Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الطمث:

ترى الكثير من النساء العارفات، وتشعرن في الوقت نفسه، أن الدورة الشهرية، هي مسألة لا إثم فيه ولا خطيئة، فهي ظاهرة بيولوجية بحتة، وطبيعية ولا رأي لهن فيها، أما الخطيئة فهي الإرادة في القيام بهذا وذاك من الأعمال المشينة والمنافية لسلام القلب والحب الإلهي.

ولكننا لا نستغرب في الوقت نفسه، عندما نلاحظ أن شريحة من النساء تنقاد بداعي الجهل، إلى الإقرار بأن الدورة الشهرية مسألة خطيئة ونجاسة بأن. والسبب بطبيعة الحال يعود إلى تربية مغلوطة ومعلومات خاطئة.

نحن معشر الشرقيين، في قرارنا، وهذا أمر تربيّنا عليه، نعتقد أن الطمث عند المرأة يقترن بالنجاسة دون أن نعرف لماذا. وربما يعزى ذلك إلى أننا نتربى وباللاوعي على أن المرأة شر لابد منه وبالتالي فإن كل ما فيه من شر ونجاسة. وهذا المنحى في الإنسان الشرقي نراه مجسّداً في مجتمعاتنا وذلك عندما نلاحظ أن عدداً من الاكليريكيين مقتنع أن الطمث نجاسة، وبالتالي نرى هؤلاء يعمدون إلى هذه وتلك من الممارسات للحيلولة دون دخول المرأة إلى الكنيسة ودون تقدمها من الكأس المقدسة. كذلك فإن شريحة كبيرة من المسيحيين مقتنعة بوجوب عدم تقدم النساء من المناولة عندما يكنّ في فترة الحيض. لا بل أكثر من ذلك، لا يجوز لهن أن يقبّلن الأيقونات المعلقة على جدران الكنيسة أيضاً (الأيقونسطاس).

وعندنا في جملة القوانين الكنسية قانون للقديس ديونيسيوس الاسكندري (راجع مجموعة الشرع الكنسي صفحة 874). ورد في القانون المذكور ما يلي: “لا يجوز للمرأة أن تتقدم للمناولة عندما تكون في فترة الحيض، ولا أن تأتي للكنيسة أيضاً”. وفي الصفحة ذاتها من كتاب “مجموعة الشرع الكنسي”، نقرأ، وهذا على لسان القديس ديونيسيوس نفسه أنه لا يرى في السيلان الليلي ما يحول دون المناولة (راجع ص: 874 المرجع نفسه). والسؤال هو: كيف يكون الطمث خطيئة، بينما الاحتلام الليلي طبيعي؟ أليست المسألة في الحالتين بيولوجيا بحتة؟ هل من علاقة بين الخطيئة والمسألة البيولوجية؟

في الحقيقة تبدو الصيغة التي قدّمها القديس ديونيسيوس على درجة من الغرابة لا سيّما عندما نقابلها بما ورد في رسالة القديس بولس الرسول إلى تيطس حيث يقول: “كل شيء نقي للأنقياء” (1: 15).

فضلاً عن ذلك فإن القديس يوحنا الذهبي الفم لا يرى في الطمث عيب وخطيئة وذلك في معرض تفسيره لرسالة بولس إلى ولده تيطس (عظة3 في تفسير الرسالة إلى تيطس).

ولكن يبدو ما ورد في تيطس متعارضاً مع ما ورد في العهد القديم، فلنسمع: “... إذا حبلت المرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام كما في أيام طمث علتها تكون نجسة. وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته. ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها. كل شيء مقدّس لا تمس، وإلى المقدس لا تأتي حتى تكمل أيام تطهيرها. وإن وضعت أنثى تكون نجسة أسبوعين كما في طمثها ثم تقيم ستة وستين يوماً في دم تطهيرها. ومتى أتمّت أيام تطهيرها تأتي...” (لاويين12: 1-8). هذا ويدور كلام آخر مماثل في سفر اللاويين راجعه في (14: 33-38) وأيضاً (لاويين15: 19-30).

غير أن التحولات الجسدية القائمة في الطبيعة البشرية، لا يراها الآباء على قاعدة ما يمكن تسميته نجاسة (الذهبي الفم والقديس أثناثيوس الكبير).

ولا ننسى ما ورد في العهد الجديد في انجيل النازفة الدم حين تقدمت هذه المسكينة من الرب ولمست هدب ثوبه لإيمانها أنها ستشفى. وفي النهاية كان لها ما أرادت. فالرب لم يقل لها أغربي عن وجهي أيتها النجسة الدنسة، إنما أعادها إلى بيتها بعد أن جنت الصحة وغفران الخطايا.

لذا أيتها المحبوبات في الرب تجنّبن هذه الأفكار وتقدّمن من الرب كل حين، فالصلوات التي تُرفع، تُسمع بالروح القدس، والمناولة التي تُعطى لنا، يحوّلها الروح القدس نفسه إلى جسد الرب ودمه الكريمين. والأسفار التي نطالعها يحببنا بها الروح القدس. والروح الذي أخذناه في المعمودية والميرون، هو خميرتنا ورفيقنا مدى الحياة.

نحن اليوم أمام تحدٍّ كبير يهزنا ويدعونا إلى الإمساك بزمام ممارسة أصيلة وفكر أصيل، لأننا لا نستطيع أن نفكر على هذا النحو عندما هناك في الكنيسة كواكب روحية عملاقة من مثيلات القديسة تقلا وبريسكلا والمجدلية وليس أقلهن طبعاً العذراء مريم الكلية الطهارة. علينا الإقلاع عن الفكر السطحي إذا ما أردنا أن نطلق فكر الكنيسة إلى كل الأجيال.

المرأة في الهيكل:

يفهم التيار الشعبي العام أن المرأة مقصاة من الدخول إلى الهيكل. وبالتالي فالفتيات أيضاً يحظّر عليهن دخول الهيكل، والسبب في العمق، يتمحور على ما سبق ذكره في الصفحة السابقة، أعني به النجاسة التي تلاحق المرأة بسبب من اعتبارات بيولوجية لا شأن لها بها وضعها الله في طبيعتها.

وفي العادة يدور الكلام حول مسألة الهيكل بحيث نراه دائماً محصوراً وموجهاً إلى العلمانيين والعلمانيات. غير أن العلمانيات فقط هن اللواتي يحظّر عليهن دخول الهيكل. أما الاكليريكيون والعلمانيون، فلا يناقَشون لكونهم في العادة خدام الهيكل ولكونهم ذكوراً.

إلا أن العالم الأرثوذكسي الكبير ليونيد اوزبنسكي يقول في مقالته الرائعة “في الأيقونسطاس”: إن لعالم ما وراء الأيقونسطاس أمرين سلبيين يجب ذكرهما:

  • إن الهيكل مرتع ثرثرة الاكليريكيين وهذا أمر يعرفه الجميع.
  • كذلك فإن الهيكل هو مكاناً للفئران التي تؤمه بحثاً عن رزقها ومعيشتها

هناك قانونان على صعيد الهيكل: الأول هو من مجمع محلي في القرن الرابع هو مجمع اللاذقية (قانون44) فلنسمعه: “لا يجوز للنساء أن يقتربن من المذبح”. كذلك هناك قانون (69) فلنسمعه: “لا يجوز العلماني، باستثناء الامبراطور، دخول الهيكل”. وقد ورد في البيذاليون أن القانون الأول للبطريرك نيقولاوس أجاز للرهبان أن يدخلوا إلى المذبح المقدس إذا كانوا أنقياء من كل خطيئة وذلك لإيقاد الشموع. لكن سمح القديس نيكيفوروس في قانونه (105) للراهبات بالدخول إلى الهيكل لإنارة الشموع والتنظيف. أما إذا كان الراهب مبتدئ، فلا يجوز له أن يدخل إلى المذبح.

إن هذه المواقف المتباينة في القوانين المذكورة، لجهة دخول المرأة إلى الهيكل، تجعلنا نتساءل عن جدوى التقوى في حيات التقيات من النساء الورعات اللواتي يدخلن الهيكل للخدمة والتنظيف وحسب. فإذا كانت التقوى لا تجيز ولا تسمح للمرأة الدخول إلى الهيكل فلماذا نمنعهن جازمين طالما أن المسائل الفيزيولوجية لا صلة لها بالخطيئة؟

في رأيي أنه يجب أن يحظّر على المرأة دخول الهيكل، لأن ليس عندها مهمة فيه، ولكن في الوقت نفسه يجب أن يحظّر على الكهنة الأمر عينه عندما لا يكون لهم عمل مقدس ليتورجي فيه. ولكن لماذا قدسية الهيكل، إذا كان الكلام داخل الهيكل مباحاً للعلمانيين وللأكليريكيين بآن؟ من غير المنطقي أن يسمح داخل الهيكل بثرثرة الذكور، بينما يحظّر على المرأة ذلك لاعتبارات ليس للمرأة أي دور وإرادة فيه، أعني بذلك الاعتبارات البيولوجية.

إن إقصاء المرأة من دخول الهيكل لمجرد الاعتبارات البيولوجية المذكورة، يشكّل عندي إهانة للخلق الإلهي، لا بل إهانة لله نفسه الذي شاء أن تكون حياة المرأة على هذا النحو، الأمر الذي يعني أن الخلق الإلهي معيوب، وهذا مستحيل.

الهيكل، إطار قدس الأقداس، هو للعبادة، وفيه تتحقق ذروة التقوى والخشوع، وبالتالي فهو ليس إلا لخدّام الهيكل، الذين نسأل أن يعرفوا كيف يقيمون فيه وكيف يتحركون فيه.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع