Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تابعتُ مسيرتي نحو الأعالي، قاصداً جبل تجلٍ، فوصلتُ بعد قليل، لكن بجهد كبير، الى البيت الذي أروم زيارته. ووقفتُ برهة لأنشّف عرقي.

وجالت في ذهني فكرة، هي أنّ قلاية الناسك المعتزل في البرّية ليست خدراً للسرّ وحسب، بل هي أيضاً خدر سماوي. والساكن فيها هناك، الشاغل ذاته بالهدوء والصلاة، هو رسول للمسيح. هذا ما يقوله القديس غريغوريوس بالاماس في عظة له ألقاها في مدينة سالونيك، وقد انتهز فرصة الكلام عند ذكر حال الرسول توما الذي لم ينُعَم عليه برؤية السيد المسيح القائم من الموت يوم ظهوره للتلاميذ في أحد القيامة، لغيابه. لكنه بعد ثمانية أيام فيما كان مع زملائه التلاميذ “رأى الرب”. ورجل الله القديس يقدّم النصح للمؤمن قائلاً “فليفتّشْ باجتهاد، بعد القداس الإلهي يوم الأحد، عن شخص مقتدٍ بأولئك الرسل يقيم منعزلاً مغلقاً على نفسه مدة طويلة يقضيها مشتعل الشوق الى المسيح بالصلاة والترنيم في هدوء وبتناول طعام مناسب. ومتى وجده فليدخْل الى بيته الصغير بإٍيمان، كأنه داخل الى خدر سماويّ، يحوي في داخله قوة التقديس، أي قوة الروح القدس. وليجلسْ الى جانب الساكن فيه، وليُقِمْ عنده ما استطاع وليتحدثْ معه عن الله والأمورالإلهية، سائلاً ومتعلّماً باتضاع، وملتمساً المعونة بالدعاء. فمن ينسج على هذا المنوال يأتِ المسيح إليه بصورة غير مرئية، ويهبه سلاماً داخل نفسه ويدفعه الى التقدم بالإيمان ويمنحه أيضاً دعمه ويرتبه مع المختارين، في زمن ملكوت السماوات...”  

***

اقتربتُ من تلك القلاية عملاً بوصية القديس، معتبراً إياها الخدر السماويّ. وقد تولَّد في داخلي شعور بأنّ ذلك الشيخ هو رسول للمسيح قد شاهد الرب القائم من الموت، وهو الآن موجود في علية أورشليم. فهو إذاً قد تألّه، وله كل ما لله ماخلا جوهره. قال القديس غريغوريوس بالاماس: “كل ما لله يكون أيضاً للمتألّه بالنعمة، بدون التطابق حسب الجوهر”.

فكيف لي أن تكون نظرتي إليه نظرة مخالفة طالما أنّ القديس غريغوريوس مشاهد الله يدعوه هكذا؟ وقد كنتُ مثل توما أشتهي أن أرى الرب. فاتخذتُ قراري، بتواضع عميق وانسسحاق، أن أسأله، وأن أعيش ما سيقوله لي. وسيدرك قارىء كتابي هذا أني بتلك المحادثة عن الله والأمور الإلهية، قد أحسستُ بسلام عميق يغمر نفسي...

***

قرعتُ باب كوخه الخارجي. وكان الهدوء اللانهائي مهيمناً على المكان، فأثار فيَّ شيئاً من الرعب فارتجفتُ، وسمعتُ خطوات بطيئة، وانفتح الباب بهدوء وبرز أمامي أحد مريدي الشيخ.

فقلت: باركوا...

أجاب: الرب...

قلتُ: أتمنى أن أقابل الشيخ إن كان هذا ممكناً. فهل هو منهمك الآن في العمل؟

إذا زرتَ أحد النساك من المعتزلين في البرّية فاحرصْ على أن تكون شديد التمييز. فقد توقفه عن متابعة صلاته. وقد يكون في حال اختطاف إلهيّ على جبل ثابور، وأنت تهبط به إلى الأرض التي تعجّ بالضجيج فيكون هذا أعظم شر ارتكبته ضدَّه. وهو لا تضايقه شتائمك، وإنما تحزنه فقط دعوتك له إلى النزول من الجبل. غير أنك في الوقت عينه تجلب لنفسك أعظم خير، لأنه إذا حضر لمقابلتك ملأك بطيب إلهيّ، زكي الرائحة، وبهرك بالنور الساطع الذي جمعه فتعمى. فهو كما يقول القديس غريغوريوس بالاماس “يخرج من الصلاة وكأنه ملتهب بالنار، كما حدث لموسى. فقد كان يسطع نوراً يوم هبط من جبل سيناء فلم يقدر الإسرائيليون أن ينظروا إليه لأنه كان كالحديد المحمر حين يخرج تواً من النار. وإنك لتشمُّ “رائحة الخلود”.

قال لي التلميذ: سأسأل. وذهب ثم عاد بعد دقائق، وقال لي: إنّ الشيخ مريض، لكنه سينهض لكي يراك. فإن شئتَ يمكننا الإنتقال إلى الداخل.

جلستُ بعض الوقت مع هذا الراهب الشاب.وقد أثّر في نفسي تأثيراً عميقاً شبابه وحياته في هذا المكان النائي، الموحش، القاسي، فأعجبتُ به عن غير سابق معرفة.

سألته: “هل عددكم كبير هنا”؟

قال: الشيخ ومريدوه الثلاثة.

قلت: أريد أن أتناقش في بعض الأمور التي تشغل فكري وقد جئتُ إلى هذا المكان القفر لهذه الغاية.

قال: حسنٌ ما تفعلون. أما الحجاج فينبغي أن يأتوا إلى هنا محمولين بمثل هذا الشعور. ولكنّ بعضهم يأتي إلى هنا بدافع الفضول وحب الإستطلاع الخارجي. فإنهم يجيئون لكي يروا الشيخ في الظاهر وحسب، ليعودوا بعد ذلك، ويفتخروا بأنهم قابلوه... إنّ هؤلاء ليرهقونه إلى أبعد حد. فهو يشعر بهم وكأنهم زائرو حديقة حيوانات أو سائحون... فيحسن بكم إذاً أن تسألوه في موضوعات ومسائل روحية تشغلكم، ويجدر بكم أن تضعوا في اعتباركم أنه لا تُكَرز هنا نظريات. فإنّ ما يقال معاش. إنه اختبارات حياتية، يعيشها الشيخ، وهو يفصح عن القليل منها لمنفعة زائريه..

وما كاد المريد يُتِمُّ كلامه حتى ظهر أمامي الأب... كأنه شمس أشرقتْ فجأة، وربيع أشاع الفرح، وبرق ساطع في دجى الليل، وقد تدلَّتْ من وجهه لحيته الناصعة البياض كأنها شلال. أما عيناه فلامعتان، نّيرتان، سابرتان، قادرتان على التغوّرفي الأعماق، ونادراً ما شاهدتُ باصرتين متجلّيتين مثلهما.

يقول القديس غريغوريوس بالاماس إنّ الرسل قد شاهدوا النور غير المخلوق، على جبل ثابور، بعد أن تجلّت أعينهم قبل ذلك بقوة الروح القدس فصارت قادرة على رؤيته.

قال حرفياً: “أترى؟ إنّ الأعين التي تنظر حسب الطبيعة إلى ذلك النور هي عمياء، لأنه غير حسّيّ، فلا يراه الناظرون إليه بأعينهم الحسية، وإنما تراه الأعين التي أعيد تركيبها بقوة الروح الإلهي، فتغّيرتْ وهكذا شاهدتْ التغير، لا التغير الذي جرى أخيراً بل طرأ على طينتنا مذ تألهتْ بالإتحاد بكلمة الله”.

وللشيخ هنا عينان متغيّرتان، بسبب كثرة مشاهدته لنور ثابور، ويمكن تبيُّن هذا التغير الكليّ الجمال بوضوح.

قلتُ: “باركوا...” وانحنيتُ في الوقت عينه لكي أعمل المطانية وأُقّبل يده المقدَّسة المجرَّحة.. التي أدمتها السَّجدات العميقة. إلاّ أنّ الشيخ أسرع إلى الإنحناء أكثر مني ولثم يدي فوقفتُ مبهوتاً. وقلتُ له: لكن أيها الشيخ...أأنتم تفعلون هذا لأجلي، أنا عبدالله البطّال، العاميّ؟

فقال: لكنك كاهن حائز على نعمة الله. وهل أطلب منك شيئاً أكثر من هذا؟

قلتُ: نحن مملؤون بالخطايا. لأننا نحبا في العالم “السيّء السمعة” بينما تحيون أنتم في البرّية حيث يملؤها حضورالله نعمة، فصرتم هياكل الله، وعرشاُ ذهبياً للملك. لابل أنتم شاروبيم ناري وكما قال القديس غريغوريوس اللاهوتي“قد سجّلتم الأسفار المقدَّسة ثلاثاً صفحات القلب، فأصبح لكم ذهن المسيح وصرتم مسكناً حيّاً للمسيح في الروح”، فلماذا تعاملونني هكذا؟

قلتُ هذا بصوت شاكٍ كأني هُزِمْتُ. والحقيقة أنّ قداسته وتواضعه قد هزماني. فكثيراً ما تلسعك نارُ تواضع الآخر أكثر من كلامه، ويهزك هزاً بحبه أكثر من توبيخه.

قال وهو يخفض رأسه: آه... يبدوأنكم تجهلوا طابع البرّية. فإنّ إحدى ميزات الهدوء الشعور الحياتي بالخطيئة. فإذا يأمل المرء ذاته يومياً وجد حالات الخطيئة قابعة في داخله وأحس بتحركات الشرير فلا يلبث أن يشعر شعوراً حقيقياً بأنه أسوأ الخطأة. أريد أن تصدّقني يا أبتِ: إنّ كل من يدخل إلى قلايتي هو أقدس مني. إنه أحد ملائكة الله

***

لم أقل شيئاً. وقبض على يدي، وبمزيد من المحبة قادني كما يقود الأعمى وأرشدني إلى الكنيسة الصغيرة. فشعرتُ في تلك الساعة أني أعمى أمام نور الشمس المبهر، وأني ضعيف أمام الجبار، وطفل صغير أمام الشيخ الحكيم. وما كان عمله هذا سوى تمهيد لإرشاد آخر سيقدّمه لي بعد قليل، أوه...إنك تشعر عنده بالأمان وبنعمة لا يمكن وصفها، وإني لأحسّ بحرارة يده الآن!

مررنا من بابين صغيرين، لابد لك أن تنحني لكي تعبرهما. كل شيء هنا يدلّ على الإتضاع. فيجب أن تدخل قلاية ناسك البرّية وأنت منحن وأن تنسى كيف كنتَ أو ماذا تكون، فالمكان هنا لا يتسع للمتكبرين المتعالين والأنانيين.

دخلنا الكنيسة الصغيرة فدعاني إلى السجود أمام أيقونات الأيقونسطاس والمائدة المقدسة في الهيكل فيما أخذ يشعل القناديل ويرتل في الوقت عينه طروبارية القديس شفيع الكنيسة.

***

أول ما يقولونه لك إذا دخلتَ ديراً أو قلاية هو أن تسجد أمام أيقونات الكنيسة. وأول مجاملة من جانبهم هي أن يتيحوا لك السجود أمام الرفات الشريفة. فهذه هي الأمور الأهم عندهم في كوخ فقير. وهم يعيرونها كل الإهتمام. إنّ رفات القديسين التي يحافظون عليها بكثير من الورع والإحترام، تدلّ على غياب القديسين من العالم وعلى حضورهم فيه أيضاً بالنعمة. فمنذ خروج نفس القديس من جسده من بعد اكتمالها تستلم النعمة الإلهية جسده أيضاً. وهذا ما يفسر عجائب رفات القديسين ورائحتها الذكية كما يقول القديس سمعان اللاهوتي الجديد.

في هذه الكنيسة يشعر الشيخ ومريدوه بصلاح الله ويشتركون في العشاء السرّي.

***

قادني بعد ذلك، إلى مكان قريب، قال إنه غرفة إستقبال، تحتوي على بعض المقاعد الصغيرة. وكان على رفوف أحد جدرانها بعض الآباء: فيلوكاليا (أقوال كبار النساك وشيوخهم والآباء الصاحين)، غيرونديكون (قصص شيوخ الرهبان وحِكَمُهم)، مقالات إسحق السرّياني، وأفرام السرّياني، وغريغوريوس بالاماس، وسواهم. جلسنا على مقعدين صغيرين وجذبني إلى مقربة منه واستغرق في صمت. وكان واضحاً أنه يصلي من أجل أن ينيرني الله فأكشف هناك عن ذاتي، ومن أجل أن ينيره الله هو أيضاً لكي يقول لي ما يجب قوله.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع