Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لست أدري إذا كان هناك في الوجود شخصية تعرّض لها الأدباء والمفكرون واللاهوتيون، كتعرضهم لحواء. ففيها قيل الكثير وما يزال. ورغم ذلك، ما يزال الغموض حتى الساعة يكتنف العقول، كيف أن هذا الكائن السر، والعقدة الكأداء، تأتي من ضلع آدم حسب الرواية الكتابية؟ وكيف أنها السرّ الذي يُجهل ويهان بآن؟

في حواء صورة الأم، وصورة الخصب والغنى والحياة. وهذا ليس بغريب، ففي أغلب الديانات القديمة تحتل الأم والمرأة عموماً، مكانة كبيرة لا يمكن النيل منها بسوء، والتعرض لها في شيء. ودارون نفسه صاحب النشوء والارتقاء، قال مرة في معرض حديثه عن المرأة: “لا مندوحة لنا ونحن نقارب شخصية المرأة، من الاعتراف بأنها شخصية شاقة وصعبة المراس والتحليل”. وموسى نفسه عالج مسألة المرأة في أسفاره الخمسة pentateuch، وتوقف في نهاية المطاف عند حدود لم يستطع أن يتجاوزها. لذا فقد ألزم قرّاءه بالتوقف عند حدود الدهش، فالتأمل في المرأة لا ينتهي، والدخول في سرّها محال على غير الخالق.

هذا يعني في الواقع أن شخصية المرأة دقيقة ومعقدة بامتياز، فهي تستطيع أن تكون جسداً مغناجاً يدعو الناظر إليه إلى استهلاكه، كما وتستطيع أن تكون في صورة والدة الإله مريم الكلية القداسة والأرحب من السماوات. للمرأة شخصيتها وطباعها، كما لها فرادتها أيضاً. ومن جعلها بمثابة الرمز، لم يخطئ. وملتون الشاعر الانكليزي الكبير، أبدع في الكلام عن المرأة في فردوسه المفقود والمردود. وشكسبير في رائعته الخالدة وتحفته البديعة روميو وجولييت، يقدم جولييت الكائن السر الذي لا تستطيع حياله كقارئ إلا إبداء الدهش والذهول. وفي كل ما كتب عن المرأة، فإن جمالها وعاطفتها وسحرها وجاذبيتها، قد حظيت كلها بالاهتمام الكبير. وأكثر ما تغنّى به الأدباء فيه، أمومتها.

أما في الكتاب المقدس، فلعل المرأة وهي تخلع على بنيها الثلاثة أسماءهم(21)، قد كشفت عن جملة عناصر جوهرية في شخصيتها العميقة. ففي قايين نرى الأمومة في ولعها وشوقها. وفي هابيل، نرى حزنها وألمها واكتئابها. أما في شيث فنرى ترقّبها ورجاءها.

إلا أن المرأة العظيمة هذه زلّت وسقطت حسب ما ورد في الكتاب الإلهي. وسقط معها رجلها الذي خرج منها للحياة بعد أن خرجت هي من ضلعه. وكررت السبحة، سبحة الويلات والمآسي، على البشرية، بعد السقوط.

هذا وتعدد الشخصيات النسوية الكتابية التي تكشف مزايا المرأة وثنايا شخصيتها العميقة والبالغة التعقيد. فهناك سارة التي عندها ما عندها من الجمال مما أرهق كاهلها فجعلها فريسة للرجال على نحو ما يُخبرنا الكتاب المقدس. فإبراهيم كذب عندما أعلن أن سارة أخته بينما هي في الحقيقة زوجته. المرأة ذات أحمال ثقيلة اذ كانت على درجة من الحسن والجمال. وهذا نتعلمه من دنيا الإنسانية المعطوبة. كذلك عندنا في الكتاب المقدس حالات أُخرى عرفتها المرأة في صميم خبرتها، مثلاً امرأة لوط المضطربة القلقة التي تحولت إلى عمود ملح، لأنها نظرت إلى الوراء. وهناك رفقة وأخبارها...

كذلك هناك باقة من مريمات بين العهدين القديم والجديد، ولكل واحدة منهن أخبار وأخبار. تُرى ماذا نقول -على سبيل المثال لا الحصر- لو تأملنا في رحاب الزانية، ودبورة المتميزة بفكرها، والساحرة بأنوثتها، وراعوث المنقذة، وأستير الحكيمة، وحنة العاقر، وميكال بنت شاوول، وملكة سبا التي طبقت شهرتها الآفاق؟ ماذا نقول عن السامرية التي دون الرب اسمها في سجل الخالدات، والنازفة الدم التي شفاها؟ وماذا نقول عن مريم ومرتا اللتين تتهللان في كل مرة يدخل بيتهما يسوع؟ ماذا نقول عن المجدلية العظيمة التائبة التي أخرج الرب منها سبعة شياطين؟ ماذا نقول عن زوجة بيلاطس التي قالت قولاً واحداً خلّد ذكراها: “إياك وهذا البار، فقد تألمت اليوم كثيراً في الحلم من أجله. وماذا نقول عن ليديا بائعة الأرجوان التي استضافت الرسل بمحبة نادرة؟ ماذا نقول أيضاً عن فيبي شماسة كنخريا التي خلدها الكتاب على لسان بولس، ماذا نقول عن حاملات الطيب الذائعات الصيت والمجهولات؟ وأخيراً وليس أخراً، ماذا نقول عن الأرحب من السموات التي حملت في أحشائها الخالق والمخلص أعني بها مريم العذراء الفائقة الطهارة والكلية القداسة؟

هذه ليست إلاّ عجالة صغيرة ومقتضبة في المرأة ارتشفتها وأخذتها من الكتاب الإلهي.

ويستعرض الكتاب المقدس ما للمرأة وما عليها، بطريقة خاصة هي في العادة شديدة الاقتضاب، فيصورها ذلك الكائن الترابي، الذي يلمع حين، ويخبو حيناً آخر. وبين هذا وذاك تتلق المرأة الضربات في دنيا الأرض كأنها السندان.

ثم إن تاريخ البشرية بعد السقوط والذي لا نعرف سواه، يصور المرأة ضعيفة ومستهلكة، مغبونة ومظلومة، لا تسترد أنفاسها وعافيتها إلا بالأمومة تمارسها، لتكون بفعلها نبع الحياة، وهذا بدوره لا يخلوا من المتاعب والهموم. ناهيك عن الاستضعاف الذي يلحقها من جراء معاملة ذكورية تنتقص من قدرها في كل العصور، لا سيما في هذا الزمان (متى 19 : 7- 9)، (مرقس 10: 4-6).

المرأة منتهكة ومقهورة، رغم أنها خرجت من جنب آدم، ومن أعماق كيانه (تك 2: 32). المرأة والرجل مخلوقان على صورة الله. وصورة الله لم تغرس في الإنسان (الرجل والمرأة) بعد السقوط، بل كانت قبله. وسقط الإنسان فأظلمت صورة الله فيه. وبنتيجة هذه الظلمة، وهذا الاسوداد والعمى كما يقول القديس ذياذوخوس فوتيق، بدأنا نرى المرأة بمثابة عبدة، حتى أن سفر الملوك الأول يقول عن سليمان: “وكان لسليمان سبع مئة زوجة وثلاث مئة سرية، فأزاغت نساؤه قلبه...” (1مل 3: 11-12). بنتيجة السقوط، شاع أيضاً التسري، فضلاً عن تعدد الزوجات والطلاق. صحيح أن الكتاب المقدس يصور المرأة ضحية غبن الرجال، إلا أنه في الوقت نفسه يصور لنا الرجل ضحية شهواته وضحية غواية المرأة.

وفي التلمود اليهودي، تبدو المرأة محتقرة فوق حدود الوصف، حتى أن اليهود يرى أنه يجب أن يصلي على الشكل التالي: “مبارك أنت يا رب، لأنك لم تخلقني امرأة”. المرأة في وصف الكتاب المقدس لها، لا تختلف عن حالتها على أرض الواقع المعاصر، فهي، وكما تبدو من خلال الإعلام، جسد للاشتهاء. والرجال يُربّون يومياً على الانشغال بهذا الجسد، وقلة فقط تتربى على الاهتمام بالمرأة والتعامل معهم من خلال عقلها ومواهبها.

وغالى المجتمع في التعامل مع المرأة، ولنا خير تصوير لذلك، ما تقدمه الدكتورة نوال السعداوي إذ تقول: “لأن المرأة هي أكثر تعرضاً لضغوط المجتمع من الرجل، لذا فهي أكثر تعرضاً للإصابة بالشذوذ والبرودة الجنسية. ويبدو من قراءة سريعة، أن معظم البحوث العلمية قلما تتحمس لدراسة أسباب الانحرافات والمعجز الجنسي والبرودة التي تتعرض لها المرأة”.

المرأة موضوع رغبات الرجال في هذا الزمان. لذا فهي اذ تدرك واقعها في الصميم، تعمد إلى سلاحها التقليد، الغواية والإغراء، تدرأ بهما مخاطر الرجال عنها. والرجل بينما يسعى كي ينال منها ويدوسها، ها هي وبالإغراء، ترميه وتطيح به. ولنا في شمشون ودليلة مصداق القول المذكور.

ومع ذلك فإهمال المرأة كبير، فهي في نظر المجتمع، محركة للبغاء، ومسؤولة عن البكارة دون سواها، وهي أيضاً مستودع الشرف والعرض، يريدها الرجل(22) بكل جوارحه، إلا أنه يستطيع أن يحتقرها بكل جوارحه أيضاً. وفي الكتاب المقدس مقاطع عدة هي في الواقع من وضع عقلية أوغلت في الذكورة فخلطت بين مشيئة الله ومشيئة الإنسان. الكتاب المقدس نفسه يقول لنا إن الزانية ترجم، دون أن يقدم لنا ما ينبغي أن يقدم لنا ما ينبغي أن يحصل للزاني. إلاّ أن الرب يسوع يعارض مثل هذه المعاملة، فلا يرجم الزانية التي قدموها لها، بل يرسلها داعي إياها إلى الإقلاع عن المآثم ومبدياً نحوها كامل الشفقة والحزن. أما الذين هموا برجمها بعد أن صعقهم قوله: “من كان منكم بلا خطيئة، فليرجمها بحجر” فكان لومه لهم عظيماً.

المرأة، في القول الشعبي، شر وشيطان، لابد منه. فيها العار كله، والشهوة كلها. إنها كائن محتقر، حتى إن فئة متعلمة، أمثال الفيلسوف شوبنهور، لم تحسن وصفها، ولم تقدرها التقدير اللائق بها. فقد كتب هذا مرة يحار المرآة، وربما لأنه لم يكن على وئام وتوافق مع والدته، فقال: “المرأة لا تصلح إلا لحفظ النسل، وغسل الصحون”. أما المرأة السوية، وكما يراها سيغموند فرويد، فهي التي تستبدل الرغبة بالجنس، بالرغبة بطفل، وهكذا تكون الأمومة في المفهوم الفرويدي، مجرد رغبة ثانوية لا أكثر.

المرأة متاع الرجل، وظلّه، فكلمته تطاع. أما في الاجتماعات والاجتماعيات، فالمرأة تدخل البيت قبله، وتخرج قبله، وتصعد إلى السيارة قبله، وتنزله قبله(23).

إلا أننا مع الرب يسوع، نجد المسألة مختلفة تمام، فهو جاء لتحرير الإنسان من عقدة الفوقية إذا كان رجل، ومن الدونية، في حالة المرأة. ليس عند يسوع ذكر وأنثى، فالكل فيه واحد كما يقول الإلهي بولس(24).

يسوع جاء من أجل الإنسان كله، وذلك كي يخلصه من جملة عبوديات ترهقه وتحطمه: “فإن حرركم الابن، صرتم أحراراً” (يوحنا 7: 36) و”لأنكم دعيتم إلى الحرية” (غلاطية 5 : 1-13)، وأيضاً: “لا أسميكم عبيداً بعد... لكن أسميتكم أحبائي” (يوحنا 15: 15).

لقد جاء يسوع كي يحررنا من ربقة الخطيئة التي دخلت إلى العالم بإنسان (رومية5: 12). وهذا يعني أن الجميع أخطأوا وقد أعوزهم خلاص الله (رومية3: 23). جاء الرب كي يحررنا من عبوديتنا للجسد (غلاطية 5: 13). والرائع أن يسوع يأبى تصنيف الخطايا، فهو يستطيع أن يرجم الزانية لكنه لا يرجمها، وذلك لينخس قلبها بمنخس الحب الإلهي. لقد نشّفت الزانية قدميه بشعرها، فحول المشهد كله إلى يوم دفنه.

نحن في المسيح نردد مع بولس العظيم الذي قال: “كل شيء مباح لي، ولكن لا يتسلط علي شيء”. نحن في يسوع نسود كل ضعف، وكل شيء يباح لنا، إذا كنا غير رازحين تحت خطيئة وهوى. يسوع وحده يحررنا من ملايين الأصنام التي تدغدغنا فنؤلها لتطيح بنا.

وعليه وبعد هذا، فالمرأة، موضوعنا في هذا الكتاب، هي التي أحبها الرب أيضاً، ولها قال، كما للرجل أيضاً: “احملوا نيري عليكم، لأن نيري هيّن وحملي خفيف”.

ولئلا يظن أحد أن المرأة، ضعيفة، ينبغي أن نقول أن الكتاب يصورها منشغلة بالخلاص الذي حققته مريم الطاهرة لمّا أطاعت قول الملاك. وعندنا مصداق ذلك اليصابات العاقر التي حبلت بالسابق في شيخوختها. وهناك أيضاً أنين أرملة نايين، وكربة القوساء التي شفاها يسوع بعد سنين قضتها في المرض (لوقا13: 10-17). وأيضاً صالومي أم يعقوب ويوحنا الإنجيلي التي كانت ذات دالّة عظيمة على يسوع حتى أنها طلبت منه أن يُجلس ولديها عن يمينه ويساره (متى20: 20-24). كذلك أيضاً يدوّن سفر أعمال الرسل إيمان كثيرات من النسوة عُرفن بخدمة الرسل. ولا يتوقف الكتاب عند هذا الحد، بل يدوّن لنا أخباراً تتعلق بنسوة نبيّات (1كو11: 5-6).

باختصار، الإنسان كله، حبيب الله، لأن الرب يقول: “لأني أشاء الكل أن يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا”.

أخيراً الكنيسة تريد كل أبنائها طالعين من النور كما من تجلَّ. والصعود دليلنا على أن الرب لنا، والدرب لنا، والسعادة الأبدية لنا، فالرب انتشلنا من حضيضنا ورفعنا إلى ذرى المجد والعظمة مُجلساً إيانا عن يمين الآب. المشكلة بعد كل هذا، أن المرأة ليست مقصاة من حب الله، إلا أنها، وبكل تأكيد، مقصاة لا بل معفاة من الكهنوت الأسراري.

 

 


(21) قايين: اللفظة تعني افتناء. أي أن المرأة فرحت في اقتناء الأولاد، وهذا من فيض أمومتها. هابيل: تعنى النعجة والبطل. ففي هابيل تدفع الأم أقصى ضريبة ألا وهي الدم والدمع والتفجع على فقدانه. شيث: اللفظة تعني البدل والبديل الذي فيه تصبو المرأة على رجاءها ومنتهى شوقها.

(22) المرأة كما يقول البعض شر لا بد منه، وهذا غير صحيح. هذا الكلام يقوله من يرى في المرأة أداة لإزالة توتره وحسب.

(23) أرأيتم هذه الكرامة، المرأة تدخل قبل الرجل، لكن الرجل يذلها في الخفاء ويسحق فرادته وكرامتها.

(24) غلاطية (3: 28).

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع