Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


إن المسيحي مسافر، وهو غريب، ويروم أن يكون غريباً عن العالم لكيما يتمكن من تبليغ البشارة بقيامة المسيح بصورة أفضل إلى أقصى أعماق العالم. فلأنه غريب، فهو يصبو إلى توثيق ما يربطه من عرى بالمسيح الذي يبتغي إيصاله إلى الآخرين، فيرى أن لا سبيل إلى ذلك إلا في ملاقاة، في مجابهة شخصية، في اتصال دائم بذلك الذي شاء أن يكون إنساناً، محبة بالناس.

ولا يكون المرء مسيحياً، بل يصير مسيحياً، ولا يمكنه أن يصير إلا بتعمقه تعمقاً روحياً، إلا ببحثه عن الحاجة الوحيدة فيعطى كل ما تبقى ويزاد. (إن أردت أن تكون كاملاً...اتبعني). أجل،إن أحكام المسيح ودعوته إيانا إلى الشعور والتهيؤ الكلي تصبح كل شيء فيكتشف الإنسان أن المهم ليس أن يكون طالباً مسيحياً أو عاملاً أو طبيباً أو تاجراً مسيحياً بل أن يكون أولاً مسيحياً، يطلب العلم أو يعمل بالأجرة أو يمارس الطب أو التجارة.

هذا الشعور والتهيؤ، تيقظ المرء لحضور المعلم، (محاكاة المسيح) هذه، تصير عندئذ محور اهتمام المسيحي فينفتح للعالم، وإذا به يصبح مسؤولاً عن إخوته وعن طائفته وعن الإنسانية جمعاء.

لقد شاءت حركة الشبيبة الأرثوذكسية، منذ نشأتها، أن تكون الصوت المذكر بهذه الأحكام الأساسية. إذ لا يمكن لأي تجديد أن يتحقق إلا بعودتنا إلى الرب، إلى من هو فينا، إلى من يقدم ذاته من أجلنا على الدوام قرباناً وننطلق معه لخدمة الآخرين. وهذا هو السبب في إلحاحنا على الصلاة، شخصية أم مشتركة، وعلى التأمل في الكلمة وقراءتها كسعي وراء الكلمة المتجسد، هذه علة تشديدنا على ضرورة المداومة على تناول الأسرار المحيية، علنا، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، ننتقل من سر الشكر إلى (سر القريب).

حياة الصلاة هذه، حياة حضور المسيح معنا، تبلغ أوجها، فترسخ في كونها مصدر نعمة وملء، عندما تذوب حياة المسيحي في حياة الصلاة في الكنيسة (حيث يتناغم صوته الضعيف مع صوت أخوته ويكبر بانضمامه لصوت الحضور وصوت الكاهن...(يوحنا الذهبي الفم)) في ليتورجيا تيسر لهم الدخول في شركة القديسين، فيذوقوا منذ الآن نعيماً أخروياً، ويقتربوا من أعتاب السماء. قال ثيودورس من أنديلا في الليتورجيا أنها (مراجعة كافة أحداث الخلاص... فالمؤمنون بصفتهم مشتركين (لا مشاهدين) يرقون إلى كرامة شهود عيان لتاريخ الخلاص، شهود يعاينون حياة المسيح عياناً).

إننا نسافر بواسطة الليتورجيا، عبر الزمان، من تكوين الخليقة إلى ظهور المسيح الثاني، فننقل إلى حيث يلتقي الزمن بالأزلية، ونغدو هكذا معاصرين لأحداث الخلاص. فأثناء خدمتي الميلاد والفصح مثلاً يولد المسيح ويقوم من بين الأموات، وليس هذا أحداثاً ثانياً أو تكراراً في الزمن، بل تكون الجماعة أمام الحدث الفريد بعينه. وواقعية الليتورجيا الأرثوذكسية هذه، كونها بالفعل حياة في المسيح ومع المسيح، ترجع إلى أنها (حافظت على روح الليتورجيا في الكنيسة الأولى، ومازالت تحيا منها وتستقي من معينها أكثر مصادرها صفاء ونقاء) الأب أوليفيه روسو الكاثوليكي، أحد رواد (الحركة الليتورجية) في الغرب.

يسوقنا إلى العودة إلى أنفسنا نسألها الحساب. فإنه، إن صح قولنا أن الأرثوذكسيين قد حافظوا على غنى الطقوس، لا يسعنا إلا أن نضيف أنهم تجاهلوا الاستفادة منها، فما عادوا يعرفون (أن يفتحوا الباب السري الذي مفتاحه في يدهم) كما قال الأب ألكسندر شميمان. إن المحبة في أيامنا الحاضرة منقطعة عن الفهم. إننا لا نزال نتعلق بمظاهر الليتورجيا الخارجية، فنحب حضور هذا الجزء من الخدمة أو ذاك (لأنه شيء جميل)، لأنه يحيط به جو عجيب أو لأنه يبعث فينا ما يثير من الانفعالات... أما معنى الليتورجيا العميق، فما عدنا نفهمه.

إن الوصف الذي وصفت به ميرا لوت بورودين المهاجرين الروس في مطلع قرننا الحالي، ينطبق على الأرثوذكسيين العرب: (يصل المصلي متأخراً كثيراً إلى القداس الإلهي، حتى بعد تقديس القرابين، وينتقل الداخلون إلى الكنيسة لإضاءة الشموع أثناء قانون المناولة، ويسجد المصلون لدى سماعهم ترتيل أولى كلمات الشيروبيكون، بينما لا يحنون رؤوسهم مجرد إحناءة أثناء تقديس القرابين...). ويمكننا أن نضيف إلى هذه الملاحظات المتعلقة بالقداس الإلهي أن هناك جهلاً مؤسفاً محزناً للخدمات الأخرى كما أن هناك تعلقاً بالحرف أعمى، تعلقاً بالفعل الخارجي يذهب بما في الرمز من رسالة حياة، ويجعل منها فعلاً سحرياً تعمل فيه الكلمات والحركات دونما ارتباط بذهن من يقوم بها وفهمه.

إن الكتاب الذي نقدمه الآن، وهو من إنتاج رهبنة دير مار جرجس الحرف، يسد إلى جانب الكتب الأخرى التي خصصتها منشورات النور لمواضيع الليتورجيا ((راجع (مدخل إلى القداس الإلهي) للأستاذ كوستي بندلي، و(مائدة الرب) للأب أثناسييف بتعريب المطران اسبيريدون خوري، و(ذبيحة التسبيح) لفريدا حداد، و(زمن الصوم) للأب جيلله))، فراغاً ويملأ ثغرة والحالة هذه. وقد قصد من ورائه التأكيد على أن الليتورجيا عبادة أصيلة نؤديها للخالق بالروح والحق، عبادةٌ كل شيء فيها ذو معنى ودلالة، يعبِّر كل ما فيها عن شيء من (الحاجة الوحيدة). والكاتب يعبر عن خبرة معاشة ويجعلنا نستشف من صفحات كتابه غنى ليتورجيَّتنا الطائل ويطلعنا على مكانة كل منا ودوره في قحمة تقديس الزمن!

لقد كانت معظم هذه الصفحات، في الأصل موجهة إلى مسؤولين من شباب حركة الشبيبة الأرثوذكسية مجتمعين في حلقات للدراسة لاكتشاف كنوز كنيستهم والتدرب على الولوج إلى حياة القداسة فيها.

عسانا مثلهم نكتشف ما تقوله لنا هذه الصفحات لكيما نصير فعلاً ما نحن مدعوون أن نصير: (حيوانات هيمنولوجية)، أي تسبح الرب، على حد تعبير القديس أثناسيوس الإسكندري.

منشورات النور

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع