Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


مالت الشمس إلى الغروب. أماَ ساعات الصباح في الجبل المقدَّس، فهي عامرة بالطيوب، يكتنفها البهاء الساحر، وتتبدَّد ظلمة الليل، فيما الرهبان يرنّمون في قاعات أديرتهم المقدَّسة، “المجد لك أيها المظهر النور....” فكأنهم يطردون الدجى بأصواتهم الرخيمة وهي ترتل لله سبحاً، وبدقّات نواقيسهم ذات الألحان العذبة، وبتوسّلاتهم الحارة يقرعون بها أبواب الملكوت بقدر ما لهم من مواهب.

وساعات ما بعد الظهيرة في الجبل المقدَّس مفعمة أيضاً بالهدوء والصفاء. فلقد مر يوم صراع. أما الليل فآن له أن يرخي سدوله، وفيه يخفي الراهب الكثير من جهاداته، والغزير من دموعه، والعديد من رياضاته. والشمس آخذة في الهبوط لتتوارى. لكنّ الشمس القائمة في أفئدة المتقشفين المجاهدين لن تنطفىء. وفي قلب كل منهم، القلب الكلي النقاوة، نهارٌمقيم لا يزول، متلألىء بالنور ولا تعكّره سحب الأهواء.

فيا له من أصيل مدهش في الجبل المقدَّس. أصيل عامر “بالسحر”، مليء بالروعة والجمال والعذوبة، أصيل يلفُّه الصمت.

***

بعد المساء يخرج بعض المجاهدين بحركات بطيئة ووجه مطرق الى الأرض، من القاعات العامة في الأديرة ومن الكنائس الصغيرة في بيوتهم، الى الطبيعة، طلباً لراحة قصيرة، فيجلسون على مقاعد حجرية ويمعنون في الصلاة ذاكرين اسم المسيح الكلي الحلاوة. وإنهم ليريدون ويصرّون أن يسطّروه على صفحات قلوبهم بأحرف صلاة من ذهب. تجذبني ساعات الصفاء هذه إليها جذباً. حيث تهدأ الطبيعة إلاَّ من صخب البحر يُسمع أحياناً وهو يداعب الصخور، وحيث تلوِّن الشمس وجه السماء بعديد الألوان.

للطبيعة في الجبل المقدَّس نعمة أخرى. فإنها موقع إشراق للصلاة والقداسة. أجل، إنّ النعمة غير المخلوقة تعبر من النفس الى الجسد ثم تمتد الى الطبيعة، غير العاقلة، والى كل الخليقة. ولن تجد هناك شيئاَ متوحشاً، أو إنك على الأقل لا تراه كأنه وحشي لأنّ كل الأشياء فيه هادئة. فالجبل المقدَّس يظل طوال الليل وأثناء النهار مشتعلاً بالصلاة. والطبيعة ذاتها تهذّبها أصوات الرهبان العذبة الشجيّة، وألحان النواقيس الحلوة، وكذلك الطاعة.

قال أفجانيوس البلغاري: “ها هناك المياه تتدفق بالُحسن، والهواء شديد الإعتدال، والندى الرطب ينعشنا، أحراج وارفة، وظلال في كل مكان، وأعشاب خضراء يانعة تبهج النظر، ونبات من كل الأنواع، وأشجار زيتون وكروم عنب، والآس والغار والريحان، وأصمتُ عن أغراس أخرى، بعضها للأكل والبعض الآخر لمتعة النظر وكلّها من أرض خصبة، ورفوف من الطيور المغرّدة الصدّاحة، بينها البلبل والورواروالقبَّرة تتبارى وهي عابرة هنا وهناك وأصوات الفتيان من محبي الموسيقى الذين يتعلَّمون هناك بتصريح خاص.”

***

لا تجذبني الطبيعة كثيراً، غير أنّ لطبيعة الجبل المقدّس حلاوة وجمالاً من نوع آخر. وقد يكون سبب هذا أنّ المرء يشاهد الطبيعة هنا من خلال رؤيته للرهبان المتألهين فيستنير، أو لأنه لا يبصرها بالعين أو بالعقل وإنما بالقلب المتأله. والقلب يعرف أن يحب ويقدّر. وقد يساعد الهدوء على هذا، لأنّ العيش، على حد قول القديس غريغوريوس بالاماس، إذا تجرّد من الإنكباب على الإهتمامات الدنيوية، إبتغاء الرجاء في الله، حفز النفس بطريقة طبيعية الى فهم خلائق الله”.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع