Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


فهرس المقال

أحد الابن الشاطر
الآب لا يُحاسب، تعالوا

في الأحد الماضي، في أحد الفرّيسي والعشّار برز أمامنا مثلث حي: أولاّ فرّيسي، ثانياً عشّار، ثالثاً ذلك الذي تُقَدَّم له الصلاة، أعني الله. اليوم أمامنا مثلث آخر: ابن صغير، ابن أكبر، أب صورة للآب السماوي.

الفرّيسي العالم بالنواميس قال: (أنا لست مثل ذلك العشّار)، والصبي الأكبر يقول لأبيه: ما بالك تعامل ابنك هذا الذي أخذ رزقك وصرفه مع الزواني، ما بالك تعامله أفضل مني، أنا الذي حفظتُ وصاياك، أنا الذي لم يخالف لك وصيّة ؟

العشّار في الأحد الماضي عندما سَبَرَ نفسه وأدرك أنه خاطئ قال: إن الصلاة الوحيدة التي يجدر بي أن أرفعها إلى الله، وهي صلاة استرحام واستغفار: (إني خاطئ). والابن الأصغر الذي ترك بيت والده وذهب يعيش كما شاء، هذا الابن وعى وقتاً ما بعد أن تدهورت كرامته إلى مستوى أدنى من الخنازير، وسأل نفسه: (لِمَ كلَّ هذا ؟ ولماذا لا أعود إلى أبي ؟). فكان أن عاد.

والشخص الثالث في مثل الفرّيسي والعشّار صامت لا يتكلم. الله الذي صلّى الفرّيسي أمامه، وصلّى العشّار أمامه لا يُسْمِع صوته، ولكن لوقا الإنجيلي يؤكد أن العشّار بنتيجة صلاته أمام ذاك الصامت، عاد إلى بيته مبرراً: (لأن من وضع نفسه ارتفع، ومن رفع نفسه اتضع).

هنا في إنجيل اليوم الأب يتكلم، وحديثه مع ابنه الصغير غيره مع ابنه الكبير. فمع صغيره لم يقل كلمة عتاب بعد كل ما حصل. ما قال له: يا ابني كنت عائشاً في هذا البيت على أفضل حال، لكنك مزّقت العائلة، قَسَّمت الرزق، وتركتنا نتألم لابتعادك. من هم أولئك الذين آمنت بحبهم لك أكثر منّا ؟ الذين في عينيك يفضلوننا أهلاً لك ؟ لم يقل الأب هذه الأقوال إذ – كما يقول الإنجيلي لوقا – حالما رأى ابنه الصغير يعود صفح عنه وضمّه وقبّله. ومن الجليّ الواضح أن الأب في استقباله ابنه لم يقم بعملية محاكمة داخلية، ولم يعطِ وقتاً لأي تساؤل: هل كان على حق ؟ هل له الحق بذلك ؟ هل يستحق الاستقبال أم لا يستحق ؟ ما أثر عودته في العائلة ؟ في البيت ؟ أحَسَنٌ هو أم سيئ ؟

لم يترك الأب مجالاً لأيٍ من هذه التساؤلات، بل أسرع لتوّه ودون تردد وعانق ابنه وقبّله وصفح عنه.

الإنجيلي يريد أن يقول لنا: الصفح والغفران عند الله صفة من صفات طبيعته وليسا أحد الوجوه العملية لصفاته الجوهريّة، إنهما أصلٌ لا فرع. الله غفور قبل كل شيء. الآب الأب لا يردّ سائلاً ولا يخيِّب تائباً. هذه طبيعته، لذلك سارع إلى استقبال العائد دونما تلكؤ.

لقد ورد عنه أنه ديّان، لكنه أولاً محبّ، أولاً مسامح وغفور. وكل صفة من صفاته تأتي بعد هذه الصفة لا قبلها. هذا كله معكوس إذا نُظر إليه من وضعنا نحن كآباء. إننا نحاسب بينما ذاك الأب الذي منه الحياة والكرامة لا يحاسب. نحن ماذا نعطي ؟ ماذا نعطي أبناءنا ؟ ما هو المثل الذي نقدمه لهم ؟ حياتهم معنا دينونة متواصلة، نهي مستمر وأمر مستمر، لكن الويل لهم إذا هم قابلوا ذلك بمحاسبتنا، وويل لهم إذا حاكمونا: كيف نعيش ؟ ماذا نقول ؟ كيف نتصرّف؟ إذا رأوا ما العلاقة بين ما نقول وما نفعل، بين ما نُظْهِر وما نُبْطِن.

أولادنا يشتهون اليوم الأب أباً والأم أماً. إن بعض الآباء وبعض الأمهات يتوسّلون أولادهم ويتخذونهم ذريعة لإظهار قوتهم وتسلّطهم. الصورة التي عندنا عن الآب الأب، عن الأب الأعظم ترسمه لنا يستقبل ويرحّب، يستقبل الخاطئ، يستقبل المرتدّ، ويرحّب بالعائد. هنا يخطر في بالي: لماذا قال الابن الأصغر في نفسه: (أعود إلى بيت أبي ؟). أما كان يعرف أنه هو الذي قسّم البيت وقسّم الرزق ؟! كان يعرف ذلك ولكنه كان يعرف أيضاً أن بيت أبيه يبقى مفتوحاً له ؟! لو لم يكن مدركاً أن محبة أبيه لا يقيسها مقياس، هل كان فكر بالعودة ؟ لماذا لم يَدُر في خَلَده حل الانتحار مثلاً ؟ ذلك بالحقيقة لأنه يدرك تمام الإدراك أن باب منزل أبيه مفتوح على مصراعيه كل آن وزمان.

لوقا الإنجيلي يركز في إنجيله على التحدث إلى العنصر الشاب. وهذا الشاب في تصرّفه الأول لم يدهشنا إطلاقاً: يا أبي أريد أن أتركك، أعطني حصتي، أود أن أذهب وآخذ رزقي. عقليّة جيلنا لم تعد كعقليتكم، أنتم جماعة رجعية، أنتم جماعة لا تحترم الحريات الشخصية، وأنا أريد أن أشق طريقي بنفسي. هذا نحن على علم به وليس بالشيء الجديد علينا، أمّا الغرض الذي من اجله كُتب هذا الإنجيل وأُعطي هذا المثل، فهو التوجّه إلى الشاب الذي سار في طريق ظنها طريق الكرامة فوجدها طريق المذلّة والتدهور والانحدار، إلى الشاب الذي ظن أن مسؤولية الإنسان في حياته تقف عند هذا الأخذ والتبذير والتنعّم، إلى الشاب الذي ظن أن الحياة فقط بمظاهرها ومباهجها ولذاتها، إلى الشاب الذي ظن كل هذا. الإنجيل يُذَكِّر هذا الشاب ويقول له: لا تنس أن بيت أبيك مفتوح، هيّا إلى الرجعة، الرجعة إلى الحق، الرجعة إلى الصواب، الرجعة إلى العدالة. الرجعة ليست رجعيّة. الرجعة إلى الحق تقدُّم، تَفَتُّح، لأنها نور جديد يشرق في قلب الإنسان، هذا النور الذي كثيراً ما نحاربه لأنه (رجعة) و (عودة). هذه الرجعة هي العبارة التي يستعملها الإنجيل المقدس مرادفاً لكلمة (التوبة).

ليس من احد يتوب كلياً في هذا الكون، ليس من أحد يعترف حقاً بأنه خاطئ. وقد يفعل ذلك بعض الناس، قد يعترفون بالخطيئة اعترافاً بالشفاه، ولكن القلب يبقى مملوءاً كبرياء، يبقى محكم الإغلاق في وجه التبدّل. التوبة هي في أن يتغيّر القلب في حد ذاته. نحن غير جدّيين في أننا نريد أن نتغيّر ونتجدّد. المغيّر هو المسيح، والمجدّد هو المسيح، وكل تغيير أو تجديد ليس منه سطحي، خارجي، فاشل. من منّا أحدث المسيح تبدلاً وتجدداً في طعامه أو شرابه أو ملابسه أو أعماله أو طريقة عيشه أو في بيته ؟ ولكن مهما بلغ الأمر، فالأب الذي لم يحاسب صغيره في الإنجيل لن يحاسبنا. أقول لأولئك الذين لم يتعرفوا إلى المسيح حتى الآن، أقول لهم: إن الآب لا يحاسب، تعالوا. تعالوا. عندما انسحبتم لَقيتم الخنازير والزواني والوحل، ففي العودة تلقون الفرح في السماء والأرض بميتٍ عاش وضالٍّ وجد.

{ ألقيت في اللاذقية، الأحد في 2/3/1975}.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع