Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


المملكة الألفيّة هي فكرة يعتقد بها اليوم بعض الفرق المبتدعة، ومضمونها – باختصار كلّي- أن الأبرار القائمين من الموت، في نهاية الزمان، سيملكون مع المسيح في مجيئه ثانية على الأرض مدّة "ألف سنة"، وذلك قبل القيامة العامّة والدينونة (راجع: رؤيا يوحنا 20: 1-6).

لا بدّ من القول بدءاً إن اليهود عرفوا، في أوضاع ضاغطة (سياسية واجتماعية...)،  بعض الأفكار المنحرفة (المملكة الألفيّة، والمناداة بالمُلك لإسرائيل...)، وقد وردت هذه الأفكار، عندهم، في الأدب الرؤيوي، ولا سيما في كتاب عزرا الرابع. ويبدو، في نظر المؤرخ إفسافيوس القيصري، أن أول من أنضم إلى مذهب "المملكة الألفيّة" ودافع عنه هو متهوّد يدعى كيرنثوس (أواخر القرن الأول الميلادي)، أنْكَرَ لاهوت المسيح ولم يتردّد بوعد الأبرار بالتمتع بالملذات الجسدية. ولا يخفى أن فكرة "المملكة الألفيّة" قد تسرّبت، إلى المسيحية المبكرة، وذلك قبل أن تحدّد الكنيسة، رسمياً، ما يجب على المسيحيّين أن يعتصموا به في سبيل وحدة الإيمان والعقيدة. ذلك أن بعض الآباء القدماء فسّروا ما جاء في رؤيا يوحنا (20: 1-6) تفسيراً مادياً، ومنهم: ترتليانوس القرطاجي، وإيريناوس أسقف ليون وهيبّوليتوس...

ويعرف المطّلعون أن هذا المفهوم الطارئ لم يثبت إلى زمن طويل، وذلك أن الكنيسة حاربته بشدّة، حتى تلاشى تماماً، في نهاية القرن الرابع، في معظم بلاد الشرق. ولعل أول من ساهم في القضاء على هذه الفكرة وأثّر تأثيراً بالغاً في انتشال الإيمان من لوثة التفسيرات اليهوديّة، هو العلامة أوريجانس، وذلك بفضل مفهومه الرمزي التمثيلي للكتاب المقدّس (اعتبر أن الألفيّة لا تتحقق في المجتمع الأرضي ولكن في القلب)، وتبعه، في الشرق والغرب، آباء كثيرون.

غير أن فكرة "المملكة الألفيّة" استيقظت من جديد ابتداء من القرن التاسع، وردّدها، في هذه الأيام الأخيرة، بعض البدع الخطرة (السبتيّيون وشهود يهوه) وجعلوها من عقائدهم الأساسية. هذا الظهور الجديد حمل معه تفسيرات عديدة جديدة (لم يقلها المسيحيون يوماً) ومتناقضة، ولعلّ أخطرها أن هؤلاء المبتدعين اعتبروا أنّ المسيحية فرقة من الفرق اليهودية، فخلطوا بين ما هو يهودي وما هو مسيحي، وبين الدين والأحداث السياسية... ويبدو أن بعض مشايعي هذه الفكرة يعتقدون بأن العام ألفين هو العام الموافق لتحقيق – أو بدء تحقيق – المملكة الألفيّة. ولعل من الأهمّية بمكان أن نشير إلى ما نشرته جريدة النهار، في مقال بعنوان:" أتباع طائفة ألفيّة مسيحيّة أميركيّة...، وقد جاء فيه: أن أفراداً من أتباع هذه الطائفة، وصلوا إلى القدس، و"قد يكونون ميّالين (مع اقتراب السنة الألفين) إلى القيام بانتحار جماعيّ". وذكرت النهار، نقلا عن صحيفة نيويورك تايمز، أن 75 فرداً من طائفة الكونسيرند كريستشن (مسيحيون قلقون) مع أولادهم قد "اختفوا أخيراً من دنفر (كولورادو) وباعوا جميع ممتلكاتهم، وأوضح هؤلاء أنهم يريدون التوجّه إلى الخارج، على الأرجح إلى إسرائيل، في رفقة زعيمهم مونتي كيم ميللر. ويقول ميللر أنه سيُقتل في شوارع القدس في كانون الأول 1999، وأن هذا الحدث سيعلن نهاية العالم. ويرغب ميللر لأن يقيم أتباعه في القدس، لأن نهاية العالم، بحسب نظريّته، ستحل نهاية السنة 1999، ووحدهم أتباعه سيحصلون على الخلاص في المدينة  المقدسة" (الثلاثاء، 24 تشرين الثاني 1998).

ما من شك أن فكرة "المملكة الألفيّة" التي تعزّز المقولة اليهودية (المناداة بمملكة أرضيّة) تناقض الوحي الكتابي؛" أني هأنذا خالق سمواتٍ جديدة وأرضاً جديدة فلا تُذْكَر الأولى ولا تخطر على بال"(إشعياء 65: 17)؛ "ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك لأن ها ملكوت الله في داخلكم" (لوقا 17: 21)؛ "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يُجاهدون لكي لا أُسْلَّم إلى اليهود ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18: 36)؛ كما تناقض عقيدة الكنيسة. ذلك أنها توحي بوجود قيامتين، واحدة للأبرار في بدء الحكم الألفي والثانية للأشرار في نهايته، وتالياً بتخريب الأرض مرتين وتعميرها مرتين...، وهذه أفكار ماديّة وتخريفات تُناقض الحقيقة الخلاصية وتسيء إليها (1تسالونيكي 4: 14-17). وما يحدّ من تدبير الله أن  السبتيين خصوصاً يعلّمون أن الرب سينتصر على الشيطان ويقيّده في مجيئه ثانية. وهذا يقزّم خلاص الرب المتجسد الذي قهر إبليس وملائكته وأطلق عليهم حكمه النهائي (لوقا 10: 19؛ يوحنا 12: 13، 16: 11)...

إن كل تفسير مادّي للأحداث الإلهية التي ستتم في المستقبل يشوّه الفكر المسيحي الحق ومقاصد الله الخلاصية، ذلك أنه ينزع عن "يوم الرب" الجدية والهالة التي وصفه بها المسيح ويفرّغ القضاء الأخير من أسمى معانيه. ويعرف أصفياء الله أن الربّ، الذي قال:"الأرض والسماء تزولان" (متى 5: 18)، هو بآنٍ حاضر وآتٍ، وأنّ لقاءهم به، في اليوم الأخير، سيكون معه وفيه، ولن يقطعه يوم أو سنة أو ألف سنة، وإنما يدوم فرحهم إلى أبد الدهور.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع