Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


"كلّ بكر يُدعى قدّوساً لله"

هل هناك اتصال بين هذين الواقعَين؟ أم أنّنا في وضع انفصال؟ أم أنّه من الممكن الاحتواء؟ وأي من الواقعَين يحتوي الآخر؟

هذه هي المنافسةُ الحقيقيّة وصلبُ كلّ صراع قائم، إن كان على صعيد القلب البشريّ، قلب كلّ واحد منا، أو على الصعيد الاجتماعيّ، وأيضاً على الصعيد الإثْني والدولي. إنّه صراع أبديّ بين ما هو ماديّ وما هو روحي، بين الله والشيطان منذ البدء. دفع الله فيه ثمناً غالياً، ليس دفاعاً عن ذاته التي هي فوق هذا الصراع، ولكن دفاعاً عن محبوبه الإنسان ضحيّة الخدعة الماديّة.

لقد أوجدنا اللهُ لنوجد، أي خلقنا لنبقى ولنتجاوز دهريّة زمن هذه الحياة شاخصين بعين الإيمان إلى أبديّة الحياة. لذلك من المؤلم جدّاً، لله أوّلاً وللخبرة الإنسانيّة ثانياً، أن نرى "الإنسان" يبصر "الدهريّة" دون بصيرة ترى "الأبديّة"، أن يتعاطى والأمور ماديّاً دون أيّة غاية روحيّة. إنّ الإنسان مؤهّل في هذه المعركة ليجدَ غاية حياته، ومهدَّد بالآن ذاته بأن يفقدها، أي أن يخسر هويّته الإنسانيّة! ليست آثار هذا الصراع، وغلبة طرف على آخر، ليست هي آثار صغيرة وحسب، وإنّما تنعكس على كلّ نواحي الحياة.

قد لا يُطرح أيّ سؤال كهذا على إنسان غير مؤمن، وقد لا يشعر حتّى بوجود هذا الصراع. هذا حقيقة ولكنّها ليست حقيقيّة، أي ليست دائمة. لأنّه حتّى غير المؤمن بخبرته البشريّة الإنسانيّة، ومهما غضّ النظر، يختبر للحظات عديدة أنّ الحياة لا تأخذ معناها الحقيقيّ بتعاريفه فقط. ولطالما قادت خبراتٌ كهذه العديدَ من المفكرين والخلاّقين والأطهار، دون معرفة واضحة بالأديان، إلى لفظ اللون الدهري للحياة والبحث عن لونها الحقيقيّ، حيث أن الحياة لا تريد أن تقبل نهايتها بما هو عكسها؛ الموت.

إنّ طرف كلّ من الواقعين هو واقع خاطئ. فطرف الدهريّة هو الماديّة والإلحاد. وطرف الأبديّة، أي التطرّف فيها، هو الأصوليّة. إمّا الإلحاد، فهو ليومنا ليس إنكارَ وجود الله وحسب، وإنّما العيش دون إعطاء أي حسبان له. أي أن نعيش بطريقة وأهداف هو لا يؤثّر عليها وهي لا تحتاجه.

من الواضح تماماً أنّ "حضارتنا" أو "تمدّن" اليوم لا يعطي لله الحق أبداً بأن يتوسّط حياة الإنسان أو أن يحتلّ فيها مركزاً يتعدّى بعض الممارسات الدينيّة، ربّما لا يزيد وقتها عن "الفارغ" من الوقت، أي وقت الفراغ، إن وُجدَ بعدُ هذا الوقت في مدنيّة يضغطها إرهاقُ العمل بشكل مطّرد. إلحاد يبشّر ليس بمقولة القرون الوسطى "أبشروا قد مات الله"، وإنّما بمقولة ألطف ولكنّها تساويها وزناً "أبشروا قد خرج الله" من حياتنا. لم يعد لله مكاناً إلا سماهُ. إنّ الله أو الكنيسة أو الإيمان أو الطقوس أو أيّ أمر يختصّ بالحياة المسيحيّة، وبالنسبة للأغلبية منّا، تُعتبر أموراً هامّة جدّاً ومقدّسة ومحبوبة أيضاً. لكن خطيئتنا تجاه كلّ ذلك هي أننا نسلبها أولويّتها، فندرجها في رتبة الملحقات من الحياة. وأحياناً يأتي ترتيبها بعد الرفاهيّات أيضاً وليس بعد العمل فقط. ثقافتنا، والدينيّة منها، ترتّب للإنسان أولويات حياته كالتالي: ساعات العمل اللازمة لتأمين الحياة، ساعات التسلية والرفاهيّات للتمتع بالحياة، وساعات "لربك" لتأدية الواجبات الضروريّة الدينيّة. مستقبل ومصير هذا الترتيب هو زيادة عدد ساعات الأولويّة الأولى والثانية وتقليص حصّة الأولويّة الثالثة، وإنّ استطلاعاً بسيطاً سوف يؤكّد لنا قدوم زمن إلغائها، أو حصرها ببعض الأعياد والممارسات "والعادات" التي لا بدّ منها!

لكن وبالواقع، إذا كانت متطلبات "تأمين الحياة" تزداد يوماً بعد يوم، فإن ما تزداد أهميته معها هو السهر على ساعات تنمية حياتنا الروحيّة. يا ليته يكون لنا القرار والإيمان أن نضع ساعات الصلاة والنشاط الروحيّ في الترتيب الأوّل. حيث نقدِّم "أبكارنا للربّ" أي ولدنا الأكبر، وساعاتنا الأفضل والأنقى...، وبكلمة مختصرة "بكر اهتمامنا". وذلك بناءً على وصيّة الكتاب في العهد القديم. وإذا لم يكن لنا هذا المقدار من الإيمان فلنسهر جيداً على الأقل لنحفظْ للحصّة الأخيرة (حصّة حياتنا الروحيّة) حقّها الذي بقي لها من الزمن.

العلاقة مع الله ليست مشاعرَ ولا مراسلات. العلاقة مع الله في أدنى مستوياتها هي عشرة. لذلك تقاس بمقدار الزمن الذي نقضيه معه وله. هذا "السهر" والانتباه للحفاظ على طقوس وجوهر علاقتنا بالسيد بات أمراً ضروريّاً جدّاً في دهر "الخلط" بين الأرباب وفي زمن فلسفة عبادة الله والمال معاً.

لا بدّ لنا أن نعترف أنّ الصراع قائم. والصراع بين الدهريّة والأبديّة، بالنسبة لنا نحن المسيحيّين، ليس صراعاً جوهريّاً وإنّما هو صراع منطقيّ. ليس الدهر عكس الأبد. وليس في الدهر نجاسة كما قال عديدون. وليست المادّة دنيئة. الخطأ ليس في المستخدَم وإنّما في غاية المستخدِم.

كيف نتناول العالم وكيف نتعاطى معه وكيف نتعامل فيه؟ الجواب على هذا السؤال هو أمرٌ حرٌّ لكلّ إنسان، وخياره سيكون إمّا في الفلسفة الدهريّة أو في مبدأ الأبديّة. أو في نزاع ما "بين بين"! والنزاع يتطلّب اليقظة.

"توبوا إن ملكوت الله قريب" (مرقس 1، 15). معنى هذه الآية يفسّر حقيقتين. الأولى أن البعيد للطبيعة البشريّة والخبرة الإنسانيّة هو الواقع خارج الملكوت، "الدهريّة"، وأنّ القريب هو الملكوت، "الأبديّة". والحقيقة الثانية هي أنّ الدخول إلى الملكوت، أو العودة إليه حين ننساه أو نهجره، هو أمرٌ قريب المنال أيضاً. يكفينا أن "نسهر" وأن نعيد للأولويّات ترتيبها أو لحصّة الحياة الحقيقيّة "حصّتها" الحقيقيّة، هذه هي التوبة في عمقها: أن نسهر على الأبديّة في ضغط الممارسات الدهريّة.

لا فصل بين الدهريّة والأبديّة من حيث الزمن، وإنّما من حيث المسلكيّة. على الأبديّة أن تبتلع الدهريّة فتقدسّ المادّة والزمن. الحلول "المتديّنة" أو "الماديّة" التي تعطي ساعة لك وساعة لربّك تتطرّف بإحدى الاتجاهين، "التوبة" لغة الكنيسة وتعني تبديل ذهنيّة. إنّنا نحيا دهرنا في فكرنا الأبديّ. إنّنا نعيش دهرنا في غايته الأبديّة.

الأبد هنا ومن الآن، حين نُعيد لله مركزه الحقيقيّ في حياتنا. "توبوا فإن ملكوت الله قريب". غياب التوبة يحصرنا في ماديّة الدهريّة والتوبة تجعل الدهر في جمال الأبديّة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع