Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


فهرس المقال

أحد القديسة مريم المصرية - الأحد الخامس من الصوم
ويل لنا يوم يفتح الله صدورنا

 

(الكأس التي أشربها تشربانها، وبالصبغة التي أصطبغ تصطبغان... أمّا جلوسكما عن يميني وعن يساري فهذا فقط للذين أُعِدَّ لهم).

من هم الذين أعد لهم هذا المركز؟ اللذان كانا يكلّمان المخلّص هما تلميذان له، هما من أقرب المقرَّبين إليه. بل بينهما من دُعِي (التلميذ الذي كان يسوع يحبه). التلميذان هذان هما بالذات من طلب إلى يسوع أن يسيرا معه في طريق آلامه حتى النهاية، شرط أن يجلس الواحد منهما إلى يمينه والآخر إلى يساره في ملكوته. لم يعطهما المخلّص وعداً ولكنه أطلق هذه الجملة التي تحمل أكثر من تفسير: (لقد أعطي اليمين واليسار لمن أُعدّ لهم).

التفسير الأول: إن الله الآب حكمة مسبقة في الأماكن التي تُعدّ في السموات من أجل خائفيه أو من أجل خلائقه وليس لي أن أتدخل في حكمة أبي ومقرراته السابقة.

التفسير الثاني: إن الله الآب لم يحدد مسبقاً من يجلس عن يمين الابن، ومن يجلس عن يساره في السماوات وخصوصاً أنه لم يحصر هذه الأمكنة بالذين كانوا مقرَّبين من المخلّص، بل ترك الباب مفتوحاً لكل من يرى الله أنهم أهل لها.

أحببت تفسير هذه الجملة كي نصل إلى صلب موضوعنا الحقيقي هذا الصباح. فالجواب المفتوح الذي أعطاه المخلّص يعني لنا أنه لا يمكن لأي مؤمن يريد ويتمنى ويشتهي أن يكون قريباً من مخلّصه، لا يمكن لذلك المؤمن أن يَعْتَبِر مجرد قربه من الرب على الأرض يؤهله آلياً لاحتكار السموات، أو يعطيه في الملك السماوي حقاً مشروعاً دون غيره من البشر الذين وُلدوا والذين لم يولدوا بعد. وبما أننا من المؤمنين – على ما نتمنى – فالخطاب موجَّه إلينا أيضاً يا أحبائي.

الصلاة والصوم والتقرّب من الأسرار الإلهية كلها ضروري ومهم، ولكن هذا لا يعني أنها تفرض على الله فرضاً قبولنا بصورة حتمية. هذا لا يعني أننا بصيامنا وصلاتنا نُقَيِّد حكمة الله ورؤيته العميقة بما نحن فاعلون من أعمال تقوية. فما يراهُ الله هو غير ما نراه نحن. وهاكم مثلاً: مريم المصرية التي نذكرها اليوم عاشرها رجال عديدون، هي زانية محترفة وعريقة في الزنى. اليوم نصلّي مع زانية مقدمة الزواني. هذه الزانية نعرف عنها، كما قال المرنم، أنها أصابت تحوّلاً في حياتها فاستبدلت لباس الزنى والعهر بلباس العرس للمسيح وهكذا انتقلت حياتها من وهدة الذل إلى منتهى الكرامة. وهذا يعني أن هذه المرأة لم تكن على ما كان يظنه دافعو ثمنها، بل كان لله يد تعمل في داخلها، ولقد كانت عين الله تنفذ إلى ما بعد الحجاب الخارجي المتهتك الذي كان يلف داخل هذه المرأة وأعماقها.

أيها الأحباء، لا نتوهمنّ ولا نرضينّ بما تمليه علينا مظاهر الناس من أحكام عليهم. فكم جسد تدنس يضم في طيّاته روحاً لم يفقد نقاوته، وكم جسد (طاهر) يخفي روحاً لا أوسخ ولا أردأ. فالكل ليسوا خطأة بالجسد بالضرورة، لكن الكل الكل خطأة بالروح والنفس والأعماق بما لا يقبل الشك. (لا تسرق.. لا تزنِ.. لا تشهد بالزور..). نعم، يا أحباء، ولكن العين التي لا ترى في الناس إلاّ السوء عين شريرة كافرة، والفكر الذي لا يروي إلاّ الشر عن هذا وذاك من الإخوة، أو هذا وذاك مما في الوجود، هذا الفكر هو فكر جاحد مخالف لكل الوصايا الإلهية. النيّة مرآة النفس والغريب أن نيّاتنا تميل دائماً إلى الفكر الشرير. نذكر هنا أقوال الكتاب: (سراج الجسد هو العين) و(من فضلات القلب يتكلم اللسان) و (ردّ عينيّ لئلا تشاهد باطلاً).

كم من الناس الذين لا يخالفون الوصايا والأعراف يسلكون ظاهرياً المسلك الحسن ولكنهم مجبولون بالزائف والمصطنع والكاذب ؟ كم من الناس تخلو قلوبهم من المحبة والوداد، من الإخلاص والوفاء ؟ كم من الناس لا يعرفون غفراناً ولا يتسع صدرهم لصفح أو عفو وخصوصاً على من لحقتهم الخطيئة مكشوفة ؟ كم من الناس ينسون أن يتئدوا عن إصدارهم الأحكام على إخوتهم قائلين في ذواتهم (تمهل) فعين الله غير عينك وفكره غير فكرك يا إنسان، وحذار أن تعاقب حيث يكافئ وتقسو حيث يرحم ؟ انتبه، انتبه فإن الزانية نفسها المحترفة انتقلت من حصن مشتريها إلى حصن ربها مباشرة، فيما نحن لا نزال في منتصف الطرق، لقد سبقتنا.
لذلك، يا أحباء، الذين أعدّ لهم المكان عن يمين المخلّص وعن يساره هم جماعة ممن شملت التنقية ليس فقط أجسادهم بل نفوسهم بالذات. التنقية في النفوس إلزامية وخصوصاً تنقية القلوب التي غالباً ما تبقى مشحونة بكل خبث وبكل دنس. بالفعل أقولها أمام الله: ويل لنا يوم يفتح الله هذا الصدر، صدري وصدرك ويكشف عن قلوبنا ويفضح ما فيها مما خفي واستتر...

أمثولة اليوم: الله يرى غير ما نرى، لذلك لا تفرحوا فقط بجسم نظيف، نقي، طاهر. افرحوا به إذا كانت تسكنه نفس طاهرة وقلب طاهر... وإذا كان بالفعل هيكلاً لله!

{ أُلقيت في اللاذقية في20/4/1975}.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع