Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الله موجود لكنّه غير معروف. بقدر ما نعطيه من زمن حياتنا بقدر ما يصير معروفاً بالنسبة لنا. علينا أن نعطي الوقت الكافي لندرس عِلم التعرّف إلى الله. نحن نبحث عن الله، أو بالأحرى نسعى لتعميق علاقتنا به، العلاقة التي تبدأ من إيمان بسيط ومعرفة سطحيّة. وتتدرّج بعدها حين نبدأ ونكتشف في كلّ لحظة من حياتنا أنّ الله كان يحبّنا أكثر بكثير ممّا كنا نظّنه في تلك اللحظة. كلّما عرفنا الله كلّما أدركنا جهَلنا كم هو يحبّنا. معرفة الله تزداد فيزداد معها السّلام والنعمة اللذان يعطيهما، فيزداد العطش إليه. ما نكتشفه في علاقتنا مع الله أنّنا كنّا نجهل دائماً كم كان إلى جانبنا، وكلما عرفناه إذن كلّما صرنا ممتنّين إليه وشاعرين بالدَيْن أكبر. هذا يزيد فينا قيمة حبّه لنا ويزيد حبّنا له.

طبيعة الحياة، من حيث كيف ومما نولد، وكيف ومتى ننتهي، تؤكّد أنّ الإنسان"زائر" لهذه الأرض وليس لها. الكتاب يقول ما هو أكثر، ليس أنّنا لسنا للأرض بل أنّنا لسنا منها بكليّتنا. ما يخبرنا به الكتاب أنّ الإنسان تكوّن من عنصرَين، من الطين وهو من هذه الأرض وهذا الكون المخلوق، ومن روح الله أي من بُعْدٍ لا مخلوق، من شيء يجعله شبيهاً ليس بعناصر هذا الكون فقط إنّما أشبه منه إلى الله، على "صورته ومثاله".

مُطالع الكتاب المقدّس يصطدم بسؤالين أساسيَّين وجوديَّين في الحياة. الأوّل هو، ماذا عليّ أن أحقّق في الحياة لكي أجعل لحياتي معنى؟ والثاني هو ما هي صورة الله فيَّ، أو بالأحرى كم أنا بصدق على صورة الله وكيف أحقّقها فعلاً؟ بعد فترة ليست بطويلة، هذا الإنسان السائح، إذا ما سار على دروب الربّ، يكتشف أنّ السؤال الثاني هو جواب الأوّل. لأن ذلك هو الجواب الحقيقيّ على العطش الإنسانيّ العميق.

في الكتاب، الإنسانُ ليس مجرّد ظاهرة عابرة، توجد تنمو وتذبل، تولد لتموت. إنه زائر بمعنى السائح أو بمعنى الساعي والباحث. إلى أين يسير أو عمّاذا يبحث؟ جواب الكتاب ليس" العدم" أو"الصفر" أو "اللاشيء"، بل "ملكوت الله" أي "كلّ شيء". الإنسان يبدأ من "لاشيء" ليصل إلى "كلّ شيء". فالله جلبنا من العدم وأتمّ كلّ التدبير الذي من أجلنا وأصعدنا إلى السماوات، أي إلى كلّ شيء. الكتاب عكس الفلسفات، هذه الأخيرة تعتبر أنّ الإنسان جاء "من شيء" - وبتفاسير عديدة، ولكنّه يسير "إلى اللاشيء - العدم". لكنّ الله يجلب إلى الحياة التي لا تموت. ما هو خارج الله يرى أنّ الحياة كانت وتظهر لتنتهي. لسنا رُحَّلاً إلى بلد العدم، إننا متدرّجون على طريق الوجود. هذه هي الحياة التي خلقها الله ويعطيها ونحن مدعوّون إلى كمالها، أي إلى عيشها بملئها وليس بظاهرها فقط. لا يقبل المنطق البشريّ أن يعتبر، لأنّه بعد مسيرة سنوات لتحقيق الذّات وبناء العلاقات وبعد مخاض 60 أو70 سنة لمعرفة ال "أنا" وال "أنت"، قدرَنا هو بألاّ يوجد "أنا" ولا "أنت".

الحلّ الكتابيّ هو الحقيقيّ لأنّه يعرف أنّ بعد هنا يوجد هناك، وأن الحياة لا تسير إلى العدم بل أنّ قدرة الله تجلب من العدم إلى الحياة. هذا الحلّ حقيقيّ لأنّه يعطي معنى للحياة ومهما كانت ظروفها صغيرة أم كبيرة، عظيمة أم متواضعة، فلا شيء أهمّ أو أعظم من الحياة عينها، ولا يعلو على الحياة شيءٌ من ظروفها. الحلّ الفلسفيّ في تحليل الوجود يجعل الرجاء (بالعدم) بلاهة. والكتاب يعتبر اليأس أكبر خطيئة أو خسارة. إذا كانت الحياة ستعود إلى العدم ففيما يؤذي فقر أو مرض أو ظلم أو عذاب أو جهل أو...؟ إذ النهاية هي أبشع من كلّ ماسبق. ولكن بما أن الحياة تسير إلى وجود فهذا يجعل كلّ عائق مهما كان صغيراً مسبّباً لخسارة كبيرة. لهذا فاجعة الخطيئة في الكتاب كبيرة وهائلة أكثر من الحدث بعينه، ومسؤوليتها أعظم من قيمتها، لأن آثارها تبقى على ثمارها الكبيرة وليس على واقعها الصغير. وللسبب عينه فإنّ الأتعاب، وحتى التافه والبسيط منها، هي ذات قيمة أكبر بكثير من حجمها. لأن ما تعودنا أن نقرأه باللغة الدينيّة بكلمة" الأكاليل" الأبديّة أهمّ من الالأمّ الحاضرة.

إن البحث في الفلسفة يولّد القلق، وفي أحسن الأحوال يظهر الإنسان رحّالاً هائماً باحثاً عن الله. أمّا في الكتاب فهناك مفاجأة أنّ الإنسان متدرّج في استقبال الله وذلك لأنّه يدرك أنّه قبل أن يبحث هو عن الله كان الله يبحث عنه. "لقد عرفتُك لأنّك بحثتَ عني". في الفلسفة هناك بحث بمعنى الحيرة، بمعنى التوقع أو المراهنة! فبماذا يثبت العقل ويبرهن ما هو ما ورائي (غير محسوس)، الله يبرهنه المنطق وليس الأرقام.

لكنّ الفاجعة الحقيقيّة تتمّ حين ينقلب الحلّ الدينيّ إلى فلسفة، فلسفة من حيث بنيتها وليس من حيث موضوعها. الفرق بين الفلسفة والمسيحيّة لا يكمن أبداً وفقط في تعيين معيّن، مثل وجود حياة أخرى أم عدم وجودها، الفرق الأعمق يكمن في طريقة التفكير.

تخيّلوا إنساناً غير مؤمن وفي سنّ واعية يكتشف الكتاب المقدّس ويطّلع على حقائقه، هل نظنّ أنّه آمن؟ أم أنّه تديّن؟ إنه الآن أمام فلسفتين، واحدة دينيّة وأخرى تعتقد بال "لا دين". تلك تقول لا وجود لله، فهي تتفلسف عن الله، وهذه تقول بوجوده في فلسفتها عنه. ويمكننا أن نصنّف الفلسفتين، تلك المتديّنة أو هذه الملحدة، بأنّهما مسألتان دينيّتان. أو بالعكس، يمكننا أن نقول إنّ كلتا الفكرتين حول وجود الله هما مجرّد فلسفتين وليستا ديناً بالمعنى المسيحيّ الكتابيّ للكلمة. "آمن" في الكتاب لا تعني أبداً "اقتنع"، أي أنّه آمن بوجود الله منطقياً، أو للتوضيح أكثر، أنه اقتنع بالمسألة الفلسفيّة الثانية عوض الأولى، أي أنّ عقله مال إلى اعتبار أن الله موجود وليس غير موجود. "آمن"، في الكتاب، يعني "التقى"، "صادف"، "عاين" الله في طريق حياته. لقد كان طريق حياتي وكانت طريقتها سبباً في أن صادفتُ الله والتقيتُه. كم من شخص اعترف منطقيّاً بوجود الله لكنّه لم يلتقِ فعلاً به. "آمن"، بلغة الكتاب، يعني "استقرّ قلبه بالله"، صار يتّكل عليه وصار وجود الله في حياتِه حياتَه، أو بعضاً منها الآن.

من الخطأ، بعد مطالعتنا للكتاب المقدّس، أن نعتبر أنفسنا "باحثين" عن الله، وإنّما نحن مستقبلين لله – قابلين لله، الذي يبحث عنا. الخطيئة في الكتاب المقدّس ليست الجهل (حين نبحث خطأُ) بل الرفض (حين نمنع الله عن لقيانا).

ولا يمكن لنا أن نقابل الله على غير طرقاته، قد لا يسلك هو طرقنا. نعم معرفة الله تشدّنا لنسلك الطرق التي نلاقيه عليها. هذا هو معنى "بحثنا"، أن نتعمّد المسير على الدروب التي سمعنا أنّه يسعى إلينا عليها.

إنّ بحث الله عنّا ليس بحثاً أعمى أو إجباريّاً أو أنانيّاً. الله يبحث عنّا دائماً ويترك لنا في قبوله حريّتنا. إنّه ينتظر منّا أن نسير على دروب إنجيله تعبيراً منّا على أنّنا بحريّتنا جئنا إلى الدروب التي ننتظره عليها. لأنّه هناك يتمشّى وهناك ينتظرنا. هذا معنى تلك العبارة التي نكرّرها "مبارك أنت يا ربّ علّمني حقوقك" أو "طرقك".

آمين

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع