Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لعلّ أوّل ما تعنيه لنا كلمة "الله" هي "الرفعة" عن هذا العالم الذي ننعته بالفساد والتبدّل والفناء... تلك الأمور التي نعتبر أنّ الله أرفع منها بكثير. فالله رفيع لدرجة خطرة أحياناً تجعل البعض يغيّبونه. واللامدرك في الله يصير أحياناً اللاموجود. فإذا كان الله فوق قدراتنا الموجودة، إذن قد يبدو أحياناً خارج الوجود الحقيقيّ. أو على الأقل أن الله موجود لكنّه بعدَ هذا العالم وخارجه. لطالما كان الله للإنسان ذلك الكائن المتسامي. واقتراب الله من عالمنا يلصق به شيئاً من الضعف الذي يجب أن نبرّئه منه.

هناك "هوّة عظيمة" -بحسب التعبير الكتابيّ- بين عالم الله وعالمنا. ولكن هل تمنع هذه الهوة اتّصالنا به واتّصاله بنا؟ وهل يعني تسامي الله حتماً غيابه وبعده؟ وهل هذه هي الإرادة الإلهيّة؟ إذا كان الجواب نعم، أن تسامي الله يساوي بعده، فالله حينها لا يستحقّ الاهتمام به وكلّ علاقة معه مستحيلة بالأصل! وإذا كان الجواب لا، أن الله متعالٍ ولكنّه أيضاً بالوقت ذاته حاضر، فالسؤال التالي هو إذن كيف يتّصل الله بنا وكيف نتّصل نحن به؟

بالنسبة للفلسفة والفكر الإنسانيّ الدينيّ القديم، عالم الله هو غير عالمنا، والفرق كبير بين طبيعة العالمين. فعالم الله روحيّ وعالمنا ماديّ، عالمه ثابت وعالمنا فاسد! وصلة الوصل الوحيدة بين الله والإنسان هي العقل البشريّ الذي ينتمي إلى العالم الروحيّ. لهذا يتّصل الإنسان بالله حين يذهب عقله إلى الله. فالله لا يقترب من عالمنا الماديّ الذي لا يمتّ إلى قداسة الله بأيّة صلة، إن لم يكن يعاديها. لهذا يأتي يوم ويتحرّر الذهن البشريّ من سجن الجسد ليعود إلى عالم الروح حيث يتّحد بالله!

وهذا الحلّ جعل الفكر البشريّ يحتقر المادّة ويقدّس الروح، ويفصل بين العالمين كما يختلف النور عن الظلمة، والخير عن الشر، والمقدّس عن الدنس. لا يوجد تيار أو فلسفة إنسانيّة جعل الله متسامياً بمقدار ما رفعته الأبيقوريّة. إذ قال هؤلاء إنّ الله موجود- بحكم المنطق- لكن لا توجد حياة ثانية بعد هذا العمر الحالي، والله لا يطلب منّا أي شيء، وليس هناك أي تدخل منه في حياتنا ولا ثواب أو عقاب! فوجود الله هو أمر لا يتعلّق بحياتنا، ولربّما يجيب فقط على تساؤل الإنسان عن سبب وجود الكون فيكون الله مجرّد جواب أكثر ممّا هو شخص وحضرة. وجود الله هكذا لا معنى له ولا يؤثّر على وجودنا! فهو موجود نعم، ولكنه بالنسبة لنا بالواقع وكأنّه غير موجود! واختلفت الفلسفات والأديان على تعدّدها حول تسامي الله وترفيعه. وتأثّرت بعضها بالبعض الآخر.

لكن المسيحيّة، رغم كونها تشدّد على سموّ الله واللامدرك منه في جوهره، إلاّ أنّها لا تؤمن أنّه بعيد، أو أنّ حضرته لحياتنا هي أمر حياديّ أو غير ضروريّ أو غير مهمّ. على العكس تماماً! وإنْ كان الله متسامياً جدّاً فهو حاضر جدّاً، ويتمثل هذا اللاهوت في رسمة "الضابط الكلّ" (Pantocrator) في قبة المعبد المسيحيّ، الذي هو من جهة في سماه نعم! لكنّه بالوقت ذاته ينظر إلى العالم، يبارك ويرعى ويهتمّ. كيف يتّصل إذن الله بالإنسان والإنسان بالله بالنسبة لنا نحن المسيحيّين؟

 بمقدار ما هو الله متسامٍ فهو "صالح" أيضاً أي محبّ. لولا صلاح الله ومحبّته لما كان هناك مبرّر لكي يتوجّه إلينا ويتّصل بنا. والله لا يتوجّه إلينا إلا بالصلاح والعطاء والحب. حبّ الله وصلاحه يدفعه إلينا. حبّ الله يجعله يخرج من سماه إلينا. حبّ الله هو سبب تنازله مع تساميه. تسامي الله لا يمنع تنازله، وتنازله لا يجرح تساميه، لأن الحبّ يرفع ولا يهين. ولعلّنا نفهم تسامي الله أكثر كلّما تأمّلنا بمقدار تنازله إلينا! فأكثر الناس تقديراً لسموّ الله وعظمته هم النسّاك والمتصوّفون الذين ذاقوا من الحبّ الإلهيّ ما كشف لهم عظمته. وكلّما ازداد هؤلاء اتّحاداً به وعشقاً به كلّما ازداد سموّه في عيونهم.

حبّ الله يجعله يأتي إلينا، فما الذي يجعلنا نذهب إليه؟ إنه السبب ذاته! حبّ الله لنا يجرح نفوسنا. لقد صرح يسوع أنه عندما يُرفع (على الصليب) سوف يَرفع إليه كثيرين. أي عندما سيظهر حبّه الكثير سوف يجعل الكثيرين يحبّونه أكثر من هذه الدنيا. فعندما سيتنازل هو حتّى عار الصليب سوف يرتفع الناس حتّى المجد الإلهيّ. هناك إذن حركة حقيقيّة ومستمرّة بين الله والبشر، فهو (الله) يتنازل وهو متسامٍ والناس يرتفعون وهم ضعفاء. حبّ الله يقوده إلينا، وحبّ الله يقودنا إليه. "بشوقه يجرح نفوسنا". حين نعرف - ونحن بعد خطأة- كم أحبّنا، حينها نحبّه أكثر.

فالله محبّ للدرجة التي يتنازل فيها إلينا فيغدو محبوباً. الله متحرّك إلينا حتّى وضاعتنا لكي يحرّكنا نحن إلى رفعته وإلى سموّه. صلاح الله وحبّه هو سبب حركته إلينا. حبّ الله هو سبب الخلق. الله ليس خالقاً بطبيعته، أي مجبراً من حيث هو كذلك ولا يستطيع أن يكون غير ذلك. الله محبّ، لذلك خلق الدنيا والإنسان. لو كان الله خالقاً في طبيعته لصار هو أيضاً مادّة لا فضل لها في الخلق، إنّما مجرّد علّة أو بداية له. كان بمقدور الله ألاّ يخلق، ولماذا خلق؟ لأنّه يريد ذلك، لأنّه محبّ. ولذلك بعد أن خلق الله العالم لم يتوقّف صلاحه وحبّه، إنّما اتّجه إليه بالعناية والرعاية. ولما أخطأ الإنسان ما كان من الله إلاّ المسامحة والوعد والاقتراب أكثر حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد أداة للمصالحة والتوبة. محبّة الله جعلته خالقاً، محبّته جعلته لا يهمل خليقته وإنّما يرعاها، محبّته جعلته لا يرفضها حين أساءت الإرادة البشريّة إليه وتسيء، محبّته تجعله يأتي إلينا ويكشف ذاته لنا مهما أعرضنا نظرنا عنه.

محبّة الله تجعلنا نفهم كيف يزيد تنازلُ الله سموَّه ولا يُنقِص منه. صلاح الله يفسّر لنا كيف رفعة الله لا تنقص في حضوره بيننا إنّما تزداد. لذلك تختم ترانيم الميلاد كلماتها بعبارة "المجد لصلاحك يا ربّ”. كلّما تأمّل الإنسان في تنازل الله وحركته إلينا كلّما مجّد صلاحه!

الله حركة ومحرّك. صلاح الله يقوده إلينا ومجيئه يجعلنا نعود إليه. حركته إلينا تحرّكنا. دون الحركة الإلهيّة إلى الإنسان لا يتحرّك الإنسان إلى الله. لذلك دون الحركة الإلهيّة وصلاح الله يبقى الإنسان ميتاً. من لا يشارك الله حركته بالتحرك إليه هو جامد- ميت. من لا يذوق كم هو الربّ صالح – "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ" - يبقى في الموت وليس في الحياة. كلّما تحرك الله إلينا كلّما أدركنا صلاحه، وكلما أدركنا صلاحه كلّما ازداد سموّه، وكلما تنازل تسامى لأنّ حركته من حبّه وليس من حاجته.

"الله"، بالنسبة لنا ليس مجرّد الخالق، إنّه الأب الذي نجلّه حين ينحني إلينا مطبّباً ضعفنا، ونراه أسمى كلّما حمل عنّا عاهاتنا! "فالمجد لصلاحك يا ربّ"!

آمين

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع