Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


عندما تأمّل بولس الرسول في علاقة المسيح بالكنيسة واتّحاده بها وتجسيدها له، صرخ "إنّ هذا السرّ لعظيم"! فما بالنا لو أنّنا فرّغنا الكنيسة من عظمتها وألغينا السرّ الذي فيها، كم هي الخسارة حينذاك عظيمة!

هذا ما يقصد به عندما يجري الكلام عن "علمنة" الكنيسة. ليس المقصود العلمانيّين أي غير الاكليريكيّين، وإنّما أن تحمل الكنيسة روح العالم وليس روح الله. أي أن يتمّ ما حذّر منه السيّد "أن يفسد الملح" وليس بعد ما يملّح به. حين تنقلب المسيحيّة إلى مجرّد نظام (system) أخلاقيّ يمكنها أن توجد به دون مسيح. لا أنسى حواراً لي مع أحد رهبان الجبل المقدّس- آثوس، وهو برج في وجه علمنة الكنيسة يحفظ سرّها العظيم، قال لي: لا تظنّ أنّه عندما سيأتي المنتهى لن يكون هناك كنيسة ومنظّمات وهيئات ونشاطات كنسيّة، وكهنة وخدّام... كلّهم سيوجدون، لأنّ يسوع لم يقلْ "إذا ما جاء ابن البشر في اليوم الأخير هل سيجد هؤلاء!" بل قال إنّه "لن يجد إيماناً". نهاية الفساد ليس أن يغيب الهيكل، فهو رابط فطريّ لا يزول، ولكن أن يتربّع فيه الشيطان،كما يقول سفر الرؤيا. عندما يغيب الإيمان العميق الحقيقيّ، ويتربّع الشرير في الهياكل، عندها سيبلغ الشرّ ذروته، وستوجد كلّ المظاهر الكنسيّة التي لدينا اليوم وربما سواها، لكن بروح العالم- معلمنة. حاشى! فلْنصلِّ ونسهرْ. لنقلْ إنّ ما يحصل اليوم هو دخول بعض مظاهر العلمنة إلى حياة الكنيسة، والتي علينا أن نسهر لكي نصلحها قبل أن تنمو.

إذن العلمنة هي تغريب أبناء الكنيسة عن حياتها الحقيقيّة، ونشر مفاهيم ليست من جوهرها ولا من روحها. واستبدال ذهنيّة الروح بذهنيّة العالم- أي علمنته. فترانا عندها أمام كنيسة أشبه بمؤسسة أو شركة أو مدرسة أو حزب، تبدأ وتنتهي من الإنسان وعنده، وتدور ذهنيّتها في حلقة دائريّة لا تتجاوز حدود هذا العالم وحاجاته الماديّة، أو أيضاً النفسيّة والإنسانيّة. لكنّ الله هو من يموت فيها ولو حنطنّاه في أقمطة الفكرة أو المبدأ.

لطالما عذّبت الكنيسة الاضطهاداتُ والصعوبات الخارجيّة، ولكن هذه جعلت الكنيسة أشدّ لمعاناً فيما بعد. أمّا الخطر الأكبر فهو إفساد وعلمنة الكنيسة من الداخل! في زمن الاضطهادات عاش المسيحيّون روحانيّة كنيستهم وشهدوا لها حتّى شهادة الدم. إن زمن الراحة ليس الأسهل، على العكس إنه الزمن الأسهل للخدعة، إن زمن السّلام مناسب أكثر للشيطان، فيستخدمه بشكل أفضل للخدعة. إذا كان زمن الألم يحفظنا في السهر، علينا في زمن البحبوحة أن نسهر طوعاً وإلاّ لصارت هذه البحبوحة سبباً للعلمنة، لأنّ السهر هو روح الحياة المسيحيّة!

لقد لعبت الرهبنةُ، عبر التاريخ، دورَ العين الساهرة في حياة الكنيسة، فحين كانت الحياة الكنسيّة تتعلمن كانت الرهبنات اليقظة تُعيد لها روحَها وروحانيّتها. الرهبنة "حياة مسيحيّة بالمطلق"، لا تريد أن تتقاسم مع العالم حقيقة الكنيسة، ولا تقبل بتنازلات ومساومات ومقايضات مع الشرير أمام حقيقة الإيمان وصدق الحياة. وهذا ما حصل تماماً في القرن الرابع الميلاديّ، حين صارت المسيحيّةُ دينَ الإمبراطوريّة، فاختلطت العلمنةُ بالإيمان وتدهرنت الكثير من المبادئ المسيحيّة. عندهالم يتردّد الرهبان عن خلق عالمٍ خاصٍ صافٍ في وجه العلمنة. لم تشكّل الرهبنة يوماً عالماً خارج الكنيسة، وإنّما تبني كنيسة بعيدة عن الدهرنة وشوائب العلمنة، تعيش الرهبنة المسيحيّة في صفائها وجمالها. عندما سأل البعضُ القدّيس يوحنا الذهبيّ الفمّ: ما هي ضرورة الأديار؟ أجابهم: "لو كانت المدن مدناً حقيقيّة لما احتجنا إلى أديار، ولكن بما أنّها أضحت أكثر فساداً من سدوم وعمورة فنحن بحاجة ماسّة للأديار"! عندما تنعدم الحدود الدنيا من الحقوق الروحيّة للمسيحيّ في كنيسته ومجتمعه وحياته اليوميّة، تصير الحاجة للأديار ماسّة جدّاً. ولربّما مجتمعاتنا اليوم، والمسيحيّة منها، تتطلّب هذه الحاجة!

فلنراقب إذن حنايا حياتنا الكنسيّة في كلّ جوانبها، ولنفحصْها على ضوء "الروح والحق"، عندها نستطيع أن نرى بعين التواضع بعض الأوجه التي ابتلعها العالم لحسابه وأبقى من المسيحيّة فيها مجرّد الاسم فقط، وذلك لغواية وخدعة المسيحيّين.

وعندما نتكلّم عن العلمنة وتطهير حياة الكنيسة منها، لا نعني أبداً فصل الكنيسة عن العالم، ومحاربة العالم، بينما نحن المسؤولون عنه، وهو لاستخدامنا.

هناك معنَيان لكلمة العالم في الكتاب المقدّس. فهناك الدنيا وهناك الدنيويّات، الأولى هي الخليقة بأسرها وتاجها الإنسان، والأخرى هي لون أخلاقيّ يعني الحياة لهذه الدنيا فقط. أي عكس اتّجاه حركة الإنسان للتشبّه بالله، وقد خُلق على صورته ومثاله، إلى حركة التشبّه بالمخلوق، بينما كان عليه أن يكون سيّده وليس مثيلَه. فالتمييز هو أخلاقيّ، بين ذهنيتَين، الروحيّة والدنيويّة، بين الحياة مع الله والحياة بدونه؛ بين الحياة به ولأجله أو العيش بغيره ولسواه! عندما خلق اللهُ العالمَ وجد أنّ "كلّ شيء حسنٌ"! ولما خلق الإنسان كان "حسناً جدّاً"! فالعالم المخلوق حسن وحسن جدّاً، وهو هديّة الله وثمرةُ حبّه. لذلك في المسيحيّة لا يعني صفاؤها اصطفاءَها وفصلها! يجب أن تكون الكنيسة صافية في حياتها وضمن العالم. إنّ خروج الكنيسة من العالم يعني إفسادها، لأنّها وُجدت لتكون "عالم العالم".

يحفظ لنا الإنجيليّ يوحنا في صلاة يسوع الوداعيّة حواراً رائعاً، حين يستودع يسوع تلاميذه في عناية الآب، ويقول "لا أريد أن تنزعهم من العالم ولكن أن تحفظهم من الشرير" (يوحنا 17، 15). صلاة يسوع هذه هي الصلاة بالمطلق من أجل عدم علمنة الكنيسة.

تتّضح، في هذا الحوار بين يسوع والآب، تسميتُه "العالمَ" لثلاثةِ أمور. فالعالم هنا يعني أوّلاً الكون. كما يرد في قول الربّ "والآن مجدّني أيّها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (17، 5)، أي قبل بدء الخليقة. "والعالم" يعني أيضاً البشر، إخوتنا، كما في عبارة يسوع للآب "كما أرسلتني إلى العالم أرسلتهم أنا إلى العالم" (17، 18). "والعالم" قد يعني أخيراً الشرّير والأشرار، أو الفساد، أو عالم الخطيئة، أي الدنيويّات والدنيء من الدنيا، كما في: "أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم قد أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم" (17، 14).

فالعالم "الكون" خيِّر وهو هديّة الله. والعالم "البشر" هم رسالتنا ومن أجلهم مات المسيح. إمّا العالم الشرير، الخطيئة والأشرار ورغبات الدنيا غير الروحيّة، فهذا ما يُعلمن الكنيسة. وإن كانت الكنيسة تحيا في وسط العالم فإنّ رسالتها أن تسهر لكي تكون هي "الخميرة" وهو العالم "العجين"، وليس العكس الذي يعني علمنَتها. لا يريد يسوع أن نخرج من العالم بل أن نكون فيه، ولكن ليس منه (يوحنا 17، 15-16). هكذا بينما تتفاعل الكنيسة مع العالم، من المنتظر بسبب ضعفنا البشريّ وضعف إيماننا أحياناً، أن تصير متأثّرة كما هي مؤثّرة. فبينما هي مرسَلة في العالم يلتصق بها أحياناً بعض من ألوانه. هكذا العودة إلى صوت الروح والكلمة دائماً يجعلنا نمسح عن الكنيسة هذه الصور والملصقات الغريبة. وذلك لكي لا يتغيّر وجهُ الكنيسة وعملُها في العالم. يجدر بنا إذن دائماً أن نعيد النظر (نقد ذاتيّ- فحص ضمير) في حياتنا الكنسيّة هنا وهناك لنمتحن مقدار طاعتها للروح، أو لنكتشف ما هو غريب ومعلْمَن فنعيده إلى صفائه وكرامته.

آمين

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع