، قد يعترفون بالخطيئة اعترافاً بالشفاه، ولكن القلب يبقى مملوءاً كبرياء، يبقى محكم الإغلاق في وجه التبدّل. التوبة هي في أن يتغيّر القلب في حد ذاته. نحن غير جدّيين في أننا نريد أن نتغيّر ونتجدّد. المغيّر هو المسيح، والمجدّد هو المسيح، وكل تغيير أو تجديد ليس منه سطحي، خارجي، فاشل. من منّا أحدث المسيح تبدلاً وتجدداً في طعامه أو شرابه أو ملابسه أو أعماله أو طريقة عيشه أو في بيته ؟ ولكن مهما بلغ الأمر، فالأب الذي لم يحاسب صغيره في الإنجيل لن يحاسبنا. أقول لأولئك الذين لم يتعرفوا إلى المسيح حتى الآن، أقول لهم: إن الآب لا يحاسب، تعالوا. تعالوا. عندما انسحبتم لَقيتم الخنازير والزواني والوحل، ففي العودة تلقون الفرح في السماء والأرض بميتٍ عاش وضالٍّ وجد.

{ ألقيت في اللاذقية، الأحد في 2/3/1975}.


أحد مرفع اللحم
أين أخوك ؟

 

إنجيلنا اليوم ينقلني وإياكم إلى العهد القديم، حيث يصوّر لنا الكتاب المقدس مشكلة حدثت في بدء الخليقة. هذه المشكلة خُلِقَت بين الأخوين قايين وهابيل. قايين قتل أخاه. أخوه من أبيه وأمه قتله، وقتله بمناسبة أمر يخص الله. انتبهوا ! الاثنان يحبان الله، الاثنان يقدمان ذبيحة لله تعالى. دبّت الغيرة في قلب واحد منهما، فكان أن قتل أحدهما الآخر. عندئذ يقول لنا الكتاب المقدس، لم يسكت الله الذي كانت له ذبائح الأخوين قايين وهابيل، لكنه نادى الأخ الأكبر: قايين قايين أين أخوك ؟ فكان جواب قايين المشهور: (هل أنا حارس أخي ؟).

قد يكون الإنسان واعياً علاقاته بالله. قد يكون واهباً له نفسه وما عنده، ومقرِّباً ذبائح لله تعالى. وكثيرون هم أبناء الكنيسة المقدسة الذين، هم أيضاً، ليس لديهم سوى مطلب واحد: أن ينالوا حظوة لدى ربهم وإلههم. وما أكثر من يعطي من الخيرات والأموال من أجل اسمه. إذاً فقصة الكتاب المقدس ليست بعيدة وغريبة عنّا. إنها تصف حدثاً قد يحدث لأيٍ منّا ونحن في بيت الله.

الحدث هو نظرتك إلى أخيك. الله، من السهل جداً أن نرتفع بأعيننا إليه نحو السماء، أن نتناسى كل شيء ونخاطبه، لا بل من السهل جداً أن نرتفع بقلوبنا إليه ولو على أكتاف الآخرين، وفوق رؤوسهم. لنذكر الكتاب المقدس: إن قايين المصلّي يقتل هابيل المصلّي، قايين المؤمن يقتل هابيل المؤمن، لأن مفهوم الإيمان مبتور لدى العديد من المؤمنين ويغلب الظن أن الإيمان قد يتجه فقط صعداً إلى الله تعالى، وننسى الأخ الذي أعطانا الله.

(قايين قايين أين أخوك ؟) هذا الصوت الإلهي يصرخ في كل واحد منّا. أخوك، أين أخوك ؟ أين أخوك يا قايين ؟ أين أخوك الذي أعطاك إياه الله. ماذا فعلت به ؟ الغريب أن قايين أجاب كما قد يجيب الواحد منّا في هذه الدقيقة: (أنا لا علاقة لي بأخي، هل أنا حارس لأخي ؟ من كلفني به ؟). النص الكتابي يقول: لقد كلّفك ربك بأخيك، أنت مكلّف به.

إنجيلنا اليوم يعكس تماماً هذه الصورة. كيف تدّعي أنك محب لله، وأنك واهب إياه قلبك، هذا وأخوك يجوع فلا تطعمه ! يعرى فلا تكسوه ! يمرض فلا تعوده ! أي ادّعاء كاذب ادّعاؤك هذا ؟

قايين قايين أين أخوك ؟ أين أخوك ؟ إن الله هو أبوك وأبوه. إن الله لا يسمع لك إذا كنت تنفصل عن أخيك، إذا كنت ترضى أن تتمتع أنت وأن يشقى هو. الله أبوك وأبوه. أنت وهو كلاكما تكوِّنان العائلة الإلهية لا وحدك، فكيف يجوع وأنت تشبع ؟ كيف تنعم بالصحة وهو مريض ؟ كيف ترتضي الحرية وهو سجين ؟ هذا الذي أمامك أخوك، هذا، تسبحتك لله ناقصة ومبتورة بدونه، مقطوعة تسبحتك لله إذا كان فمه لا يرفعها مع فمك. إن الله قد تبناه، إن الله قد ساوى نفسه به، إن الله قد لبسه، فإذا شئت أن تكون لله تحتَّم عليك أن تكون لأخيك. كن لأخيك أيضاً.

يتنصّل الناس من إخوتهم: (هل أنا حارس لأخي ؟). إني أشكر الله على الشبع وعلى الحرية وعلى العافية. قال أحدهم: إن شكرك لله لا يمكن أن يكتمل إلاّ إذا أمسى كل إنسان شبعان، كل أخ من أولادك يا رب قد شبع. عندئذ، وعندئذ فقط يحق لي أن أملأ معدتي طعاماً. وقبل أن أنعم بحريتي سأناضل كي ينعم كل إنسان بالحرية. سأناضل لكي تسقط الأصفاد والسلاسل والقيود. كما إني سأعتبر نفسي جوّالة في الأرض ليس لي مكان أسند إليه رأسي إذا بقي في الناس مشرّد واحد.

(قايين قايين أين أخوك ؟) (هل أنا حارس لأخي ؟). نعم أنت حارس لأخيك. أخوك ليس خارجاً عنك. هذا الشخص الذي يجلس بجانبك ويعايشك في البيت وفي المدينة والأرض كلها، هذا ليس غريباً عنك، افتح عينيك بالإيمان عندئذ تجد كل إنسان أخاً لك، وأنك أخ لكل إنسان.

هؤلاء الذين ذهبوا إلى العذاب ظنوا أنهم هم المسكونة بأسرها، وأن بطنهم بطن كل إنسان، ظنوا أن بيتهم هو مأوى لكل إنسان، لقد نسوا أنه يجب أن يقدموا بطن كل إنسان على بطنهم، ومأوى كل إنسان على بيوتهم. نسوا ذلك. سألوا اللحم والدم سألوهما: ما الفضيلة ؟ فأعطاهما اللحم والدم الجواب فضيلة محدودة من لحم ودم.
يا أحباء يمكننا أن نوجز ما قلناه بكلمات الصوت الإلهي: (قايين أين أخوك ؟). اسمعوه. يجب أن نسمعه: (أين أخوك ؟). اليوم صلاتنا (أين أخوك ؟).

إذا خطر في بالك أن تجيب على غرار قايين: (هل أنا حارس لأخي)، فالصوت يكرر: نعم أنت حارس لأخيك ومسؤول عنه.

{ ألقيت في اللاذقية في 9/3/1975}.


أحد مرفع الجبن
لا أحيا أنا

 

اليوم على عتبة الصوم الأربعيني المقدس، نحاول أن نفهم الصوم ونفهم ضرورة الصلاة لذلك ننطلق من هذه النقطة.

الإنسان على الأرض ليس في وضعه الطبيعي. الطبيعة كما نراها ليست طبيعيّة. وضع الإنسان على الأرض فيه تزييف، وفيه اسوداد. وكذلك وضع الطبيعة الطبيعيّة لحقه التزييف ولحقه الاسوداد. ليس من الطبيعي أن يكون مَن خُلق على صورة الله ومثاله غير صادق مثلاً، وهو كذلك حقاً في كثير من الأحيان. ولا أن يكون مُعْوَجَّ التصرف والسلوك، وهو كذلك حقاً في غالب الأحيان. ليس من الطبيعي أن الإنسان الكبير الكبير ينحدر في الخطيئة إلى درك لا يليق به، لا يليق بكرامته، ولا يليق حتى بالبهائم نفسها. الإنسان الشاذ المنحرف، والإنسان المجرم، والإنسان المستغل، والإنسان اللص كل هؤلاء ليس من الطبيعي أن يوجدوا في هذه الدنيا.

وكثيراً ما نجد إنساناً طيّباً يعجبنا ونحبه، وإذا به ينقلب في الغد رأساً على عقب بحيث لم يعد ذلك الطيّب الذي أحببناه. ما عدنا نعرفه. وكثيراً ما نتوّقع المحبة من عزيز كما عوّدنا، وإذا به يخلو قلبه من المحبة خلواً كاملاً. إذاً أمامنا مشكلة.

ما الذي يحدث ؟ ما قصة هذا العالم ؟ لماذا يختلف الناس ؟ لماذا لا يتبادلون المحبة والعطف؟ لماذا يختلف الأخ مع أخيه والأب مع أولاده ؟ لِمَ الحروب ؟ ولِمَ هذا التنافر؟ ما القصة في هذه الدنيا ؟!

الجواب كما نؤمن به هو أن هنالك مرضاً عضّالاً في العالم. إن هنالك تشويهاً لَحِقَ الإنسان ورافقه منذ البدء بعد أن سقط في الخطيئة، وأمست الخطيئة من طبيعته وعمّت الكون.

قصة هذا الكون أن الخير والشر يتنازعان الإنسان: بيمناك تصنع صلاحاً فتهدم الصلاح يسراك. لقد نفذت الخطيئة إلى قلب الإنسان وتخللت كيانه بكامله ونفخت سمومها حتى في المخلوقات الحيوانية والنباتية والجامدة.

إذاً عندما نشاهد أن الإنسان بطبيعته يسعى وراء رغباته، وراء شهواته، وأنه بطبيعته يركض ويجهد ليقتات، ويطلب الغنى، والمجد، والسلطان، عندما نقول هذا القول نقصد أن الواقع صحيح من حيث أنه يصف ما يبدو طبيعياً مألوفاً. لكن مفهومنا لطبيعة الإنسان الأصيلة هو عكس هذا الواقع. إن طبيعة البشر قد شوّهت وإنساننا مزيّف وخاطئ. وما ننعته بالطبيعي اليوم هو ابن الزور الذي تسببه الخطيئة للإنسان، أمّا الإنسان الحقيقي، الإنسان الأصيل فطبيعته ليست كما ذكرنا. إذاً مشكلتنا هي: أن العالم تحوّل من وضع نعتقده طبيعياً بالمعنى الحقيقي للكلمة إلى وضع نطلق عليه صفة الطبيعي فقط بحكم العادة والعرف.

لماذا نأتي إلى الكنيسة ؟ لماذا نسمع مثل هذه الكلمات من الإنجيل المقدس. لماذا نصوم ؟- وهل نصوم ؟- لماذا نصوم ؟ كنت أقول لو تُرك الإنسان على سجيته لكان فتش عن أن يشبع، لا عن أن يجوع. عن أن يتلذذ لا أن يكبح جماح نفسه. سباع الأرض تعيش على أساس الغريزة ولا تعرف الصيام ولا تعرف الحرمان الاختياري، وبكلام آخر لا تعرف التضحية. أذكر مجدداً أنه: إذا كان المفهوم بكلمة الطبيعة ما ألِفْناه في حياتنا، فخطنا الديني هو مخالف للطبيعة، لا بل ضدها.

نحن نعتقد أيها الأحباء أن الإنسان وُلد في عالم هو عالم الله، وكان الإنسان قريباً من الله ينعم بالتحدث إليه، ينعم بجواره وبرفقته. الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله كان قريباً من الأصل الذي هو على صورته ومثاله. ولكنه مات من عالم الله، انفصل عن العالم الإلهي، وابتعد عن هذا العالم كي يصنع عالماً خاصاً به، عالماً لنفسه، عالماً أدنى. ترك الإنسان السماء ميمماً شطر الأدنى، وخلّف عيش السماء ليعيش على مقتضى نواميس عالمه المشحون بالخطيئة.

نحن اليوم نسير ضد ما هو طبيعي حسب العرف والعادة. في هذا الصوم سَنُحْرم بعض المأكل – هذا إذا صمنا – لأننا نريد أن تَغْلِبَ طبيعتُنا الأصليةُ التي يهمها أن يشبع أخونا قبل أن نشبع نحن، طبيعَتَنا المشوّهة المألوفة التي تقضي بأن أشبع أنا قبل أن يشبع أخي.

في هذا الصوم الأربعيني المقدس يزداد وعي المسيحي أنه خاطئ وأنه بسبب الخطيئة اجتاحت التعاسة الناس، لذلك وجب أن أنقّي نفسي قبل أن أطلب من أي إنسان تنقية نفسه. في هذا الصوم يتبدل معتقدي السائد: (كل الناس خطأة سواي، كل الناس في الزلة إلاّ أنا). المزايدة المألوفة في التقريظ لا نريدها، مزايدتنا اليوم هي بالاعتراف بخطايانا. فإذا قلتم خطئنا ألف مرة شرّفني القول: لقد خطئت ألف ألف مرة.

اليوم نسعى إلى رفع التراب عن الطبيعة الأصلية الدفينة بواسطة النظام الذي نتبعه. هذا النظام الروحي نتبنّاه ونتخذه قاعدة للصائمين لنقلب الواقع الذي نعيش فيه من واقع تشحنه الخطيئة إلى واقع أصلي أصيل كدنا أن ننساه بسبب سقطاتنا.

بعض العلماء التطوريين ومنهم داروين وتلاميذه ومدارس أخرى قالوا: (الإنسان يتطوّر نحو الأفضل والبقاء للأنسب). لا أعتقد أن إنساناً واحداً على وجه الأرض يعتقد بأننا اليوم أفضل مما كنا عليه، وليس ما يحتم أننا نتقدم بمجرد مرور السنين والأيام. لم تعد هنالك نظريّة علمية واحدة على هذه البساطة. داروين وتلاميذه قالوا: الحياة للأنسب. في الحياة يعيش من يقدر أن يقاوم، من يقدر أن يَثْبُت في معركة تنازع البقاء. أي أن البقاء تنازع، البقاء معركة فيها منتصر وفيها منكسر، والمنتصر وحده هو الذي يعيش، إذاً يعيش على أشلاء المنكسر. في هذا المبدأ ليس من أخ، ليس من أب، ليس من أم، ليس من حبيب، ليس من إنسان يضحّي. كل الناس أخصام كل الناس والجميع في صراع مع الجميع. نحن اليوم لا نوافق على مبدأ كهذا. نؤمن بأنه غير كاف ولا يكفي لتفسير بقاء الإنسان من حيث هو إنسان. إننا نعتقد أن المقام الأول الفعلي للطبيعة الأصلية هو لمن يعطي لا لمن يأخذ، لمن يبذل لا لمن يُبذل من أجله، لمن يُضحّي لا لمن يُضَحَّى من أجله. والصيام هذا أحد معانيه.

صحيح أيها الأحباء، إننا اندمجنا إلى حد بعيد بهذا العالم المألوف الذي قلت عنه بأنه غير طبيعي بالنسبة إلينا، وانجرفنا في هذا التيار. هذا التيار نحن يُطلب إلينا أن نوقفه. لا يحق لنا أن نأكل إذا جاع الناس، لا يجوز لنا أن نضحِّي بالبشر من أجل تقدّمنا عليهم، لا يجوز لنا أن نعطي حاجاتنا الأوّلية الأسبقية، ونؤخر حاجات الآخرين، لا يجوز إلاّ أن نضع أنفسنا في متناول البشر لنساعدهم، لا لنقاتلهم ونسلبهم لقمة العيش. نحن خطأة ونعيش حسب نظام الخطيئة.

أيها الأحباء، الصوم الأربعيني المقدس يعني أن نتبنّى نظاماً آخر في حياتنا، نظاماً لا يريح ولا يؤمّن لك لذة أو بهجة بالمعنى الدنيوي للكلمة، لكنه نظام يعيك إلى إنسانك الأصيل الذي يدعوك الله إلى العودة إليه. أمّا لذّتك، أمّا راحتك، أمّا انبساطك فهذه ما كانت لتكون كما تعوّدتها لو لم تكن فيك الخطيئة، إذاً هي بنت الخطيئة. نحن خُلقنا لنتعب من اجل إخوتنا، لا لنرتاح على أكتافهم.

أطلب إلى الله تعالى أن يعطينا القوة لنستعيد في نفوسنا واقعنا الخاطئ ونرى أثر الخطيئة يمزّق العالم، ونتخذ الصيام قاعدة لحياة هي من نوع لا أحيا أنا ولكن يحيا أولئك الذين أعطاهم الله لي أن يكونوا على صورته ومثاله.

{ أُلقيت في اللاذقية في 16/3/1975}.


أحد الأرثوذكسية - الأحد الأول من الصوم
المسيح أمسى غريباً

 

ها قد قطعنا الأسبوع الأول من الصوم الأربعيني المقدس. الصائم ليس ذلك الإنسان الذي يعطي ربه مِنَّة، الصائم هو ذلك الإنسان الذي يفرح لأنه يفتح قلبه لاستقبال الرب وبذلك يبتهج في فترة الصوم الأربعيني المقدس.

المناخ الذي خلقته القراءات اليوم حولنا، والقطعة التي سمعناها من الرسالة إلى العبرانيين، كان التشديد فيها على الإيمان. الرسالة إلى العبرانيين كتبت حديثاً موجهاً إلى المسيحيين بعد مجيء المسيح. كانت موجهة لأناس لم يشاهدوا الرب يسوع ماثلاً أمامهم بالجسد كما كان أوائل المؤمنين. من يدري، فلربما كانوا يتساءلون مثلما يتساءل الكثيرون اليوم: أين الرب يسوع ؟ فكان الجواب الذي أعطاه الكاتب: إن الرب يسوع لا تراه بعينيك الخارجيتين بعد أن صعد إلى السماء، ولكنك تراه بعينيك الداخليتين، تراه في الداخل.

المسيح لا يُفتش عنه في الزوايا، ولا في الغرفة هنا وهناك. المسيح في القلب. المسيح مسيح الأعماق. والصوم هو عملية تنظيف لنفوسنا، تنظيف لعيوننا، مسح الغبار عنها لكي تصبح قادرة على رؤية الرب يسوع وعلى مشاهدة تألق وجهه. لقد تقززت العيون، أيها الأحباء، وما عادت قادرة أن تبصر إلاّ اللحم والعظم والحجارة وما إليها. تقززت عيوننا لأننا لا نمسحها.

تقول الكنيسة ينبغي أن نصوم، يجب أن نُدخل الطهارة إلى القلوب. من لا يتدرّب على الشيء لا يمكنه أن يقوم به. ومن لا يمرّن عينيه على رؤية شعاع المسيح، فلن يتمكن من رؤية الشعاع وإن مرَّ قريباً منه. صرنا جامدين. صرنا جامدين دهريين. لم يعد يرضينا أن نُغمّض العين على ما في هذا العالم لنفتحها على ما هو في عالم الله. ولم يعد يشبعنا أكل الطعام الذي ليس من هذا العالم، أعني الخبز السماوي وكأس الخلاص، بل نأكل ونأكل. نأكل ونأكل من أكل هذا العالم.

لماذا نصوم ؟ ما علاقة الشفاه، ما علاقة الأكل، ما علاقة العينين بالصوم والصلاة ؟

الإنسان لا يصلّي بشفتيه وحدهما. حتى التحيّة من إنسان لإنسان بالشفتين فقط، غير مقبولة. فكيف يكون الحديث مع الله أوتوماتيكياً، آلياً مجرد شفاه تتحرك ؟ ما هكذا تكون الصلاة. بالصوم يتقدس الإنسان بكليته. تتقدس الشفاه. تتقدس العيون. يتقدس الطعام. نتبارك بكليتنا. من يقول إنه لا يحتاج إلى أن يتقدس بجسده ؟ فإذا كنت تريد أن يتقدس جسدك فقدِّمْه مقدساً.

المسيح ليس في السحاب وليس مجرد فكرة. المسيح ليس غباراً منفوضاً في الجو. المسيح ليس بعيداً. في الصوم أنت تتهيأ لقبول الرب يسوع فيك.

أنت، الناس، أنتم، نحن، كأننا جميعاً لا نأخذ شأن المسيح بجديةٍ فعليةٍ... كثيراً ما يسأل الإنسان نفسه عن حق: المسيحيون أنفسهم أين أصبحوا بالنسبة إلى المسيح ؟ وعندئذٍ أذكر تلك الترنيمة حيث المسيح الرب يُصوَّر لنا غريباً بين الناس، غريباً وهو ذاهب إلى الصليب، غريباً وهو في قبره. غريب المسيح ؟ نعم. غريب عند المسيحيين. غريب عندكم. عن البيت غريب. عن الطعام غريب. عن صداقتنا غريب. عن أحاديثنا غريب. عن فكرنا غريب. عن اهتماماتنا غريب.

أين المسيح إذا كان خارجاً عن هذه كلها ؟ بالله عليكم أيها المسيحيون، أين المسيح بالنسبة إليكم إذا أمسى غريباً عن هذه كلها ؟

بالصوم أنا أعترف أمام الرب بأني أحتاج إلى التقديس من الرأس حتى القدمين. أحتاج إلى التقديس وإلى النعمة الإلهية من الخارج ومن الداخل. أحتاج إلى التقديس في الفكر، وفي القلب، وفي النيّة، وفي كل شيء. هذا هو الصيام. ولذلك نحن نأتي إلى المسيح بالطبيعة التي بها خرجنا من يده الإلهية. نأتي إليه بالأكل، والشرب، والنوم، والفرح، والحزن، والفكر، والقول، وفي كل شيء. نتقدم إليه بالطبيعة التي أعطانا هو، ببساطة الوجود والحياة.

لعلّ هذه الكلمات توقظ الشرارة بإذكاء نار الإيمان.

تكلّم الرسول عن عُزَّل قهروا ممالك، عن ودعاء واجهوا الموت افتراساً بالإيمان. هذا الإيمان هو إيمانكم أنتم. تبارك الله بكم آمين.

{ أُلقيت في دمشق في 15/3/1981}.


أحد غريغوريوس بالاماس - الأحد الثاني من الصوم
نبذر في الأرض بذاراً سماوياً

 

اليوم نركِّز على استغراب الكتبة الذين دهشوا لأن ابن البشر المخلّص قال للمخلّع: (لك أقول: قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك، مغفورة لك خطاياك). ما يهمنا من هذا الحدث هو حصول ما لم يكن يتوقَّعه الكتبة، أي اللاهوتيون، أي الجماعة التي تفهم، فكان غريباً إلى حد أنه أدهش الجميع. النقطة التي سأركِّز عليها هي السبب في الدهش.

السبب في الدهش هو أن هنالك واحداً فقط يغفر الخطايا وهو الله نفسه، وليس من أحد سواه، وهنالك شافٍ واحد هو الله تعالى، وليس من أحد يمكنه أن يقل لمخلّع: قم احمل سريرك وامشِ إلاّ هذا الكائن الإلهي الذي هو الله. هذا ما تعوّده الكتبة وما ألفوه، هذا هو دستور إيمانهم العادي. ما حدث جعل هذا النظام يختل، وبالتالي سبّب قلقاً ودهشاً لأولئك الكتبة، أولئك اللاهوتيين.

إنسان جاء، صورته صورة إنسان تماماً كسائر الناس، هذا الإنسان وقف أمام المخّلع وخرق الأنظمة، خرق المألوف، ووضع نفسه موضع الله وقال للمخلّع: (مغفورة لك خطاياك، قم احمل سريرك وامشِ إلى بيتك). فكأن شيئاً على الأرض اختلف عن العادي، كأن شيئاً من السماء نزل إلى الأرض لينجز فيها فعلاً سماوياً، هذا هو ما حصل وهو بالفعل أمر مدهش. تصوّر، مثلاً، أن إنساناً أتى هذه الكنيسة الآن، ونصف الناس وقوف لقلة المقاعد، وقال: فلتكن مقاعد للجميع، فإذا بها توجد ويمسي الكل جلوساً. هذا يدهشنا لأنه ليس بالشيء الذي ألفناه والمألوف هو حتماً من هذا العالم. ويبدو أننا، يا أحباء، تعوّدنا النظر إلى كل شيء بمنظار عالمنا وبمنظار إنسانيتنا.

وصف بعض العلماء عالمنا، ووصفهم صحيح، بأنه عالم لم يعد لله فيه من مكان. فليفحص كل منا نفسه وليمعن النظر في برنامجه اليومي مثلاً ويتساءل: أين مكان الله في هذا البرنامج وأي وقت كُرّس له ؟ لذلك نحن أيضاً يعترينا الدهش لو قام الله بصنيع مفرد غير مألوف لأننا نحن أيضاً قد أسقطنا الله من حسابنا.

لو انتبهنا إلى الرسالة لوجدنا أن غاية مجيء المسيح هي بالضبط قلب الأنظمة (الطبيعية) المعتادة، المألوفة التي نرتاح لها. المسيح يعني قلب كل هذه المفاهيم. ماذا حدث ؟ إن البقاء لله وحده وقد حلّ الله بيننا. قالت رسالة اليوم: كل شيء يأتي إلى نهاية، كل إنسان ينتهي، هذا لا يحتاج إلى برهان. والباقي هو واحد أحد، الله تعالى، لأن هذا الباقي عنده البقاء في جوهره وليس مجرد صفة من صفاته ولا يمسه الفناء. أمّا العالم فمدعو إلى الفناء، لكنه في هذا العالم أتى من لا فناء له. إنه الواحد الذي قيل له: (اجلس عن يميني كي أضع أعداءك موطئاً لقدميك) وأعدى الأعداء هو الموت.

إذاً ماذا حدث في عالمنا المتقلب المتغيّر السائر في اتجاه فنائه، هذا العالم الذي لا يبقى إلاّ إذا زرعت فيه الحياة من خارجه، أي من الله تعالى، هذا العالم الذي يسوده الموت. أين الأجيال الماضية ؟ أين بعض فصائل الحيوان والنبات ؟ أين الكثير من الجبال والتلال ؟ أين تضاريس عالم الملايين من السنين قبل الميلاد ؟ لم يصمد شيء منها أمام الموت.

هذا العالم قيل فيه لواحد: (اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك). هذا الواحد هو ربنا يسوع المسيح.

فهل هنالك مجال للدهش إذا كنا ننظر إلى المسيح أنه الجالس عن يمين الآب، وأنه الوحيد الأوحد المميّز بين كل موجود، هل ندهش إذا شاهدناه يفعل في العالم ما هو من فوق العالم وأنه يجعل مألوفاً بين الناس ما ألفوه غريباً عنهم ؟

الشيء المهم، أيها الأحباء، هو أن حياتنا المسيحية ترتكز على قواعد تخالف الطبيعة بالمعنى العادي للكلمة. فصيام الصائمين مثلاً يخالف الطبيعة، كبح جماح الأهواء يخالف الطبيعة، الحد من حدة رغباتنا وشهواتنا فلا تتحقق على حساب الآخرين هذا أيضاً ليس من قبيل الناموس الطبيعي.

باختصار: تفكيرنا اليوم مركّز على أنه في عالمنا، عالم الفناء أصلاً، أُعطيت الحياة، وأُعطيت كاملة لواحد هو المسيح، ومنذئذ غدا العالم مزيجاً من المألوف وغير المألوف، من الطبيعي ومن الإلهي.

وفي الصيام – وهو سخافة في أعين الكثيرين - ، في حياة الصلاة، وفي حياة الإيمان التي لا تستمرئها الكثرة من الناس، نُدخل عنصراً جديداً في الوجود ونؤكد أن من ينظر إلى هذه الحياة على أساس مقاييس هذا العالم وحدها فلا غرابة أن يرى شؤون الله ليست بذات بال. مركز البحث هو أن يلبس إنساننا لباس الله وينظر إلى دنيانا بمنظار الله، فيرى الأمور على غير ما هي من رتابة وسطحية. إننا بالإيمان بيسوع المسيح متجسداً نسعى جاهدين لتتحقق في الأرض الحياة الإلهية وهذه هي غاية الإيمان وإلاّ فلِما كان الإيمان.

إني أسأل الله الذي أراد أن نخلص بذاك الذي وضعه عن يمينه قائلاً: (اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك)، إننا نسأله أن يقوّينا ويقوّيكم جميعاً لنجوز هذه الفترة بالعيش الإلهي في عالم غير إلهي، محتملين حكم الناس علينا بشجاعة، بقوة، بإيمان، معلنين أننا في حياتنا نبذر في الأرض بذاراً سماوياً.

{ أُلقيت في اللاذقية في30/3/1975}.


أحد السجود للصليب الكريم - الأحد الثالث من الصوم
للصليب خشبتان

 

(من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه ويتبعني). أن (يكفر بنفسه) معناها أن يجحد نفسه، أن يجحد لها مطاليبها، رغباتها، أن يجحد نفسه في أفراحها، أن يجحد نفسه في أحزانها. فاتّباع المسيح لا يكون بلا ثمن، والثمن هو: أنه عندما يبتهج العالم، لا بل يُجنّ ابتهاجاً، تستغني النفس التابعة للمسيح عن نصف ابتهاجها لا بل عن ثلاثة أرباعه، بل قل تسعين في المائة منه، تصلبه. وبينما يهزج الباقون هزجاً صاخباً تكتفي هي من ذاك بأقله. وما يصحّ في الفرح يصح في الحزن، وما يصح في اللذة يصح في الآلام. غير المؤمن يقرع الصدر، بينما المؤمن الحقيقي مدعو إلى التعالي فوق كل ما في فؤاده من حرقة وحزن ولوعة وأسى، فيصلب معظمها ويعيش أقلها ولا يني سيراً في اتجاه مسيحه.

صليب المسيح تألّف من خشبتين لا من خشبة واحدة. الخشبة الواحدة تمتد أفقياً. تلتف حول عالمنا، تلف الكرة الأرضية، تحتضن العوالم بأسرها، ولكنها أفقية، لا تعرف إلاّ هذا البعد، والبعد الأفقي أرضي، إنساني صرف. هذا البعد عندما عرّفه الكتبة القدماء والمفكرون، بين الإغريق مثلاً، رأوا العالم دنيا مغلقة لا فرح فيها ولا رجاء، فكتبوا ما سمّوه بالمأساة، التراجيديا، وكانوا يفهمون بالمأساة، حالات ضيقة لا أمل في الخروج منها. وكانوا يصوّرون أوضاع حياتية أليمة يستحيل على الإنسان الخروج منها لأن الباب مسدود. هذا معنى المأساة الأصلي وقد امتد هذا المعنى إلى المسرحيات في كل العصور، هذا إذا كانت نهايتها أليمة.

الصليب يدخل في الوجود عنصراً آخر، أيها الأحباء، إنه الخشبة التي تنتصب عمودياً. المأساة نراها إذا كنا ننظر إلى الأمور أفقياً فقط، وعندئذ يبدو كل شيء وكأنه يدور حول نفسه وحول الأرض والدائرة تنتهي دائماً حيثما بدأت وليس من مخرج. أمّا خشبة الصليب العمودية فرأسها في السماء، في العلاء مع أن قاعدتها ترتكز في التراب، وتتأصل في الأرض.

هذه الخشبة رمز لتعليمنا: إن من يحمل الصليب لا يحمل فقط شيئاً من النوع الإنساني البشري الأفقي. بل الصليب أيضاً وبصورة رئيسية، قاعدته أرضية وسقفه سماوي والمصلوب بين القاعدة والرأس يتصل بكليهما. في الصليب السماء تحمل عن الأرض، السماء تخفف عن الأرض، والأرض التي تئن ترفع همها إلى السماء. (من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني) لأنه إذا حمل خشبته الأفقية فقط لا شك أنه يرزح تحتها، لا شك بأنه قد يسحقه ثقلها وينهار انهياراً.

(من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه). فليكفر بنفسه. ليست الأرض وحدها ملكاً لنا، فليكفر بنفسه فيما يحض الأرض ويحمل الخشبة المنتصبة فيكون في السماء رأسه وفي الأرض فقط قاعدته. المؤمن حامل الصليب لا يعرف باباً موصداً يتعذر فتحه، لا يعرف مأزقاً لا يمكن الخروج منه، ولا يعرف مصيبة لا يمكن التغلّب عليها وإن بعد حين.

أيها الأحباء، السماء هنا ليست كلمة تطلق شعرياً. الذي يحمل صليبه ويمتد بقلبه مع الصليب أفقياً وعمودياً هذا أينما التفت وجد تعزية لقلبه. إذا التفت حوله ألقى الأخوة والأحباء، الأقرباء والمشاركين، الأصدقاء والزملاء، ووجد من يشاركه حمل الصليب في الإنسانية جمعاء. وإذا رفع أنظاره إلى فوق علم ما لم يعلم وفهم ما لم يفهم وذلك أن العالم صائر إلى زوال، كل ما في العالم باطل، ووجه الله هو الأوحد الباقي، ونحن نبقى وندوم بمقدار ما نرى ذلك الوجه الإلهي. عبثاً نركّز تقديرنا وتقييمنا، عبثاً نركّزهما إن في إنسان أو في مؤسسة، أو في بيت ولو كان ذاك البيت، البيت الإلهي الحجري بالذات، هذه لا يجوز أن تمسي في نفوسنا بديلاً عن الوجه الإلهي في القلوب والأفئدة. الله وحده هو الباقي، الصليب يقول هذا القول أيضاً.

وأيضاً يا أحباء حمل الصليب أمام إخوتنا هو دعوة لإخوتنا وطلب منهم أن نتعزى باسمهم، أن نتعزى من أجلهم، أن نجعلهم يشعرون بأننا إخوة لهم، وأن نلقي بحملنا على أكتافهم كما نلقي بالحمل على أكتاف ربنا وربهم. لذلك لا يليق بنا ولا يجدر أن ننعزل عنهم في مآسينا وكأن ما ألمَّ بنا وحدنا. لا. الكل يشاركون. الصليب اليوم يعلِّمنا بأن كل عين تنظر إليكم أيها الحزانى، أن هذه العين هي أيضاً تشارككم الدمع، وأن كل قلب ينبض بالحياة أمامكم ينبض بحبكم، يلهف إلى مساعدتكم. الصليب ليس قتلاً للذات، قتلاً انتحارياً، الصليب حَمْل مع الآخرين، مساعدة للآخرين.

في فترة الصوم الأربعيني المقدس الكنيسة الأولى كانت تعد أولئك الذين يستعدون للمعمودية إعداداً كثيفاً بإعطائهم روح الإيمان، بإعطائهم مضمون الإيمان، بإعطائهم كلمة الإيمان أيضاً.

نحن اليوم، الصليب المرتفع أمامنا وفي قلوبنا، فليكن لنا أمثولة، أفقياً تضم الجميع، عمودياً ترفعنا إلى الله، ويكون تعزيتنا الكبرى.

{ أُلقيت في اللاذقية في 6/4/1975}.


أحد القديس يوحنا السلّمي - الأحد الرابع من الصوم
كل شيء ممكن للمؤمن

 

النص الإنجيلي الذي سمعناه هذا الصباح يقول إن هنالك أباً كان له ابن وكان هذا الابن مريضاً مصاباً بداء الصرع. واعتماداً على وصف الأب لمرض ابنه، يمكننا أن نستنتج بأن مرض هذا الصبي كان شديداً وخطيراً. ويتضح أن ذلك الأب أتى إلى تلاميذ السيد المسيح بالذات وطلب إليهم أن يشفوا له ابنه فلم يتمكنوا. حينئذ حمله إلى المخلّص ذاته. والمخلّص ذاته، لدى رؤيته الأب والابن، قال للأب هذه الجملة الرائعة: (كل شيء ممكن للمؤمن)، كل شيء ممكن لمن قلبه عامر بالإيمان. ثم سأله هل تؤمن أن ابنك سيُشفى على يد المخلّص ؟ أجابه الأب: يا رب أنا أؤمن. عندئذٍ قال له يسوع: استجابةً لإيمانك، فليكن لك ما تريد. وشفي ابنه من تلك الساعة.

طُرح أمر ثانٍ على أثر معجزة الشفاء. ذلك أن التلاميذ تعجّبوا وقالوا للمخلّص: هذا الإنسان طلب إلينا أن نشفي له ابنه فلم نتمكن، فما السبب يا تُرى ؟ أجابهم يسوع: يا بني هذا الجنس، من الأمراض التي تتغلغل في نفس الإنسان، في جسمه، في كل خلاياه، هذا النوع من المرض لا يخرج إلاّ إذا كان الطبيب يصوم ويصلّي.
هذه الكلمات خرجت من فم الرب. نحن لم نخترع الصيام اختراعاً. نحن تعلّمناه من الرب يسوع المسيح ذاته. والرب نفسه هو صام. وهو عوّدنا أن يكون هو قبل الكل خاضعاً للقواعد التي يرسمها. لذلك قبل أن يأتي العالم ليصنع العجائب ويشفي المرضى، هو نفسه ذهب أولاً إلى البرّية وصام أربعين يوماً.

أيها الأحباء نحن نعتقد أن الخطيئة أمر خطير جداً. وأن وجه هذا العالم كان يمكن أن يكون مختلفاً اختلافاً كلياً لو لم تكن الخطيئة متأصلة في النفوس وفي القلوب. الخطيئة لا يتكلم عنها الناس كثيراً في هذه الأيام، لأننا صرنا في جيلٍ يتخفى وراء ظله ليخبئ خطيئته، في جيلٍ لا يحب أن يعترف بخطاياه. في إيماننا نحن، في إيمانكم أنتم، الخطيئة والفساد، اعني العفن والنتانة، الخطيئة والفساد شيء واحد. ولذلك فالموت، وفيه الفساد وفيه النتانة، هو ابن الخطيئة. ولذلك أيضاً إذا شئت أن تعالج الموت فعالج الخطيئة.

الموت في هذه الأرض – وموت الإنسان – ليس من عطايا الله، ولكنه نتيجة للعصيان الذي ارتكبناه أمام الله. الموت، موتنا، ليس طبيعياً ولا عادياً. لذلك فإذا كنّا أمام موت أحد أحبائنا نتمرمر فهذا حق، وهذا مقبول لأن الموت ليس من طبيعتنا. الموت والفساد مرتبطان ومتلازمان وسببهما واحد هو الخطيئة. أين الدواء ؟ الدواء في محاربة الخطيئة وفي طلب الصلاح.

لكن أين الصلاح ومن هو الصالح ؟ الرب يسوع هو الصالح والصلاح فيه. فكيف نسير إليه ؟ باتباعنا طريقته. نحن إذا صمنا، ونحن إذا صلّينا، ونحن إذا آمنّا بالرب يسوع بكل ذرةٍ من ذرّات وجودنا، وبكل ناحيةٍ من نواحي فكرنا وَظَنِّنا، فإنما نفعل ذلك لكي نحارب الفساد، فنحارب الموت بذلك الذي وحده له سلطان على الموت. هذا هو منطق الأمور في الكنيسة المقدس.

هذا يظن أنه يصوم من أجل معدته، وذاك من أجل بطنه، وذاك لأن الناس يصومون في مثل هذا الوقت، وذاك لأنه يتّبع (الموضة) في الصيام. هذا كله سخيف وهذا كله سطحي. نحن بالصيام نفتش عن عملية تنظيف، عن عملية تنقية لذرّات هذا الجسد. فالعين تحاج إلى تنقية، واليد تحتاج إلى تنقية، الجسد كله يحتاج إلى تنقية، النفس كلها تحتاج إلى تنقية.

في عالمنا اليوم لماذا تزداد ثمار الخطيئة وتزداد. بيادر عندنا اليوم من حصاد الخطيئة. بيادر من مقومات الموت والفساد. لماذا لا نلتفت في النهاية إلى الطبيب الشافي ؟ إلى ذاك الذي وحده غلب الموت والفساد ؟

نحن المؤمنين ولو تقلص عددنا ولو أصبحنا فرداً واحداً في الكون، فإن هذا الواحد سيبقى يُصرّ ويعلن ويبشّر بأن الدواء الوحيد للموت والفساد هو لدى الطبيب الوحيد الأوحد، ألا وهو الرب يسوع المسيح الشافي.

صومنا اتباع له. صلاتنا مسيرة إليه ومعه. والمسيحي هو من سار مع المسيح. نترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي لأن المسيح قام، ولأنه هو وحده الذي يغلب الموت والفساد.

أيها الأحباء، مناخ الصوم في الكنيسة، مناخ يجعلنا نفحص أنفسنا قليلاً. إننا نحتاج إلى تنقية. نعم نحتاج. كل واحدٍ منا يحتاج إلى نقاوة، يحتاج إلى طهارة. كل واحد.
لا تتكبروا ولا تكابروا فليس من واحد منا (فوق الغربال). فليعطينا الرب أن نتتبع خطاه، وأن نتنقى ونتغلّب على الفساد لكي نتغلّب معه هو على الموت، ونقوم معه في يوم قيامته ونسمع النشيد السماوي: (المسيح قام).

{ أُلقيت في دمشق في5/4/1981}.


أحد القديسة مريم المصرية - الأحد الخامس من الصوم
ويل لنا يوم يفتح الله صدورنا

 

(الكأس التي أشربها تشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ تصطبغان... أمّا جلوسكما عن يميني وعن يساري فهذا فقط للذين أُعِدَّ لهم).

من هم الذين أعد لهم هذا المركز؟ اللذان كانا يكلّمان المخلّص هما تلميذان له، هما من أقرب المقرَّبين إليه. بل بينهما من دُعِي (التلميذ الذي كان يسوع يحبه). التلميذان هذان هما بالذات من طلب إلى يسوع أن يسيرا معه في طريق آلامه حتى النهاية، شرط أن يجلس الواحد منهما إلى يمينه والآخر إلى يساره في ملكوته. لم يعطهما المخلّص وعداً ولكنه أطلق هذه الجملة التي تحمل أكثر من تفسير: (لقد أعطي اليمين واليسار لمن أُعدّ لهم).

التفسير الأول: إن الله الآب حكمة مسبقة في الأماكن التي تُعدّ في السموات من أجل خائفيه أو من أجل خلائقه وليس لي أن أتدخل في حكمة أبي ومقرراته السابقة.

التفسير الثاني: إن الله الآب لم يحدد مسبقاً من يجلس عن يمين الابن، ومن يجلس عن يساره في السماوات وخصوصاً أنه لم يحصر هذه الأمكنة بالذين كانوا مقرَّبين من المخلّص، بل ترك الباب مفتوحاً لكل من يرى الله أنهم أهل لها.

أحببت تفسير هذه الجملة كي نصل إلى صلب موضوعنا الحقيقي هذا الصباح. فالجواب المفتوح الذي أعطاه المخلّص يعني لنا أنه لا يمكن لأي مؤمن يريد ويتمنى ويشتهي أن يكون قريباً من مخلّصه، لا يمكن لذلك المؤمن أن يَعْتَبِر مجرد قربه من الرب على الأرض يؤهله آلياً لاحتكار السموات، أو يعطيه في الملك السماوي حقاً مشروعاً دون غيره من البشر الذين وُلدوا والذين لم يولدوا بعد. وبما أننا من المؤمنين – على ما نتمنى – فالخطاب موجَّه إلينا أيضاً يا أحبائي.

الصلاة والصوم والتقرّب من الأسرار الإلهية كلها ضروري ومهم، ولكن هذا لا يعني أنها تفرض على الله فرضاً قبولنا بصورة حتمية. هذا لا يعني أننا بصيامنا وصلاتنا نُقَيِّد حكمة الله ورؤيته العميقة بما نحن فاعلون من أعمال تقوية. فما يراهُ الله هو غير ما نراه نحن. وهاكم مثلاً: مريم المصرية التي نذكرها اليوم عاشرها رجال عديدون، هي زانية محترفة وعريقة في الزنى. اليوم نصلّي مع زانية مقدمة الزواني. هذه الزانية نعرف عنها، كما قال المرنم، أنها أصابت تحوّلاً في حياتها فاستبدلت لباس الزنى والعهر بلباس العرس للمسيح وهكذا انتقلت حياتها من وهدة الذل إلى منتهى الكرامة. وهذا يعني أن هذه المرأة لم تكن على ما كان يظنه دافعو ثمنها، بل كان لله يد تعمل في داخلها، ولقد كانت عين الله تنفذ إلى ما بعد الحجاب الخارجي المتهتك الذي كان يلف داخل هذه المرأة وأعماقها.

أيها الأحباء، لا نتوهمنّ ولا نرضينّ بما تمليه علينا مظاهر الناس من أحكام عليهم. فكم جسد تدنس يضم في طيّاته روحاً لم يفقد نقاوته، وكم جسد (طاهر) يخفي روحاً لا أوسخ ولا أردأ. فالكل ليسوا خطأة بالجسد بالضرورة، لكن الكل الكل خطأة بالروح والنفس والأعماق بما لا يقبل الشك. (لا تسرق.. لا تزنِ.. لا تشهد بالزور..). نعم، يا أحباء، ولكن العين التي لا ترى في الناس إلاّ السوء عين شريرة كافرة، والفكر الذي لا يروي إلاّ الشر عن هذا وذاك من الإخوة، أو هذا وذاك مما في الوجود، هذا الفكر هو فكر جاحد مخالف لكل الوصايا الإلهية. النيّة مرآة النفس والغريب أن نيّاتنا تميل دائماً إلى الفكر الشرير. نذكر هنا أقوال الكتاب: (سراج الجسد هو العين) و(من فضلات القلب يتكلم اللسان) و (ردّ عينيّ لئلا تشاهد باطلاً).

كم من الناس الذين لا يخالفون الوصايا والأعراف يسلكون ظاهرياً المسلك الحسن ولكنهم مجبولون بالزائف والمصطنع والكاذب ؟ كم من الناس تخلو قلوبهم من المحبة والوداد، من الإخلاص والوفاء ؟ كم من الناس لا يعرفون غفراناً ولا يتسع صدرهم لصفح أو عفو وخصوصاً على من لحقتهم الخطيئة مكشوفة ؟ كم من الناس ينسون أن يتئدوا عن إصدارهم الأحكام على إخوتهم قائلين في ذواتهم (تمهل) فعين الله غير عينك وفكره غير فكرك يا إنسان، وحذار أن تعاقب حيث يكافئ وتقسو حيث يرحم ؟ انتبه، انتبه فإن الزانية نفسها المحترفة انتقلت من حصن مشتريها إلى حصن ربها مباشرة، فيما نحن لا نزال في منتصف الطرق، لقد سبقتنا.
لذلك، يا أحباء، الذين أعدّ لهم المكان عن يمين المخلّص وعن يساره هم جماعة ممن شملت التنقية ليس فقط أجسادهم بل نفوسهم بالذات. التنقية في النفوس إلزامية وخصوصاً تنقية القلوب التي غالباً ما تبقى مشحونة بكل خبث وبكل دنس. بالفعل أقولها أمام الله: ويل لنا يوم يفتح الله هذا الصدر، صدري وصدرك ويكشف عن قلوبنا ويفضح ما فيها مما خفي واستتر...

أمثولة اليوم: الله يرى غير ما نرى، لذلك لا تفرحوا فقط بجسم نظيف، نقي، طاهر. افرحوا به إذا كانت تسكنه نفس طاهرة وقلب طاهر... وإذا كان بالفعل هيكلاً لله!

{ أُلقيت في اللاذقية في20/4/1975}.


أحد الشعانين
وجِّه نظرك إليه

 

في هذا اليوم المقدس المبارك يتّخذ عيدنا طابعه المسيطر، طابع الأطفال. وفي (الدورة) كان الصليب المقدس يتقدم أطفالنا ويُقَدَّم لهم للتقبيل والتبرك. وكان الآباء والأمهات يحملون أولادهم ويقتربون بهم أكثر فأكثر من الصليب المكرم كي يُقَبِّلوهْ ويتبركوا بنعمته. في هذا الوقت بالذات كنت أفكر كيف أننا نحن أيضاً نواكب الرب في مسيرته من بيت عنيا إلى أورشليم. ماذا كان في بيت عنيا ؟

في بيت عنيا صديق للرب كان قد مات، فأتى الرب وأقامه من بين الأموات، فكان أن اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع رباً وسيّداً ومسيحاً، هؤلاء عندما شاهدوا المعجزة انفتحت قلوب بعضهم وبدأ الإيمان يدب في قلوبهم، فهلعت قلوب رؤسائهم لأن يسوع أمسى خطراً على المجمع بالذات وعلى الهيكل وعلى الجماعة، الجماعة اليهودية برمّتها.

خافوا أن يفرغ الهيكل من العابدين وأن ينسحب من المجمع من كان مشتركاً فيه. فجاء الرؤساء وبدأوا يكيدون لابن البشر، راحوا يضربون أخماساً بأسداس. ماذا يجب أن نفعل كي نزيل هذا الذي يضرّ بهيكلنا ؟ كيف يمكننا أن نبعده ؟ وشرعت الدسائس والمؤامرات وبدأت الترتيبات ليؤخذ ربنا يسوع المسيح مخفوراً ويعلَّق على الصليب فدية عن العالم.

ماذا خلَّف الرب يسوع المسيح في بيت عنيا ؟ لقد خلّف يسوع موتاً مؤقتاً وقيامة مؤقتة. في بيت عنيا لعازر مات لثلاثة أيام أو أربعة، ثم قام، وها المسيح الآن في اتجاه أورشليم، في اتجاه القدس. ماذا ينتظره بعد أيام في القدس ؟ ينتظره أيضاً موت وتنتظره قيامة. ولكن هذا الموت من نوع آخر والقيامة من نوع آخر أيضاً.
إذاً التحرك من بيت عنيا إلى أورشليم، تحرك من موت إلى موت ومن قيامة إلى قيامة. لكن الموت والقيامة الأولين كانا مؤقتين. أمّا الموت والقيامة الآخران فنتكلّم عنهما في حينه.

لماذا يا تُرى نذكر الأطفال بصورة خاصة في استقبال يسوع ؟ لماذا ذكر الإنجيل الجموع بدون تخصيص بينما نحن نخصّ الأطفال بهذا العيد ؟ لا شك في أننا نذكر الأنبياء ونبوءاتهم: (من أفواه الأطفال والرضع هيأت تسبيحاً). النص الإنجيلي ذكر الجموع الغفيرة من البالغين التي واكبت المخلص. والنبوة لم تركز على مشاركة البالغين في الموكب بمقدار مشاركة الصغار.

نعم المشهد نفسه الذي تشاهدونه في هذه الكنيسة كان يؤلف موكب يسوع: هذا يسير أمامه، وذاك يسير وراءه، والآخر يضع أمامه ما تيسّر: قطعة قماش أو ثوباً أو غصناً من أغصان الشجر. إذاً كان الكبار والصغار، وخصوصاً الصغار بمثابة الجنود الذين أمام المخلّص، فلا عجب أن نركِّز اليوم في عيدنا على الصغار الذين هم أيضاً أسهموا في (الدورة)، دورة المخلّص. كنت أتصوّر، يا أحباء، ونحن ندور، أن الرب، مرموزاً له بصليبه، يسير أمامنا وكنت أتصوّرنا نخاطب أولادنا هكذا: يا ابني تزيّن، البس أجمل ما عندك وأفضل ما لديك، احمل الزهر إشارة للبهجة، وأضيء الشمع إشارة للنور، لأن الموكب الذي تستعد للسير فيه موكب ابتهاج وموكب نور. تصوّروا أننا نسير وهؤلاء الأطفال هم موضوع بهجتنا. هنا ألفتكم إلى أمر خاص وهو أن أطفالنا موضوع بهجتنا ليسوا كذلك بحد ذاتهم لأننا نراهم كل يوم، نراهم في بيوتنا، لكن ابتهاجنا بهم لأنهم يسيرون في موكب الرب. ابتهاجنا اليوم لأنهم يربطون صحتهم وجمالهم وبهجتهم ونورهم بما للرب يسوع الذي هو سائر أمامهم. هذه هي النقطة التي أود أن ألفتكم إليها.

من أجل مسيرة المخلص اليوم، يا أحباء، اشتغلت الأمهات كثيراً، اشتغل الخيّاطون، اشتغل الحلاقون، اشتغل كل من يمكن أن يزيّن ويجمّل. الكل اشتغلوا من اجل هذه الساعة وهذا له معناه. هذا معناه يتجاوز هذه الدقيقة، دقيقة (الدورة)، ويتجاوز الساعة التي قضيناها في الكنيسة مقتفين خطى الرب سائراً أمامنا تحت شكل صليب.

أمهاتنا اليوم ألفتهنّ إلى هذه الناحية: صورة مسيرتنا اليوم هي أننا عندما ندور، عندما نلبس، عندما نتزيّن، عندما نأتي إلى الكنيسة فغايتنا واحدة وهدفنا واحد هو شخص المسيح يسوع بالذات الذي إياه لبسنا، ومعه ننتقل من موت إلى موت، ومن قيامة إلى قيامة.

أمهاتنا اليوم لم تقف مسؤوليتهنّ عن أطفالهنّ الذين قدموا لكي يأخذوا البركة عند حد الزمن الذي تستغرقه الخدمة الإلهية. إنها الآن فقط بدأت كما أنها كانت قد بدأت في ساعة المعمودية.

أيتها الأم العزيزة، كوني أمّاً لمسيحي. فكثيراً ما تكوني مسيحية كما تعتقدين ولكنك أم لطفل غير مسيحي وابن غير مسيحي.

أيها الآباء، عهد في أعناقكم وعلى أكتافكم، أولادكم عهد عليكم أمام الرب في يوم مسيرته، أن يضعوا منذ هذه الساعة الرب هدفاً إن أكلوا، أو شربوا، أو صلّوا، أو تنزّهوا.

الصورة التي أود أن يبقيها كل واحد في ذهنه وأمام عينيه اليوم هي: يسوع أمام ابني. أمام ابني على الدوام لا في الكنيسة وحدها. وعليّ أنا كأب وكأم، علينا كآباء ومرشدين، أن ننبّهه بلا انقطاع قائلين له: يا ابني هذا الذي تسير في ركابه وجِّه نظرك إليه فهو سيدك.

{ أُلقيت في اللاذقية في 27/4/1975}.


يوم الجمعة العظيم
فليكن عبور المخلّص بقربنا خميرة

 

اليوم العظيم هذا نجد معناه في صلواتنا. لا ننسينّ، أيها الأحباء، أن مأساة قد حصلت لنا يوماً ما في الفردوس. هذه المأساة ما كان الله ليريدها أن تستمر. في البستان – انتبهوا – في البستان هنالك سيّدة هي أم كل واحد منّا بدون استثناء، هذه السيّدة أخذتها التجربة بشجرة، بغصن، بعود. هذه الشجرة كانت بمثابة وعد للإنسان آدم وللإنسان حواء أن يصبحا كإلهين. كانت النتيجة، كما نعرف، أن الإنسان، طالِبَ الألوهية، سقط، واستطراداً النتيجة كل إنسان يطلب أن يؤلِّه نفسه السقوط. وكلما توهّم نفسه إلهاً تدهور، مما يدعو الإنسان إلى أن يتعلّم من هذه المأساة الكبرى، إنه لن يحل محل الإله، لن يحل محل الخالق، لكنه على العكس يجب أن يكون دائم التواضع، أن يكون دائم الاعتراف بمحدوديته. اليوم نحن نعيِّد للمائت العظيم، الذي هو أيضاً، امرأة ولدته، هو أيضاً في بستان دُفن، هو أيضاً بواسطة عود، بواسطة خشبة، تماماً كما حصل في المأساة الأولى، بواسطة هذه الخشبة، سجّل الخلاص للعالم.

كل قائل بأن الإنسان هو إله نقول له: لا. ولكن القائل بأن الإنسان عبد لمحدوديته، عبد للضعف البشري، مقدَّر له أن يبقى دائماً حيث كان، وبالتالي أن يتحجر ويتقزز وييأس، هذا القائل نرد عليه: أنت مخطئ يا صاحبي. فإن ما تذهب إليه كان صحيحاً، ولكن في زمن مضى. هذا كان صحيحاً قبل أن تتنازل الألوهة نفسها من أجل الإنسان. هذا كان صحيحاً عندما كان خصام بينه وبين القوة العظمى، بينه وبين الخالق. أمّا منذ هذه الساعة التي لذكراها نعيِّد، نحن نعلن أن الإنسان لم يعد وحده. نحن نعلن أن الإنسان أصبح حبيب الله، أصبح المقرَّب إليه، ولذلك فلن يقف في طريقه شيء، ولن يحول شيء دون وصوله إلى مرتبة النعمة الإلهية.

نعم، نحن نشعر بأننا خطأة ولكننا لا نسمح لشعورنا هذا أن يبردنا ويجمدنا ويميتنا. هذا شأن اليائسين، هذا شأن الذين لا يدركون عظم التضحية التي تمت من أجلهم وعزيز الثمن الذي دفع من أجل تحريرهم. شأننا أننا نعرف أن كل خطيئة، وإن وقعت، تدفعنا بالإيمان خطوة جديدة على طريق الله وفي معارج التقدم وسبيل الابتهاج. نحن ليس أمامنا مدى محدود ولا وقت محدد. المسيح اليوم على خشبة الصليب فتح الآفاق ووسّعها إلى ما لا نهاية وجعل كل واحد منّا طاقة جبارة من الأمل والرجاء. لذلك فذكرى هذا العيد يجب أن تُزرع وتُفرع في القلب وفي الأعماق. الذي يخرج من هذه الكنيسة وقلبه خالٍ، خالٍ من الأمل، خالٍ من الرجاء، خالٍ من تذوّق الفرح المسبق، إن القلب الذي لا يتفجّر عزاً بالنصر على الخطيئة فيه وفي العالم وعلى كل مظلمة وعلى كل جور وعلى كل سوء هذا إذا خرج اليوم من الكنيسة دون التزود بهذه كلها فلن يكون له عيد.

يا أحباء، جدير بكل منّا عندما ندور نحن في الكنيسة ويقترب جسد الرب من المصلّين (وجسد الرب أقرب إلينا مما نظن، لأننا نأخذه أخذاً في القربان المقدس)، عندما يمرُّ جسد الرب بكم، أرجوكم أن تُفتح القلوب ليمرّ الرب لا بجانبنا، أعني سطحياً ومن الخارج، بل في هذا القلب القاسي المتحجر، هذا القلب الذي لا يؤمن إيماناً كافياً ولا يحب محبة كافية، وبالتالي لا يضحّي تضحية كافية.

عندما يمر هذا الجسد على الأقل فلتهمس الشفاه قائلة: (يا رب جُز في نفسي. يا رب طهِّر هذا الداخل، هذه الأعماق وهذه الأحشاء). عندئذ يخرج كل واحد منا مباركاً بالمسيح، مبتهجاً به.

لقد صوّر الرسول المسيح خميرة. الخميرة تدخل بصمت ولكنها تتخلل العجنة كلها وتخمرها. هكذا فليكن عبور المخلص بقرب كل واحد منّا، خميرة تتخلل كيانه بجملته.

{ ألقيت في اللاذقية في يوم الجمعة العظيم لسنة 1975}.

 


(*) لقد صدرت لغبطته الكتب التالية في منشورات النور: (التعليم القويم) (بثلاثة أجزاء)، (أؤمن)، (فتح كلامك ينير)، (القيامة والإنسان المعاصر) (بالفرنسية)، (نظرة رعائية إلى الكنيسة) في (آراء أرثوذكسية في الكنيسة)، وقد عرَّب غبطته (القصد الإلهي) و (كنيسة المشرق العربي). أمّا العظات التي ننشرها في هذا الكتاب فألقي بعضها في الكاتدرائية المريمية في دمشق والبعض الآخر في اللاذقية عندما كان غبطته مطراناً عليها قبل توليه السدّة البطريركية.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع