Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الكلام عن أمومة روحية، يبدو للوهلة الأولى كلاماً في الفراغِ إذا فكرنا في حالة الكنيسة اليوم حيث الأبوة الروحية شبه مجمدة، وحيث الاعتراف يكاد أن يكون غائباً. ومع ذلك، ورغم ذلك، هناك أمومة تمارس وتعاش في الكنيسة اليوم. ولكن الكلام عن أمومة روحية ليس حافزاً على تبني الكهنوت الأنثوي. ورغم ذلك فإن إعفاء المرأة من الكهنوت لا يحرمها إمكانية أن تكون أمّاً روحية.

التقليد الأرثوذكسي معروف جداً بتشديده على الأبوة الروحية حتى أن لفظة (ياروندا) و(ستارتز) ليست غريبة عن الكتب ذات الطابع الأرثوذكسي. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل من الغريب أن نتكلم عن الأم الروحية، تماماً ككلامنا عن الأب الروحي؟ ألا يمكن أن تكون المرأة المخلوقة كالرجل، على صورة الله ومثاله أداةً للروح القدس فتسمى أمّاً روحية؟ ما الذي يمنع المرأة أن تكون ذات إشراق روحي كالرجل؟

إن كل مولود لله في جرن المعمودية مدعو أن يكون ابناً لله وهيكلاً للروح القدس. وكما أن الأب الروحي هو قناة للروح القدس، هكذا، فكل إنسان روحي يمكنه أن يكون قناة للروح القدس. الروح القدس وكما يقول الكتاب: “يهب حيث يشاء”، ومن المستحيل أن يهب في الرجال فقط، وإلا لماذا قال الله: “لنصنعنّ الإنسان على صورتنا ومثالنا”، ثم “ذكراً وأنثى خلقهما”؟

ولكن الأم الروحية ليست غريبة عن الفكر المسيحي. بالطبع يبدو جلياَ إذا طالعنا “أقوال الآباء الشيوخ”(41) أن هناك ذِكراً لأكثر من مائة وسبع وعشرين شيخاَ روحي، يقابل ذلك ثلاثة أمهات روحيات فقط هن حرفياً: ( ثيوذور، سارة، وسينكليتيكي). النسوة المذكورات هن عملاقات في الروح حق، ومن نفس قامة الآباء المذكورين، ومع ذلك فعددهن قليل.

غير أن الأب اشعيا جمع سنة 1200 م كتاباً من أقوال روحية لأمهات روحيات، ليكون موازياً ل “أقوال الآباء الشيوخ” أو” قال شيخ” و”آباء البرية”... وقام بنقله إلى الروسية القديس الأسقف ثيوفان الحبيس، وقد طبع حتى اليوم ثلاث مرات على التوالي.

ولا نستطيع أيضاً أن ننسى، ومن خلال تاريخ الرهبنة والأدب الرهباني بالذات، إن المرأة كانت رائدة في حياة الروح، لا بل تفوقت على الرجال أيضاً. فكم وكم من نجم ساطع في الكنيسة كان وراءه أُمّ فاضلة مثل أُمّ القديس يوحنا الذهبي الفم، وعائلة القديس باسيليوس الكبير، وأم القديس غريغوريوس بلاماس وسواهن...

ونعرف من التاريخ المسيحي أن القديس أنطونيوس أب البرية، عندما قرر أن يصبح راهب، جعل أخته، بعد وفاة والديه في عهدة دير نسائي كان قائماً في تلك المنطقة، وبعد ذلك ارتاح بالله، فتوجه جهاداته في الصحراء.

إلا أننا نعرف أيضاً أن الأب الروحي في الكنيسة الأرثوذكسية هو كاهن شيخ، وما يعرف باليوناني باسم (إيروموناخوس). لكن ما نعرفه أيضاً أن الاعتراف لم يكن يوماً محصوراً بالاكليريكيين. الأمر الذي كنا نراه جلياً في القرون الخمسة الأولى للميلاد حيث كان الناس يسترشدون روحياً بالأديار، وحيث كان المرشحون للأسقفية يؤتى بهم من الأديار. والقديس أنطونيوس الكبير مثلاً كان أباً روحياً للقديس البطريرك أثناسيوس الكبير، دون أن يكون الأول كاهناً. الاعتراف تاريخياً لم يكن محصوراً بالكهنوت الكرازي، بل كان عموماً في إطار الكهنوت الملوكي الذي يمكن أن يشارك فيه كل معتمد على اسم الآب والابن والروح القدس. وهذا يعني أن العلماني يمكنه، كما يعلّمنا التاريخ، أن يكون أباً روحياً. وبالتالي، فليس ما يمنع أن تكون العلمانية بدورها أمّاً روحية. المهم في الأمر النضوج الكياني والامتلاء بالروح، وهذه صورة يمكن توفيرها في المرأة أيضاً كما في الرجل، لأن الاثنين على صورة الله مخلوقان.

والسؤال الآن هو التالي: وما سبب احتجاب المرأة على صعيد الإرشاد الروحي؟

في اعتقادي أن الجواب على السؤال يجب أن يراعي وضع المرأة اجتماعياً وتربوياً لا أكثر. فإذا كانت المرأة، لا سيمّا الشرقية، مغلوبة على أمرها ومقهورة، وتنتقل من سلطة والديها إلى سلطة زوجها، ولا ترث كما هو حال شقيقها، ولا تعامل كما يعامل شقيقها، لا بل أن حرية شقيقها قائمة، أما هي فمغبونة، عندها من البديهي أن ينعكس هذا كله على وضعها الروحي، وعلى إمكانية أن تلعب دوراً روحياً في كنيستها. ومن أين يؤتى بكائن مستقل إذا كنا لا نربي بناتنا على الاستقلال؟

ومع الأسف فإن الواقع يثبت لنا جلّياً تفوّق الفتاة على الشاب في الدراسة، الأمر الذي يعني أن فوقية الذكور تصبح أمراً لا معنى له وغير ضروري، وتصبح عقدة التفوّق الذكوري غير مجدية ولا طائل تحتها لا بل تكون أمراً لا مبرّر له، فالمرأة اليوم هي ندّ للرجل في الدراسة(42) والإنتاج. لقد دخلت المرأة ميادين الحياة المختلفة، رغم أنها ما تزال مقصّرة على صعيد القيادة السياسية رغم حالات قليلة عرفناها في الهند وبريطانيا والأرجنتين. باختصار، إن المرأة على صورة الله مخلوقة، وهذا يعني أن عندها ما عند الرجل. أما ظلم المجتمع فهو الذي غيّر الحقائق والمعطيات وقلب المعادلة وجعلنا نرى المرأة دون الرجل في كل شيء.

 

 


(41) تعريب المؤلف وطبع بالتنسيق مع منشورات النور ومعهد اللاهوت في البلمند.

(42) نعرف من الخبرة كمعلمين أن غالبية المتفوقين هي من الإناث. البنات يتفوّقن على الصبيان في الترتيب والدقة، الأمر الذي يعني أن تفوّق الذكور هو من نسج الخيال. وربما يعزى هذا إلى عدد من الأسباب. لا مجال لتعدادها ودراستها في هذا الكتاب.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع