Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


حياة الصلاة هي حياتنا الشخصية الواعية في الله، لأن كل شيء، وجودنا وتحركنا، يدخل فيها. إن كل حياتنا وعلاقاتنا بالله هي في النتيجة ما يسمونه صلاة: أعني موقفاً معيناً نوعياً يدعى صلاة. والصلاة من ناحية ثانية هي أيضاً وجوهرياً أن نجعل السر الذي رأيناه معلناً وسائراً في الليتورجيا، أن نجعله داخلياً، فنحن إنما ثمرة هذا السر، سر نعمة ورحمة أوجدنا كائنات طبيعية وكائنات مولودين مجدداً في المعمودية. إذاً إن تفتح وازدهار هذا السر الذي يزرع فينا بالأسرار الكنسية والحياة المسيحية يتحقق بحياة الصلاة إذا ما سرنا بها إلى حدودها الأخيرة. بحياة الصلاة يتحقق ازدهار نعمة بنوتنا لله: إن حياتنا الصلاتية يجب أن تتبنى حركة الليتورجيا نفسها التي تعبر بنا من الموت إلى الحياة، من الخوف إلى المحبة، من النير إلى الخدمة، من عبودية الأهواء إلى مجد حرية أبناء الله.

بدون حياة صلاة، مهما كانت صغيرة، لا حياة روحية ولا يمكن التكلم عن حياة روحية. بل يبقى الإنسان كائناً بيولوجياً متطوراً، أو وليد بيئته الاجتماعية يخضع فيها لكل الضروريات (de'terminismes)، أو أخيراً، إذا كان يهتم بالحقائق الروحية وحقائق الإيمان، يبقى إنساناً يحاول أن يظهر في حياة روحية، أن يقلد ويمثل حياة روحية في مجال العقل والذكاء، أو في مجال الامتثال الخارجي (conformisme) أو في تقوى لا أصل عميق لها. لأننا بقدر ما نحيا في الله ومن الله نصلي حقاً وبقدر ما نصلي نحيا من الله. الصلاة هي العمل الشخصي الأول، تسمح لنا وحدها بأن نعي أنفسنا ونتقدم في الله ونزداد اتحاداً بقريبنا.

نعم إن الشرط الأساسي للصلاة هو الإيمان المعاش في كل غناه وعمقه. ولكن هناك أيضاً ما يسميه المعلمون الروحانيون (علم) الصلاة، أعني تلك المعرفة الواضحة والصميمية لحركات النفس التي تلتمس الله، للصعوبات في الطريق للحالات التي تمر بها، للنعم التي تنالها، للعلامات التي يجب أن تعرف على ضوئها كيف تقرأ في ذاتها وحول ذاتها {من أجل إيضاح هذه النقطة نورد هنا مقطعاً من مقدمة الفيلوكاليا التي صدرت في رومانيا بين عامي 1946-1948: بعد أن يتحدث المترجم (الأب ستانيلواي) عن ضرورة نشر نصوص الآباء وحاجة جميع المسيحيين، الرهبان منهم والعلمانيين، إلى الإطلاع على تعاليمهم، يقول:

{(لقد شاهدنا عندنا في فترة نصف القرن الأخيرة تناقصاً في المصادر الآبائية التي من شأنها أن تمد الوعظ والحياة المسيحية بمادة أكثر دقة وتحديداً وأكثر أرثوذكسية نوعياً... إننا نعرف إلى حد ما عقائد إيماننا ونقول الكثير من (العموميات) الحلوة حول الأرثوذكسية. ولكننا لا نعرف كفاية كيف نحول كل ذلك بصورة منتظمة مدروسة إلى قيم ملموسة، إلى قوة تستطيع بدورها أن تحولنا نحن كل يوم أكثر فأكثر. لأننا في ميدان الروح والحياة الروحية كما في ميدان المادة والفيزياء لا نقدر أن نفعل شيئاً بواسطة مجرد المبادئ العامة... لا يكفي أن نقول للإنسان بأسلوب جميل أن يعيش حسب مشيئة الله، وإنما ينبغي أن نرشده ونبين له عند كل خطوة من خطواته ماذا يجب أن يعمل لكي ينجو من قبضة (جبابرة) الخطيئة (ويعني بهم الجهل واللاإحساس الروحي واللامبالاة) الذين يقيمون العوائق المختلفة المتنوعة أمامه، وكيف يتقدم في حياة الفضيلة التي تفتح الطريق إلى نور معرفة الله. لا شك أن اندفاع الإيمان أساسي للنفس المسيحية التي تلتمس الكمال. ولكن ضروري بالمقدار عينه أن تعرف معرفة دقيقة أصول الحياة الروحية والفخاخ التي تقوم في طريقها وتعمل على إخماد نارها شيئاً فشيئاً... ولذلك نرى مؤلفات الآباء الفيلوكاليا تعطي تلك الأهمية الكبرى ليقظة الذهن: إننا لا نصل إلى التغلب على أهوائنا فعلاً... إلا بعد أن نعتاد أن ندقق بانتباه في كل فكرة تأتينا فنطردها تلقائياً إذا كانت شريرة، أو نطهرها ونكسيها بذكر الله. (إن آباء الكنيسة هم الأساتذة الفريدون في هذا العلم الذي تركناه يضيع، علم الحياة الروحية الذي كان أثمن شيء لديهم بعد الله... إنهم لا يملون من تذكيرنا بأن النفس يجب أن ترشد (علمياً)، وأن (المعرفة) الأسمى إنما هي معرفة قيادة روحنا إلى الله. إن الإنسان لا يشع، لنفسه وللآخرين، بجمال حضرة الله الذي لا يوصف إلا بعد أن يصعد إلى المحبة درجة بعد درجة، وحسب أصول المعرفة...)}.

فيجب بالتالي أن تعطى الصلاة حداً أدنى من الانتباه والاحترام والمعرفة هي تستحقها حتماً كونها عملاً من أعمال الله، أو على الأقل للأسباب التي تجعلنا نعطي أشياء هذا العالم مثل هذا الانتباه، وذلك لكي نتجنب في حياتنا ونشاطنا في الصلاة ضياعاً ناتجاً عن الجهل. إننا بدون التقدم في الصلاة لا نتقدم في الألفة مع الله، وفي ألفتنا هذه كل معنى عظة وداع الرب في إنجيل يوحنا (اثبتوا في، اثبتوا في الله).. إن ما يبقينا في الله ويعيد إبقاءنا فيه، ويركزنا ويعيد تركيزنا إذا ابتعدنا بسبب جاذبية العالم هي الصلاة.

ويجب أيضاً أن نعرف أن الصلاة ليست أبداً عملا ً بشرياً وحسب. إنها الحقيقة العميقة جداً التي تكلم عنها الرب في الإنجيل نفسه (اثبتوا في، بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً) وكررها بولس الرسول من بعده: الصلاة عمل بشري وإلهي معاً في جميع الحالات ودائماً. فيجب أن نتبناها بشجاعة ورقة معاً، فالشجاعة هي الوجه البشري: في إلحاح، في عودة، في تعب. والرقة هي الوجه الإلهي إذ كثيراً ما يهب الروح وقت الصلاة فيعبر بنا ويوقظ فينا حركات حب وحنان وتواضع نجهل أحياناً معناها وأصلها، ولكنها نداءات من لدن الله نتقدم درجة أخرى في طريقه.

وهناك حقيقة أخرى تنتج عن طبيعة الصلاة البشرية والإلهية معاً هي أن نصيبنا أن نصلي أينما كنا وفي أي وقت كنا وكيف ما كنا. إن أثمار الصلاة لا تأتي منا، ليست نتيجة الجهد البشري بل عطية النعمة الإلهية تعطى لنا في الوقت واللحظة اللذين يحكم فيهما أنها تفيدنا. علينا أن نقف دائماً في الصلاة موقف المتجردين فغاية الصلاة قبل كل شيء هي أن نعطي الله ما هو له، أن نعطيه حقه ولو كان لنا الحق بل ولو كان علينا الواجب أن نحمل إليه وأمامه احتياجاتنا المشروعة. لأن الصلاة هي أولاً أن نعيد لله ما هو له كما يعلمنا سر الشكر الإفخارستي الذي يتم بعد تضرعنا الأخير الفريد: (التي لك مما لك نقدمها لك). وبهذا على الصلاة أن تنتهي في عطاء ذات كلي لأننا نحن أيضاً ملك الله، وهذه هي كرامتنا وهذا هو فرحنا.

نعم إن الصلاة تغرس جذورها في واقع وضعنا الجسداني: في قلقنا وألمنا ويأسنا وفرحنا وتجاربنا وحبنا... كل شيء يجب أن يسقي صلاتنا ويغذيها وينميها لأن كل شيء يجب أن يعبر عن ذاته في الصلاة ويبلغ بهذه الصورة إلى الله. بهذه الصورة يجب أن تملأ الصلاة وتتخلل كل أعمالنا وأحوالنا. ولكن يجب مع ذلك أن نجعل في يومنا وقتاً معيناً لعمل الصلاة ونتقيد به حتى نستطيع تجسيدها ونتيح لها التعمق فينا.

نعم هناك شروط للصلاة ولكن الشرط الأساسي هو أن نرغب في الصلاة. أن نرغب فيها، أعود فأقول، في أية حالة من الضعف أو النقص كنا فيها بل يجب أن نصلي لكي يمنحنا الله الصلاة. وانطلاقاً من هذا الموقف بديهي أنه علينا أن نتقدم ونصبح واعين في حياتنا. لأن الصلاة تتطلب تحضيراً عاماً وخاصاً. علينا بصورة عامة أن نحتفظ بضمير وقلب نقيين لكي لا نأتي أمام الله ككذبة، أن تكون لنا إرادة في الابتعاد عن الأعمال والأفكار الشريرة ورفضها أو على الأقل إرادة في مقاومتها. ثم هناك حاجتنا الداخلية لإيجاد ألفة مع عالم الله فذلك يتم بواسطة مطالعة الكتب الروحية والكتاب المقدس بالدرجة الأولى، وأيضاً بواسطة الحياة الليتورجية وتدريب الفكر والتأمل الشخصي. لا نتوهمن يا أخوة فإنه صعب دائماً وصعب جداً أن نصلي عندما نكون قد فقدنا العادة، عادة الأمور الروحية، وابتعدنا عن العيش بقرب الله الحي. وفيما عدا التحضير العام هناك ضرورة تحضير مباشر أكثر وذلك بالصمت الداخلي، بإعداد نفسنا للحديث مع الله والوقوف كما في حضرته.

والصلاة بدورها ستكون مربية كبرى لنا فهي مدرسة الإرادة والحرية البشرية. وستعلمنا الصلاة أن الله يعطي ذاته لنا بقدر ما نعطي ذاتنا له، بقدر ما ننفتح لعطيته الكلية منذ الأزل، لأنه هو الذي أحبنا أولاً. قد تكون الصلاة تتطلب جهداً خاصاً شديداً أكثر من غيرها، ومع ذلك فإننا في تناقض غريب نخصها بجهد قليل إلى الغاية أو نعتبرها عملاً سهلاً أو ثانوياً. ينبغي أن نعرف، حتى لو كان علينا أن نمر في أوقات جفاف طويلة، وحتى لو كان لا جواب لصلاتنا ظاهراً، وباختصار حتى لو كنا لا نعرف شيئاً البتة، أن الصلاة لا تضيع بأي شكل من الأشكال. كل صلاة هي ربح حتى لو بقينا بعدها في الوضع الذي كنا فيه قبلها.

إن الصلاة شيء حي ومتحرك، فيها مراحل ودرجات ترافق نمونا في الله (دون أن تكون هذه المراحل منفصلة تمام الانفصال). فعلينا إذاً أن نتقدم في الصلاة. ينبغي أن لا نبقى حتى آخر حياتنا الصلاتية في حالة واحدة، في المراحل الأولى التي بدأنا بها الطريق. الصلاة الشفوية مثلاً يجب أن تتعمق، أن تصبح صلاة عقلية. والصلاة العقلية أن تزداد عمقاً في صمت القلب، على المذبح القلبي. يمكن القول بأن الصلاة هي وعي لأنفسنا ولله ولعلاقة الحب التي نريدها بيننا وبين الله. إن هذا الوعي المتزايد يرافق طريق حياتنا في الله الذي هو طريق صلاة كما رأينا. فيجب أولاً وعي حضرة الله فينا: (إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً) (يو:14-23). فالثالوث القدوس في قلبنا. إن الله يعطي ذاته لنا نوراً للعقل وقوة للإرادة وتعزية للنفس. صلاتنا يجب أن تبدأ بفعل ثقة بهذه الحضرة الإلهية فينا، فعل ثقة ينبغي أن يصير حالة نفسية. وداخل هذه العلاقة الأولى، علاقة ثقة واتكال على الله، ستكون صلاتنا إما تضرعاً أو شكراً أو اعترافاً بحقائق الله أو تسبيحاً. في صلاتنا سنضع كل ما يحيا به قلبنا وكل ما به يرغب. ولهذه الغاية علينا أن نعمق دائماً فينا حاجتنا إلى الله، أن نعي أن فقرنا وغنانا هما هنا: إني كائن يفتقر إلى الله ويقدر أن يناله. فيكفينا أن نتوجه إلى الله في انتظار واثق: لا ضرورة أن تجد النفس الله وأن تشعر به حاضراً وتشعر بحبها له منذ البداية. فما يحبه الله بكل تأكيد هو تلك الحركة الأولى لقلب يتجه إليه في انتظار ورجاء وثقة... ولكي نتقدم أكثر علينا أن نعي الله وسره كما تعرضه لنا الخدمة الليتورجيا والكتاب المقدس وحياة الكنيسة في أشكال لا تحصى: مثلاً سر التجسد وسر الإفخارستيا، سر القداسة، سر العذراء، محبة الأخوة الخ... ويمكن أن نصنع كل هذا دون جهد عقلي كبير، بوداعة كثيرة، بسلام، ودائماً في صمت، صمت يعلن للرب أننا بحاجة إليه وأننا ننتظره ونلتمسه. ثم في مرحلة ثالثة تحملنا الصلاة إلى تذوق أعمق أسرار الله، أعني محبته لنا، محبته الشخصية، المحيية، السابقة منذ الدهور. فتستريح نفسنا في السلام الداخلي وتعرف أنها لا تستطيع شيئاً من ذاتها، لا شيء مطلقاً، ولا تقلق. إنه لخطأ كبير للنفوس التي تصل إلى هذه الحالة أن تريد أن (تعمل) كثيراً، أن تفعل صلاة. ينبغي بالعكس أن نرد كل شيء لله في حركة دائمة من التسبيح والتمجيد. لا شك أن حياة هذا الدهر ستجتذبنا أحياناً وتستردنا من جديد بإغراءاتها ومشاكلها وهمومها: فتكون بمثابة مناسبات تشهد لحياتنا الداخلية. ولكن ثمر صلاتنا سوف يكون بالضبط أن نرغب في الصلاة أيضاً: (ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب) (مز8:33)، وأن نعي أننا إذ نحن نقتبل الله فينا سوف نقتبل أيضاً مشيئة الله الاقتبال عينه، وأننا سوف نكون بعد الآن في حضرته: فقد علمتنا الصلاة أن فينا (منطقة) عميقة حيث الله يعيش وينتظرنا، هي القلب. هذا وقد نجدد حالتنا النفسية الناتجة عن الصلاة ونحتفظ بها طول النهار وذلك بتذكير متواتر بشكل عبارات قصيرة متجهة إلى الله. علينا قدر إمكاننا أن نعبئ نهارنا بهذه النداءات الداخلية النابعة من القلب خفية نحو الله لكي لا نقطع نعمة الصلاة فينا. وصلاة اسم يسوع وجدت لهذه الغاية...

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع