Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الآن وقد أشرفتُ على النهاية، أشعر بالحاجة إلى توجيه جزيل شكري وعميق إجلالي إلى الثالوث الكلي القداسة، لأنه فتح عينيّ وأعانني لكي أرتبط روحياً بالجبل المقدّس (آثوس) بيت الفضيلة، وأن أعرف فيه أناساً مقدَّسين يحيون حياة إلهية بشرية، “يحيون على الأرض لكنّ سيرتهم في السماء”. وبتعرّفي عليهم وحديثي معهم وتزوّدي بنصائحهم وجدتُ بُعد آخر في الحياة الروحية. فلقد عرفتُ حرية الروح وفعالية خلاصي بعيداً عن الكلام بالأخلاقيات والتقويات المصطنعة العقيمة، وشعرتُ في قرارة نفسي برسالة المسيحي.

وإني لمدين بشكر لا يُحَدّ للنعمة الإلهية، لأنها جعلتني أهلاً لتدوين هذه المحادثة التي جرتْ في جبل آثوس. ولا ريب أنّ هذه الكلمات المدوّنة تقصر عن عرض ذلك الحديث المقدَّس الحيّ عرضاً وافياً، طالما أنّ الكلمات هي بحد ذاتها ضعيفة، وكثيراً ما تكون غير مناسبة لتعبّر تعبيراً كاملاً عما دار في المحادثة. بيد أنّ القليل المدوَّن في هذا الكتاب قد يتيح للقارئ أن يستشفّ إلى حدّ ما، ما أثارته تلك المحادثة المقدّسة من تخشع وانسحاق. وإني لعلى يقين أنّ هذه الأفكار القليلة قد تساعد البعض بطريقة ما، ويقيني هذا يؤكده ما حدث لي وهو أنّ الشيطان حاربني كثيراً خلال تدويني لهذه المحادثة. فقد شعرتُ بأنه موجود بالقرب مني وهو يحاول بكل حيلة أن يثنيني عن المضي في عملي هذا. غير أنّ النعمة الإلهية قد آزرتني في إنجازه.

إنّ الأرثوذكسيين جميعاً يعلمون أنّ خلاصنا ممكن وتعود إمكانية التأله إلى أننا مخلوقون بحسب صورة الله، وأنّ صورة الله موجودة. إنها يسوع المسيح الله- الإنسان.

وينبّه كثير من اللاهوتيين الأرثوذكسيين إلى حقيقة هامة، ألا وهي أنّ يسوع الله الإنسان هو الحل لكل المعضلات الأنثروبولوجية والمسيحانية (الخريستولوجيا) هي قاعدة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان). ويوم كان الآباء القديسون يناضلون ضد البدع، ما كانوا يفعلون بدافع الكره للإنسان، وإنما كان حافزهم حب الإنسان. ويوم كانوا يجاهدون في سبيل صيانة التعليم عن الله- الإنسان خالياً من كل تزييف أو تحريف، فإنما كانوا يفعلون ذلك من أجل خلاص الإنسان. وإلاّ فإنّ إمكانية خلاصنا تضيع بأضاليل البدع وبخاصة ما يدور منها حول شخص الله- الإنسان.

لقد اتّحد- بحسب التعليم الأرثوذكسي- في أقنوم الله- الإنسان، الله التام، الله الحق والإنسان الحق. وذلك “بلا اختلاط، ولا تغير”. واتحاد الطبيعيتين هذا يقدّم لنا إمكانية التأله والرجاء في تحقيقه. لقد ألَّه يسوع اللُه الإنسان، الطبيعة َالبشرية التي أخذها من مريم البتول(بدون خطيئة) ومجَّدها. ويبقى الآن أن يتأله البشر (من يريد منهم الخلاص). وهذا ممكن بالتوبة والسعي من أجل أن يرتبط المرء بـ الإله-الإنسان، بيسوع المسيح، ويحيا فيه. والتطهّر يأتي بإشراق النور والإتحاد بالمسيح. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي “حيث التطهّر يكون إشراق النور، ولا يُعطي الثاني بدون الأول”. وهذا على كل حال هو معنى التجسد الإلهي، تجسد الله الكلمة. لم تتجسد الطبيعة الإلهية وإنما الذي تجسد هو أقنوم الله الكلمة. قال مرقس الناسك“إنّ الكلمة صار جسداً (إنساناً) لكي يصير الجسد (الإنسان) كلمة”.

والله- الإنسان يستطيع أن يخلّص الإنسان ويقيم الصورة التي سقطتْ منذ القدم. أجل إنّ الإنسان ليستطيع الآن أن يصير إلهاً- إنساناً بواسطة المسيح الله- الإنسان. وكما أنّ الله الكلمة صار إنساناً بحسب التدبير، يستطيع الإنسان أن يصير إلهاً، بحسب النعمة.

وقد جرت العادة أن نشدِّد على الثمار الأخلاقية في عيد مولد المسيح، تلك الثمار التي نبعتْ من مولد الله- إنسان أعني السلام والمحبة والاتضاع الخ. وكل هذه لا تزال قائمة لأنَّ الطبيعة البشرية اتحدت بالطبيعة الإلهية فحظيتْ بالسلام والفرح والنعمة، فالله- الإنسان فادينا قد وُلد. “لأنه وُلد لنا مخلّص”. أجل لقد وُلد لنا الله-الإنسان فيسوع ليس حامل نبأ خلاصنا وإنما هو الخلاص عينه. وليس زائراً على عجل مرَّ بأرضنا التاعسة، وإنما هو الرأس الذي يجتمع فيه الكل من جديد. إنه خلق العالم من جديد. هو الأصل السليم الجديد الذي يحيي الطبيعة البشرية بعد أن أسقطنا في المرض أصلُ آدمَ، الخاطئ القديم. وقد نقل إلينا الحياة، لكي نستطيع أن نكون “زيتونة صالحة”. فلا خلاص للبشر خارج الله-الإنسان. فإنّ في الابتعاد عنه تعالى تغرّب وحرمان وسقوط من الأنسنة. ومن لا يعيش مع المسيح يبتعد عن الله، وعن ذاته هو، وعن قريبه ويعتبر الله غريباً عنه ومجهولاً، وتتحوّل ذاته إلى حيوان متوحش. قال القديس مكسيموس المعترف: “إذا نأى العقل عن الله صار محباً للشهوات بهيمياً أو متوحشاً ولهذا يمسي معادياً للناس”.

ولا يكون القريب بالنسبة إليه مصدر فرح له بل سبب عذاب. وهكذا يَفْسُدُ بعيداً عن الله-الإنسان ويتفكك، ويتجمَّع في “زُمَر” ويمسي على صورة الوحش الذي ورد ذكره في سفر الرؤيا وهذا الوحش هو الشيطان. وينتهي إلى حالة يشذ فيها عن الطبيعة وهي حالة الصفر”.

وقد وصف اللاهوتي الصوفي نقولا كاباسيلاس الإنسان المبتعد عن الله بأنه “غير كائن” وهو أيضاً “عدم” لأنه مفتقر إلى “الوجود بحسب المسيح”. فمن يعيش في الله-الإنسان هو الإنسان الصحيح . وعلى هذا نستطيع القول إنّ كل إنسان يقدر أن يكون إلهاً وإنساناً أو وحشاً وإنساناً. وهذا يكون نهاية التاريخ أيضاً.

فيلزمنا أن نَتَمَسْحَن وأن نتكلْمن (أن نصير مسيحاً وكلمة). ويحدث هذا إن عشنا في الكنيسة واشتركنا في أسرارها. لأنّ الكنيسة- كما يقول كاباسيلاس- يُفهم معناها وتدرك أهميتها في الأسرار المقدّسة لا كرموز بل كأعضاء بالقلب وكأعضاء في أصل نبات، وكما قال الرب “كأعضاء في كرمة”. ويمكننا التوصل إلى هذا باللهج باسم يسوع في تريدنا “للصلاة” “يا ربي يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني”، طالما أنّ هذه “الصلاة” مرتبطة بنوع أخصّ بالشركة الإلهية (المناولة المقدّسة) ارتباطاً وثيقاً.

هنا في هذه “الصلاة” القصيرة تمكن ثيولوجيا كنسيتنا المقدّسة الأرثوذكسية. لهذا ينبغي أن نذكر على الدوام اسم يسوع المفرح، الكلي العذوبة.

وليست “الصلاة” وقفاً على الرهبان وحدهم دون سواهم. ولا ريب أنّ لهؤلاء إمكانية جعل “صلاة يسوع” ملازمة لحياتهم باستمرار. غير أننا نحن الخطأة قادرون أيضاً على ترديدها.

ومن الخير أن نخصّص للصلاة وقتاً محدَّداً، وأن نشرع في ترديدها لمدة عشر دقائق في الصباح، وعشر أخرى في المساء، بشرط أن يتم ذلك بلا توقف فإنّ لهذا التحديد، ولو لمدة وجيزة ، أهمية كبرى. ثم تزداد هذه المدة بمرور الزمن لكي تملأ النفس والشفتين حلاوة وعذوبة... ولنحاول أن نتلو الصلاة أيضاً خلال سيرنا في الطريق وقبيل النوم وكلما سنحت لنا الفرص...

أما الأزواج أو أفراد الأسرة جميعاً، فيحسن أن يتلوا“الصلاة” في الصباح والمساء لمدة لا تتجاوز الدقائق ويقوم أحد أعضاء الأسرة بتلاوته بصوت مسموع هادئ، رصين. وقد مارس هذا الدعاء كثير من الأزواج والأسر فحدثتْ لهم عجائب...

ومن يرغب في المضّي قُدُماً في العمق أكثر، يلزمه مرشد من ذوي الخبرة. وعلينا أن ننسّق في الوقت عينه، حياتنا ووصايا المسيح، لأنّ شخص المسيح مرتبط بعمله وتعليمه، فإذا طبقنا وصاياه في سلوكنا نلنا النعمة وحظينا بالثالوث الأقدس. قال القديس مكسيموس المعترف: “من يقبل إحدى الوصايا ويعمل بموجبها كان له الثالوث الأقدس سرياً”.

إن كنتَ يا أخي قد وجدتَ في الأفكار الواردة في هذا الكتاب ما ينفعك فتكرَّم بالصلاة من أجلي أنا كاتب هذه الحادثة، لكي أتوب وأجذب إليّ رحمة إلهنا، وأحيا “في الله-الإنسان”، أحيا “في الكنيسة” ولكي أعيش إلهياً وإنسانياً. إني أتوسل إليك من كل نفسي.

المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع