Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


فهرس المقال

أحد مرفع الجبن
لا أحيا أنا

 

اليوم على عتبة الصوم الأربعيني المقدس، نحاول أن نفهم الصوم ونفهم ضرورة الصلاة لذلك ننطلق من هذه النقطة.

الإنسان على الأرض ليس في وضعه الطبيعي. الطبيعة كما نراها ليست طبيعيّة. وضع الإنسان على الأرض فيه تزييف، وفيه اسوداد. وكذلك وضع الطبيعة الطبيعيّة لحقه التزييف ولحقه الاسوداد. ليس من الطبيعي أن يكون مَن خُلق على صورة الله ومثاله غير صادق مثلاً، وهو كذلك حقاً في كثير من الأحيان. ولا أن يكون مُعْوَجَّ التصرف والسلوك، وهو كذلك حقاً في غالب الأحيان. ليس من الطبيعي أن الإنسان الكبير الكبير ينحدر في الخطيئة إلى درك لا يليق به، لا يليق بكرامته، ولا يليق حتى بالبهائم نفسها. الإنسان الشاذ المنحرف، والإنسان المجرم، والإنسان المستغل، والإنسان اللص كل هؤلاء ليس من الطبيعي أن يوجدوا في هذه الدنيا.

وكثيراً ما نجد إنساناً طيّباً يعجبنا ونحبه، وإذا به ينقلب في الغد رأساً على عقب بحيث لم يعد ذلك الطيّب الذي أحببناه. ما عدنا نعرفه. وكثيراً ما نتوّقع المحبة من عزيز كما عوّدنا، وإذا به يخلو قلبه من المحبة خلواً كاملاً. إذاً أمامنا مشكلة.

ما الذي يحدث ؟ ما قصة هذا العالم ؟ لماذا يختلف الناس ؟ لماذا لا يتبادلون المحبة والعطف؟ لماذا يختلف الأخ مع أخيه والأب مع أولاده ؟ لِمَ الحروب ؟ ولِمَ هذا التنافر؟ ما القصة في هذه الدنيا ؟!

الجواب كما نؤمن به هو أن هنالك مرضاً عضّالاً في العالم. إن هنالك تشويهاً لَحِقَ الإنسان ورافقه منذ البدء بعد أن سقط في الخطيئة، وأمست الخطيئة من طبيعته وعمّت الكون.

قصة هذا الكون أن الخير والشر يتنازعان الإنسان: بيمناك تصنع صلاحاً فتهدم الصلاح يسراك. لقد نفذت الخطيئة إلى قلب الإنسان وتخللت كيانه بكامله ونفخت سمومها حتى في المخلوقات الحيوانية والنباتية والجامدة.

إذاً عندما نشاهد أن الإنسان بطبيعته يسعى وراء رغباته، وراء شهواته، وأنه بطبيعته يركض ويجهد ليقتات، ويطلب الغنى، والمجد، والسلطان، عندما نقول هذا القول نقصد أن الواقع صحيح من حيث أنه يصف ما يبدو طبيعياً مألوفاً. لكن مفهومنا لطبيعة الإنسان الأصيلة هو عكس هذا الواقع. إن طبيعة البشر قد شوّهت وإنساننا مزيّف وخاطئ. وما ننعته بالطبيعي اليوم هو ابن الزور الذي تسببه الخطيئة للإنسان، أمّا الإنسان الحقيقي، الإنسان الأصيل فطبيعته ليست كما ذكرنا. إذاً مشكلتنا هي: أن العالم تحوّل من وضع نعتقده طبيعياً بالمعنى الحقيقي للكلمة إلى وضع نطلق عليه صفة الطبيعي فقط بحكم العادة والعرف.

لماذا نأتي إلى الكنيسة ؟ لماذا نسمع مثل هذه الكلمات من الإنجيل المقدس. لماذا نصوم ؟- وهل نصوم ؟- لماذا نصوم ؟ كنت أقول لو تُرك الإنسان على سجيته لكان فتش عن أن يشبع، لا عن أن يجوع. عن أن يتلذذ لا أن يكبح جماح نفسه. سباع الأرض تعيش على أساس الغريزة ولا تعرف الصيام ولا تعرف الحرمان الاختياري، وبكلام آخر لا تعرف التضحية. أذكر مجدداً أنه: إذا كان المفهوم بكلمة الطبيعة ما ألِفْناه في حياتنا، فخطنا الديني هو مخالف للطبيعة، لا بل ضدها.

نحن نعتقد أيها الأحباء أن الإنسان وُلد في عالم هو عالم الله، وكان الإنسان قريباً من الله ينعم بالتحدث إليه، ينعم بجواره وبرفقته. الإنسان الذي خُلق على صورة الله ومثاله كان قريباً من الأصل الذي هو على صورته ومثاله. ولكنه مات من عالم الله، انفصل عن العالم الإلهي، وابتعد عن هذا العالم كي يصنع عالماً خاصاً به، عالماً لنفسه، عالماً أدنى. ترك الإنسان السماء ميمماً شطر الأدنى، وخلّف عيش السماء ليعيش على مقتضى نواميس عالمه المشحون بالخطيئة.

نحن اليوم نسير ضد ما هو طبيعي حسب العرف والعادة. في هذا الصوم سَنُحْرم بعض المأكل – هذا إذا صمنا – لأننا نريد أن تَغْلِبَ طبيعتُنا الأصليةُ التي يهمها أن يشبع أخونا قبل أن نشبع نحن، طبيعَتَنا المشوّهة المألوفة التي تقضي بأن أشبع أنا قبل أن يشبع أخي.

في هذا الصوم الأربعيني المقدس يزداد وعي المسيحي أنه خاطئ وأنه بسبب الخطيئة اجتاحت التعاسة الناس، لذلك وجب أن أنقّي نفسي قبل أن أطلب من أي إنسان تنقية نفسه. في هذا الصوم يتبدل معتقدي السائد: (كل الناس خطأة سواي، كل الناس في الزلة إلاّ أنا). المزايدة المألوفة في التقريظ لا نريدها، مزايدتنا اليوم هي بالاعتراف بخطايانا. فإذا قلتم خطئنا ألف مرة شرّفني القول: لقد خطئت ألف ألف مرة.

اليوم نسعى إلى رفع التراب عن الطبيعة الأصلية الدفينة بواسطة النظام الذي نتبعه. هذا النظام الروحي نتبنّاه ونتخذه قاعدة للصائمين لنقلب الواقع الذي نعيش فيه من واقع تشحنه الخطيئة إلى واقع أصلي أصيل كدنا أن ننساه بسبب سقطاتنا.

بعض العلماء التطوريين ومنهم داروين وتلاميذه ومدارس أخرى قالوا: (الإنسان يتطوّر نحو الأفضل والبقاء للأنسب). لا أعتقد أن إنساناً واحداً على وجه الأرض يعتقد بأننا اليوم أفضل مما كنا عليه، وليس ما يحتم أننا نتقدم بمجرد مرور السنين والأيام. لم تعد هنالك نظريّة علمية واحدة على هذه البساطة. داروين وتلاميذه قالوا: الحياة للأنسب. في الحياة يعيش من يقدر أن يقاوم، من يقدر أن يَثْبُت في معركة تنازع البقاء. أي أن البقاء تنازع، البقاء معركة فيها منتصر وفيها منكسر، والمنتصر وحده هو الذي يعيش، إذاً يعيش على أشلاء المنكسر. في هذا المبدأ ليس من أخ، ليس من أب، ليس من أم، ليس من حبيب، ليس من إنسان يضحّي. كل الناس أخصام كل الناس والجميع في صراع مع الجميع. نحن اليوم لا نوافق على مبدأ كهذا. نؤمن بأنه غير كاف ولا يكفي لتفسير بقاء الإنسان من حيث هو إنسان. إننا نعتقد أن المقام الأول الفعلي للطبيعة الأصلية هو لمن يعطي لا لمن يأخذ، لمن يبذل لا لمن يُبذل من أجله، لمن يُضحّي لا لمن يُضَحَّى من أجله. والصيام هذا أحد معانيه.

صحيح أيها الأحباء، إننا اندمجنا إلى حد بعيد بهذا العالم المألوف الذي قلت عنه بأنه غير طبيعي بالنسبة إلينا، وانجرفنا في هذا التيار. هذا التيار نحن يُطلب إلينا أن نوقفه. لا يحق لنا أن نأكل إذا جاع الناس، لا يجوز لنا أن نضحِّي بالبشر من أجل تقدّمنا عليهم، لا يجوز لنا أن نعطي حاجاتنا الأوّلية الأسبقية، ونؤخر حاجات الآخرين، لا يجوز إلاّ أن نضع أنفسنا في متناول البشر لنساعدهم، لا لنقاتلهم ونسلبهم لقمة العيش. نحن خطأة ونعيش حسب نظام الخطيئة.

أيها الأحباء، الصوم الأربعيني المقدس يعني أن نتبنّى نظاماً آخر في حياتنا، نظاماً لا يريح ولا يؤمّن لك لذة أو بهجة بالمعنى الدنيوي للكلمة، لكنه نظام يعيك إلى إنسانك الأصيل الذي يدعوك الله إلى العودة إليه. أمّا لذّتك، أمّا راحتك، أمّا انبساطك فهذه ما كانت لتكون كما تعوّدتها لو لم تكن فيك الخطيئة، إذاً هي بنت الخطيئة. نحن خُلقنا لنتعب من اجل إخوتنا، لا لنرتاح على أكتافهم.

أطلب إلى الله تعالى أن يعطينا القوة لنستعيد في نفوسنا واقعنا الخاطئ ونرى أثر الخطيئة يمزّق العالم، ونتخذ الصيام قاعدة لحياة هي من نوع لا أحيا أنا ولكن يحيا أولئك الذين أعطاهم الله لي أن يكونوا على صورته ومثاله.

{ أُلقيت في اللاذقية في 16/3/1975}.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع