Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


واصلتُ تلاوة “الصلاة” طويلاً وتذكرتُ أشخاصاً، إخوة لي وأصدقاء يعيشون في العالم وشعرتُ في تلك الساعة بالحاجة على التضرع من أجلهم بحرارة.

لقد دعوني ذات يوم للقيم بخدمة القداس الإلهي في كنيسة صغيرة في الكوخ. ويا له من قداس عظيم.. كنت أعلم أنّ القداس هو علم لاهوت كامل ورؤية إلهية وأنّ القداس أيضاً هو الفصح الحقيقي: والجلجثة وقيامة المسيح. إلاّ أني في تلك الأمسية عشتُ هذه الحقيقة وفهمتها. وقد أدركتُ أنّ القداس هو الحدُّ الأخير لحياة المؤمن يقول نقولا كاباسيلاس: “هذا هو منتهى الحياة فلا تبقى هناك حاجة إلى شيء يتعلّق بالسعادة المنشودة”. أجل إنه سعادة المؤمن العظمى. وهو ما عشته هناك في تلك الأمسية.

كانت بعض القناديل مضاءة في تلك الكنيسة الصغيرة أمام الأيقونات لتبرز وجوه القديسين والسيدة الفائقة القداسة والمسيح وكان المريدون الثلاثة والشيخ ثابتين في كراسيهم العتيقة وكانوا يعيشون السرّ الإلهي (القداس الإلهي) وما كانوا يتابعون الخدمة وحسب بل كانوا يقدّسون معي أيضاً! وكانت صورهم أشبه بأيقونات القديسين المرسومة على جدران الكنيسة وكأنهم قد انفصلوا عن هذه الجدران ليعيشوا الفصح.

وكانت الأصوات رقيقة، ضعيفة، يخنقها الحزن. وكان الترتيل يصدر من أعماق النفس عن قلب جرحه العشق الإلهي وهناك يمكن تبينّ إنسان العالم بوضوح، ذلك الإنسان الذي لا يعيش بالتنسّك والانسحاق.

أعترف أنّ ذلك القداس الإلهي أوقعني في مشكلة. فإني لم أشعر مرة في حياتي بمثل الحيرة التي انتابتني فيه إلى جانب الفرح العميق الذي نعمتُ به. فقد كنتُ كلما خرجتُ لأبارك قائلاً: “السلام لجميعكم” وقعتُ في مشكلة من الناحية البشرية. فقد كان يجول في ذهني أنّ هؤلاء حائزون على السلام، أما أنا ففي مسيس الحاجة إلى حياة السلام. وعندما كنتُ أوجه إليهم البركة الرسولية “نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن مع جميعكم” كنتُ أعلم جيداً ما كنت أفعل... فلقد كنتُ أرسل بركة ونعمة إلى هؤلاء الممتلئين نعمة. وكنتُ أقول “لنضعْ قلوبنا فوق” لقوم وضعوا قلوبهم في السماء لتظلّ هناك إلى الأبد. لقد كنتُ أنا وحدي الإنسان الذي ينبغي أن توجه إليه هذه الدعوات في القداس.

ولقد أدركت في القداس أيضاً حقيقة وجودي في الخطيئة حين شرعتُ في تلاوة إفشين “ ليس أحد من المرتبطين بالشهوات واللذات الجسدانية مستحقاً أن يتقدّم إليك أو يدنو منك أو يخدمك يا ملك المجد...” واستولى عليَّ خشوع وانسحاق حين قلتُ “أنظرْ إليّ أنا عبدك الخاطئ والبطَّال، وطهّرْ نفسي وقلبي من الضمير الشرير، واجعلني كفؤاً بقوة روحك القدوس أنا اللابس نعمة الكهنوت لأن أقف لدى مائدتك المقدّسة، وأخدم جسدك المقدّس الطاهر ودمك الكريم، لأني إليك أتقدَّم حانياً وطالباً إليك، فلا تصرفْ وجهك عني، ولا ترذلني من بين عبيدك، لكن ارتضِ أن تُقدَّم لك هذه القرابين على يدي أنا عبدك الخاطئ وغير المستحق”.

بيْدَ أني شعرتُ بالنعمة أيضاً وقد أضفى الحضور الإلهي على نفسي لذة وعذوبة، بعد أن تطهّرتْ من قبل جيداً بإرشاد الناسك الحكيم وبركته وهي الآن “تُقدَّم” لتكون مسكناً لملك الكل...

ولما حان وقت “الشركة الإلهية” عشتُ لحظات من التأثر العميق بلغ أقصى مداه. فقد اقترب أشخاص متجرّدون من المادة بعد أن مارسوا رياضات التنسك، نيّرون إستمدوا نورهم من رؤيتهم للنور الذي عاشوه، اقتربوا ليشتركوا في الأسرار الطاهرة وليأخذوا نعمة من ملء جسد المسيح.

إنّ “الصلاة” تزيد المحبة قوة وتنميها وكلما زادت اشتعالاً دفعتهم دفعاً إلى مائدة المحبة وقادتهم إلى الإتحاد بالله – المحبة. وبقدر ما يُكثرون من الاشتراك في جسد الرب ودمه الكريمين تزداد غيرتهم في “الصلاة”.

“يتناول عبد الله... الراهب جسد الربّ ودمه لمغفرة الخطايا وللحياة الأبدية”. أجل.. أجل. كانوا يأخذون الحياة الأبدية. “هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يوحنا 17 : 3 ).

إنها لمشكلة حقاً أن تقوم بخدمة القداس الإلهي وتنقل المسيح إلى آلهة بحسب النعمة. فإنّ المسيح حاضر هنا. “إنّ الله بين آلهة متألهين من الله حقاً”.

إنّ أعضاء الإنسان تصير بالشركة الإلهية حاملة نور. فنحن بتناولنا الغذاء السماوي، المنَّ الروحي، لا نحوّله إلى جسد بل الجسد يتحوّل إليه. وكلُّ شيء يصير به نيِّراً!

بعد الشركة الإلهية يقول القائم بوظيفة مرتل، بحسب ترتيب الجبل المقدّس (آثوس) من بعد “.. كل حين الآن وكل الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين” ما يلي: “آمين. آمين. لغفران الخطايا وللحياة الأبدية. ليمتلئ فمنا تسبيحاً يا ربّ لكي نترنّم بمجدك. لأنك أهّلتنا للاشتراك في أسرارك المقدّسة الطاهرة، عديمة الموت، فثبِّتْنا في تقديسك لكي نتأمل عدلك كل النهار. هلليلويا.. هلليلويا.. هلليلويا”. فإنهم من أجل هذا يشتركون (يتناولون) لكي يعيشوا كل يومهم مع المسيح ويتأملوا اسمه القدوس المشوق إليه جداً.

وعند نهاية القداس يقرأ أحد الرهبان صلاة الشكر لله بعد الشركة المقدّسة. وفيها يدرك المرء جيداً بعد تلك اللحظات المؤثرة معنى الأدعية التي وضعها الآباء القديسون ومنها ما جاء في التضرع إلى ربنا يسوع المسيح: “هَبْ أن تكون هذه لي أنا أيضاً لاستنارة عيني قلبي، وللازدياد من نعمتك الإلهية، والتأهل لملكوتك، حتى أذكر نعمتك على الدوام وأنا محفوظ بها في تقديسك، ولا أعيش بعد الآن لذاتي، بل لك يا سيّدي والمحسن إليّ”.

ومنها التوسّل إلى سيدتنا والدة الإله الفائقة القداسة التي يكرّمها الرهبان بنوع خاص: “... يا من ولدتِ النور الحقيقي، أنيري عيني قلبي العقليتين، يا من ولدتِ ينبوع عدم الموت، أحييني أنا المائت بالخطيئة، يا أمَّ الله الرحيم، الحنونة. ارحميني وأعطي قلبي انسحاقاً، وتخشعاً، واتضاعاً في أفكاري، واستعادة في حالة أسر هواجس، واجعليني أهلاً، حتى آخر نسمة، لقبول تقديس الأسرار الطاهرة بلا دينونة. وهبيني دموع توبة واعتراف، لأسبّحك وأمجّدك كل أيام حياتي...”

إنهم يتحدثون عن النور والحياة، وعن دموع التوبة أيضاً.

ومن بعد الشركة الإلهية (المناولة المقدّسة) تزداد الحياة الروحية نمواً. فإنّ المسيح لازم وضروري لمواصلة الرياضة والتقشف.

 إنّ الكنيسة الصغيرة في تلك الليلة كانت بالنسبة إليَّ، الأرثوذكسية بكاملها، سرَّ حضور المسيح وسلَّم يعقوب. ومن أعماق قلبي ندَتْ صرخة “يا له من مكان رهيب، إنه بيت الله. وهذا هو باب السماء”، من هنا يصعد الآباء الأبرار إلى الأبدية وينعمون بها.

قبل قليل شفى الله شللي على يد الناسك القديس. أما الآن فإني إبان خدمة القداس الإلهي في الكنيسة رأيتُ الله وتعرفتُ عليه كما حدث للمخلّع تماماً. فقد شفاه الربّ عند البركة ثم رآه هذا في الهيكل فعرفه وسجد له.

 في تلك الليلة أشرقت... إنها ليلة ليست كسائر الليالي. دعنا نصورها بكلمات أستيريوس:

“أيتها الليلة الأشد بهاء من النهار،

أيتها الليلة الأسطع نوراً من الشمس،

أيتها الليلة الأنصع بياضاً من الثلج،

أيتها الليلة الأجلى بريقاً من البرق،

أيتها الليلة طاردة النوم،

أيتها الليلة معلّمة السهر للصلاة مع الملائكة...”.

إني أعترف بكل توكيد أنّ يوماً واحداً نقضيه في الجبل المقدّس (آثوس) أثمن من سنة بكاملها في التأمل والدرس، وأنّ أمسية في كوخ في مكان بعيد مقفر لأعظم قيمة من شهادة جامعية. وأنّ حديثاً مع أحد النساك لبضع دقائق لهو ملعقة فيتامينات أثمن بكثير من آلاف التوافه التي نأكلها في العالم!

وأعتبر الجبل المقدّس (آثوس) فلكاً للأرثوذكسية لا يقول الكثير وإنما يعيش الكثير. وهو كما قال القديس غريغوريوس بالاماس “قائم وراء حدود العالم وفوق العالميات. وآثوس هذا موطن الفضيلة”. إنه وديان خضراء يانعة للعالم الأرثوذكسي. وكل ناسك فيه مقاومة صامتة ضد روح علمنة إيماننا. لهذا كان ولا يزال ما يقدّم من عطاء عظيماً جداً. وهذا المكان صالح للتوبة، وتتوفر فيه الإمكانية ليعيش الإنسان الأرثوذكسية عيشة اختبار. وبذلك يقدّم آثوس خدمات جلّى للكنيسة وللناس العائشين في العالم.

إن كلّ ناسك في آثوس هو يونان (النبي) بمعناه الحسن، الذي يبدو أنه ذاهب إلى ترشيش (إلى البرية) إلا أنّ “الحوت البحري” أي (نعمة الله) يقوده إلى نينوى المدينة العظيمة (أي إلى العالم) لكي يكرز بالتوبة أي بالعودة إلى الله.

“حسن أن نكون هنا ونصنع ثلاث مظال”، أما أنا فلم يكن لي مظلَّة هناك وبعد أن أخذتُ كنز “الصلاة” الذي شرحه الشيخ لي، كان عليَّ أن أسرع إلى العالم الكبير لكي أمطره بقدرة “الصلاة”، معلناً في كل أنحاء اليونان عن الكنز الثمين الذي يملكه الجبل المقدّس (آثوس). ولستُ أقصد بهذا الكنز ما في آثوس من نفائس أثرية ذهبية رائعة ومن ملابس كهنوتية مزركشة بالذهب ولا من مخطوطات قيّمة مكتوبة بروائع الخطوط وإنما أقصد الكنز الذي تملكه “الصلاة” المفعمة بالنعمة الإلهية ذات القوة التي أبدعت كل ما سبق ذكره في هذا الكتاب.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع