Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الصلاة

 "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ" هذا هو "الكينونيكون" (το κοινωνικόν) أي ترتيلة التحضير للـ "كينونيا" κοινωνία – المناولة. ترددها الكنيسة في الصوم الأربعيني، عندما يكون المؤمن صائماً عن "أطعمة هذا الدهر" ومركزاً انتباهه وأشواقه على "الخبز الجوهريّ" أي المنّ السماويّ.

وأمام هذه العبارات الروحيّة، التي تحثّنا على التقدّم إلى الكأس المقدّس "بشوق وإيمان"، يرتّل المؤمنون جواباً على صرخة الكاهن "القدسات للقدّيسين": "قدّوس واحد ربّ واحد يسوع المسيح لمجد الله الآب آمين". ثم يخرج الكاهن منادياً "بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدّموا"!

واضح تماماً أن حوار المؤمنين والكاهن يُظهر أمرين: الأوّل هو الشوق إلى الكأس المقدّسة؛ والأمر الثاني هو الرهبة والتردّد أمامها. فالقدّوس واحد والمتقدِّمُ إلى الشركة الإلهيّة عليه أن يتقدّم "بخوف وإيمان ومحبّة"! كلمات بولس الرسول مشابهة، أنّه من تناول دم الربّ وجسده دون استحقاق إنّما يأخذ لذاته دينونة وناراً عوض النور.

فمن هو المستحقّ؟ سوى المنسحِق؟! لا أحد يستطيع ولا مرّة في الحياة أن يستحقّ جسد الربّ ودمه الكريمَين. يمكننا نحن أن نشعر بالحاجة كما تقول صلوات الاستعداد للمناولة "لكي لا أصير بطول تباعدي عن شركتك الإلهيّة فريسةً للشيطان". التوبة هي أُمّ الانسحاق. والتوبة في خضمّ الحياة اليوميّة وضغطها وحاجاتها وإغوائها هي أمر صعب. لذلك رتبت الكنيسة المقدّسة بعض الطرق لأبنائها، التي تساعدهم أن يتقدّموا من الكأس المقدّسة بانسحاق - استحقاق.

وأوّلها هو فحص الضمير والاعتراف، وبدون هذه لا يعاين الإنسان تقصيره ولا يمكن أن ينسحق أمام المحبّة الإلهيّة. التوبة هي وليدة معاينة النكران البشريّ للحبّ الإلهيّ، ووليدة مقابلة عطيّة النعمة بالهجران الإنسانيّ. وكلّها هذه تبقى مغيَّبة دون "معاينة" هذا الفارق بين الدعوة والواقع، بين ما نحن مدعوّون إليه وبين ما نقوم به، بين حقيقتنا كأبناء الله واختيارنا أن نبقى أبناءً للدهر- غالباً، بين لون ثوب المعموديّة وألوان مسلكيات الحياة. لذلك يحسن بنا دائماً قبل التقدّم أن نتوقّف ولو للحظات! ونضع الوصايا الإنجيليّة حَكَماًَ على أفعالنا البشريّة.

كان الربّ يسوع في الإنجيل يُعيد سبب عدم التوبة عند كثيرين من بني عصره إلى "قساوة القلب". وقساوة القلب تكوِّنها اضطرابات الحياة والاهتمام الزائد بها والانغماس المفرط في ملذاتها. وهذه كلّها صورة - بشكل أو بآخر- لإنساننا اليوم. لذلك من أهمّ ما يساعد على التحرّر من هذه القشرة القاسية على القلب هي الصلوات الخشوعيّة.

لذا رتّبت الكنيسة للمؤمنين صلوات "المطالبسي" أي التحضير للمناولة. وهي صلوات خشوعيّة، تعرض كلّها الحبَّ الإلهيّ والجفاءَ البشريّ، وأجملَ الحوادث الإنجيليّة عن التوبة والحنانَ الإلهيّ وقبولَ المخطئ "لأن الربّ يريد عودة الخاطئ ليحيا" وليس أن يموت. إنّ تلاوة هذه الصلوات الخشوعيّة تضعنا فعلاً أمام ذواتنا في مواجهة الحبّ الإلهيّ. إنّ وقفة صادقة كهذه، أي عندما نصلّي هذه الصلوات من القلب، هي كافية لتولّد فينا الانسحاق وروح التوبة.

أمام رهبة الكأس المقدّسة يقدّم الإنسان أيضاً شيئاً من الإجلال يعبَّّر عنه بالصوم الذي يلعب دوراً هاماً في تحضير المؤمن، حين يضع جانباً الأطعمة الثانوية ليستعد "للخبز الجوهريّ". وقد درجت العادة أن يصوم المؤمن على الأقل من مساء اليوم السابق للقدّاس الصباحي. وأمّا عند القدّاس الذي يتمّ مساءً، فإنه يمكننا أيضاً طرح وجبة سابقة جانباً، نوعاً من التحضير للمناولة. إذا كان المرء يتناول وجباته الثلاث في النهار كلّ 6 ساعات مثلاً، فإن عليه أن يتقدّم إلى الكأس المقدّسة بعد 6 ساعات من الصوم على الأقل، أو أن يلجأ إلى تناول وجبة الغذاء مبكراً ويجعلها بسيطة!

أين نحن من الاعتراف والصلوات والصوم قبل تناول جسد الربّ ودمه الكريمين؟ جسد الربّ "طيّب" للصائم والمنسحق والمصلي وهو آنذاك نور. وبمقدار ما نستعد بقدر ما نجعل أنفسنا أكثر انفتاحاً للنعمة الإلهيّة ولعملها فينا، والعكس بالعكس. هذه، الصوم والصلاة، تجعلنا أكثر قدرة على معاينة الذي "هو معنا غير منظور" ومخاطبته كمنظور كحاضر بيننا، يناولنا بيده العزيزة جسده الطاهر ودمه الكريم.

الصوم

"ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب- هليلوييا"

بهذه الكلمات الرائعة نتقدّم إلى تناول القرابين المقدّسة خلال الصوم الكبير! "فنصير بشوق ورعدة مشاركي الحياة الأبديّة"!

الإنسان كائن "تَبَعيّ"، أي أنّ حياته لا تستمرّ دون التغذّي من مصادر مكوّناتها؛ لذلك هو متعلق بتلك المصادر وتابع لها. والإنسان كائنٌ مركبٌ من طبيعتين، جسديّة من هذا العالم، وروحيّة تصله بعالم الله. لذلك لا يمكنه الاستمرار في الحياة دون أن يستمدّ دائماً لجسده أغذيته المناسبة من عناصر هذا الكون. وأيضاً بالوقت ذاته، إن حياة الجسد ودوراتها البيولوجيّة لا تلبّي حاجات كلّ حياته من السعادة والإبداع! فهو إذن بحاجة لاستمداد حياة من المصدر الإلهيّ أيضاً. فكما يقول قدّيس معاصر (الأب باييسيوس): الانسان شبهه شبه النسر، ولو وضعت له عنزة وأقفلت عليه في قفص، فإنه بدل أن يأكلها يموت! لأن حياة النسر هي بالواقع أن يحلق متحرراً من القيود في جلد السماء ويرقب الجبال من علُ، فمهما أطعمت جسمه إذا حرمته الطيران يموت. وكذلك الإنسان لا يعيش من تأمين أغذية الجسد فقط! بل بإرواء العطش الإلهيّ والسامي داخله أيضاً. ولربّما الطعام الروحيّ بالنسبة للإنسان هو الأهم. فحالات الشهداء تبرهن ذلك. إنّهم الذين حين تعارض الجسد مع الروح، دفعوا بالجسد ثمناً لحياتهم الروحيّة وليس العكس!

من هنا، إنّ الحفاظ على هذا التوازن هو حكمة الحياة في عالمنا! ولقد رتّبت الكنيسة أسرارها وأصوامها وعبادتها في سبيل الحفاظ على حياة الإنسان مكتملة وليس بشكل مقتطَع، لتقدّم هي للروح أكثر ممّا يقدّم العالمُ للجسد. وهناك ثلاث طرق يتناول فيها الإنسان طعامه:

1- "الإباحيّة": حين يأكل الإنسان لا للشبع والتحرّر من الجوع وإعطاء الجسد حقه من أجل الحياة، وإنّما للنهم والشراهة. وحين يشرب ليس "قليلاً من الخمر الذي يُفرح قلب الإنسان" وإنّما الكثير الذي يجعل قلبه ثقيلاً بهموم وملذّات هذا الدهر. وحين يلبس لا للكساء وإنّما مثلاً للإغواء. وحين ينظّم حياته لا للترتيب ولكن للرفاهيّات القاتلة. وإذا ما راجعنا تفاصيل حياتنا نجد، وباعتراف حقيقيّ، أنّ هناك على الأقلّ ذيولاً وامتداداً لهذا الشكل الإباحيّ في حياتنا، تَقصُر هنا وتطول هناك! هذه لا تخدم الحياة، لا بل تكون دائماً على حساب الطعام الروحيّ لحياتنا. وهناك أمثلة عديدة في الكتاب المقدّس توضح حالات صار فيها "النهم" قاتلاً للـ "فهم". فعيسو باع بكوريته وحق الابن الأكبر بثمن صحن حساء. ويهوذا باع السيد بثلاثين من الفضة. وبعد عجيبة تكثير الخبز والسمك الأولى صدّ يسوع العديد من اليهود الذين بحثوا عنه وجاؤوا إليه لأنهم تناولوا العجيبة ماديّاً وليس روحياً فعادوا يطلبون منه خبزاً أيضاً، وما قادتهم الأعجوبة إلى الله بل إلى رغبة اشباع الجسد! هكذا تصير، وللأسف، "اللقمة" قاتلة "للكلمة"، وهي بالأساس أعطيت هديّة من الله لتصير خادمةً مؤدّيةً للشكر!

2- "اليوميّة": حين نجاهد ونتيقّظ بحيث نتوازن في تناول الأطعمة! فنلبّي للجسد حاجاته ولا ننسى للروح طعامها، عاملين بقول السيد "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4، 4). ونعمل ليس للطعام الفاني وإنّما للطعام الباقي. ونعطي "خبزنا الجوهريّ" حقّه ونصيبه الكافي من الحياة. وهذه هي الحالة المعتدلة التي نسعى للحفاظ عليها طيلة أيّام السنة بين نجاح وتعثّر. فنواظب، إلى جانب مهننا وأعمالنا اليوميّة، على المشاركة بالكأس المقدّسة بكل ما تعنيه من عمق والتزام نحو الله والقريب. فتخدم هكذا "لقمة العيش" "حياة الإنسان". وهذا ما تعبّر عنه صلاتنا التي نردّدها قبل تناول العشاء: "يأكل البائسون ويشبعون، ويسبّحون الربّ، فتحيا قلوبهم". هذا هو الرجاء الكتابيّ العام، أن يشبع الناس جميعاً، ولكن لكي يتحرّروا من عثرات الحياة ويلتفتوا إلى تسبيح الربّ، لأن من ذلك تحيا قلوبهم. فالشبع الجسديّ "يحرّر" والتسبيح "يحي" ولا يمكن لغير المتحرّر أن يحيا، لا يحيا القلب مقيّداً!

3- "الصياميّة": حين نحرم جسدنا –إذا صحّ استخدام هذه الكلمة فقط للتوضيح- القليلَ من حقوقه وحاجاته، ولكن بإرادتنا، رغبة منّا بالتفرّغ لفترة ما "للكلمة"! لذلك يقول النبيّ داؤود في المزامير "ضمرتُ كالعشب ويبس قلبي، سهوت عن أكل خبزي، لصق لحمي بعظمي"، وصارت دموعه مشرباً له والرماد طعاماً. حين جرحت التوبةُ حياته تاق إلى الصيام. هكذا هناك فترات نصوم فيها فنترك بإرادتنا - وليس نحرم ذواتنا- شيئاً من حاجاتنا الجسديّة لنُوليَ اهتماماً خاصاً بحاجاتنا الروحيّة، وذلك لزمن معين نسمّيه رياضةً روحيّة. في الصيام لا نتخلّى فقط عن الرفاهيّات، فهذه هي حالة الشكل الثاني الأسبق. نتخلّى في الصيام حتّى عن بعض ما هو ضروريّ. لذلك نأكل ليس لنشبع بل حتّى يبقى القليل من الجوع، ونشرب لا للإرتواء كما هو عموماً، بل لدرجة يبقى فيها ذكرى للعطش. هذا الجزء المتروك هو بالحجم لا يؤذي الجسد، وإنّما يساعد على تنشيط الروح، ويعلّمنا بالممارسة أن نبدّّل الأذواق من شهوة الدنيويّات إلى شهوة السماويّات. بصوم كهذا نحن نقتل الأهواء وليس الجسد.

لقد صام يسوع مدّة "أربعين يوماً وأربعين ليلة" حتّى جاع! وهنا كلمة "حتى جاع" تعني للدرجة التي لم يعد الجسد يتحمل دون ضرر. لقد صام "كلّ المستطاع" بشريّاً. هكذا صام كبار الأنبياء، وموسى وإيليا. في حدث لقاء يسوع بالسامريّة، ذهب التلاميذ ليبتاعوا طعاماً ثم عادوا فوجدوا الربّ يتحدّث للسامريّة، وقالوا له: "يا سيّد كُلْ". وذلك بحكم الشكل الثاني السابق ذكره، الذي تصرّف التلاميذ بحسبه. فقال لهم "طعامي أن أعمل مشيئة أبي" (يوحنا 4، 34) وهذه هي صورة الشكل الثالث. وهنا كلام يسوع لا يعني إلغاء الطعام من الحياة ولكن أن الحاجة الروحيّة المعيّنة اقتضت شيئاً من التفرّغ، أي ترك حاجة ما للجسد الآن اهتماماً بحاجة الروح. وهذا هو الصيام.

يسوع هو "الخبز النازل من السماء". لقد أكل أباؤنا المنّ في البريّة وماتوا. لكن مَن يأكل جسد يسوع ويشرب دمه مأكلاً حقيقيّاً ومشرباً حقيقيّاً يحيا للأبد. هذه الحقيقة تشدّنا في الصوم الكبير لكي ننسى بعضاً من "خبز الكفاف" ونطلب أكثر "الخبز الجوهريّ". يتولد آنذاك فينا الشوق والحرارة إلى الكأس المقدّسة. ففي لحظة يجوع فيها الجسد ما أجمل المرنّم والمؤمن الذي يصرخ: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربّ"! هلّلوييا!

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع