Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


كانت ساعة الأصيل. وبينما الشمس في طريقها الى المغيب كنتُ أشق دربي صعوداً إلى فوق، لكي أشرق بالنور فيلاقيني غروب الشمس وأنا أصعد على درب ضيّقة يصعب المرور عليها. وكنتُ متجهاً نحو الشرق!

ونحن بإيماننا الضئيل نستصعب صعوداً كهذا، فيما يفرح به المؤمنين الذين جعلوا قرارهم البطولي فعلاً، فأنكروا العالم، بكل ما فيه من مغريات وافراح، وأحبوا التنسّك.

كنتُ صاعداً الى الجانب الشمالي من الجبل المقدَّس، وأردتُ تطبيق قول يوحنا الذهبي الفم “طالما أنّ عشقك لايزال حاراً، فاتّجه صوب الملائكة وزدْه حرارة، فإنّ الكلام الذي لدينا يعجز عن إيقادك كما تشعلك رؤية الأمور الحاصلة”.

ترتفع الى اليمين واليسار صخور شمّاء، رؤوسها حادة مسنَّنة، كأنها تشقُّ عنان السماء كما تشقُّها أيضاً حياة ساكني الجبل وترانيمهم.

وكنتُ أسير حاني الرأس، والدعاء على شفتي وفي قلبي وعقلي. فبمثل هذه الطريقة ينبغي على المرء أن يزور الجبل المقدَّس وأن تكون مشاعره مشاعر الحاج البسيط.

وإنك لتشهد داخل الصخور على مسافة قصيرة من الدرب بيوتاً صغيرة، هي قلالي الرهبان الآباء النساك المعتزلين. ترى إحداها داخل كهف، وأخرى بارزة قليلاً، تخال وأنت تتأملها أنها موشكة على السقوط في البحر. في هذه الكهوف الصغيرة، يعيش النحل الروحي الذي يصنع عسل الهدوء الكلي الحلاوة.

ولقد تذكرتُ الترنيمة التي نظمها القديس نيقوذيموس للإشادة برهبان الجبل المقدَّس.فأخذتُ أرتلها:

أيتها الخلية التي جمعها الله في جحورالجبل وكهوفه،

تصنع عسل الهدوء الكلي العذوبة، كأنه في قفير عقلي.

وتجد مثل هذه القلالي في الجانب الجنوبي من الجبل في ما يسمونه بالكاروليا. هناك المشهد أشد إثارة وروعة. يقول الرسام المعروف فوتي كوندوغلو: “هناك الصخور ذات السطح الأحمر التي يظن الناظر إليها أنها مطلية بالصدأ، وقد امتد فوقها عدد ضخم من البيوت حتى أعاليها، وبعضها كهوف سدُّوا مداخلها بجدران، تاركين لها باباً صغيراً. وفي مكان آخر موقع بارز من الصخر سُمح لأحد النساك المجازفين أن يبني عليه كنيسة صغيرة ذات قبة، مع قلاية أو قلايتين وحديقة صغيرة حمل لها ترابها من مكان آخر. وهي تطل عليك بباقة من الورود في شجيرات مخضرّة تضفي على الموقع شكلاً باعثاً على الدهشة. أما اللون الظاهر الذي نُسِجَتْ به كل هذه المآوي الخفية فيدعو المرء الى تشبيهها بأعشاش حجل البحر.

ويتَّصل النساك فيما بينهم، بواسطة دروب صغيرة، لا تّتسع إلاَّ لشخص واحد، خطر الإنزلاق فيها شديد، ولا يمكن تبيُّنها من ناحية البحر. ويحتاج من يرغب في تسلّقها الى اتخاذ قرار جريء وفي غاية الخطورة. وهناك العديد من النساك قبع كل واحد منهم في مسكنه الضيق لا يرضى عن يديلاً، ولم يتخطَّ عتبة داره الضيّقة طوال سنين. لذلك تجد مقابر في مناسك أوسع من هذه ومراقد داخل الكهوف حيث تُحفظ عظام الإخوة، وعلى رأس كل جمجمة حُفِرَ إسم صاحبها وتاريخ رقاده.

إنّ هذه الحجلان الروحية، حمائم السماء، قد انبثَّتْ يميناً وشمالاً وهي تعيش الله، وتمضي صعداً، حتى السماء الثالثة”. 

***

هذا المشهد يراه أيضاً من يصعد على الدَّرب الضيّق، في الجانب الشمالي للجبل. وهو الذي سِرْتُ فيه صاعداً في ذلك الأصيل. وإنه ليهزُّ الكيان هزاً عنيفاً، إذ يحس المرء فيه بنعمة الله تنعشه وتنشطه، والأحرى أن يقال إنها تلذعه بنارها، وهي أشبه بعليقة موسى الملتهبة. لكنها غير محترقة. وتمدُّه الذاكرة بمشاهد من حياة آباء سابقين، مرّوا من ذلك المكان، وهم يرقدون بهدوء وسكون، في انتظار صوت رئيس الملائكة ومجيء الختن الذي يتقدم كل منهم إليه كعروس. وفي الحق، إنّ هذا المشهد ليقطع القلب عن العالم بكل حسناته. فلقد جاهد هؤلاء الآباء طوال الحياة، من أجل الحصول على السلام، فنالوه ونعموا به، وهم الآن يستريحون في أحضان إبراهيم. وإنّ صوت المسيح المنادي: “لم يمت وإنما هو نائم” ليدوّي ويُسمَعُ صداه بقوة في تلك الأماكن النائية... 

***

وفي صعودي كانت أفكاري ومشاعري مغايرة. فالهدوء ناموس المنطقة، لكنك تسمع هنا وهنالك بعض العصافير المتوحشة، تصرخ محلّقة، أو تنتهي إليك أنغام بلابل مغرِّدة قال القديس نيقوذيموس: “إنّ آثوس يغذي العديد من البلابل الصالحة”. وكانت تُسمع بين حين وآخر طرقة قوية. وحثثتُ السير الى أن وصلتُ الى بيت صغير حيث رأيت ناسكاً بدا لي هادئاً، وهو يجهد نفسه ليحطّم صخرة كبيرة.

قلت له: “بارك أيها الشيخ ” (إفلوغيتِه غيرونْدا).

فأجاب: الرب... (كيريوس... ).

هذه هي التحية.... المعتادة في الجبل المقدَّس. فإذا سألتهم بركة أجابوا: الرب... (أي ليباركك الرب)، لأنهم يعرفون أهمية المسيح للحياة الروحية ويدركون عجزهم. ولكنهم يكررون اسم الرب، موضع شوقهم وحنينهم، بصورة مستمرة، طالما أنهم يعيشون حضوره. فهو ماكث وقائم معهم، يحلّي القلب ويبهجه بتعزية الروح القدس.

قلتُ للشيخ: “ماذا تعمل هناك أيها الشيخ”؟

فأجاب: ها إني يا بنيّ أحاول تحطيم هذه الصخرة لكي أبني بركة صغيرة أجمع فيها ماء مطر لكي أشرب قليلاً، فإني عانيتُ في العام الماضي من العطش كثيراً.

قلتُ: ولكنّ هذا عمل شديد الصعوبة مرهق، فكيف يتأتىّ لك من دون العدة المناسبة؟

قال: ماذا أفعل؟ طالما أنّ الجسد يحتاج الى الماء. إنّ الله يساعدني. يجب ألاّ نملك شيئاً هنا في البرّية. ولكنّ القليل من الماء ضروري. أدخلْ الى القلاية لكي تباركها لنا!

فكرتُ في داخلي: “أأنا أبارك قلاية المبارَك”؟ وهل أنا الملطَّخ بالدَّنس أُبارك الُمطهَّر؟

***

دخلتُ باحترام عميق الى القلاية. وإنك تدخل الى قلاية ناسك بورع، كأنها مكان سرّ. كانت القلاية غير مكَّنسة وينقصها الترتيب. ولكنّ هذه تفاصيل دقيقة في الجاهد الروحي. فأين الوقت لمثل هذه الأشغال؟

أحضر لي الشيخ قليلاً من الماء وقطعة من راحة الحلقوم إظهاراً للمودّة. وإنك لتحس إحساساً حقيقياً في البرّية بالحب الصادق البريء لا غش فيه. ففي الطبق الصغير، ومع القليل من الماء وقطعة الحلوى الصغيرة ثمة قلب الراهب بكامله. لأنه يقدِّم لك كل ما لديه.

قال: أأنت قادم من العالم؟

قلت: أجل.

قال: كيف حال العالم؟

هذا هو السؤال الذي تسمعه عادة في الجبل المقدَّس. لكنه هذه المرة ذو مغزى عظيم، لأنّ الراهب السائل قد هجر العالم منذ خمسين عاماً من دون أن يعود إليه! والناسك يعلم أيضاً معنى العالم. إنه خليقة الله ويصير في الوقت عينه خدعة الشرير. أفلم يخدع الشيطان آدم بالكائنات؟ وكم منا من لا يصاب بمثله؟

قلت: العالم أيها الشيخ نأى كثيراً عن الله. إنه لا يذكر الله أبداَ ولا يعيش كما يليق به تعالى. فقد أقْفَرتْ الكنائس من العابدين وامتلأت بؤر الشيطان. لقد هجر العالَم الآباءُ الروحين، فغصّتْ مستشفيات الأمراض النفسية بالمرضى. العالم تقلقه أشغاله، وانهماكاته منحصرة في الأمور الدنيوية وحدها. اليوم عندنا إنتخابات، وغداً تسقط الحكومة وبعد غد تعقد مؤتمرات، الخ.. لا يقرأ سوى الجرائد اليومية، أما الكتاب المقدَّس فيجهلونه. وهم يقضون الساعات الطوال في مشاهدة أفلام الشيطان التي تخدرهم، ولا يشاهدون حياة القديسين...

قال الناسك القديس: “ياللعالم المعذَّب الشقي. إنّ الشيطان يحكمه، وهو يأتيه كلَّ يوم بحالات وحوادث لكي يسلبه الإهتمام بتذكّر يسوع، فيكف عن رؤية ذاته وجراحه الباطنية، ويكون الآخرون موضع اهتمامه، من دون نفسه. هذا الهرب ينشىء الصراع الباطني الذي ذكرتموه. إنّ آدم قد أخطأ فتوارى، وهرب من أمام الله فتوالت عليه النوائب بعد ذلك. وهذا ما يفعله البشر. إني أصلي طويلاً من أجل خلاص كل العالم: “ياربي يسوع المسيح إرحمني وارحم عالمك”، وأقضي الليل كلّه مصلّياً، لكي يرأف الله به. هذه هي رسالتنا في هذا العصر المضطرب. وقد أُلْقِيَتْ علينا القرعة، لنكون شهود...

لقد قال لي ذلك الناسك أشياء كثيرة. وزائر الجبل المقدَّس يسمع في كل خطوة مثل هذه الأقوال الحكيمة.

شكرتُه والتمستُ دعاءه، وتمنيتُ أن يذكرني في صلواته.وخرجتُ من قلايته مفكراً. وهذه القلاية هي الآن قبره. لكنه سيقوم من هناك الى الحياة الحقة.

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع