Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ينبغي أن يملأ وعيكم شعور بالحاجة إلى التطهُّر من الأهواء وألاَّ تكتفوا بمعالجة الآخرين وإنما يجب أن تؤمنوا أنكم- بل نحن كلنا أيضاً- مفعمون بالأهواء. وكل هوى هو جحيم.

وينبغي أن تعلموا أيضاً -وفقاً لما ذكرنا آنفاً- أنّ “الصلاة” هي الدواء الذي يشفي النفس ويطهّرها لا يعني إنّ “الصلاة” كل شيء، ولكننا نستطيع القول إنها تُطهّر أو تنير بمعنى أنها ترفع الإنسان وتوحّده بالله هو وحده والله هو وحده الذي يطهّر وينير. وهو وحده طبيب النفوس والأجساد وهو النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم. وكما أنّ الأدوية التي تجعل البصر قادراً على رؤية الأشياء المختلفة تسمى“منيرة” هكذا يحدث إن أردتم التطهّر وتغيير ذاتكم وطلبتم الاستنارة من الله بواسطة “الصلاة”.

- أتعتقدون أننا نحن الذين نعمل في العالم نستطيع أن نقوم بهذا العمل الإلهي، عمل الصلاة مثلما يقوم الرهبان؟

- إن لم يكن ذلك على غرارهم تماماً فعلى كل حال يجب عليكم أن تتوخّوا التوصّل إلى الكثير، وأنتم في كل الأحوال قادرون على ذلك. ويجب التمييز بين الصلاة العقلية و“صلاة يسوع”. فإنّ الصلاة العقلية التي يقوم بها الرهبان الهدوئيون تتطلّب حياة مجردة من الاهتمام الدنيوي المقلق وثابتة غير مشتتة. يلزمها هدوء وأشياء أخرى كثيرة سبق لنا ذكرها. فإن عجزتم في العالم عن ممارسة الصلاة العقلية ووجدتم ذلك في غاية الصعوبة فما عليكم إلاّ الصلاة في ساعات معيّنة مردّدين “صلاة يسوع” أو تلاوتها كلما أتيحت لكم الفرصة وهذا يفيدكم كثيراً.

- هل تنصحونني بممارسة بعض الطرق العملية النافعة؟

- بالإضافة إلى ما تقومون به من صلوات كنسية طقسية خصِّصوا ساعات خاصة لممارسة “صلاة يسوع” “لترديد اسم يسوع”. اشرعوا في التقدّم قليلاً قليلاً بقدر تعطّشكم وإحساسكم بالنعمة. ويمكن أن يقوم المرء بهذه “الصلاة” مدة نصف ساعة في الصباح قبل شروق الشمس، ونصف ساعة في المساء من بعد صلاة النوم وقبل الرقاد. ومن الضروري تخصيص موعد ثابت لهذه الصلاة فلا يلغيه شيء ولو كان القصد من هذا الإلغاء القيام بأعمال صالحة وقد يأتي إليك في تلك الساعة شخص يريد الاعتراف. فإن لم يكن مريضاً، وليس هناك أيّ مانع قاهر يمنع تأجيل الاعتراف إلى موعد آخر، فلا تؤجّل ساعة ممارسة الصلاة حتى لو كان القصد من هذا التأجيل أداء عمل صالح.

وينبغي الشروع في ممارسة “الصلاة” في غرفة هادئة بعيدة عن الضوضاء بالطريقة التي ذكرنا، أي بتأجيج القلب أو بقراءة كتاب لأحد الآباء القديسين يحفّز على الانسحاق والتخشّع ثم نتلو بعد ذلك صلاة يسوع بالشفتين أو بالعقل أو بالقلب بقدر ما بلغنا من تقدّم وسيزداد الوقت المخصَّص “للصلاة” بمرور الزمن ليُسعد القلب فننتظره بمزيد من الشوق والحنين... وأعود إلى القول أيضاً إنّ الإنسان يحتاج إلى قهر نفسه في البدء، لفترة وجيزة، فيجني من ذلك نفعاً عظيماً.

- هل هذه الفترة الوجيزة كافية؟

- ليست كافية. ولكنّ الله يكمل ما في الصلاة من نقص إذا توفَّرت لدى المصلّي الرغبة الصادقة في إتمامها، مع الاتضاع وإذا كان الله يرأف بنا في أحوال سقوطنا، أفما يكون رحيماً إزاء سعينا من اجل تغيّرنا؟ فإنه سبحانه يكمل كلَّ نقص فينا. وهو يعرف ظروف كلّ منا. فقد تقضون ساعة واحدة في الصلاة تفيض عليكم فيها بركة إلهية أعظم مما يصيبه منها الراهب بعد أن يقضي في الصلاة زمناً أطول. وذلك لأنكم ملزمون بالانشغال في أعمال أخرى.

… لقد أعجبتني هذا الراهب الآثوسي الملاك في الجسد بتمييزه. فهو يميّز كل المسائل بقدرة مدهشة ويرتب القضايا المختلفة ويضع كلاً منها في موضعها.

وأضاف الشيخ قائلا: إنّ الشيطان يأتيكم بالعديد من التجارب خلال الصلاة كما قلتُ لكم آنفاً فتنهال عليكم حوادث متعدّدة لكي تضطركم إلى وقف الصلاة. ولكن عليكم أن تعلموا أنّ الله يسمح بذلك امتحاناً لرغبتكم في “الصلاة”. فإن كانت هذه الرغبة صادقة وحاولتم مواصلة “الصلاة” يأتي الله لمساعدتكم ويذلل أمامكم كل الصعوبات ويزيل كل العراقيل.

- لكني أيها الشيخ لو كنتُ خلال الصلاة أفكّر في شيء آخر كإعداد أو خطبة دينيَّة مثلاً أوفي أداء خدمة لأخ لي بدافع المحبة فهل يجب أن أتخلّى عن هذا العمل الصالح؟

- أجل يجب التخلي عنه. ذلك لأنّ أفكارنا الصالحة التي تتوارد على ذهننا خلال “الصلاة” تأتي إلينا أو يستعملها الشيطان لكي لا نصلي. وإذا تبينّ للشيطان أننا مستعدون لترك “الصلاة” من أجل هذه الأفكار، أرسل إلينا الكثير مثلها وكذلك في الساعة التي أرجأنا إليها صلاتنا. فإن تمَّ له ذلك نمتنع عن الصلاة وبذلك نفقد السبيل إلى التطهّر... والإخوة هم أيضاً لا ينتفعون منا. فإنّ العظة الدينية مثلاً التي نُحِيَتْ الصلاة من أجل إعدادها لن تكون مثمرة، وبالتالي لن يكون للإخوة أي فائدة.

- يحدث أحياناً أننا نعود إلى قلايتنا بعد فقدان العديد من قوانا، مجهدين وقد دبّ نعاس ثقيل، فلا نقوى على الصلاة ولا على القيام بفرضنا المعتاد، فماذا نعمل في مثل هذه الأحوال؟

- ينبغي عدم إهمال “الصلاة” حتى في هذه الأحوال. والقديس سمعان ينصح بألاّ نجعل من خدمتنا للإخوة سبباً يحرمنا من ممارسة “الصلاة”. وإلاَّ فإننا نخسر الكثير وعلينا أن ننأى عن استعمال الأعذار للإمتاع عنها. وهو يقول:

“ينبغي بذل الجهد، بقدر الإمكان، في الخدمة، أما في القلاية فيجب الثبات في “الصلاة” بخشوع وانتباه مع دموع متواصلة. فلا تضع في ذهنك فكرة قائلاً إني -وقد تعبتُ اليوم تعباً يفوق الحدّ- سأقلل من تلاوة “الصلاة”، بسبب الإنهاك الجسدي. فإني أقول لك إن المرء مهما بالغ في قهر ذاته في الخدمة، فإنه في رأيي يخسر شيئاً عظيماً إذا حُرم من “الصلاة”.. والأمر هو كذلك إنّ نصف ساعة نقضيها في “الصلاة” لتضارع ثلاث ساعات نقضيها في نوم يريح من العناء. و“الصلاة” في صورة متقدّمة تريح الإنسان من التعب وتجلب الصفاء. فهي من هذه الناحية دواء منشّط لجهاز الإنسان.

أجل أيها الأب، لُفّوا كل أعمالكم داخل الغطاء الذهبي “الصلاة”. فبينما نسلك بمشقات كثيرة، ويتضايق العديد من الإخوة ويستولي عليهم القلق من العمل الروحي فما ذلك إلاَّ لأنهم يعملون كثيراً بالمنطق العقلي لا بالقلب. وهم يتعبون لكي يصلوا إلى التفكير فيما يجب أن يقولوه. أما نحن فإنّ الأفكار تنبع عندنا كالنهر المندفع بقوة بينا نعيش النعمة الإلهية.

وإن كان الإخوة يتخاصمون فيما بينهم ويتعذّر سيادة السلام فيهم، وإن كنا نتضايق من الاعتداءات المتكرّرة علينا ولا نفرح بسببها، حسب وصية المسيح، فما ذلك إلاَّ لعدم ارتباطنا و“الصلاة” بصلات حسنة.

والقديس نيقوذيموس الأغيوريتي (الآثوسي) يريد أن يُنتخب الأسقف من مصاف الرهبان، متّبعاً بذلك التقليد المرعي طوال قرون. وذلك لأنه سيكون له وجدان رهباني فلا تضايقه الاضطهادات ولا الوشايات ولا الاتهامات ولا الإهانات طالما أنه هو نفسه، أول من يضطهد ذاته الخاطئة ويتهمها. وهكذا يجني كل الثمار التي ذكرنا وأخصها المحبة المرتبطة بالنعمة الإلهية الغزيرة وبموهبة يسميها الآباء موهبة عدم السقوط.

- ماذا تعنون يا أبتِ بالوجدان الرهباني؟

- أعني به طاعة، واتضاعاً، وتوبيخ المرء لذاته، وتعطشاً شديداً إلى “الصلاة”. طاعة للشيخ وللأب الروحي الخاص، واتضاعاً إزاء الجميع، واتضاعاً بنوع أخصّ مرتبطاً بالجهاد من أجل التطهُّر من الأهواء. وألاّ نعمل أعمالاً كثيرة لأننا في هذا الموضوع قد أثّرتْ فينا للأسف بدع أخرى مختلفة. والعمل الأعظم هو أن نتوخى اكتساب الاتضاع والقداسة. فإنْ اكتسبناهما نكون أغنياء حقاً.

إنّ الكنيسة ليست وزارة شؤون اجتماعية. وإنما هي “خزانة النعمة الإلهية” وليس الكهنة موظفين أو ذوي عملٍ اجتماعي رسميّ للعموم. وإنما هم رعاة يرعون شعب الله. وعملهم الرعائي هذا لا يمكن أن يتم إلاّ بالإتضاع والقداسة. وكل عمل اجتماعي لا يتم بالقداسة والاتضاع سرعان ما يزول، في حين يبقى العمل الاجتماعي مهما كان صغيراً ويتَّخذ له أبعاداً عظيمة إذا لازمته حياة مفعمة بالقداسة والاتضاع.

ويجب أن يلازم الاتضاع توبيخ المرء لذاته. فعلينا نحن أولاً أن نضع أنفسنا موضع اتهام. وأما احترام الآخرين لنا فيجب أن ننسبها إلى ذاتنا الخاطئة لا إلى الكهنوت فنحظى بسلام ونعمة جزيلين يغدق الله علينا بهما ونتوخَّى استبعاد كل سبب يدفعنا إلى كُرْه أخينا.

وينبغي أيضاً أن نُقبل على “الصلاة” بمزيد من التعطش فلا نحسبنَّ الصلاة مجرَّد مناسبة بل نعتبرها حياتنا، فنتحرّك داخل الصلاة. وليجرِ خوضنا في علم الإلهيات، وكرازتنا في محيط الصلاة المقدّس. وليكن لنا قانوننا أي فرض صلاتنا نؤديه كل يوم. فلو عاش المرء على هذا النحو لتحقَّق له منه نفع يفوق حدود التصوّر. ومهما صار المرء، سواء قساً أو أسقفاً، فعليه أن يضع نصب عينيه هماً يشغله وهو أن يحذر فقدان صفة الراهب. فقد جاء في كتاب الشيوخ (الغيرونديكون) مايلي:

“رُوي عن الأنبا نيطرا تلميذ الأنبا سلوانوس أنه حين كان يقيم في قلايته في جبل سيناء كان ينظّم حياته بالتناسق مع حاجات جسده. ولما صار أسقفاً لفاران أخذ يقهر ذاته كثيراً ويجهدها في التقشف القاسي. فقال له تلميذه: أيها الأنبا، كنا مقيمين في البرّية فلم تمارس كل هذه الرياضة القاسية. فقال الشيخ: هناك برّية وعوز حيث لا نملك شيئاً، وكنت ملزماً بالعناية بالجسد، لكي لا أمرض، فأطلب ما ليس عندي أما الآن فالعالم موجود والأسباب متوفرة، فإن مرضتُ هنا وجدتُ من يعتني بي. لذلك أمارس كل هذه الرياضات لكي لا أفقد الراهب!”

والحائزون على الوجدان الرهباني، يشعرون عند كل عمل يعملونه، أنهم في حاجة إلى نوال البركة، ويلجأون خلال العمل، أو بعد إنجازه، إلى الأسقف وإلى المرشد الروحي ذي الخبرة، لكي يتفحصه، ويبدي رأيه فيه، ويصلحه عند اللزوم. وهم لا يبتغون مدحاً لما يفعلون. لأنّ من يُكرَم أكثر مما يستحق يخسر كثيراً”.

أجل يا أبتِ، ردّدوا صلاة يسوع في أي مكان تكونون فيه سواء في الطريق أو في السيارة أو في أي مكان آخر، قائلين“يا ربي يسوع المسيح ارحمني” وردّدوا أيضاً “ياوالدة الإله الفائقة القداسة خلّصيني”.

ويجب أن تقوموا بخدمة القداس الإلهي باستمرار بعد استعداد كبير وأن تشتركوا في تناول الأسرار الطاهرة. إنّ كل ما في الخليقة يرنّم لله ويمجده. والكاهن الذي لا يقوم بخدمة القداس الإلهي إن هو إلاَّ نغمة شاذة في هذا الترنيم الممتاز! ويحسن أن ترتلوا بين وقت وآخر القانون الموضوع في التوسل إلى ربنا يسوع المسيح وتمجيده (الموجود في كتاب السواعي الكبير) وكذلك مدائح الرب يسوع (الموجود في آخر كتاب “الحرب غير المنظورة ” الذي وضعه القديس نيقوذيموس الأغيوريتي) من أجل أن يحفزنا على التأمل على الدوام في اسم ربنا يسوع المسيح الخلاصي، الكلّي الحلاوة، المانح الفرح، وباعث كل الصالحات، وأن لا نردّده بالفم فقط، بل بالقلب والعقل أيضاً”.

عليكم واجب الصلاة أيضاً من أجل الآخرين، لأنّ الله أوكل غليكم شعبه ولهذا انتم ملزمون بالاختلاء للصلاة من أجل أن يمنح الله شعبه السلام والإنارة كما فعل موسى العظيم أيضاً...

بحث جوجل في كل الموقع

للأعلى
للأسفل

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع