Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


"... نزل وغمامٌ تحت رجليه. ركب على كروبٍ وطار وهفّ على أجنحة الرياح" (مز 17، 10)

لقد نزل الله وطأطأ السماوات وجاء يكشف ذاته لنا. لكنّ المزمور يلحظ حقيقة أخرى، أنّ الله بعد أن ينزل إلينا (الكشف) يطير ويهفُّ على أجنحة الرياح، أي وكأنّنا نستقبله ولكنّنا لا نقبض عليه.

لقد جاء الكشف الإلهيّ الطبيعيّ والفوق الطبيعيّ –الإلهيّ قويّاً جدّاً، لكن ليس للدرجة التي يلغي فيها حريّة الإنسان. لم يكن ولن يكون الكشف الإلهيّ يوماً فرضاً وحقيقةً تطبيقيّة إجباريّة على الذهن البشريّ. لقد شاء الله أن يكون كشفه عظيماً لأنّه كبير، ولأنّه بالوقت ذاته يحترم حريّة الإنسان يبقى اكتشافاً إنسانيّاً أيضاً. إنّ كشف الله عن ذاته في التاريخ وأحداثه يأتي بالرقّة والقوّة معاً، اللتان تضمنان وضوحه من جهة وحريّة تقبّله من جهة أخرى.

إنّ معرفة الله ذات شطرين أوّلهما وهو الأعظم "الكشف الإلهيّ"، والثاني وهو مهمّ كالأوّل أي الاكتشاف البشريّ. لذلك معرفة الله هي شبه حركة "حوار" بين الله والإنسان تتمّ في العلاقة الحيّة اليوميّة الكيانيّة، عقلاً وفعلاً. إنّ هديّة الله للإنسان وكشفه عن ذاته له ليست دِيناً إجباريّاً، لأنّ أعزّ ما لدى الله في خليقته الإنسان هو حريّة الأخير. لا يريد الله محبّين له بالإجبار ولكن بالخيار. لقد زيّن الله الإنسان بالعقل والروح لكي يختار وليس ليكون في الإجبار. وليس من معنى للفضيلة عندما تتمّ بالغصب. الكائنات الحرّة والعقلانية التي تملك شخصيّة خاصّة بها تربطها علاقات حرّة. وهذه الحريّة هي أساس تلك العلاقة، والتي بين الله والإنسان. هكذا شاء اللهُ الإنسانَ حرّاً وهكذا يعامله. فكما هناك الله الآتي إلينا هناك الإنسان الذي يستقبله، وكما يتكلّم الله هناك الإنسان الذي يريد أو لا يريد أن يسمعه. ينزل الله إلينا حين ننصب نحن تلك السلّم الإلهيّة باتجاه السماء (سلّم يعقوب، تك 28، 12). 

على أيّ حال، وحين يتقبل الإنسان حضور الله، لا ينتهي هناك دور حريّته، لأنّ الله يأتي بتلك الرقّة ولكن أيضاً على "الغمام" كما يقول المزمور. فحين نعرفه ندرك كم نجهله. فهو حين يأتي إلى محدوديّتنا يفجّر فينا قدراتنا نحو المطلق. إنّه ينزل إلينا ليعود ويطير.

ينزل نراه ثم يركب على الرياح لنجري وراءه. وهنا يبدأ الشوط الثاني والأهمّ من خيار الحريّة البشريّة. وهذا ما يسمى في لغة اللاهوت "الغمام الإلهيّ".

هناك شرطان إذن لمعرفة الله بالحقّ والعمق. الأوّل هو نزوله إلينا، لأنّه شخص ولا تمكننا معرفته إلاّ بالمقدار الذي يكشف لنا هو عن ذاته وهذا ما ذكرناه سابقاً. ولكن هذا المقدار تحدّده الحريّة البشريّة بعد نزوله إلينا. فهو يكشف لنا بمقدار ما نطلبه، وهذا هو قانون الحريّة التي وهبنا إيّاها وزيّننا بها. يأتي الله مكشوفاً ومحجوباً، ينزل ولكن تحت قدمَيه الغيوم. تصلنا منه إشارات من حضوره ومن ملء نعمته و"ومضات" من نوره. وهذا الغمام يسمّيه القدّيس (الأريوباغي) "غمامة النور"، فهو نور وغمامة، كشف وحجب، اكتشاف وإعجاز! وهذا من طبيعة العلاقة بين المحدود- الإنسان واللامحدود- الله. لذلك إنّ اختيار الحريّة البشريّة أن تتقبّل الحضور الإلهيّ (الكشف) هو بداية الحوار مع الله وليس نهايته. هو أكثر من استقبال، إنّه رحيل مع الله الطائر على أجنحة الرياح. إنّه تبديل مسيرة ووجهة حياة. إنّها علاقة شيّقة يملؤها العشقُ في شبع دون إشباع. لو لم يكن جمال الله مطلقاً ولا نهاية له لكان الله –حاشى- مُمِلاً للقدّيسين وشيّقاً للمبتدئين فقط. ولكن العكس صحيح لأنّ حضور الله "غمام نور" كلّما دخلنا فيه ازددنا نوراً وازدادت معرفتنا لعدم معرفتنا. لهذا كان على بولس الرسول أن يصمت عن الخبرات التي اختبرها عندما اختُطف إلى السماء الثالثة، ولم يقدر أن يصفها إلا بـ "ما لم تره عين ولم تسمع به أذن بشر ما أعدّه الله (من الحبّ) لمختاريه (محبّيه)".

 كلّما أحببنا الله لا يقلّ الشوق، على عكس المشاعر البشريّة التي كلّما نرويها تنقص الأشواق. كلّما أحببنا اللهَ كلّما تأجّج الشوق إليه. إنّ العشق الإلهيّ هو قوّة وليس لذّة. لذلك كلّما امتلكنا منها كلّما زادت قدراتنا على المضي فيها. العلاقة مع الله هي دخول في النور، كلّما اجتزنا فيه كلّما ظهرت عظمته كغمام لا يُسبر غوره. الله محبّ أكثر ممّا نعرف، وكلّما عرفنا محبّته أدركنا أنّنا محبوبون أكثر.

وهذا هو الشرط الثاني للحريّة البشرية، أن تسعى بخطوات لا كسل فيها والله جوّاد محبّ. صرخ إليه اسحق السرياني: "هدّئ عنّي أمواج رحمتك"، وأحلى كلمات نرنّمها للربّ قبالة عيد ميلاده وحضوره هي تلك التي تصرخها النفس البشريّة على لسان سفر نشيد الأنشاد: "اجتذبني وراءك فنجري" (1، 4).

آمين

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع