Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


فهرس المقال

أحد غريغوريوس بالاماس - الأحد الثاني من الصوم
نبذر في الأرض بذاراً سماوياً

 

اليوم نركِّز على استغراب الكتبة الذين دهشوا لأن ابن البشر المخلّص قال للمخلّع: (لك أقول: قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك، مغفورة لك خطاياك). ما يهمنا من هذا الحدث هو حصول ما لم يكن يتوقَّعه الكتبة، أي اللاهوتيون، أي الجماعة التي تفهم، فكان غريباً إلى حد أنه أدهش الجميع. النقطة التي سأركِّز عليها هي السبب في الدهش.

السبب في الدهش هو أن هنالك واحداً فقط يغفر الخطايا وهو الله نفسه، وليس من أحد سواه، وهنالك شافٍ واحد هو الله تعالى، وليس من أحد يمكنه أن يقل لمخلّع: قم احمل سريرك وامشِ إلاّ هذا الكائن الإلهي الذي هو الله. هذا ما تعوّده الكتبة وما ألفوه، هذا هو دستور إيمانهم العادي. ما حدث جعل هذا النظام يختل، وبالتالي سبّب قلقاً ودهشاً لأولئك الكتبة، أولئك اللاهوتيين.

إنسان جاء، صورته صورة إنسان تماماً كسائر الناس، هذا الإنسان وقف أمام المخّلع وخرق الأنظمة، خرق المألوف، ووضع نفسه موضع الله وقال للمخلّع: (مغفورة لك خطاياك، قم احمل سريرك وامشِ إلى بيتك). فكأن شيئاً على الأرض اختلف عن العادي، كأن شيئاً من السماء نزل إلى الأرض لينجز فيها فعلاً سماوياً، هذا هو ما حصل وهو بالفعل أمر مدهش. تصوّر، مثلاً، أن إنساناً أتى هذه الكنيسة الآن، ونصف الناس وقوف لقلة المقاعد، وقال: فلتكن مقاعد للجميع، فإذا بها توجد ويمسي الكل جلوساً. هذا يدهشنا لأنه ليس بالشيء الذي ألفناه والمألوف هو حتماً من هذا العالم. ويبدو أننا، يا أحباء، تعوّدنا النظر إلى كل شيء بمنظار عالمنا وبمنظار إنسانيتنا.

وصف بعض العلماء عالمنا، ووصفهم صحيح، بأنه عالم لم يعد لله فيه من مكان. فليفحص كل منا نفسه وليمعن النظر في برنامجه اليومي مثلاً ويتساءل: أين مكان الله في هذا البرنامج وأي وقت كُرّس له ؟ لذلك نحن أيضاً يعترينا الدهش لو قام الله بصنيع مفرد غير مألوف لأننا نحن أيضاً قد أسقطنا الله من حسابنا.

لو انتبهنا إلى الرسالة لوجدنا أن غاية مجيء المسيح هي بالضبط قلب الأنظمة (الطبيعية) المعتادة، المألوفة التي نرتاح لها. المسيح يعني قلب كل هذه المفاهيم. ماذا حدث ؟ إن البقاء لله وحده وقد حلّ الله بيننا. قالت رسالة اليوم: كل شيء يأتي إلى نهاية، كل إنسان ينتهي، هذا لا يحتاج إلى برهان. والباقي هو واحد أحد، الله تعالى، لأن هذا الباقي عنده البقاء في جوهره وليس مجرد صفة من صفاته ولا يمسه الفناء. أمّا العالم فمدعو إلى الفناء، لكنه في هذا العالم أتى من لا فناء له. إنه الواحد الذي قيل له: (اجلس عن يميني كي أضع أعداءك موطئاً لقدميك) وأعدى الأعداء هو الموت.

إذاً ماذا حدث في عالمنا المتقلب المتغيّر السائر في اتجاه فنائه، هذا العالم الذي لا يبقى إلاّ إذا زرعت فيه الحياة من خارجه، أي من الله تعالى، هذا العالم الذي يسوده الموت. أين الأجيال الماضية ؟ أين بعض فصائل الحيوان والنبات ؟ أين الكثير من الجبال والتلال ؟ أين تضاريس عالم الملايين من السنين قبل الميلاد ؟ لم يصمد شيء منها أمام الموت.

هذا العالم قيل فيه لواحد: (اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك). هذا الواحد هو ربنا يسوع المسيح.

فهل هنالك مجال للدهش إذا كنا ننظر إلى المسيح أنه الجالس عن يمين الآب، وأنه الوحيد الأوحد المميّز بين كل موجود، هل ندهش إذا شاهدناه يفعل في العالم ما هو من فوق العالم وأنه يجعل مألوفاً بين الناس ما ألفوه غريباً عنهم ؟

الشيء المهم، أيها الأحباء، هو أن حياتنا المسيحية ترتكز على قواعد تخالف الطبيعة بالمعنى العادي للكلمة. فصيام الصائمين مثلاً يخالف الطبيعة، كبح جماح الأهواء يخالف الطبيعة، الحد من حدة رغباتنا وشهواتنا فلا تتحقق على حساب الآخرين هذا أيضاً ليس من قبيل الناموس الطبيعي.

باختصار: تفكيرنا اليوم مركّز على أنه في عالمنا، عالم الفناء أصلاً، أُعطيت الحياة، وأُعطيت كاملة لواحد هو المسيح، ومنذئذ غدا العالم مزيجاً من المألوف وغير المألوف، من الطبيعي ومن الإلهي.

وفي الصيام – وهو سخافة في أعين الكثيرين - ، في حياة الصلاة، وفي حياة الإيمان التي لا تستمرئها الكثرة من الناس، نُدخل عنصراً جديداً في الوجود ونؤكد أن من ينظر إلى هذه الحياة على أساس مقاييس هذا العالم وحدها فلا غرابة أن يرى شؤون الله ليست بذات بال. مركز البحث هو أن يلبس إنساننا لباس الله وينظر إلى دنيانا بمنظار الله، فيرى الأمور على غير ما هي من رتابة وسطحية. إننا بالإيمان بيسوع المسيح متجسداً نسعى جاهدين لتتحقق في الأرض الحياة الإلهية وهذه هي غاية الإيمان وإلاّ فلِما كان الإيمان.

إني أسأل الله الذي أراد أن نخلص بذاك الذي وضعه عن يمينه قائلاً: (اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك)، إننا نسأله أن يقوّينا ويقوّيكم جميعاً لنجوز هذه الفترة بالعيش الإلهي في عالم غير إلهي، محتملين حكم الناس علينا بشجاعة، بقوة، بإيمان، معلنين أننا في حياتنا نبذر في الأرض بذاراً سماوياً.

{ أُلقيت في اللاذقية في30/3/1975}.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع