Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ما هي العلاقة بين الله والإنسان؟ وكيف وإلى أيّ مدى يتّصلان الواحد بالآخر؟ لقد تنوّعت النظرات الفلسفيّة والدينيّة كلّها في الكلام عن ذلك. لكنّ الجواب المسيحيّ على هذا الموضوع هو فريد جدّاً. وهو شخص يسوع المسيح. إنّ الله والإنسان لا يتّصلان وحسب بل قد اتّحدا!

كما قسم اسمُ المسيح التاريخَ إلى شطرَين، فقد قسم شخصُ يسوع المسيح الفكرَ الإنسانيّ حوله إلى فكرين. لقد صار تجسّد المسيح صخرةَ عثرةٍ تكسّرتْ عليها الأفكارُ والأديان، ولقد سمّى ذلك بولسُ الرسول "جهالة" للأمم و"عثرة" لليهود.

إنّ الذهنيّة العلمية متمثّلة بالهيللينيّة في زمن المسيح، وبالعلوم التطبيقيّة في عصرنا، تعتمد بالأساس على تحديد الأمور وتعريفها بجوهرها وصفاتها. هكذا مثلاً لكي تكون السنبلة سنبلة يجب أن تتألّف من جذر وساق وحبات قمح. فإذا ما دخلها مثلاً عين أو أنف أو قدمان... لا تعود سنبلة، بل هي شيء ما آخر. وهكذا الله بالنسبة للأديان والفلسفات، يجب أن يكون غيرَ محدود مطلقاً كليَّ المعرفة وكليَّ القدرة وكلي القوّة. فإذا ما دخل على الله هذا شيءٌ آخر كالجسد لا يمكنه أن يبقى الله. هذا بالنسبة للأديان والفلسفة. فإله يأكل ويشرب ويجوع ويعطش ويحمل أوهان جسدنا البشريّ الضعيف، والأفظع من ذلك أن يُلطم ويبصق في وجهه ويبكي ويتألّم ، هذا ليس إلهاً. وحالة كهذه هي غير ممكنة! الفكر الدينيّ والفلسفي عموماً لا يتقبّلان فكرة الإله- الإنسان، وذلك تِبعاً للطريقة العلميّة والتطبيقيّة التحليليّة.

ولما جاء يسوع المسيح، الإله والإنسان معاً، ارتطمتْ به الأفكارُ البشريّة. وأمام مأزقها الفكريّ وبحسب خلفيّاتها الفكريّة انشطرت بالحلول إلى اتّجاهين. فما دام اتّحاد الله بالإنسان مستحيلاً، فالحلّ الأوّل هو أن يكون يسوع الإنسان هو الحقيقة، لكن يمكن أن نضيف على صفاته بعض الصفات والطاقات والنعم الخاصّة؛ وتبلور هذا التيّار في الفكر النسطوريّ. أو هناك حلٌّ ثانٍ أنّ يسوع هو الله، لكن ما دام أنّ الله لا يتّحد بالجسد البشريّ فقد حمله إذن بالظاهر وليس بالحقيقة؛ وتبلور هذا الفكرُ عند دعاة الطبيعة الواحدة. كلا الطرفين ينطلقان من مبدأ إنكار إمكانيّة التجسّد الإلهيّ، أي اتّحاد الإنسان بالله.

ولقد جاهدت الكنيسة مدّة قرون أربعة لتثبيت حقيقة إمكانيّة التصاق واتّحاد الإلهيّ بالإنسانيّ. المسألة ليست مجرّد نظريّة! ولكنّها حقيقة انثروبولوجيّة تفسّر كلّ نظرتنا إلى الإنسان وحياته.

بالتجسّد الإلهيّ بَطُلت النظريّاتُ الدينيّة التي تعتبر أنّ اتّصال الإنسان بالله يتمّ فقط في حيّز الشريعة. فالله بالنسبة لهم متعالٍ جدّاً، والإنسان في بشرته صغير جدّاً. ويقوم العهد بين الطرفين كصلة وصل. "تحفظون وصاياي فأكون لكم إلهاً وتكونون لي بنيناً". وبالتجسّد الإلهيّ بطلت الأفكار الفلسفيّة التي تجعل الله في حيّز المبدأ وتربطه بالإنسان تعاليم أخلاقيّة فقط. وما زالت الهوّة في الفلسفات والأديان قائمة وكبيرة بين الإلهيّ والإنسانيّ.

إلاّ أنّ يسوع في العهد الجديد أعلن أنّه "حيث هو سنكون نحن"، و"المجد الذي له سيعطينا"! فما النسطوريّة والمونوفسيتيّة (دعاة الطبيعة الواحدة) إلاّ وجهان لعملة واحدة. وهي أنّه لا يمكن أن يتّحد الله بالإنسان.

فالتيّار الفكريّ الأوّل- النسطوريّة - نراه حيّاً في تيّار المنطق والدقّة العلميّة والعقلانيّة الصرفة وحرفيّة الشرائع والوصايا وتقدير المعطيات العلميّة أكثر من حقّها حين تأخذُ بعداً مطلقاً بينما هي حقيقة بحثيّة، وأيضاً في تحليل وتفكيك الماورائيّات وتأليه الإنجازات الإنسانيّة والنظم الاجتماعيّة والاعتماد المطلق على التقدّم الاقتصاديّ الذي يشكل مفتاح وغاية كلّ شيء.

بينما التيّار الفكريّ الثاني- الطبيعة الواحدة، نراه يحيا في تأليه الأفكار، فالفكرة هي الله أو الله مجرّد فكرة، وفي احتقار ما هو طبيعيّ، حتّى في الإنسان ذاته، دون أن يعني ذلك عدم التهافت عليه. فالجسد هنا مهان أو ضعيف، فيصير "السقوط" في الجنس واقعاً مفروضاً والجسد بضعفاته شرّاً لا بدّ منه. ويتطرّف هذا التيّار، من جهة أخرى بالمقابل أمام هوان ما هو طبيعيّ بتأليه القيم والروابط والقيادات فينتقل من الطرفين إلى حيّز اللاواقعية.

وتبقى حياة الإنسان في كلا التيّارين هي هي خاضعة للموت، ولكن تتمسك ببعض الحلول الأخلاقيّة الدينيّة أو تصبو إلى إنسان خارق (superman) بصفات إلهيّة.

وهكذا وكأنّه قد قُدِّر لهذا الجسد البشريّ أن يبقى في هوانه فلا يستطيع الله أن يحمله، ولا يستطيع من يحمله أن يتّحد بالله. فلقد اتّحد هذا الجسد بالموت من لحظة ولادته، بحيث يكبر الموت فيه كلّما كبر، ليقضي الموت عليه بالنهاية. وبقيت الحلول الدينيّة كلّها، كما بدع الطبيعة الواحدة والنسطوريّة، تؤمن بخلاص أخلاقيّ فقط وليس بخلاص أنطولوجيّ يشمل تقديس الجسد وتحريره من طبيعته الفانية.

إلاّ أنّ تجسّد الكلمة الإله، يسوع المسيح، أبطل تلك الفلسفات والبدع. وحقّق للإنسانيّة ما لم تتخيّله الفلسفات والأديان. لقد وهب لبشرتنا أن تلبس عدم الموت ووهب لبني جنسنا أن يربحوا حياة الله، بالنعمة وليس بالطبيعة. وأوضح أنّ مصدر الخطيئة هو الإرادة وليس الجسد والبشرة. فالله أحبّ خليقته وخلقها صالحة، وحملها في ضعفها ليشفي ضعفاتنا الروحيّة.

العلاقة بين الله والإنسان هي علاقة الكرمة والأغصان، الرأس والجسد، كما يقول الكتاب. وليست هي علاقة مطلقٍ بمحدود وديّانٍ بعبد! وتجسّد الربّ يسوع أثبت أنّ ذلك حقيقةٌ ممكنة، وإن كان ذلك غير ممكن للعقول وللطبيعة، فهو ممكن لأنه هبة إلهيّة ونعمة. كشف التجسّد الإلهيّ أنّ الكمال المسيحيّ ليس اكتمالَ الواجبات وحفظَ كلّ الوصايا! وإنّما هو اكتمال قامتنا إلى ملء قامة المسيح. فكما تجسّد الإله بحقّ يتألّه الإنسان بالنعمة.

آمين

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع