Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يعتقد المعمدانيّون أنّ لكلّ نفس بشريّة "كفاءة (أو مسؤوليّة) في قضايا الدين". فبرأيهم، كلّ فرد "يتمتّع بحرّيّة الاختبار الذاتيّ في قضايا الدين"، ويحقّ له أن يفسّر الكتب، ويتكلّم على الحقّ "من وجهة نظره"، "ومن واجب كلّ شخص، أيضاً، أن يعترف بهذا الحقّ لغيره". وهذه الكفاءة هي، عندهم، "أساس عقيدتهم ورسالتهم". أي المبدأ الذي ينبع منه كلّ المبادئ التي يقرّون بها، ومنها: سلطة الكتاب المقدّس وحده، والإيمان بالله المثلّث الأقانيم، والمعموديّة، وحكم الكنيسة المحلّيّة ذاتيّاً، وكهنوت المؤمنين، والفصل بين الكنيسة والدولة، وغيرها، ويثبّتها طرّاً، ويُعتبر "عامل الوحدة بينهم" (هيرشل هوبس، عقيدة المعمدانيّين ورسالتهم، صفحة 13- 19).

معنى ذلك أنّ المؤمن المعمدانيّ "لا يجوز أن تحكمه، روحيّاً، سلطات دينيّة" (الأساقفة مثلاً)، أو "دساتير وقيود كنسيّة" (الموقف الكتابيّ، العدد 14؛ روبرت أ. بايكر، سير المعمدانيّين في التاريخ، صفحة 14؛ ج. م. كارول، تاريخ الكنائس المعمدانيّة، صفحة 19). فـ"كلّ إنسان مسؤول، بشكل فرديّ، عن معتقداته أمام الله". هذا هو تأكيدهم القاطع، ولو أنّهم أجازوا أن يخضع المؤمن لكلّ ترتيب وضعته كلمة الله في الكنيسة، ولكلّ قانون في المجتمع، أو في الوطن، "لا يتعارض مع مبادئ الكتاب المقدّس"؛ ولو أنّهم، أيضاً، أقرّوا بأنّ معمدانيّين كثيرين بات عندهم الاستقلال الفرديّ "مرادفاً للفوضى" (هيرشل هوبس، م.ن.، صفحة 120- 121). فهم، في إيثارهم المبدأ الفرديّ، رأوا أنّه لا يوجد، في الإنجيل، "أيّ تلميح يجيز إمكانيّة إدخال أيّ وسيط بشريّ، أو أيّ وكيل إنسانيّ بين الله والإنسان الفرد". وهذا دفعهم إلى أن يرفضوا معموديّة الأطفال، والكهنوت الأسراريّ، و"التطهير الطقسيّ المختصّ بأسرار الكنيسة" الذي، برأيهم، "ينكر ضرورة التسليم الشخصيّ إلى الله بالإيمان"، وغيرها (روبرت أ. بايكر، م.ن.، صفحة 13- 14، و137؛ عوض سمعان، الكهنوت، صفحة 114 و116 و252).

لا يقدّر خطورة هذا المعتقد إلاّ الذين عرفوا أنّ الفرق المعمدانيّة عديدة في العالم ومنقسمة، بمعظمها، بعضها على بعض. ولا يفهمه، صحيحاً، إلاّ الذين أدركوا رفضهم لاهوت الكنيسة التي تجمعها بركات الأسرار الكنسيّة، وتحقّقها في هذا الوجود.

نحن لا ندّعي أنّ الإنسان المسيحيّ ليست له كفاءة البتّة، أو لا يتمتع بأيّ مسؤوليّة أمام الله. لكنّ هذا، في المسيحيّة القويمة، لا يفهم بعيداً من الارتباط الجماعيّ، أو الكنسيّ. إذ "لا يستطيع أحد أن يدّعي أنه للمسيح، إذا لم يكن، في الوقت ذاته، مع إخوة المسيح". فالالتزام لا يقبل تفرّداً، بل يقوم على "الإيمان الذي سلّم للقدّيسين تامّاً" (يهوذا 3). وهذا من معانيه أنّ الإيمان لم يسلّم إلى أفراد مبعثرين، لكن إلى الذين جمعتهم قداسة الله، واستطابوا حقّها في حياتهم معاً. والدليل الصارخ على الجماعيّة هي حياة الشركة التي يكشفها العهد الجديد. وهذه الحياة، التي هي شركة مع الله الآب بالابن في الروح القدس (أنظر: 1كورنثوس 1: 9؛ 2 كورنثوس 13: 14؛ فيلبي 2: 1؛ عبرانيّين 3: 14؛ 2 بطرس 1: 4؛ 1يوحنّا 1: 3)، تحقّقها الأسرار الكنسيّة (أعمال 2: 42؛ 1كورنثوس 10: 16 و17؛ غلاطية 2: 9)، ويدعمها التعاضد الأخويّ (أعمال 4: 32- 35؛ 2 كورنثوس 1: 7؛ فيلبي 2: 17 و18؛ فيلمون 6؛ عبرانيّين 3: 1؛ 1يوحنّا 1: 7)، وتآزر المواهب التي تبني الكنيسة وتنمّيها (رومية 12: 6؛ 1 كورنثوس 12- 14؛ أفسس 4: 7- 13؛ عبرانيّين 2: 4).

الحياة المشتركة هي، إذاً، خير برهان عن أنّ الفرديّة لا مكانة لها في سياق الالتزام القويم. الفرديّة عيب يمجّه الله الذي افتدى البشريّة، ووضع لها أسس الارتباط به وبعضها ببعض. ومن هذه الأسس أنّ المؤمن الحقيقيّ يولد في الجماعة المفتداة (في معموديّته)، وينمو معها وفي وسطها. ويدعمها، وتدعمه في مسيرة جهاده. ويقبل منها كلّ تنقيح، أو توبيخ، يساهم في تأصّله في الحقّ كأنّه من الروح القدس (غلاطية 6: 1؛ أنظر أيضاً: متّى 18: 15- 17؛ 2 كورنثوس 13: 11؛ 2 تسالونيكية 3: 14- 15؛ 2 تيموثاوس 2: 24- 26؛ يعقوب 5: 19). فهناك بون شاسع بين الحرّيّة والتفرّد. وليس في المسيحيّة، في الواقع، مِن إنسان لا يرتبط ارتباطاً محكماً بما قرّره الله، وارتضته الجماعة القويمة في كلّ جيل. وعلى سبيل المثال، لا يرى المؤمن الحقيقيّ، إذا ارتبط بأسقفه (ألم يقل الرسول في الرسالة إلى العبرانيّين 13: 17: "أطيعوا رؤساءكم الذين يسهرون على نفوسكم")، أو بالمؤمنين أترابه، أنّ حرّيّته مقيّدة. ولا يرى أنّه يخالف الحقّ إذا سلك بموجب القوانين الكنسيّة. وهذا لا يمنعه، في كلّ حال، من أن يبدي رأيه في هذا الأمر أو ذاك، ما دام يتكلّم في حدود العقائد التي سنّتها المجامع المقدّسة.

تأبى المسيحيّة كلّ تفرّد يشتقّ من ذاته، أو قياس النفس بالنفس (2 كورنثوس 10: 12). هذه مخالفة ضدّ الحقّ الذي يدّعي المعمدانيّون أنّهم، وحدهم، يحافظون عليه. فالربّ كشف أنّه يكون حيث يجتمع المؤمنون باسمه (متّى 18: 20). وكلّ حياة بارّة هي التي توافق هذا الكشف الممدود، وتخلص له، وتحكم ذاتها به، كلّ يوم، وكلّ اليوم، وحتّى يأتي هو، بمجده، ويقيم الكنيسة الأخيرة التي آمنت بما أودعه روحه فيها، في كلّ جيل، لتسبّحه، معاً، على نسق ما حاولت في جهادها المبرور.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع