Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


قلتُ له: إن كنتُ قد فهمتُ جيداً، فهذا يتم تحقيقه بصورة مؤكَّدة بالتنسك والصحو والصلاة إلى يسوع. لكن إسمحوا لي بسؤال، لأني أؤمن به، بل لأني أسمع دائماً إعتراضات على “هذه الصلاة التي تحمل النعمة” من أناس مختلفي المشارب في عصرنا، فهم يقولون إنّ الصلاة والطريقة التي تتم بها ليست إلا “يوغا” مسيحية مرتبطة بنماذج مماثلة في الديانات الشرقية. فماذا تقولون في هذا؟

أجاب: يبدو أنّ القائلين يجهلون تماماً الحالة النعمويَّة (الكارزماتية) في كنيستنا. فنحن نحصل على النعمة الإلهية بالصلاة وهم لم يعيشوا هذه الحالة لذلك لا يعلمون. لكن ينبغي ألاَّ يضعوا أصحاب الخبرة في موضع الإتهام. إنهم يجدّفون على الآباء القديسين فالعديد من هؤلاء الآباء جاهدوا من أجل هذا الدعاء تحدثوا عنه وعن قيمته بحرارة وقوة، فهل سقطوا في ضلال؟ وهل ضلّ القديس غريغوريوس بالاماس؟ وهم يجهلون أيضاً الكتاب المقدّس. فإنّ عبارة “يا ابن داود إرحمنا” ومعناها يا يسوع ارحمنا، قالها عميان فوجدوا النور، وقالها بُرص فطهروا من برصهم الخ..

إنّ الصلاة: “يا ربي يسوع المسيح ابن الله إرحمني” تتألّف من أمرين أساسيين، الأول عقائدي: إعتراف بلاهوت المسيح، والثاني توسّلي: تضرّع من أجل خلاصنا. والصلاة بكلام آخر هي اعتراف إيمان بالله-الإنسان، مرتبط بعجزنا عن الحصول على الخلاص بمفردنا. هذا ما تقوله الصلاة، وعلى هذين الأمرين يرتكز جهاد المسيحي كله: إيمان بالله-الإنسان، وشعور بسقوطنا في حالة الخطيئة. فالصلاة تُعبَّرُ بكلمات وجيزة عن محاولة المؤمن بكاملها كما إنها تلخّص عقيدة كنيستنا الأرثوذكسية كلها.

ونحصل بالصلاة على معرفة مزدوجة. يقول القديس مكسيموس المعترف: “إنّ هوى الكبرياء يقوم على جهلين، هما جهل للقدرة الإلهية وجهل للعجز البشري. وهذا الجهل المزدوج ينشىء ذهناً مشوَّشاً. فالمتكبر إذاً هو إنسان الجهل، أما المتواضع فهو إنسان المعرفة المزدوجة، لا يعرف عجزه الذاتي وحسب بل قوة المسيح أيضاً. فبالصلاة إلى المسيح نقرّ بقوة المسيح ونعترف بها: ياربي يسوع المسيح إبن الله، ونقرّ ونعترف أيضاً بعجزنا إذ نقول: إرحمني. بهذا نحصل على حال الإتضاع المغبوط. فحيث التواضع تكون نعمة المسيح أيضاً. وهذه النعمة هي ملكوت السماوات. أترى إذاً قيمة “الصلاة” وكيف يمكننا بقوّتها الحصول على ملكوت الله؟

- إني أعلم أيها الشيخ أنّ هناك شرطاً ضرورياً للخُلُق الأرثوذكسي، هو أن لا نفرِّق أبداً المسيح عن أقنومي الثالوث الفائق القداسة. لهذا نستدعي في القداس الإلهي، بصورة دائمة، الثالوث القدوس ونمجده في كل الطلبات مشيرين في خاتمتها إلى دواعي الطلب: “لأنه ينبغي لك كل مجد وإكرام وسجود أيها الآب والإبن والروح القدس الآن وكل آن...”. “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله الآب، وشركة الروح القدس، لتكن مع جميعكم” الخ. فهل “الصلاة” الموجَّهة فقط إلى الأقنوم الثاني للثالوث القدوس تنحرف عن التعليم القويم؟

- إنها لا تنحرف البتة وسأتوسّع في شرح ذلك. إنّ الصلاة تُسمى“صلاة يسوع” لكنها تقوم على أساس ثالوثي المعنى. فمما لا ريب فيه أنّ المسيح هو “أحد الثالوث القدوس” فهو لا يوجد أبداً بدون الآب والروح القدس، لأنه هو والأقنومان الآخران “ثالوث قائم في الجوهر ذاته وغير منفصل”. والخريستولوجيا (الدراسة حول المسيح) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالثالوثيات (ترياذولوجيا).

ولنعدْ إلى موضوع الصلاة. إنّ الآب أمر يوسف بواسطة الملاك أن يطلق على المسيح إسم يسوع فسمَّاهُ يسوع (متى1: 21). أطاع يوسف أمر الله وأطلق على ابن البتول إسم“يسوع”. كما أنّ الروح القدس أنار الرسول بولس فكتب يقول: “لا يستطيع أحد أن يقول يسوع ربّ، إلاَّ بالروح القدس” (1كو 12: 3). فبترديدنا الصلاة (ياربي يسوع المسيح، إبن الله إرحمني) نتعرّف على الآب من جديد ونُظهر له الطاعة، بالإضافة إلى أننا نحسّ بأفعال الروح القدس وشركته. والآباء القديسون قد أنارهم الروح القدس، فقالوا لنا “إنّ الآب يفعل كل االأشياء بواسطة الإبن في الروح القدس”. فالثالوث القدوس بكامله قد خلق العالم وصنع الإنسان. والثالوث القدوس أعاد خلق الإنسان والعالم من جديد. (لقد سُرَّ الآب، والكلمة صار جسداً) و(صار جسداً من الروح القدس). أي إنّ تأنُّس المسيح قد تمَّ “بمسرّة الآب وبمشاركة الروح القدس في الفعْل” لهذا نقول أيضاً إنّ خلاص الإنسان والحصول على النِعَم الإلهية عمل مشترك للثالوث القدوس. وسأذكر لكم تعليمين مميَّزين علّمهما الآباء:

كتب القديس سمعان اللاهوتي الجديد، يقول إنّ ابن الله وكلمته هو باب الخلاص، حسب إعلانه “أنا الباب، إن دخل أحد بي يخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى” ( يو 1.: 9). فإٍن كان المسيح هو الباب، كان الأب هو البيت “في بيت أبي منازل كثيرة” (يو 14: 2). فنحن ندخل إلى لدن الآب بواسطة المسيح. ولكي يُفتح الباب لا بد لنا من المفتاح. والمفتاح هو الروح القدس، لأننا بفعل الروح القدس نعرف الحق. والحق هو المسيح. إنّ الآب قد أرسل ابنه إلى العالم، وابن الله وكلمته يكشف لنا الآب. أما الروح القدس المنبثق من الآب والمرسل بواسطة الإبن فإنه يصوّر المسيح “في قلوبنا”. وهكذا نعرف الآب بواسطة الإبن في الروح القدس”.

والقديس مكسيموس المعترف يتحدث كثيراً في كتبه عن الكلمة في تجسداته السرّية. وقد كتب يقول في أحد مؤلفاته إنه “كما كانت أقوال الناموس والأنبياء سابقة لحضور الكلمة بالجسد، هكذا حدث حين تجسد ابن الله وكلمته فقد صار بتجسده سابقاً لحضوره الروحي..مؤدَّباً النفوس بأقوال مناسبة لقبول حضوره الإلهي المجيد”.

وبكلام آخر ينبغي أن يتجسد المسيح في داخلنا، وبدون ذلك يتعذر علينا أن نرى مجده في السماوات. غير أنّ تجسد المسيح في داخلنا يصير بمسرّة الآب ومشاركة الروح القدس في الفعل.

أرأيتم كيف يُعبَّر عن فعل الثالوث القدوس المشترك وكيف نتبيَّن السرَّ العظيم ونعترف به، وهو السر الذي أظهره الرب بتجسده؟

فمن يرفض إذاً الصلاة إلى يسوع ولا يعترف بها يرتكب خطأ كبيراً. فإنه ينكر الثالوث القدوس ويعصى الآب ولا يتقبّل إشراقات الروح القدس، وهو إذاً ليس على صلة حقيقية بالمسيح، وعليه أن يساوره الشك في أنه مسيحي أرثوذكسي.

- أتمنى أيها الشيخ أن تمدوني بمزيد من التفسير وتتوسعوا في شرح ما سألتكم عنه سابقاً، أعني ما الفرق بين الصلاة وطريقة اليوغا وأن تبينّوا لي أفضيلة الصلاة وسموّها على الديانات الشرقية الأخرى، طالما لديكم بنوع أخصّ المزيد من الخبرة في هذا الموضوع.

- إنّ هذا الموضوع، يا بني، واسع جداً. ويمكن أن يُقال فيه الكثير. ومما قلتُه تظهر بعض النقاط.

أولاً: الصلاة تعبّر بشدة عن الإيمان بالله الذي خلق العالم ويحكمه ويحبه. فهو الأب الحنون المهتم بأن يخلّص خليقته. والخلاص يتمّ “في الله”. لهذا نتوسل في الصلاة قائلين “إرحمني”.

إنّ تخليص المرء نفسه بذاته، وتأليهه لذاته، هما أمران بعيدان عن المجاهد بالصلاة العقلية لأنهما كانا الخطيئة التي سقط فيها آدم. فقد أراد أن يصير إلهاً خارج الإطار الذي حدَّده الله له. والخلاص لا يتم “بواسطة الذات ومن الذات” وهو ما تقول به النظم البشرية وإنما يتمُّ في الله.

ثانياً: نحن لا نجاهد بالصلاة من أجل أن نقابل إلهاً غير شخصي، لأننا لا نبتغي الإرتفاع إلى العدم المطلق، وصلاتنا تتركز على إله شخصي هو يسوع الإله – الأنسان ولهذا نناديه بالصلاة “يا ربي يسوع المسيح، إبن الله”. وتلتقي في المسيح الطبيعتان الإلهية والإنسانية، أعني الله الكلمة والإنسان بكامله (يسكن فيه كل ملء اللاهوت جسدياً). ولذلك يرتبط تعليم الرهبنة الأرثوذكسية عن الأنسان والخلاص بالتعليم عن المسيح برباط وثيق. نحن نحبّ المسيح ونحفظ وصاياه، ونعطي لهذا أهمية كبرى، ونصرّ على تنفيذ وصايا المسيح. وقد قال هو نفسه “إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي” (يوحنا 14: 15) وبحبنا للمسيح وحفظنا وصاياه نتحد بالثالوث بكامله.

ثالثاً: بالصلاة العقلية المتواصلة لا نتردّى في حال الكبرياء، أما النظم التي ذكرتها لي سابقاً فتسودها الكبرياء، ولكننا نحصل بالصلاة على حال التواضع المغبوطة. وإذ نقول “إرحمني”. نعتبرذاتنا أسوأ الناس أجمعين، ولا نحتقر أحداً من الإخوة. والمجاهد بالصلاة تنأى عنه كل أنواع الكبرياء. أما من عنده الكبرياء فهو أحمق.

رابعاً: ليس الخلاص فكرة مجردة -كما قلنا- وإنما هي إتحاد بالله، المثلّث الأقانيم، في شخص“ربنا يسوع المسيح”. لكنّ هذا الإتحاد لا يبطل العامل البشري. فنحن لا نفنى في الله ما دمنا نحن أيضاً أشخاصاً.

خامساً: إننا نحصل خلال مضيّنا في الصلاة على قدرة تَبَينُّ الضلال، فنرى ونميّز حركات الشيطان. ولكننا في الوقت عينه نميّز أفعال المسيح أيضاً، أعني أننا نعرف بوضوح روح الضلال الذي كثيراً ما يتشكّل في صورة ملاك نور. وهكذا نميّز بين الصالح والشرير، وبين غير المخلوق والمخلوق.

سادساً: إنّ الجهاد من أجل “الصلاة” مرتبط بتطهير النفس والجسد من تأثير الأهواء القتّال. لسنا نسعى إلى الوصول إلى التجرد من الإنفعال (الأباثيا) تقول به الفلسفة الرواقية، بل نبتغي البلوغ إلى (أباثيا) ديناميكية، أعني أننا لا نهدف إلى إماتة الإنفعال (Pathos) وإنما إلى تجلّيه (إعادة تشكيله) أو تهذيبه. فبدون الإنفعال اللا إنفعالي لا يمكن أن يحب أحد الله ولا أن يخلص. لكن بما أنّ هذه المحبة قد فسدتْ واعوجَّتْ، فإِننا نسعى إلى التجلّي، نجاهد من أجل تحرير صورتنا من الحالات الشاذة المشوِّهة لها، والتي أحدثها الشيطان.

بدون هذا الجهاد الشخصي الذي يتم بنعمة المسيح لا يمكننا أن نخلص. يقول القديس مكسيموس المعترف “إنّ المعرفة غير المقرونة بالعمل لهي ثيولوجيا شياطين”.

سابعاً: لا نبتغي بالصلاة قيادة العقل إلى العدو المطلق، بل توجيهه إلى القلب ونقل نعمة الله إلى داخل النفس، وامتدادها إلى الجسد أيضاً. “إنّ ملكوت الله داخلكم ” والجسد حسب تعليم الكنيسة ليس شراً ولكنّ التفكير ذا النزعة الجسدية شر. والجسد ليس “رداء النفس” كما تسميه بعض النظم الفلسفية، لذلك يجب علينا أن نخلّصه لا أن نلغيه. كما أنّ الخلاص يعني خلاص الإنسان بكامله، نفساً وجسداً. ولذلك نحن لا نسعى من أجل تدمير الجسد، ولكننا نقاوم عبادة الجسد، ولا نريد هدم الحياة ولا نسعى إلى الوصول إلى عدم الرغبة في الحياة بحيث يتوقف الألم. ونمارس“الصلاة” لأننا متعطشون إلى الحياة، ونريد أن نحيا مع الله إلى الأبد.

ثامناً: ليس لدينا عدم اكتراث بالعالم من حولنا. إنّ مختلف النظم التي ذكرتها تتجنب التفكير في مشاكل الناس ليحفظ أصحابها لأنفسهم السلام والتجرّد من الإنفعال. أما نحن فنعمل نقيض ذلك لأننا نصلي من أجل الجميع نتضرّع إلى الله من أجل العالم كلّه.

والخلاص بنوع أخصّ الإتحاد بالمسيح. لذلك نكون على صلة إجتماعية بأشخاص آخرين فنحن لا يمكن أن نخلص وحدنا، ولا يكون فرحنا فرحاً حقيقياً إن انحصر فينا ولم يكن فرحاً للعالم أيضاً.

تاسعاً: نحن لا نعير الطرق النفسية أهمية كبرى ولا نكترث لأوضاع الجسم المختلفة، ونرى أنّ في بعض هذه الطرائق وسائل تساعدنا على تركز العقل في القلب، أي في بعض جوهره. ومن بعد استخدامنا لها لهذه الغاية نتركها فوراً. وأكّرر القول، إننا لانسعى إلى التجرُّد من الإنفعال بل إلى نيل النعمة الإلهية.

قلتُ: أقدّم لك أيها الشيخ جزيل الشكر على هذه الأفكار المرشدة الموضحة، وهي على جانب كبير من الأهمية لأنها صادرة عنكم، وأنتم تعيشونها بالإختبار. لكن اسمحوا لي بسؤال: هل الصلوات الأخرى غير ملأئمة؟ أفلا تساعد هي أيضاً؟

- كل صلاة عظيمة. فهي صرخة نفس. والعون الإلهي يأتي بمقدار الإيمان وحرارة التوسّل. أكانت صلاة عبادة جماعية أم صلاة فردية الخ. أما “صلاة يسوع” فهي ذات قيمة كبيرة لأنها، كما قال القديس إسحق السرياني، المفتاح الصغير الذي به نستطيع الولوج إلى الأسرار“التي لم ترها عين، ولم تسمع بها أذن، ولم تصعد إلى قلب إنسان”. فهي تجمع العقل وتزيد من ضبطه، وتدفعه إلى الصلاة بقوة أشد، لا يمكن تصورها. اعني أنها تجعله “مجرداً من اللون، والنوعية، والشكل”. وسرعان ما تجلب له نعمة غزيرة وهي تحمل إليه المزيد من النعمة، أكثر كثيراً مما يأتي به الترتيل، لأنها وثيقة الصلة بالتواضع وبمعرفتنا بخطايانا معرفة أكيدة. هذا ما يقوله الآباء القديسون. وقد تكلّم في الموضوع عينه القديس غريغوريوس السينائي فقال: “إنّ الترتيل هو عملياً للممارسين والمبتدئين. أما الصلاة فهي لأولئك الذين ذاقوا النعمة الإلهية أعني بهم الهدوئيين”.

“...أما أنت فلا ترتّل في أحيان كثيرة.. لأنّ في ذلك تشويشاً... فما الترتيل الكثير إلا للعمليين بسبب عدم المعرفة والتعب، وليس للهدوئيين الذين اكتفوا“في الله” لكي يتوسلوا إليه في القلب ويبتعدوا عن الأفكار.. .ومن ذاق النعمة فليرتّل باعتدال- حسب تعليم الآباء- وما عليه إلاَّ قضاء معظم وقته في الصلاة. أما إذا كان في الإستراحة والإسترخاء فليرتّل أو يطالع المؤلفات العملية، التي وضعها الآباء القديسون”.

وأضاف قائلاً: يحدث يا أبتِ مع الترتيل عادة حصول فوضى لا بل تتسرّب معه أيضاً الأنانية والكبرياء بسبب رخامة الصوت وحسنة، وما يفصح عنه سامعوه من انطباعات. أما إذا ردَّد الراهب “الصلاة” في قلايته قائلاً “إرحمني” فإنه يكون في منأى عن العوامل الخارجية التي تدفع إلى بروز الكبرياء. لهذا يكثر الهدوئيون ممارسة هذا النوع الذي علّمنا إيَّاه آباؤنا، فيصلّون صلاة السحر وصلاة المساء، مستعملين الحبل المعقود ومردِّدين “الصلاة”.

- لكنّ هذه الصلاة قصيرة جداً وشديدة الإنجاز. فهل يجب أن يُثَّبت العقل فيها؟

- العقل يتعلّق بالجُمل القصيرة تعلُّقاَ شديداً، يفوق تعلُّقه بسواها. إلاَّ أنّ للصلاة عمقاً بعيداً الغور تتعذَّر رؤيته من الخارج. ومن صفات العقل أنه حيث يفق يتغلغل في العمق ومن هناك يقود الرغبة والمحبة. هذا ما عناه القديس مكسيموس المعترف بقوله: “إن العقل قد اعتاد التوسّع في الأمور التي يستقر عليها زمناً، ومن هذه الأمور الرغبة والمحبة فهو يتوسّع فيهما ويوجّههما إمَّا إلى الأمور الإلهية والواجبة والعقلية، وإمَّا إلى أمور الجسد والأهواء”.

مثل هذا يحدث للمعرفة أيضاً بنوع أخصّ. فإنّ أمراً بسيطاً واحداَ يبدو من أول نظرة أنّ في الإمكان وضعه موضع درس وبحث طوال سنين. فكم بالحري لو كان هذا الأمر إسم “يسوع” الكلي الحلاوة. فلا ريب أنّ المرء يمكن أن يواظب على درسه طوال حياته.

- طالما أنَّ لهذا الإسم قوة بهذا المقدار، فاسمحوا لي أيها الشيخ أن أسألكم: كيف يتم ذلك؟ وكيف يتسنىّ للمرء أن ينعم به؟ أعرف أني أضايقكم بأسئلتي لأنكم تدركون أنّ أمامكم إنساناً يجهل هذه الموضوعات ولا خبرة له فيها. غير أني قلت في نفسي إنكم ستساعدونني كثيراَ.

- الصلاة يا بُنيَّ هي العلم الأعظم، ولا يستطيع أحد شرحها على الوجه الدقيق، ولا تحديدها تحديداً كاملاً. لأنه قد يُساء فهمه ولن يدرك قصده من ليس لديه أدنى الخبرات. والصلاة أيضاً فوزجهاد حقيقي. ويمكنني القول إنها الصورة القصوى التي نحصل منها على الثيولوجيا (علم الإْلهيات) أوبالأحرى نكتسب منها رؤية الله.

والثيولوجيا وليدة الصلاة النقية الخالصة، وهي جَنْيُها المبارك وثمرها المستطاب. أما هدوء البرّية الكلية الحلاوة فهو مناخ نموّها وعيشها بالإختبار، بكل محتواها الفعَّال. وهي أيضاً وليدة التطهّرمن الأهواء.

- لقد سبق لي، أيها الشيخ، أن قرأتُ المفعم بالنعمة، عمل الهدوء العقلي، أعني به استدعاء إسم يسوع. غير أني، بعد أن أوضحتم لي قيمته، أريد أن [أعرف] الموضوع من خبرتكم الشخصية. فإني لا أرغب في هذه المعرفة لمجرد الفضول الإستطلاع، وإنما أريد أن أعيش هذه الحال المباركة ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً. وعسى ألاَّ ترفضوا هذه الرغبة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع