Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يفتح المؤمن عينيه منذ الطفولة -في كنف والدين تقيين- وهو يسمع أن الكنيسة أم تلد أبناء الله، وذلك لأن دأبها هو انتشار ملكوت الله في العالم لا على نحو اقتناصي(25)، ولا بأسلوب ابتلاعي، بل بالحب والاحتضان والتعهّد.

أبناء الله لا يولدون عبر التناسل وحسب بل عبر توبة القلوب، وعبر الولادة من فوق، الأمر الذي يعطى فقط بقبول سر المعمودية وتفعيله. وهذا يتم بالولادة في الروح القدس الذي وحده سيعرّفنا من هو المسيح.

من أجل هذا الهدف فإن للكنيسة هيئة على الأرض، وصورة مؤسسة إذا شئتم، ومع ذلك، فالكنيسة تبقى بلغة القديس بولس، عروس المسيح التي اتخذها لنفسه لا وسخ فيها ولا شائبة، بل منزهة عن كل عيب. الكنيسة هي عروس المسيح لا المؤسسة والطائفة.

وعليه، فالكنيسة هي المكان الذي يعمل فيه كل عضو في الجماعة حسب قامته وقدرته وموهبته وذلك من أجل البيان (1كورنثوس12: 4-8). وبالتالي فكل خدمة في الكنيسة تكون فيها، لا خارجها وفوقها. أي أن الخدمة الكنسية هي من أجل البنيان لا من أجل الطبقية والاستعلاء. نحن أعضاء جسد المسيح الذي هو الكنيسة. وهكذا فإن كلاماً عن ثنائية بين الكهنوت الاسراري، والكهنوت الملوكي الذي نُعطاه في المعمودية، هو أمر لا طائل تحته، ولا معنى له. الكهنوت الأسراري يخرج من الكهنوت الملوكي ومنه يولد. وغاية الكهنوت الأسراري هي تأمين استمرارية الروح الرسولية Apostolicity في الكنيسة، وذلك كي تبقى الكنيسة سحابة الشهود للخلاص الذي أتمه الرب من أجل العالم في عهد بيلاطس مرة وإلى الأبد apax. وهذا يعني أن يسوع المسيح الذي صعد إلى السماء بالجسد، وجلس عن يمين الآب، قدّم لأبيه ليس مجموعة أفراد وأعوان أحبّوه في العالم، بل كهنوتاً ملوكياً. لهذا يقول كاتب الرؤيا: “...ذاك الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه، وجعل منا مملكة من الكهنة لإلهه وأبيه” (رؤيا 1: 6)

ويسير بولس على المنوال نفسه، فيقول: “...فالمسيح أول، لأنه البكر، ومن بعده الذين يكونون خاصة المسيح عند مجيئه. ثم يكون المنتهى حين يسلم الملك إلى الله الآب بعد أن يبيد كل رئاسة وسلطان وقوة” (1كو 15: 24). ويجري ترتليانوس على المنوال ذاته أيضاً، فيقول: “حيث لا يوجد كاهن، كن أنت الكاهن”(26).

بيد أن هذا لا يعني أن ترتليانوس يرى الجميع كهنة بالمعنى الأسراري الليتورجي. وذلك لأن هيبوليتوس يقول في إحدى قوانينه: “العلماني لا يجدي، على صعيد إقامة الأسرار” (القانون 35). ويتابع: “لأنه من غير اللائق أن يقسم العلماني الجسد الذي يؤكل ولا يفرغ”. ويجري القديس اغناطيوس الأنطاكي على المنوال ذاته فيقول: “...لأن الأسقف هو الذي يحوّل الجمهرة(27) والاحتشاء إلى جسم ليتورجي، وهذا الجسم هو الذي يعترف بالأسقف رأسّا عليه بإرادة الله”. العلمانيون هم الكنيسة والعالم. وبالتالي بدون العلمانيين لن يكون هناك كرازة. وهذا يعني انه لا جدوى من الفئة الاكليريكية في ظلّ تغيب العلمانيين. بكلام آخر الكنيسة تحوّل العالم إلى ملكوت المسيح، بواسطة عامة الناس، وذلك لأنه يستحيل أن يبشر الكهنة أنفسهم.

وكي نكتشف أهمية الكهنوت الملوكي، نسوق ما كتبه القديس كيرلس الأورشليمي في المعمودية : “اذكروا الروح القدس، ففي لحظة المعمودية يكون حاضراً كي يختم نفوسكم، ويهبكم الختم السماوي الذي منه ترتعد الأرواح الشريرة. الروح القدس سيسندكم للقتال، وسيكون حارس حياتكم ومعزيها. سيراقبكم كما يراقب جنوده” (عظات XVII في الروح القدس). هكذا فكل مؤمن، دون استثناء، هو جندي ورياضي. وهذه الكلمات لا تقال في الاكليريكي وحسب، بل تنسحب على كافة العلمانيين المسيحيين. إنها كلمات تخص كل من يولد لله في جرن المعمودية. من هنا فكلمات الرب: “اذهبوا وتلمذوا كل الأمم معمدين إياهم...” (متى28 : 19-20)، (رومية 6: 3)، ليست للرسل فقط، ولا هي منوطة بالاكليريكيين وحسب، وذلك لأن الكنيسة ترى أيقونة المسيح في كل إنسان. وتطالب كل انسان أن يكون ايقونة المسيح، لأن كل انسان مخلوق على صورة المسيح. هذا ما حاول القديس مكاريوس أيضاً أن يعبّر عنه عندما قال : “المسيحية سر عظيم، فافهموا دعوتكم التي فيها دعيتم إلى الكرامة الملوكية، إلى جليل مختار، وكهنوت ملوكي وأمة مقدسة”. وبولس الرسول لا يكف عن تذكيرنا قائلاً: “لتكن أجسادكم ذبيحة حية وقرباناً...” (رومية12 : 1). وفي هذا يقول أوريجنس العظيم أيضاً : “ان من قبلو المسحة، أصبحوا كهنة، فكل واحد يحمل ذبيحة في داخله، وهو نفسه يضرم النار على المذبح كي يكون ذبيحة لا ينتهي. لو رفضت كل ما أملك. لو حملت صليب المسيح. لو سلمت جسدي لأحرق. لو طلبت الاستشهاد، فأنا ذبيحة على مذبح الله، وبالتالي أنا كاهن” (Homily IX, on Leviticus).

ويردف القديس غريغوريوس النزينزي، فيصوّر الحالة الكهنوتية بقوله : “لا أحد يشارك في الذبيحة إلاّ إذا أصبح هو نفسه ذبيحة”(Oratio III). ويقول القديس ثيودور الستوديت: “أما لجهة الخلاص، فكل إنسان كاهن نفسه” (ضد الهراطقة 328: 99 p.G. ). كذلك يقول القديس يوحنا الدمشقي في معرض كلامه عن العذراء : “أيتها المسحة المسكوبة...” ويتابع في مقالته نفسها، وفي معرض كلامه عن تواضع مريم، فيقول: “انه كهنوت ملوكي” (العظة 2 في ميلاد السيد) (B 693: 96 p.G.) كذلك نسمع أثناء القداس الإلهي : “التي لك مما لك نقدمها لك على كل شيء، ومن جهة كل شيء”. إن معنى هذه الكلمات يعاش خارج جدران الكنيسة، وفي أدق تفاصيل الحياة اليومية عن المؤمن. غير أن ميرا لوت بورودين ترى الكهنوت في اكتمال العناصر التالية : “التقدمة، الذبيحة، بذل الذات”(28).

في الحقيقة إن كل مسيحي كاهن، والرجاء المسيحي هو غاية المنى لكل مسيحي، لا لواحد دون الآخر. في كل قلب ينبغي أن يترجم هذا الرجاء، لأن في هذا يكمن عمل كل إنسان، ذكراً وأنثى. هذه المسألة تتعلق بكل إنسان.

وهكذا، فالكهنوت(29) ليس للرجال فقط، لأن المسيح ليس للرجال فقط (غلا 3: 28) فإن كل الناس كلهم واحداً في المسيح، فالكهنوت للجميع. ولكن مع ذلك، لم تعرف الكنيسة، رغم يديها تحوّل القرابين، وذلك لأن الرب لم يطلب من المرأة أن تكون كاهنة.

 

 


(25) Proeselytism.

(26) (See:A:d´Ale´s; La Theologie de Tertullien, paris1905)

(27) crowdedness

(28) ”La grace deigiant des sacrements” in Revue des sciences philosophiques et theologiques, vol. 24 (1935), 696, note I.

(29) هذا الكلام يشترط التمييز بين الكهنوت الملوكي والكهنوت الكرازي الأسراري.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع