Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ما هو التقليد الشريف الذي نبدو بنظر شريحة من المسيحيين، متخلفين، لا بل ضالين، لمجرد أننا نتمسك به، ونجعله ركيزياً في حياة الكنيسة؟

وهل صحيح أن كنيسة التقليد، والكنيسة القائمة على أساس التقليد، والتي تلهج به، وتعتمده، متخلفة عن ركب التطور؟

ولماذا يكون التقليد مدخلنا، وبالأحرى الفصل الأول لكتاب حول كهنوت المرأة؟

ما هي عناصر التقليد ومقوماته؟

وهل الكنيسة بالعمق، كيان تقليدي؟

وأخيراً ،لماذا الخوف من أن نكون تقليديين على هذا الصعيد؟

هذه في الواقع أسئلة بالغة الأهمية، فالتحديات الكثيرة المحدقة بالكنيسة اليوم، والمشكلات الكثيرة التي تصادف المؤمنين، والتساؤلات العديدة التي تطرح علينا، لا سيما في هذا الزمان، تستدعي منا جميعاً معرفة عميقة بالكنيسة ومرتكزاتها والتي هي ببساطة الأساس لكل موقف تتخذه (الكنيسة) في شتى الميادين والشؤون والتحديات والتساؤلات التي تحدق بها.

التقليد، الباب الأول في هذا الكتاب، حيوي، وأهميته كبيرة في كشف هوية الكنيسة، بالإضافة إلى الكتاب المقدس، وبالأحرى بمعاضدة الكتاب المقدس، من جهة، ومن جهة ثانية، من شأن التقليد الشريف والمقدس، أن يكشف لنا ممارسات الكنيسة، ومواقفها، والأسباب التي عليها، وبفعلها، ألزمت الكنيسة نفسها بهذا وذاك من المواقف، في شتى الشؤون والشجون، وفي كل العصور والأزمان.

والآن لنبدأ هكذا: الكنيسة منذ أن كانت، رسولية هي في طابعها وهويتها. وهذا بداهة كما يبدو في دستور الإيمان “... وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية...” الكنيسة رسولية لكونها مبنية على إيمان الرسل. وبطرس الرسول شهد أن يسوع هو ابن الله، لذا قال فيه الرب: “أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي...”. بكلام آخر، كل من يحمل إيمان بطرس، هو رسول للرب، وصخرة إيمان تبنى عليها الكنيسة. وتالي، فالشهادة أن يسوع هو الرب. هي الركن الوطيد للإيمان. من هنا فإن رسولية الكنيسة تكمن في أنها، أي الكنيسة، تحمل الإيمان بأن يسوع المسيح هو ابن الله الوحيد الذي أتى ليخلص العالم، وقد فعل ذلك مرة وإلى الأبد على عهد بيلاطس البنطي.

“الرسولية” هي أساس التقليد الشريف. وكل تقليد لا يمت بصلة للكنيسة الأولى الجامعة والرسولية، ليس تقليد، ولا يمكن أن يكون معياراً يُعتمد في التحديات والمشكلات التي تصادفها الكنيسة في كل الأزمان.

التقليد تحديداً هو أن تؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله، الرب، والمخلص، الذي جاء إلى العالم ليفتدي العالم، وأن رسالته هذه، ودعوته، أعطيت للناس بدءاً من تلاميذه ورسله الأطهار ومن خلالهم إلى كل المسكونة وفي كل العصور.

والكنيسة لن تبقى كنيسة، ولن تكون رسولية، إن هي جنحت عن مسارها وإيمانها هذا. فهي دائماً “سحابة الشهود” كما يقول الكتاب المقدس. إنها جماعة القديسين والشهداء، والمعترفين، والنساك. الكنيسة هي جماعة أبناء الله الذين ولدوا لله في الروح، في جرن المعمودية، وعاشوا في العالم وكانوا مضطهدين من أجل الرب، ونالهم ما سبق أن ناله سيدهم، وهم بسبب حبهم لربهم وسيهم، يفعّلون مواهب الروح القدس على الدوام في أعماقهم. ولكن مع ذلك ورغم هذه التوضيحات، يبقى الكلام عن التقليد ناقصاً لا بل مبهماً وغامضاً. ترى ما هو التقليد بأكثر وضوح؟

التقليد ببساطة، هو من “قلدَّ”، أي منح شيئاً بتعليقه على العنق. من هنا يمكن أن نفهم التقليد كعملية تسليم وتسلم. وهذا يعني أن الكنيسة تتواصل عبر الأزمان.

الكنيسة هي امتصاص شغوف وصادق لرسولية السلف، وذلك من أجل تفعيلها في حاضرنا. إلا أنها في الوقت ضخ مقدس لرسولية السلف، يصب في دنيا الخلف. بكلام آخر يقوم جوهر التقليد في تسليم وديعة الإيمان، من جهة، وفي تسليم هذه الوديعة، من جهة ثانية. وهكذا نقول بأن الكنيسة هي تسليم وتسلم للوديعة، بآن، إرشاد واسترشاد بها، أبوة وبنوة، وكل ذلك لأن يسوع المسيح هو الكل في الكل أعضاء الكنيسة في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

والتقليد ليس عملية تنبع من الكتاب المقدس والإنجيل، فقد كان التقليد قبل تدوين الإنجيل. أي أن التقليد سابق لتدوين الإنجيل.

الكنيسة الأولى عاشت بشرى الخلاص من خلال الكلمة الشفهية أول، وقبل سنين من تدوين العهد الجديد. الكنيسة الرسولية عاشت بمبدأ التسليم والتسلّم حتى قبل تدوين الانجيل. والكتاب المقدس نفسه، يبقى، بدون قوة التقليد ومساندة التقليد، وحمايته، وضمانته، مقصراً جداً وتعوزه القوة الجامعة والموحدة، فقوة الإنجيل، والكتاب المقدس، هي من قوة التقليد القائم على الشهادة لسر الفداء الذي أتّمه ربنا يسوع المسيح. وهكذا، فالتقليد يبقى أبداً حاضن الكلمة، يرعاها ويحميها وينميها بقوة الله، في القلوب. بدون التقليد، يستحيل أن تصل هذه الكلمة المحيية شفافة وفي كامل بهائها وزخمها إلى قلوب سامعيها وقرائها. لماذا؟ السبب بسيط، ويقدمه لنا سفر أعمال الرسل، فلنسمع: “ألعلك تفهم ما تقرأ؟ قال: وكيف يمكنني ذلك إن لم يرشدني أحد” (أعمال8: 26-35)؟

ما معنى هذا؟

هذا يعني أن وجود المرشد هو ضرورة لفهم الكلمة المقروءة. وبالتالي فإن قراءة النص الكتابي، لا تكفي بحد ذاتها، من أجل فهمه. بينما القراءة للكتاب المقدس، من المنظور البروتستانتي، تكفي لفهم الكتاب، ولا لزوم لدليل ومرشد (Sola scriptura).

بيد ان سطوع حقيقة الإنجيل في القلوب، يبدو أمراً مستحيل، إذا تعاملنا مع الكتاب المقدس، في الفراغ (in vacuum)، فهذا السطوع، وهذا الإشراق، محال بدون واسطة بشرية تطلق بهاء الكلمة المقدسة من قمقم القدَم. وفي قناعتي أن إبرام القطيعة مع التقليد هو أحد أهم العوامل في بروز البدع والهرطقات، بحيث أن المبتدع والهرطوقي يتعامل مع الأمور كما تبدوا له في أفكاره وعقله وبمعزل عن حياة الجماعة المتعبدة، التي هو عضو فيها، وواحد من أفرادها المحبوبين. فالهراطقة(5) تعاطوا مع فحوى الكتاب المقدس، ودرسوه، ابان بدء تدوينه، وبعيد انجاز التدوين، وربما انعجقوا به، وبذلوا الكثير في سبيل محتواه وأفكاره، وربما تكبدوا من أجل انتشاره، ما لم يفعله أي من المسيحيين، ومع ذلك، فهذا لا يكفي كي يجعلهم مبشرين مضمونين، ومفسرين حقيقيين للكتاب المقدس. فهم من جهة، أي المبتدعون، لا يشهدون لربوبية يسوع على العهدين، وتالياً، فإنهم ينكرون الخلاص الحاصل لنا في ابن الله الذي تجسد من أجلنا وصلب ومات وقام من بين الأموات. ومن جهة ثانية، فالمبتدعون والهراطقة، لا يحيون في جماعة متعبدة تواظب على الأصوام والصلوات من كل القلب، كما تعلم الكنيسة. الهراطقة لا يطيعون الكلمة، ولا يسهرون عليها كمن سيلقى حساباً. من هنا فتفسير الكتاب المقدس، ليس مرهوناً بمن يطالعه وحسب، ولا هو حكر على من يمتلك نسخة منه، بل هو لمن يعمل ويعلّم ويصلي ويعيش بمقتضى فكر المسيح، لا بمقتضى تعاليم الناس وأفكارهم والتي قد تكون ضالة ومضلّة، في غياب المسيح الرب، جميعنا ضالون ومضّلون. وهذا يعني أن الرب، هو حجر الزاوية في الكتاب المقدس والتقليد الشريف(6) بآن معاً.

على كل حال، ليست التقليدية التي هي معيار رئيس لفهم الكتاب المقدس (traditionalism) أمراً ديني، وحسب، بل هي معيار ركيزي لنهضة كافة العلوم. تصوروا ميداناً علمياً بدون ماضٍ خرج منه، وبدون مرجعية يستند إليها ويعتمدها. الابتكار، بحد ذاته ليس وليد الفراغ، ولا هو مجرد صدفة، كما أن المعرفة ليست وليدة ساعتها، فالمرجعية تبقى أبداً أمراً واجب، ولا يمكن قبول شيء بدونها.

ونحن في الكنيسة لنا مرجعيتنا أيضاً نعتمدها لمواقفنا وأحكامنا. فنحن، رغم كوننا كتابيين، بالمبدأ، إلا أننا لا نكتفي بمجرد مطالعة الكتاب المقدس لنيل الخلاص. مرجعيتنا بهذا المعنى، مزدوجة: إنها الكتاب والتقليد(7) الشريف معاً.

نحن نطالع الكتاب المقدس، وكنيستنا كتابية، وليتورجيتنا تتمحور حول الكتاب المقدس، ومع ذلك، فالضمانة ليست في المطالعة البحتة، ولا في التطواف بالإنجيل، بل هي في قراءة الكلمة في الجماعة المتعبدة، وفي نور النفوس المجاهدة المصلية، وذلك لأن الحياة المقدسة، ومخافة الله، وطاعة الكنيسة بآبائها وقديسيها ومجاهديها، وعبر الاسترشاد بهم، والتتلمذ عليهم، والسير في هديهم، لهي الضمانة كلها. لقد غرق الهراطقة في قراءة الكلمة، لا سيما في هذا الزمان، ولكن عبثاً.

ونحن لسنا ممن يأخذ بالكتاب فقط، وذلك لأن علاقتنا بالكتاب المقدس، ليست علاقة في الفراغ (in vacuum). والأخذ بالكتاب فقط (Sola scriptura)، هو شأن شريحة بروتستانتية العقلية والممارسة.

نحن لا نؤمن أن الكتاب المقدس، بدون مرشد، يقدر أن يفسر نفسه. ومع ذلك، نحن كتابيون فوق حدود الوصف والتصور، وليتورجيا كنيستنا فيها كل الدليل على ذلك.

وفي قناعتنا، وإيماننا، أن الكتاب المقدس يُقرأ ويُفسر في الكنيسة(8)، لأنها عروس المسيح، وهي المقربة منه، والجدير بأن تنقل لنا أفكار الرب الضرورية لخلاصنا. الروح القدس هو الذي ألهم الذين كتبوا، والكنيسة التي تحيا بالروح، تستطيع أن تعلمنا كيف نفسر الكتاب. على كل، لنا في الكتاب المقدس، الدليل لا يُقرأ في الفراغ، وهو ما جاء على لسان الإلهي بطرس، فلنسمع: “فاجتهدوا أيها الأخوة، وأنتم تنظرون هذا الأمر، أن يجدكم الله بسلام، لا دنس فيكم، ولا لوم عليكم. وعدّوا أناة ربنا وسيلة لخلاصكم كما كتب إليكم بذلك أخونا الحبيب بولس على قدر ما أوتي من الحكمة، كدأبه في جميع الرسائل كلما تناول هذه المسائل، وقد ورد فيها أمور غامضة يحرّفها الذين لا علم عندهم، ولا ثبات، كما يفعلون في سائر الكتب، وإنما يفعلون ذلك لهلاكهم”(إشارة إلى الذين خرجوا من الدين ببدعة )(2بطرس3: 14-16) وأيضاً: (اعمال8: 26-35).

وهكذا، فالكنيسة ترى، في نور كلمات الإلهي بطرس، أن التسليم القويم، هو مفسر الكتاب المقدس. وحتى لو قلنا أننا كنيسة كتابية، فهذا لا يعني أننا نقرأ الكتاب فقط، فنحن نقلبه ونبحث فيه وندرسه، وذلك من خلال استعمال الكنيسة له في الليتورجيا. فضلاً عن ذلك، نحن نتقرب من الكتاب، في نور قراءة الآباء القديسين له، وتعليقهم عليه. نحن نؤمن أن من ألهم الذين دونوا الأسفار، هو نفسه سيلهم من يطالعونها في نقاوة قلب: “طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم لله يعاينون”. من هنا، فنحن نصغي أيما إصغاء إلى القول التالي: “لأننا لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا”. أيضاً: “أما أنتم فما سمعتموه من البدء، فليثبت فيكم”(1يوحنا2: 24). وأيضاً “إذ كان لي كثير لأكتب إليكم، لم أرد أن يكون بورق وحبر، لأني أرجو أن أتي إليكم وأتكلم فماً لفم لكي يكون فرحنا كاملاً” (2يوحنا12). كذلك أيضاً: “اثبتوا أيها الأخوة، وتمسكوا بالتقليد الذي تعلمتموه سواء كان بالكلام وبرسالتنا”(2سا2:15). {راجع بهذا الصدد الكتاب المقدس (The American Bible، N. York 1973)}. وأيضاً لنسمع من جديد: “تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة التي في المسيح يسوع، وما سمعته مني بشهود كثيرين، أَودِعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يُعلّموا آخرين أيضاً” (2تيموثاوس1: 13)،(2تيموثاوس 2: 2)، (أعمال 22: 14-15)، (1كورنثوس11: 23)، (يوحنا21: 24-25)، وما هذا إلا غيض من فيض.

قلتُ أن الجواب الأول الذي من خلاله أُحاول أن أتكلم على كهنوت المرأة هو التقليد(9)، وذلك لأن اعتماده، هو استمرار لخط واحد، ونهج واحد جرت عليه الكنيسة عبر العصور، وعالجت به مشكلات زمانها، وواجهت التحديات التي أحدقت بها. وتالي، فإن موقفنا من كهنوت المرأة، لا يمكن بحكم الحال أن يختلف عن الخط الذي انتهجته الكنيسة منذ أن كانت في مسيرتها مع الروح القدس، وإلا فإنها أي الكنيسة تفقد كونها رسولية في طابعها وفكرها وممارساتها.

إلا أن مشكلة “جوهرية” تعترض طريقنا ومسعانا على هذا الصعيد، مفادها أن التقليد المقدس الذي تسير به الكنيسة، يختلط بما يُسمى التقليد، بكلام آخر هناك خلط، وإمكانية خلط بين التقليد المقدس (Holy tradition)، والتقاليد(10) The traditions، وبين التقليد المقدس، والتقليد بمعنى Imitation. فالناس كثيراً ما يظنون عندما يسمعون عبارة (التقليد المقدس) أنه باقة شعائر وممارسات شعبية مقبولة عند شعب وغير معروفة عند سواه. كثيراً ما يظن الناس، أن التقليد هو مثلاً ما يشيع في أوساط العامة عن ممارسات يقوم بها الناس في عيد البربارة، وخميس السكارى وغير ذلك من المناسبات والأعياد في دنيا الشعائر الشرقية.

ومع كبير الأسف، لا يكون التقليد في هذه، فهو كي يقوم، يجب أن يحظى بصفة “المقدس”، عندها يستطيع أن يكون ملزماً للمسيحيين في كل زمان ومكان. وكل ذلك لأننا بدون معنى التقليد، لا يمكننا أن نأتي إلى التقليد الحقيقي، بل نبقى عاجزين عن قول الكلمة الأخيرة في كل مسألة تواجهنا وتعترض مسيرتنا.

ومن جديد لماذا بدأنا على هذا النحو؟ لماذا انطلقنا من التقليد بحثاً عن جواب يتعلق بمسألة كهنوت المرأة؟

السبب بسيط جداً وهو أن قراءة سريعة للعهد الجديد، لا تشجعنا، كما يبدو، على رفض كهنوت المرأة. لكن في الوقت نفسه، ليس في العهد الجديد، ما يدعونا إلى قبول كهنوت المرأة. ليس في الأناجيل الأربعة أيضاً وأعمال الرسل، والرسائل، وسفر الرؤيا، ما يدعو مباشرة ومداورة إلى قبول كهنوت المرأة، رغم بعض الأفكار التي سنأتي عليها تباع، ندرسها.

من الأكيد أن الأمانة للكتاب المقدس واجبة، إلا أن الخبرة تعلّمنا، أننا قد لا نجد في الكتاب المقدس الدليل الحرفي والجواب الشافي التفصيلي على مشاكلنا وتحدياتنا، وذلك لأن المشكلة باختصار، هي أن الكتاب المقدس لم يُدوَّن على نحو تفصيلي يعالج كل مشاكل الإنسان بكل دقائقها.

هذه هي طبيعة الكتاب على كل حال، ففيه نرى مثلاً كلاماً عن طفولة يسوع، وعن ذهابه إلى الهيكل، وافتقاد مريم ويوسف له يوم العيد قبل أن يجداه في الهيكل. وبعد هذا الحدث، يدخل ذكر يسوع لا بل يسوع نفسه، حسب منطق التسلسل التاريخي، في صمت مطبق وعتمة لا يخرج منها إلا في الثلاثين من العمر مع بشارته للعالم. بالطبع هذا لا يعني أن من يقولون أنه ذهب للهند في تلك الآونة، هم على حق. لكن باختصار، ليس الكتاب المقدس مكتبة حقوقية تحوي على الجواب التفصيلي على كل حالة ومشكلة. ليس هو كومبيوتراً يعطيك المعلومات بأدق التفاصيل والأرقام. بالطبع، هكذا تفسير، لا ينقص الكتاب المقدس قدره وقيمته، ولا يخفض من قدسيته، ولنا الدليل على صوابية موقفنا، في الاقتباس التالي: “لأنه لو كتب كل شيء، لما ظننت العالم يسع الصحف المكتوبة”(يوحنا21: 25). ماذا تفيد الآية المقتبسة من إنجيل يوحنا؟

إنها تعني أن ما كتب هو الضروري، وأن ما ورد في الكتاب صحيح. ولكن الصحيح أيضاً أن الكتاب لم يدوّن كل ما هو صحيح مما سبق النطق به على لسان الرب والإنجيليين والرسل. والصحيح أيضاً أن الكتاب المقدس لا يتضمن كل التفاصيل، وذلك لأن التفاصيل لم تكن من أولويات اهتمام الإنجيليين والرسل.

هذه بعض أمور مهمة، لا بل على درجة عالية جداً من الأهمية ولا بد من الانتباه إليها لدى التعاطي مع الكتاب المقدس، وإلا فإن عملنا مع الكتاب يتلكأ ويتعثر ولا يأتي إلى مبتغاه. من هنا يبرز السؤال العفوي الطبيعي: ما هو التقليد في جوهره، طالما نحن نتكلم عن انعدام التفاصيل في الكتاب المقدس؟ وكيف نفهمه كي نتعاطاه على نحو لائق، ونعتمده على نحو صحيح، لجهة موضوعنا؟

لنبدأ بعبارة لفلاديمير لوسكي:”التقليد هو الروح النقدية التي يحملها المؤمن في حياته كعضو في الكنيسة”(11).

والروح النقدية هي روح التمييز الذي هو فضيلة مسيحية كبرى ونادرة يحب توفرها والتحلي بها، وذلك من أجل التصدي لمشكلات هذا الزمان وكل زمان بكل تحدياته التي تحدق بنا. ما هو التمييز(12)؟

التميز هو ثمرة الإيمان ومخافة الله وطاعة الرب في الكنيسة. ويستحيل فهم ذلك خارج اطار جماعة متعبدة تحيا كلمة الله وتطالعها وتتجدد بها كل يوم، وكل ساعة.

التمييز ضرورة للتقليد الشريف، فهو الذي يعيننا على استلام وتسليم الوديعة الإلهية، عن وعي وتبصّر. بدون التمييز يستحيل أن نفهم أن التقليد ليس تخلفاً بإزاء الحداثة، ولا انغلاقاً بإزاء الانفتاح. بدون التمييز، يستحيل أن نفهم أن التقليد ليس نقيض الجدة، ولا هو رفض للتطور، كما وليس رديفاً للتحجر. التمييز هو الذي يعلمنا أن التقليد استلام واعٍ، وتسليم واعٍ بآن معاً. التمييز هو الذي يعلمنا أن التقليد ليس مجرد وثائق ومعلومات، ولا هو مجرد تراث ونهج. ولا مجرد تكرار واجترار. التقليد ليس هو أن تأخذ من السلف على نحو أعمى لا تمييز فيه، ولا تتعلق بالماضي تعلقاً طائشاً. التقليد الشريف لا صلة له بسلفية جوفاء، خرقاء، لا طائل تحتها، كما وليس هو تراثية متحجرة لا جدوى منها. التقليد ليس هو أن تطير إلى الماضي تنبشه بحثاً عن جواب لمشكلة تواجهك بعد ألفي سنة على ولادة المسيحية. التقليد الشريف ليس هو أن تفكر كما فكر أجدادك حرفياً وأن تعيش في ظروف مشابهة للظروف التي عاشوا فيها. ليس هو أن تكون ذا نمط زراعي في العيش، لمجرد أن أسلافك عاشوا في مجتمعات زراعية. ليس التقليد أن تنطق بنفس اللغة التي تداولوها في زمانهم. باختصار، ليس التقليد أمراً آلياً تقتبسه وتعتمده. إنما هو وكما عبر عنه المثلث الرحمات الأب يوحنا مايندروف: “اللاتغيير مع التجديد، والثبات على إيمان الآباء القديسين”(13).

إلا أني لا أنكر من جهة ثانية، إن اعتماد التقليد الشريف ينطوي على شيء من سلفية مستحبة وعزيزة، وعلى شيء من ارتداد إلى الماضي، ولكن ذلك ليس بقصد التكرار والاجترار. فالتقليد المعني هو استلهام لكل أمر آل إلى قداسة الأجداد وضمن بقاءهم في جوار الرب وحضرته. في التقليد سلفية لكنها لا تخلو من الإبداع.

في التقليد، أنت تبدي استعدادك الحسن، وشوقك، للأخذ عن القديسين، وذلك لأن التقليد هو الأمانة للخبرة الرصينة التي بلغها القدماء من المؤمنين، فعاشوا بها، وتقدسوا.

التقليد المقدس هو أن ترغب بالأخذ عن القديسين الذين توهجوا بفعل العيش في الروح القدس. وتالي، فأنت تقليدي لكونك تطمع بتوهج مماثل يكون لك أيضاً في زمانك.

من هن، ليس التقليد إنساناً أعمى يأخذ بدون تبصر ودراية، ولا هو إنسان معتوه لا رأي له في شيء. التقليدي ثابت على الرغبة بالتوهج الذي حظي به القديسون الذين سبقوه، ودأبه أن يكون مثلهم كل حين، قريباً من الله، ما استطاع.

وهكذا، فالكنيسة الأرثوذكسية تشدد على أهمية التقليد الشريف الذي بدونه ليس لها ما يصونها ويحميها من التحلل والذوبان في بحر الأمم. وكل ذلك لأن التقليد هو القناة التي حفظت لنا البشارة الرسولية ونقلتها إلينا رغم ظلمة هذا العالم وتحدياته.

ترى ماذا فعلت الكنيسة، وباسم التقليد، حتى وَقَتْ نفسها من الذوبان في بحر الأمم؟ كيف نفهم عملياً مكانة التقليد وأهميته؟

نعرف من تاريخ الكنيسة أن الآباء الأولين اعتمدوا بشجاعة التراث اليوناني، والتعابير اليونانية، للدفاع عن المسيحية من جهة، ولنشر البشارة من جهة ثانية. أي أنهم اعتمدوا لغة زمانهم، وثقافة زمانهم، من أجل نقل بشرى الخلاص للناس في ذلك الزمان. وهذا شيء مهم، فأنت عندما تحاكي الناس، يجب أن تعرف لغتهم وتفكيرهم، أولاً لأن ذلك يساعد على نقل البشارة، وثاني، لأن هذا الموقف يحول دون وقوع الكنيسة في فخاخ القطيعة والعزلة والتقوقع داخل المجتمع البشري. وهذا ما عملته الكنيسة في ذلك الزمان، أسوة بقول الرسول الإلهي: “فإني إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين. فصرت لليهودي كيهودي لأربح اليهود، وللذين تحت الناموس كأني أنا تحت الناموس، لأربح الذين تحت الناموس، وللذين بلا ناموس، كأني أنا بلا ناموس، مع أني لست بلا ناموس الله، بل تحت ناموس المسيح، وذلك لأربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف، لأربح الضعفاء. صرت للكل كل ِشيء، لأخلص على كل حال قوماً. وهذا أفعله لأجل الانجيل، لأكون شريكاً فيه” (1كورنثوس9: 19-23).

وهكذا، فإن من واجب الكنيسة أن تعانق الحضارات وتتفهمها وتدخل إلى جوهره، إذا أرادت حقاً أن تردّد قول الرسول وتعيش بمقتضاه. لا غنى للكنيسة على الدوام عن التفاعل مع ما هو للشعوب والأمم، على أن يكون ذلك بتمييز، وشريطة أن لا تضيع الكنيسة بحيث تصبح لليهودي يهودية وتبقى هناك.

والكنيسة في سعيها إلى نقل بشرى الخلاص، حرة هي من كل شيء، لأنها الإطار الوحيد الذي يقال فيه: “لا يهودي ولا يوناني، لا عبد ولا حر، الكل واحد في المسيح” (غلاطية3: 28)(14).

لا يمكن أن تتماهى الكنيسة والمجتمعات التي نتواجد فيها. كما ولا يمكن لها أن تذوب في بحر الأمم. الكنيسة مدعوة إلى مقاربة هموم الناس، دون أن تحزن مثلهم بدون رجاء. ومقاربة البشر والحضارات إلى حد الذوبان والإمحاء، من شأنها أن تُفقد الكنيسة حرية الروح، فلا تعود كنيسة الله. نحن في الواقع نود أن نُردد من صميم القلب مع البابا بنديكتوس الخامس عشر أن الكنيسة ليست يونانية ولا لاتينية، لا سلافية وعربية. إنها باختصار كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية. بهذا، تكون الكنيسة قناة لعمل الروح.

والسؤال بعد هذا، هو: كيف يتواصل التقليد في حياة الكنيسة؟ وبكلام آخر، كيف يستمر التقليد؟

لقد عرفت الكنيسة عبر تاريخها صراعات وتحديات. لكن حتى في أوج الاضطهادات التي شنت عليها، كانت تنعم بسحابة من الشهود وفّية لربها حتى الموت، وأسوة بما فعله هو من أجلها. وهذه السحابة كانت مرآة عصر الكنيسة والناطق الرسمي باسم الكنيسة في كل العصور. فالكنيسة نطقت بفم أبنائها، لا بل في الكثير من الأحيان قضى أولادها من أجل الوفاء لها، فمات من مات، وشُرّدَ من شُرّدَ، وعُذب من عُذّب، (رومية8: 35-37)، (رومية12: 2). ومع ذلك فالكنيسة واجهت مشاكل زمانها، وتكلمت جهاراً مجيبة عن كل سؤال، وذلك بقصد كشف الرجاء بالشهادة من الكتب المقدسة.

ولكن لا ننكر الإخفاقات الكثيرة في حياة أبناء الإيمان أفراداً وجماعات. إلا أن الكنيسة ولكونها هبة الله المجانية للناس، فهي لن تزول رغم الصعاب والتحديات التي تواجهها. وتأكيد ذلك ما قاله الرب لأحبائه: “أنا معكم وليس أحد عليكم”.

والكنيسة رغم الصعاب، لا تُمحى ولا تزول، لأن الله اختارها لنفسه جميلة لا عيب فيها ولا غضن ولا شيء مثل ذلك (أفسس5: 27). انها كيان غير معطوب أحبه الله وجعله لنفسه عروساً. من هنا فإن عصمتها (15) ليست من عصمة أفرادها، إنما هي من اقترانها بالمسيح في الروح القدس. وكل عضو فيها عرضة للخطأ وللخطيئة بآن معاً. إلا أن التوبة النصوح هي التي تسترد المهزوزين إلى البهاء الذي لا يُفنى.

 

 


(5)عندما نقول هراطقة فهذا يعني بالأساس كل من يعالج الأمور الإلهية على طريقته، بحيث يكتفي بنفسه وبأفكاره، ولا يحتاج إلى أحد من المتقدسين في الكنيسة لدعم أرائه.

(6) ليس التقليد الكنسي، في الممارسة شكلاً أصولياً متحجرة ((الأسقف كاليستوس وير)).

(7) التقليد يعني في أحد أهم وجوهه التعرّف على التراث الأبائي عبر العصور.

(8) بالطبع لا يخفى أن الكنيسة اليوم قائمة في طوائف، ولكن هذا شأن آخر، لا علاقة له بهذا الكتاب.

(9) لا يمكن أن نميز بين تقليد وتقاليد إلا من خلال عضوية حية وفاعلة ومصلية في الكنيسة.

(10) يستحيل تعاطي مسألة كهنوت المرأة بمعزل عن التقليد الكنسي ((المثلث الرحمات الأب الكسندر شميمان)). [هذه الحاشية مُرتبطة أيضاً بالعنوان]

(11) See “The Image and Likeness of God”، Crest wood، N.York، SVSpress 1974.

(12) Discernment

(13) See، J. Meyendorff ،”The living Tradition SVS”.

(14) من هذه الآية يبدو جلياً أن الطاقات الروحية عند المرأة ليست أدنى من مثيلاتها عند الرجال.

(15) عصمة الكنيسة هي هبة من الله. لكنها لا تنحصر في فرد، فنحن لا نؤمن بالعصمة الفردية. العصمة هي في جسد المسيح كله لا في فرد وطائفة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع