Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


المقدمة (*)

ينشد الإنسان النجاح والسعادة باشتياق. ولا حرج في ذلك لأن هذه الرغبة جزء من طبيعته، ولكن كل نجاح على الأرض ناقص، وكل سعادة في العالم خيال. والرغبة التي فينا نحو السعادة لن تخبو نارها المستعمرة بملذات العالم. وكما أن العطشان لا يرتوي إلاّ من المياه هكذا النجاح والمسرّة لا يكملان إلاّ في الله.

إنّا نسرّ بالأشياء فنطلبها، ولكن أنّى لنا أن نسعد بها؟ لأنه قلّما نحصل عليها كما نحب. وإن حصلنا فلا تدوم، وإن دامت فسرعان ما تزول رغبتنا فيها. وإن دامت رغبتنا فنشقى لأنا نطلب المزيد. لقد كان سليمان غنياً حتى أن آنية بيته كانت من الذهب الخالص. وكان حكيماً حتى أن الملوك والحكماء أتوا من أقاصي الأرض ليسمعوا حكمته ويروا مجده. ولكن لم يسدّ كل هذا الفراغ قلبه فعاد أدراجه واعتبر أن كل ما في العالم باطل وقبض الريح: (جميع الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن) (جامعة 7:1). إذ أننا غرباء في الأرض، نسير كسوّاح نحو وطننا السماوي في ملكوت الله فلا نسعد بما في هذه الدنيا سعادة كاملة. ولو ملكناها كلها فالقلب البشري لا يشبع إلاّ من حب الله الذي يستطيع أن يملأ النفس ويسعدها ويسدّ كل احتياجها ويروي ظمأ رغباتها. فهل توّد أن تملأ فراغ قلبك؟.. كن مسيحياً أرثوذكسياً وحوِّل قلبك نحو الله الذي انفصل منه بسبب خطاياك.

والخطيئة حقيقية لا تُنكر، يعترف بها كل من فحص قلبه. لأن البشر جميعاً حتى الذين ليس لهم نور الوحي، يشعرون بخطاياهم ويعترفون بنقصهم وعجزهم عن القيام بما كُلِّفوا به أدبياً، بأنهم مطرودون من دائرة رضى الله. كما أن كل إنسان يسلّم بأنه عديم الصلاح أمام الشريعة الإلهية بيد أنه لا أحد يميّز قوة الخطيئة وشدة فعلها فينا كالمؤمن الحقيقي الذي فداه المسيح من تسلط الخطيئة المطلق عليه. لأن الشريعة تفعل فيه فعل المؤدِّب لتأتي به إلى المسيح. وهذا (أي المسيح) يعلّمه سماجة الخطيئة وشدة لزوم التخلّص من عبوديتها. كما أن النعمة ترشد المؤمن إلى معرفة حقيقة الخطيئة، واختباراته توضح له نجاسة قلبه وشدة ميله إلى الشر، فيضحي شاعراً أكثر من غيره بأنه محتاج كل الاحتياج إلى معرفة النعمة الإلهية وفيض المراحم والحب، وإلى دوام التكفير لتستر الخطيئة، وإلى تجديد الروح القدس لينال المناعة ضد ارتكاب الشر ويكون أشد تسليماً بلزوم طريقة الفداء التي عيّنها الله لإنارته وتجديده وتقديسه وخلاصه من لعنة الخطيئة وتسلطها عليه. فالمتجدد هو من يعترف بخطاياه حق الاعتراف ويشعر بقوة الخطيئة فيه.

إن المسيح أخلى ذاته ليرينا أن أصل الداء هو في التعلق بذواتنا. وصُلب بواسطتنا ولأجلنا ليرينا ماذا تفعل الخطيئة والأنانية بالمحبة. ولينزل دمه الذكي مجدداً عهد المحبة فنعود إلى الله الآب من بعد ما كان قد تملكنا الشر الذي فصلنا عنه والشعور بالذات الذي أعمى عيوننا فلم نرجع لنرى حبه. ونحن مفتقرون إلى هذا التغيير لأننا لا نحب القداسة ولا نرغب فيها. لذلك نحن نحتاج إلى تجديد كلي تنشأ منه حياة جديدة يتغيّر فيها القلب والروح كما قال داود: (قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في أحشائي) (المزمور10:50).

إنه تغيير فجائي يتم حالاً حينما يتممه الروح بعمل قوته الفائقة الطبيعة وبهذا نميّز التجديد من الاقتناع العقلي والاستنارة الداخلية بأنه (أي التجديد) إيجاد حياة جديدة وإقامة الميت إلى الحياة. وهو عمل سري لا يُدرَك، من أفعال الروح.

إن النفس المتجددة ترجع إلى الله بالتوبة والإيمان فتتبرر وتعيش عيشة جديدة وتتقدس وتتحد مع المسيح. ويصحّ القول أن المسيح والنفس المتجددة يصبحان واحداً في حالتهما الروحية متّحدين كاتحاد الغصن بالكرمة.

إننا لا نستطيع أن نرجع إلى الله من تلقاء ذاتنا، إنما بيسوع المسيح. لأن خطايانا أصبحت حاجزاً يمنعنا من الوصول إليه. ولكن المسيح قد أحبّنا ونزل إلى الأرض آخذاً جسدنا، ومات عنّا ليحطّم هذا الحاجز ويدخل بنا إلى الله. والآن بما أن لنا يسوع المسيح مخلّصاً ومحرّراً، نستطيع أن نرجع إلى الله فندخل ملكوت السماوات، ولكن ما لهذا الملكوت سوى طريق واحدة هي الطريق التي سلكها يسوع نفسها لما عاش على الأرض. وقد قال: (أنا هو الطريق، من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني) (يو6:14 ومرقس 34:8).

لذلك كان لزاماً على كل مسيحي أرثوذكسي بل على كل بشري أن يعرف كيف يجد هذه الطريق وكيف يدخل فيها. وإذ نتحدّث عنها نجد أننا لا نستطيع أن نوضحها تماماً. لكن ثقتنا بالرب يسوع المسيح الذي صنع من الطين شفاء أن يحوّل بالصلاة نفس القارئ، فيرى في هذا الإيضاح البسيط نوراً لبصيرته وحرارة لقلبه.

ويقسم هذا الكتاب على أربعة أجزاء:

1- النعم التي وهبها لنا المسيح بموته.

2- كيف عاش يسوع المسيح على الأرض وما احتمل من أجلنا.

3- الطريق التي يجب أن نسلكها إلى ملكوت السماوات.

4- كيف يعيننا يسوع المسيح لنسلك في هذه الطريق وكيف نستطيع أن نتقبل هذه المعونة؟

الفصل الأول: النِعَمْ التي وهبها لنا يسوع المسيح بموته

إن الإنسان الأول خُلق على صورة الله ومثاله. ولكنه شوَّه بإرادته هذا المثال. لقد كان مطوَّباً بهذا المثال وتلك الصورة. فكما أن الله أبدي كذلك خلق آدم لكيلا يموت. وكما أن الله كلّي الصلاح كذلك خلق آدم بلا خطيئة. وكما أن الله كلّي السعادة كذلك خلق آدم سعيداً وليسعد إلى الأبد.

عاش آدم في فردوس جميل غُرس بيد الله، فكان فرحاً بكل شيء، متمتعاً بالصحة التامة دون أن يعرف ما هو المرض. كان يأمر فتطيعه الحيوانات كلها دون أن يرهب أحداً أو يخشى شيئاً ما. كان لا يشعر بوطأة الحر أو شدة البرد بل كان يعمل في الجنّة دون أن يتعب أو يشقى. كان بريئاً لا تشوبه شائبة، يعيش مع الله والله يحيا معه. كان قلبه وروحه مفعمين بمحبة الله ومعرفته. كان دائماً هادئاً سعيداً ذا رغبات صالحة. لقد كان آدم في الفردوس وكان الفردوس في قلب آدم.

خطئ آدم. ولولا خطيئته لعاش سعيداً هو ونسله من بعده. خطئ أمام الله وتعدّى أسهل وصاياه فطرده من الفردوس لأنه لا يعيش مع الخطيئة والخطأة. ففقد آدم حالاً كل السعادة التي عرفها في الفردوس، كما أن نفسه أظلمت، وأفكاره اضطربت، ورغباته اعوجت، وسحابة قاتمة علت كل آماله وخيالاته. فرأى الحزن والضيق عوضاً عن الفرح والسلام. تعب وكدّ واحتاج وتقدّم في الأيام، أزعجته الشيخوخة واضطرب من الموت وأخيراً غلبه الشرّير إلى ملكه العاتي.

لقد أصبحت كل العناصر الأوّلية من هواء وماء ونار مصدراً للخوف عوضاً عن السرور. وبدأ آدم وذريته يشعرون بالجوع ويتألمون من تقلبات الطقس وهبوب الأرياح ويخشون بطش الحيوانات ويقاسون آلاماً من الأمراض التي تعدّدت وينسون أنهم إخوة، فيهاجم بعضهم بعضاً كأنهم أعداء، ويكره ويغش بعضهم بعضاً كأنهم غرباء، ويمضون بعد التعب إلى الجحيم الأبدي كخطأة.

وبما أنه لا يمكن بشرياً ما أن يعوّضنا مما فقده آدم، فقد أحبنا الله إلى النهاية (يوحنا1:13)، وأرسل برحمته ابنه الوحيد يسوع المسيح ليخلّصنا، فصار إنساناً مشابهاً لنا في كل شيء ما عدا الخطيئة.

بتعاليمه تبدّدت الظلمات والأخطاء من الفكر البشري.

بنور إنجيله أُنير العالم وأُعلنت إرادة الله لكل من يريد أن يعرفها وظهر مصدر السعادة الأبدية لكل من يودّ أن يتملّكها.

بحياته أرانا الطريق إلى الملكوت السماوي وبيَّن لنا كيف نسلكه.

بآلامه وموته قضى عنّا ديننا الذي لم نكن لنستطيع دفعه وأنقذنا من عذاب الموت الأبدي وتعاسة المستقبل المظلم.

بقيامته حطَّم الجحيم وفتح لنا باب النعيم الذي أُغلق في وجه آدم بسبب عصيانه، وأعطى الأموات على رجاء القيامة والراقدين في الإيمان عبوراً من حياة أرضية باطلة وفاسدة فانية ووقتية إلى حياة نيِّرة أبدية بلا فساد، وأعطانا نحن الأحياء أن نصرع الشيطان ونطرده بعيداً عنّا. ومجَّد معه بصعوده إلى السماء جنسنا البشري فتباركت طبيعتنا في شخصه المبارك. وأخيراً أعطانا بنعمته وفضله، أن نمضي على ملكوت السماوات ونقتبل كل مساعدة في الطريق التي سلكها الفادي الحبيب ونمتلئ من الروح القدس ينبوع كل مساعدة.

نعم، لو لم يأتِ يسوع المسيح إلى الأرض لما تمكن أحد قط من الدخول إلى ملكوت السماوات. ولكننا قد أُعطينا الآن هذه النعمة المجّانية التي بها نتمكّن من معاشرة الرب إلى الأبد. وإذا كنّا لا نقدر أن نخبر بما أُعِدَّ لنا، لكننا نعلم أننا سنعيش مع الملائكة والقديسين، ونرى الله وجهاً لوجه، ونفرح فرحاً أبدياً، ونملك مع المسيح ملكاً لا نهاية له، (وذلك) إن آمنّا به وتبعنا وصاياه. فكل هذه المزايا توهب للجميع بلا استثناء ما داموا يطلبونها. والطريق إليها واضحة ومعبَّدة.

والآن إذ نعلم أية محبة أحبنا بها الرب يسوع وأية نعمة أنعم بها علينا، فماذا يكون جوابنا لو ظهر فجأة أمامنا وسألنا قائلاً: (يا أولادي، هل تحبونني كما أحبكم، هل تفيض قلوبكم شكراً على صنيعي معكم).

لكن إذا أحببنا الرب يسوع وشعرنا بفضله علينا، أفلا نعمل بوصاياه ونتمّم كل ما يسرّه؟ فإنه لا يطلب منّا سوى أن نتبعه إلى ملكوت السماء. لقد نزل من السماء ليخلِّصنا، أفلا نرضى أن نتبعه إلى السماء؟ لقد احتمل كل الآلام والأحزان من أجلنا، لأفلا نُسّر نحن بأن نحزن قليلاً ونتألم يسيراً من أجل ملكوته؟ فطوبى لمن يتبعه ويكون معه حيثما يكون وطوبى لمن يقتدي به فإنه يعينه ويقوّيه. ولكن ما أشقى من لا يرغب في السير وراءه معتذراً عن نفسه بأن الطريق شاق وهو ضعيف. فإن هذا الإنسان يحرم نفسه نعمة الله التي تقوّى في الضعف.

الفصل الثاني: كيف عاش يسوع المسيح على الأرض وماذا احتمل من أجلنا ؟

يشتمل ناموس الله على وصيّتين: (1- أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قدرتك. 2- وأحبب قريبك كنفسك) (لوقا27:10). ولكن ما وجد من تمم هذا الناموس تماماً إلاّ يسوع المسيح الذي، بإزاء ضياء قداسته التي تشع كالشمس الباهرة تبدو باهتة قداسة أقدس القديسين. لذلك يعسر علينا أن نصف أعماله، لكننا سنحاول بقدر الإِمكان أن نرى ما يعلنه لنا الإنجيل.

لم يوجد من الملائكة أو البشر من أحب الله مثلما أحبه يسوع المسيح. فقد كان يصلّي دائماً إلى الله أبيه ويقضي ليالي كاملة في عشرته على انفراد. وكان يمضي إلى أورشليم في كل عيد ويؤم في كل سبت المجمع حيث يجتمع الشعب للتعليم والصلاة. لقد مجَّد اسم الله في كل أعماله مسبِّحاً إياه في الخفية والعلانية.

لقد احترم والدته، وأطاع عائلته، واحترم الرؤساء والأكبر منه سناً، وواظب على دفع الجزية للإمبراطور الأرضي، بدون أن ينسى أن يتمم بكل سرور واشتياق وحرارة ومحبة وبلا تذمر، عمله الذي أتى إلى العالم من أجله. لقد أحب الجميع. وتمنى الخير للجميع وأحسن إلى الجميع، ولم يفتر عن إسعاد الجميع، محتملاً شكاية الشاكين وإهانة المعاندين، بوداعة وصمت ومحبة دون احتجاج أو غضب. لقد اضطهدوه وأهانوه وهو القادر أن يفنيهم بكلمة واحدة. لكنه أراد لهم كل خير. فأحسن إليهم وصلّى من أجلهم. وباختصار فإن يسوع لم يخطأ لا بالقول ولا بالفعل ولا بالفكر.

والآن دعنا نرى كيف تألم يسوع المسيح من أجلنا. لقد تنازل وأخذ جسدنا وصار إنساناً كاملاً في كل شيء ما عدا الخطيئة. إن الإله يخلي ذاته ويأخذ صورة العبد، وملك السماوات والأرض يولد فقيراً من أم فقيرة في كهف مظلم ويرقد في مذود للبهائم يعوله نجار فقير، ومعطي الناموس يتممه ويختن في اليوم الثامن من ولادته، وفادي العالم كله، تمضي به أمه إلى الهيكل لتفتديه، وواهب السلطان يهرب إلى مصر من وجه هيرودس الذي أراد أن يقتله. لقد رضي أن يطيع وهو المطاع، وأن لا يجد لرأسه مكاناً وهو المنعم على الجميع بكل الخيرات، وأن يخدم ويغسل أرجل تلاميذه وهو الذي يخدمه جند السماء.

يُشتم فيبارك أعداءه ويعلّمهم. يُدعى خاطئاً ومتعدياً الناموس وصديق العشّارين فيغفر ويسامح. أراد مقاوموه أن يلقوا به من الجبل فجاز في وسطهم. اعتبروا تعاليمه خداعاً يدِنهم. حسبوا قوته التي بها يقيم الموتى ويشفي الأمراض قوة الشيطان فحذّرهم من التجديف على روح الله.

كانت حياته سلسلة من الآلام والأحزان. تألم من الناس ولأجل الناس. وحزن لا لأنهم قاوموه، بل لأنهم يفقدون بذلك الخلاص الذي وهبهم إياه. تألم آلاماً خفية وظاهرة. فسمع أصواتهم مرتفعة بالسخط عليه وعلم فكر قلوبهم الشريرة نحوه. بل رأى أن الكثيرين ممن أحبوه ظاهرياً لم يؤمنوا به. تألم خاصة من الرؤساء والكهنة والكتبة الذين يعرفون مجيئه، ولكنهم يسلمونه للموت كمضلٍّ للشعب، ويوعزون إلى الناس أن يصلبوه ويطلقوا لصّاً عوضاً عن القدوس.

لقد سلّمه للموت أحد تلاميذه بقبلة غاشة وثمن بخس. ومع ذلك فهو وإن كان قد تألم من قوم، إلاّ أنه تألم من أجل جميع الخطأة من آدم إلى نهاية العالم، تألم من أجل أحبائه وأعدائه، تألم منا نحن الذين نهينه بكذبنا وحقدنا ومخالفتنا مثاله.

لقد قرّ قرار رؤساء الكهنة على قتل من يهب الحياة للموتى. ونحن لا نستطيع أن نتصوّر كم قاسى له المجد في الليلة الأخيرة من بعد أن تناول العشاء الأخير إلى أن أُسلم للجند. فقد تألم آلاماً داخلية لا يقدر أحد سواه أن يحتملها، وتساقط عرقه كقطرات دم وهو يصلّي في البستان.

حزنت نفسه بسبب حمل آثامنا من كثرة الخجل على خطايانا التي تراكمت على عاتقه. إنه يبكي إذ يرى تابعيه المرائين أمثال يهوذا، ويكتئب إذ يرى البعض لا يرفض أن يقتدي به فقط، بل ينغمس في الرذيلة والمعصية. إنه يتألم إذ يرى معلَّمين لهم صورة التقوى ولكنهم ينكرون قوتها.

إن حبه لله الآب يتطلب منه أن يفني هذا العالم الشرير ويبيد هذا الجنس الجاحد، ولكن من جهة أخرى يدفعه حبه لأولئك الساقطين إلى أن يتألم من أجلهم ويخلّصهم من الهلاك الأبدي. وفي وسط هذه الأهوال يعبِّر يسوع عما يعتريه بقوله: (إن نفسي حزينة حتى الموت) (متى38:26).

ألقى الجند القبض عليه وقيّدوه كفاعل الشر وقادوه إلى أعدائه ليحكموا عليه، كما أن تلاميذه تركوه وهربوا بعيداً عنه. قدّموه إلى بيلاطس الوالي فأراد هذا أن يطلقه لكن رؤساء الكهنة هيّجوا الشعب لكي يطلق لهم بالحري باراباس اللص (مرقس11:15). أُسلم للجلد والهزء والسخرية، وتألم من الأشواك والمسامير والحربة. وشرب الخمر ممزوجة بالمرارة، وصُلب بين لصين على الخشبة، خشبة العار كمجرم أفّاك. ومات ميتة الخزي الشديدة.

كان يقدر أن ينجو من الموت، ولكنه سلَّم نفسه بإرادته وحده فديةً عنّا، وسمح للذين قبضوا عليه أن يتمموا عملهم بعد أن أرهبتهم حضرته وسقطوا على الأرض.

هذه لمحة عن آلامه من أجل محبته لنا، تلك الآلام التي لا تُدرك عظمتها، وهذه المحبة التي لا نرى حدوداً لها، إلاّ إذا أيقنّا بأن الإله الحقيقي، رب الكون وديّان الجميع يخلي ذاته ويشاء أن يتألم من أجل جنسنا.

الفصل الثالث: الطريق المؤدِّية إلى ملكوت السماوات

إن يسوع المسيح هو نفسه الطريق المؤدِّية إلى الملكوت السماوي، التي لا يسلك فيها إلاّ من تبعه. لذلك فهو يقول: (إن أراد أحد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني) (مرقس 34:8). ويعني بقوله: (إن أراد أحد أن يتبعني)، أنه لا يكره أحداً قط ولا يرغب أن يكون بين تلاميذه من لا يريد بإرادته أن يسلم إليه حياته تسليماً كلياً. أيها المسيحي إن خلاصك وهلاكك يتوقفان على إرادتك. إن يسوع المسيح لم يرتضِ أن يسلبك هبة الحرية الثمينة التي منحك إياها كي تسير في حياتك كما تشاء. فإن أردت أن تتبع يسوع المسيح فسرعان ما تجده يسدي إليك كل العون. أمّا إذا لم ترد فلن يجبرك أحد قط لأنك حر تفعل ما تشاء. لكن احذر أن تهمل دعوته إياك، تلك الدعوة المملوءة من كل محبة. إنه يقرع على باب كل قلب عسى أن يستيقظ أحد وتنمو في نفسه الرغبة في الخلاص.

إنك بحاجة إلى رغبة خالصة وعزم حقيقي لكي تتبع يسوع المسيح. ولن تتأتى لك تلك الرغبة حتى تعرف إلى أين تمضي وما تحتاج إليه في طريقك. لكن كيف تعرف ما لا تودّ معرفته وكيف تفهم ما قد سمعت عنه سماعاً سطحياً ؟ يجب قبل أن تتبع يسوع المسيح أن تتمم ما يأتي:

1- يجب أن تدرس أسس المسيحية، أعني الكتب المقدسة التي بُني عليها الإيمان الأرثوذكسي. ويجب أن تعرف أيضاً من كتبها ومتى كُتبت وكيف حُفظت حتى سُلِّمت إلينا. ثم لماذا تُسمّى كتباً إلهية مقدسة إلى غير ذلك من الأمور، على أن تدرس الكتب المقدسة ببساطة قلب وبلا تحامل أو نقد وبدون أن ترتئي فوق ما ينبغي أن ترتئي. فلا تتدخل في حكمة الله السامية.

إن مثل هذه الدراسة لا تتعارض مع الإيمان لأن من واجب كل مسيحي أن يعرف إيمانه معرفة تامة كيلا يتعرض للشك، فكم من المسيحيّين الذين اعتمدوا باسم المسيح قد هلكوا لأنهم لم يرغبوا في أن يتفهموا أسس الإيمان الأرثوذكسي. ولكن لا يمكن أن يؤدي الجميع هذا الواجب على السواء بل كل حسب قدرته. أمّا المتعلِّم فعليه أن يدرس الحوادث التاريخية التي تبرهن أصول الإيمان ونتائجه، وأمّا البسيط فعليه أن يتعلم على يدي الكهنة والمعلِّمين في الكنيسة، هؤلاء الذين تعهدوا بأن يكرّسوا حياتهم لهذا العمل.

2- عندما تدرك أن الكتب المقدسة هي كلمة الله التي أُعلنت لنا بواسطة الأنبياء والرسل وتوقن بأن الإيمان الأرثوذكسي قد بني عليها لا على أوهام مجرّدة أو خيالات، حينذاك لا تحاول أن تتطلع إلى ما أخفي عنك، ولا تنصت إلى أي تفسير طبيعي يبحث في ما لا يستطيعه العقل البشري، لكي يكون إيمانك حقيقياً وتنمو في الحق والفضيلة. (رومية 3:4- 24).

3- أخيراً حاول أن تحرِّك في نفسك الرغبة في تتميم تعاليم الكتاب المقدس. أمّا إذا لم تكن لك تلك الرغبة فانحنِ عند قدمي المخلِّص واطلب إليه بحرارة حتى يهبك إياها. وحينئذ لا تقاوم نعمة الله عندما تبدأ عملها لخلاصك.

ولتفسير ما سبق من كلام عن الإيمان نورد المثل الآتي:

تصوَّر بناء كبيراً مرتفعاً جداً يبلغ السماء علواً ومدخل البناء مختفياً وينتظر بجواره رفقاء يرشدون الراغبين في الدخول إلى طريق هذا المدخل، كما يعلمون في الوقت عينه كأطباء للمرضى وموزّعين للطعام الضروري للرحلة حتى ذروة هذا البناء. وتوجد في البناء سلالم عديدة لكي يكون لكل رحّالة أن يتسلّق سلّماً على انفراد. ولكن السلالم كلها ضيّقة وغير مريحة ومظلمة حتى أنه يتعذر ارتقاء درجة واحدة من درجاتها بدون المرشد وخاصة الدرجات الأولى.

إن هذا البناء من صنع أمهر البنائين وقد أنشأه ليمكِّن الناس من الصعود إلى ملكوت السماوات. وأنت توّد طبعاً أن تذهب إلى هذا البناء لتدخل إلى داخله وتصعد إلى السماء. لكن ماذا ينبغي أن تعمل ؟ ولا بد من أن تختبر البناء باحتراس وتسأل المرشدين عن كل شيء أي تسألهم عن البناء نفسه وكيفية الدخول إليه. وإذا استطعت أن تتعلم أكثر فادرس أساسات البناء واختبر قوة احتمالها. وإذا أردت أن تتعمق أكثر فاختبر المواد التي صُنع منها هذا الأساس.. وابحث في كل ما تراه عينك. وعندما تتأكد أن البناء سليم قوي يمكنه أن يحقق الغرض الذي من أجله قد بني، حينئذ لا تواصل أبحاثك بل دع آلات فحصك عند الباب لأنها لن تساعدك فيما بعد بل بالعكس قد تعيق عملك. ادخل البناء بدون ريبة أو تردد وسر بدون توقف أو خوف من صعوبة الصعود. في الحقيقة إن الصعود أمر شاق فعلاً وخاصة في الدرجات الأولى. ولكن لا تنسَ أنه يؤدي بك إلى السماء مباشرة، إلى تلك التي يطلبها الجميع وينشدها كل إنسان طيلة الحياة. إنك ستقابل داخل البناء مسافرين آخرين يرافقونك وأطباء كثيرين يعتنون بك لدى أي حادث يحدث وخداماً أمناء يقدمون لك الطعام اللازم لهذه الرحلة وأدلاّء مرشدين ومعلمين يخبرونك بكل ما يلزمك. إنك ستقابل كل هؤلاء حتى تلتقي بالسيد موجد البناء. فإن كنت تريد أن تمضي إلى نهاية رحلتك وتترقى في سلمك بخطى ثابتة، سلم نفسك تماماً لإرادة رب البناء ومنشئه.

لكن ألا تعتبر من قبيل العبث أن يحاول إنسان بكبرياء وبثقته بنفسه أو بمكابرته أن يفحص أعلى البناء، الذي يكون في الغالب محجوباً بالسحب، بدلاً من أن يفحص الأساس الذي يراه ؟ ألا تعتبر من قبيل الحماقة أن يرى المرء بعض أجزاء البناء بعيدة بُعد الشقة بين الأرض والسماء، وإذا لم يستطع أن يفحص جيداً ما يراه يحكم بعدم صلاح البناء كله ؟ ألا تعتبر من قبيل الإجرام أن لا يرى المرء شيئاً بمجرد أن يقترب من البناء ولكنه يبدأ ينتقد كل شيء فلا يحفل بالأسس التي وضعها رب البناء عند تصميمه بل يفكر في أسس وقواعد جديدة من وضع عقله ؟ ولا شك في أن الأكثر حماقة من كل هؤلاء هو ذلك الذي يقترب من البناء ويفقد كل رغبة لا في الدخول فقط بل في التطلع إليه.

فإن كنت تشتاق إلى أن تكون في المكان الذي يؤدي إليه هذا البناء، فاكتف بأن ترى الأساس سليماً قوياً. فإن البناء لم يصنع بأيدي الفنانين والعمال بل بيد البنّاء العظيم الذي بنفسه افتتح الطريق إليه وطهّره بدمه وسلكه أولاً. أمّا ما بقي من الأمور الأخرى كالتساؤل: لماذا لم يبنَ بغير هذه الطريقة أو لماذا بني هنا وليس هناك ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة، فهو ليس مما يهمك الآن، إنما عليك أن تسلم نفسك لمشيئة رب البيت واثقاً بمعونته ومحبته لك.

وإذا طابقنا بين هذا المثل وبين المسيحية نجد أن البناء الذي يصل الأرض بالسماء هو إيماننا المسيحي الأرثوذكسي، وأن مهندس البيت وربه هو الرب يسوع المسيح، وأن خدمة البيت هم كهنة والمرشدون والمعلمون في الكنيسة.

والآن دعنا ننظر إلى الطريق التي ينبغي أن نتبع فيها يسوع المسيح. لقد قال: "من أراد أن يتبعني

1- فليكفر بنفسه

2- ويحمل صليبه

3- ويتبعني".

الواجب الأول

إن أول واجبات المسيحي أي تلميذ يسوع المسيح أن يكفر بنفسه. ومعنى الكفر بالذات هو أن نقلع عن عادتنا الرديئة ونُخرج من القلب كل رباطات العالم، وأن لا نرحب بالرغبات الباطلة والأفكار الشريرة بل أن نطردها خارجاً. كما يجب أن نتجنب الفرص التي تؤدينا إلى الخطيئة غير راغبين فيما هو لذواتنا بل فيما يؤدينا إلى محبة الله. إن معنى الكفر بالذات هو كما يراه بولس الرسول: أن نموت عن الخطيئة والعالم لنحيا لله (رومية 11:6).

الواجب الثاني

أمّا ثاني واجبات المسيحي فهو أن يحمل صليبه، والصليب هو الآلام والأحزان والتجارب. وهو على نوعين: صليب خارجي وصليب داخلي. أمّا ما يُقصد بحمله فهو قبول واحتمال كل ما هو غير سار ومحزن وصعب (وذلك) بلا تذمر. فقد يقاومك إنسان ما أو يسخر منك أو يتعبك أو يؤلمك أو يحزنك أو يغضبك أو يقابل معروفك معه بالجحود. وقد لا تجد طريقة لإتمام عمل الخير الذي تريد أن تعمله، إذ قد يحل عليك سوء أو مرض أو احتياج بالرغم من أتعابك في الحياة، أو قد تتورط في صعوبة وتقع في مأزق حرج، فاحتمل كل هذا بلا حقد أو تذمر أو انتقاد أو اعتراض أي بدون أن تعتبر نفسك أنك قد اضطُهدت وبدون انتظار لجزاء أرضي. بل تحمَّل كل شيء بمحبة وفرح وثبات.

وليس معنى الصليب أن نحمل الصلبان التي تلقيها علينا ظروف الحياة والآخرون فقط بل أن نحمل نحن بالذات صلباننا أي أن نحمل نفوسنا صلباناً ونحتملها. وبما أنّنا مسيحيون، يجب أن نكون قادرين على أن ننذر نذوراً ونقطع وعوداً تثقل كواهلنا وتتعبنا، كما يجب أن نتحملها من كل قلوبنا على أن تتفق نذورنا وكلمة الله وإرادته وأن لا تكون حسب أفكارنا وأهوائنا. مثال ذلك أن نصنع الخير إلى جيراننا ونزور المرضى ونساعد من يحتاج إلى مساعدة عملية ونفتش عن الضالين بصبر ووداعة ونواظب على خدمة الجميع بالقول والعمل والصلاة. وإذا عاودك فكر غريب بأنك إذ تحمل الصليب قد أصبحت لست كسائر الناس لأنك ثابت في كلمة الله ومتديِّن، فبادر إلى استئصال هذه الأفكار (5) التي تحطم كل فضائلك.

إن ما سبق ذكره هي صلبان خارجية والرب يطوِّب من يحتملها بحكمة وطول أناة، إنه يرسل روحه القدوس ليقويه ويرشده ويقوده إلى الأمام. لكن هذه الصلبان الخارجية لا تكفي من يريد أن يشابه المسيح، ولا تفيد كثيراً من يريد أن يكون قديساً وتابعاً حقيقياً له. لذلك وجب حمل الصلبان الداخلية أيضاً لكي نصبح تلاميذ أمناء لمن سبق فاحتمل من أجلنا.

إن الصلبان الداخلية الحقيقية موجودة في كل وقت ويسهل حملها أكثر من الخارجية. وما عليك إلاّ أن تنتبه لذاتك وتفحص نفسك بروح التوبة والندامة فسرعان ما تحوم حولك آلاف الصلبان الداخلية. تساءل مثلاً: كيف أتيت إلى هذا العالم ؟ ولماذا تحيا وهل أنت تحيا كما ينبغي ؟ وهكذا انتبه لذاتك فتدرك لأول وهلة أنك خُلقت بيد الله العلي ووُجدتَ لكي تمجِّده بأعمالك وحركاتك وسكناتك وتعظم اسمه القدوس في قلبك ولسانك. ولكنك الآن تجدِّف عليه بحياتك الخاطئة. ثم تساءل: ماذا ينتظرك بعد الموت وفي أي جانب ستقف في يوم الدينونة الرهيب ؟ أعن يمين المسيح أم عن يساره ؟ وهكذا سرعان ما يبدأ يقلق بالك وترتعب. ففي ذلك بدء حمل الصلبان الداخلية. وإن لم تخنق هذه الأفكار بالانغماس في الأمور العالمية والمسرّات الباطلة فستزداد ويتكاثر عدد الصلبان. فكِّر مثلاً في الجحيم تزداد ارتعاداً، وفكّر في فردوس النعيم تَرى ماذا أعدّ الله لك ويصبح هذا النعيم حقيقة تؤثّر فيك فتدرك مدى الفرح الأبدي الذي تُحرَمه بإهمالك وحماقتك.

فإذا عزمت بثبات على احتمال الآلام الداخلية دون أن تفتش عن طريق أرضية لتنسيك إياها، وصلَّيت إلى الله بحرارة ليخلِّصك وسلَّمت نفسك لمشيئته، فهو يبدأ بأن يعلن لك حالة نفسك ويغذيك بمخافته ويهبك ندامة من لدنه لتتنقى أكثر فأكثر.

فبدون مساعدة الله لا يمكننا أن نرى نفوسنا تماماً ولا أن نفطن للأخطار المحيقة بنا. فإن محبة ذواتنا واهتمامنا بأمورنا ونزعاتنا ومشاغلنا العالمية يحجبان عنا حقيقة نفوسنا. وقد أصبح حكمنا على نفوسنا غير مصيب.

إن عدو الخير يستخدم حيله ليمنعنا من رؤية حقيقة نفوسنا كيلا نتغير ونطلب الخلاص. ولكنه عندما يرى أن حيله هذه قد أخفقت يبدأ بمحاربتنا بطريقة أخرى، فيرينا فجأة حقيقة نفوسنا من وجهتها الخطرة كي نشعر باليأس. ولكن لما يُسرّ الله بأن يعلن لك حالة نفسك كما هي فإنك تبدأ أن ترى بوضوح فساد قلبك بالرغم من كل ما فيه من فضائل، وتدرك أن الصدأ يعلو نفسك رغماً عن نشاطها الظاهر، وتجد أنك عبد للخطيئة والشهوات التي تتملكك ولم تدعك تقترب إلى الله، كما تبدأ بأن ترى أيضاً أنه ليس فيك شيء صالح وأن أعمالك الحسنة قد امتزجت بالخطيئة وليست بعد ثماراً للمحبة الحقيقية بل ثماراً لشهوات متباينة وظروف مختلفة. حينئذ تبدأ أن تتألم حقاً ويعتريك الخوف والحزن والتعاسة، الخوف لأنك في خطر الهلاك، والحزن والتعاسة لأنك قد أصممت أذنيك عن سماع صوت الله الحنون الذي يناديك به ليأتي إلى الملكوت السماوي، ولأنك أغضبته بخطاياك زماناً طويلاً بدون مبالاة. وآلامك الداخلية تزداد بمقدار ما يعلن لك الرب حالة نفسك.

والآن إذ عرفت معنى الصلبان الداخلية فلا تنسَ أنها تختلف تبعاً لاختلاف الناس من جهة الاحتمال والميل نحو الفضيلة أو الرذيلة. فقد يكون حملها خفيفاً بالنسبة إلى إنسان بينما تثقل كاهل الآخر. واختلافها هذا يشبه اختلاف حالات شفاء مريض ما بالنسبة إلى حالته النفسية التي قد تكون سبباً في ازدياد متاعب العلاج بالرغم من أمانة الطبيب.

وقد تكون الصلبان الداخلية ثقيلة الحمل حتى أنك تظن أنه لا سبيل للعزاء. ولكن مهما كانت حالتك، لا تيأس بل ثق أن الرب لن يتخلى عنك. إنه يقويّك دائماً من الداخل عندما تفكر أنه لا عون لك. ولا يسمح قط بأن تجرَّب أكثر مما تحتمل. سلِّم نفسك إليه كلّياً واصبر وصلِّ لأنه أب محب يعلم ضعفات كل واحد ولا يلقي صلباناً على الإنسان إلاّ ليشفى وينقي قلبه حتى يتحوّل إلى مثاله.

ومهما كانت همومك فلا تبحث عن العزاء عند الناس إلاّ إذا دلّك الرب على مختاريه. إذ أن من لم يختبروا الأمور الإلهية الروحية هم معذبون ومتعبون حتى في الماديات فكم بالأحرى في الروحيات. فمثل هؤلاء قد يسببون لك الضرر بدلاً من الراحة والعزاء. فأسرع إلى الرب وحده، فهو معينك ومعزيك ومرشدك ومهدئ حياتك، واصلب إليه أن يهبك أن تتحمل الصلبان الداخلية التي تعمل كدواء حقيقي لنفسك وتصل بك إلى ملء قامة يسوع المسيح وتعلن لك إعلاناً خاصاً محبة الله واهتمامه بخلاصك. وطوبى لمن يقع تحت ظلال رحمة القدير إذ تظهر نعمته عاملة في حياته، تلك النعمة التي كثيراً ما نرى خطأ عدم لزومها لخلاصنا.

إن الرب (لا يخذلك ولا يهملك) (عبرانيين5:13)، بل يمس قلبك بنعمته ويتصل بك بعطية روحه القدوس فتشعر بحلاوة في وسط آلامك. فتِّش عن العزاء لديه لا لدى سواه بكل خضوع واستسلام، يعمّك السلام الكامل والفرح الدائم وتجد في نفسك القدرة والقوة للتوجّه إلى الله بصلاة حقيقية مدعومة بالإيمان ويضطرم قلبك بالمحبة الحقيقية لله وللقريب. وإذا وهب الله لك تلك العطية، لا تظن أنها جزاء على أتعابك واهتمامك ولا تفكر أنك بلغت الكمال والقداسة. فما تلك الأفكار إلا وليدة كبرياء نفوسنا. فإذا تأصلت كانت كفيلة بأن تترك أثراً سيِّئاً حتى في من أُعطي قوة لصنع العجائب.

ليست عطية الروح القدس مكافأة ولكنها نعمة وهبة من الله يوليك إياها لتتذوق حلاوة الأمور التي أعدّها للذين يحبونه. وهي تقويك وتثبتك في احتمال آلام وأتعاب جديدة. فأسرع إذاً واطلبها بغيرة وحرارة.

الواجب الثالث

إن الواجب الثالث الملقى على عاتق تلميذ يسوع المسيح هو أن يتبعه. ومعنى ذلك أن يقتدي به في كل أعماله وأقواله ويحيا كما عاش هو على الأرض. مثال ذلك:

إن يسوع المسيح له المجد قد شكر وسبَّح الله الآب وصلّى إليه باستمرار. ونحن هكذا، ينبغي علينا في كل ظروف حياتنا أن نشكر الله ونحبه ونسبِّحه في السر والعلن ونواظب على الصلاة ونعتصم به بالعقل والقلب.

إن يسوع المسيح أكرم والدته العذراء القديسة ومُعيله الأرضي (6) وكل من هم أكبر منه سناً وأطاعهم. ونحن هكذا ينبغي علينا أن نطيع ونحترم رؤساءنا بلا دمدمة ولا تذمر.

إن يسوع المسيح دفع الجزية لقيصر بينما هو ملك الملوك. وما رضي أن يتخذ موقف القاضي أو المقسم للميراث (لوقا13:12) بينما هو ديّان الأحياء والأموات. ونحن هكذا ينبغي علينا أن ندفع الجزية بلا تذمر وأن لا نقلد نفوسنا سلطة ليست لنا ولا ندين لئلا ندان.

إن يسوع المسيح قد تمم بكل سرور وارتياح وغيرة ومحبة ما جاء من أجله إلى العالم. ونحن هكذا، علينا أن نتمم بالطريقة نفسها وبأمانة وسرور وارتياح، واجباتنا التي يفرضها الله والولاة علينا.

إن يسوع المسيح قدَّم نفسه من أجل خلاص البشرية. ونحن هكذا، ينبغي أن لا نضن براحة نفوسنا وأجسادنا، وأن نقدم كل مالنا حتى دماءنا من أجل من أحبنا، وأن نقتدي بالشهداء القديسين الذين بموتهم نمت بذور الإيمان فينا. إن يسوع أسلم نفسه للموت طائعاً مختاراً. ونحن لن نتحاشى عن الآلام والأحزان التي ترد علينا بسبب خدمته وسنتقبل كل شيء عن رضى تام وتسليم كلي إلى من بذل عنا كل شيء.

إن يسوع المسيح غفر لأعدائه كل ما صنعوا به، وصلّى لأجل خلاصهم. ونحن هكذا ينبغي علينا أن نسامح أعداءنا ونقابل بالخير من يؤذينا ونبارك من يلعننا ونحب كل من يقاومنا {متى 44:5 ولوقا 28:6} بقلب مفعم بالإيمان والرجاء بالله الذي يدين المسكونة بالعدل {مزمور13:95} والذي بدون إرادته، لم تسقط شعرة واحدة من رؤوسنا {لوقا18:21}. إن يسوع المسيح، حال كونه ملك السماء والأرض، قد رضي أن يعيش فقيراً. فكان يكسب قوته بعرق جبينه. ونحن هكذا، ينبغي علينا أن نجتهد ونحب العمل ونسر بما هي عليه حالتنا، وأن لا نرغب في كنز الثروة والمال. فدخول جمل في ثقب إبرة أسهل من دخول غني ملكوت السماوات {متى24:19}.

إن يسوع المسيح هو ذلك الوديع الهادئ المتواضع القلب {متى29:11} الذي لم يرغب في مديح الآخرين له. ونحن هكذا، يجب علينا أن لا نفتخر أو نتكبر على أي إنسان. فلا نستكبر أمام الناس ولا أمام نفسك. وإذا فعلت خيراً أو أسديت معونة وإذا كنت ذكياً، نابغاً، ممتازاً، ديّناً، ومفضلاً على كثيرين، فاعلم أن كل ما يستحق الثناء ليس منك بل هو عطية الله الذي أودعها عندك، وثق أن ضعفاتك وخطاياك وحدها هي من زرع يدك.

إن معنى: (أن نتبع يسوع) هو أن نطيع كلامه أيضاً ونسعى ونؤمن ونختبر كل ما قاله في الإنجيل وما تكلم به على لسان الرسل. وعلينا أن نتمم هذا الأمر بشوق وفرح ومحبة، لا عن احتراف أو عادة بل عن بساطة.

ها قد عرفنا الآن كيف نكفر بنفوسنا ونحمل صلباننا ونتبع مخلصنا. فهذه هي الطريق المؤدية إلى الملكوت السماوي التي جاز فيها يسوع المسيح نفسه لما عاش على الأرض. ونحن علينا أن نجتازها.

إنها طريق ضيِّقة وحَرِجَة وملأى بالأشواك {متى 13:7 و14} خاصة في البداءة. ولكنها تؤدي إلى الفردوس مباشرة وتقود إلى السماء، إلى السعادة، إلى الأبدية، إلى الله.

إنها طريق الأحزان ولكن آلاف التعزيات والنعم موجودة في كل خطوة منها. إنها طريق الآلام غير الدائمة، بل يمكننا أن نقول: إنها آلام إلى طرفة عين، ننال من جرائها عطايا أبدية لا تزول.

وسيخف شعورنا بوطأة هذه الآلام التي ستنقص يوماً بعد يوم في مدة محددة، بينما ستتعاظم وتزداد العطية ساعة بعد ساعة خلال أبدية لا نهاية لها.

لا تخش هذه الطريق، فإنها وإن كانت صعبة ضيّقة إلاّ أنها تؤدي إلى السماء، بينما الطريق السهل الرحب يؤدي إلى الجحيم {متى 13:7} وقد يسأل الكثيرون في حيرة قائلين: (لماذا تكون الطريق إلى السماء صعبة هكذا ؟، ولماذا يجب على المسيحي أن يحمل صلباناً ثقيلة كهذه؟). فيكون الجواب :إنها مسرة الله الكلي الحكمة ومحب البشر الذي يعلم ماذا يعمل بنا حين يريد أن نكون تلاميذ حقيقيين ليسوع المسيح. ومع ذلك فإننا سنبيِّن بعض الأسباب الواضحة التي تعلِّل صعوبة الطريق إلى السماء ونشرح لماذا لا يمكن أن نتحاشى هذه الصعوبات إذا كنا نريد الحصول على الخلاص.

- 1 -

إن الملكوت السماوي هو السعادة الأبدية والمجد الأسمى وينبوع الغنى الذي لا ينضب. فإذا كانت الثروة الأرضية تتعب من يريد الحصول عليها فكم تتعب بالحري الكنوز السماوية التي لا تفنى.

- 2 -

إن الملكوت السماوي هو الجعالة الكبرى. ولن توجد جعالة بلا مقابل . فإن كنا نتعب ونجاهد لأجل جعالة وقتية أرضية فكم يكون بالأحرى جهادنا لأجل جعالة أبدية سماوية.

- 3 -

بما أننا نود أن ندعى مسيحيين أي تلاميذ وأتباعاً للمسيح، فينبغي أن نسلك إلى المجد طريقاً سلكها سيدنا من قبلنا.     

- 4 -

إن الجميع يحملون صلبانهم والجميع يقعون تحت الآلام وليس حمل الصليب نصيب المسيحيين فقط بل يحمله المؤمن وغير المؤمن والفرق الوحيد هو أن الصليب يستخدم للواحد كشفاء ووسيلة لاقتناء ملكوت السماء بينما هو للآخر عقاب وجزاء على خطاياه {لوقا40:23 و41}. إن حمل هذه الصلبان يخف تدريجياً عن الأول وتزداد الصلبان حلاوة ثم تتحول في النهاية إلى تيجان للمجد الأبدي، بينما يثقل حملها على الآخر وتسبب له حزناً أشد وتتحول في النهاية إلى عبء ثقيل أبدي.

ولكن ما سبب هذا الفرق ؟ إن السبب هو أن الواحد يتحمل بإيمان واتكال على الله {لوقا40:23 و41}، والآخر يتذمر ويجدف على الله {لوقا39:23}.

أيها المسيحي لا تتجنب الصلبان ولا تتذمر منها بل اشكر يسوع المسيح الذي أعطاك إياها فجعلك أهلاً لمشاركته في حملها.

ولو لم يكن حبيبنا قد تألم لما كنا نستطيع أن ندخل السماء، مهما كان مقدار آلامنا. فلنتألم إذاً، لا كأننا مرذولون من الله ومعاندون لإرادته فنحزن بلا رجاء، ولكن لنتألم من أجل خلاصنا برجاء وعزاء وانتظارِ الجعالة.

فما أعظم محبتك لنا أيها الرب الرحيم، إذ أنك حولت شر هذا العالم إلى نعمة من أجلنا وذخيرة لمصلحتنا ووسيلة لخلاصنا. إن محبتك يا رب تضطرنا أن نتبعك. إنك أتيت إلى الأرض من أجلنا أفنضن عليك بالأرضيات ؟

- 5 -

إن يسوع المسيح قد خلَّصنا بآلامه وموته فنحن إذاً ملك له ولسنا لأنفسنا {كورنثوس الأولى 19:6 و20}. لذا يجب أن نطيع أوامره {مزمور45:104} إن كنا لا نرغب في الهلاك بعيداً عن حضرته. وهو لا يطلب منا سوى أن نتبعه إلى ملكوته السماوي.

- 6 -

إن يسوع المسيح لم يتألم ولم يمت ليعطينا أن نصنع ما نريد بحسب مشيئتنا بل لنسير وفق إرادته السامية. فيا ليت الله يحفظنا من الاهتمام بذواتنا ويقينا من شر إرادتنا التي تبغي أن تسبينا لآخر سواه.

- 7 -

أخيراً دعنا نذكر لماذا لا نستطيع أن نتجنب الطريق الضيقة في سيرنا إلى الملكوت السماوي؟

أ- لأن الخطيئة كامنة في كل إنسان {رسالة يوحنا الأولى 8:1 و10}. وهي جرح لا يندمل من تلقاء نفسه بدون دواء. وهذا الجرح عميق عند بعض الناس حتى أنه لا يدمل بدون كي أو بتر. ولهذا لا يمكن أن يتطهر الإنسان من خطاياه بدون الأحزان الروحية.

ب- إن الله يكره الخطيئة لأنها نجسة. ولن يدخل معه إلى ملكوته من هو نجس أو غير نقي. وإذا كان الإنسان متألماً من مرض داخلي فلا بد له من أن يتوجع ولو وضع في قصر عظيم، لأن أمراضه تتبعه أينما كان. كذلك الخاطئ الذي لم يتب ولم يتطهر من خطاياه، سيتألم ولو جعلته في فردوس النعيم، وذلك لأن سر آلامه كامن في القلب. فحياة الخاطئ جحيم أينما كانت، بينما يفرح التائب، سواء كان في قصر أو في كوخ، في سجن أو على عرش، وذلك لأن سر فرحه هو في القلب. والإنسان الصالح الذي يملأ قلبه من تعزية الروح القدس سيكون في الفردوس أينما كان، (لأن ملكوت الله في داخلنا) {لوقا21:17}. ومهما شذبت أغصان الشجرة النامية فلن تموت (الشجرة) بل بالعكس ستخرج أغصاناً جديدة، ولن تفنى إن لم تقتلع ابتداء من جذورها الثابتة في التراب. وعلى هذا النمط نفسه، لن تمحى الخطيئة المتأصلة في القلب البشري بمجرد الإقلاع عن بعض الرذائل والعادات، لأن لا بد من أن تلاشى جذورها الحقيقية التي عمقت وتوطدت فيه حتى أصبح نزعها مؤلماً. فلنعتمد إذاً على نعمة يسوع المسيح ربنا ذلك الطبيب الشافي الذي أتانا ليقتلع جذور الخطيئة فينا.

رأينا لماذا نتبع يسوع ولا نجتنب الطريق التي سلكها، تلك الطريق التي قطعها القديسون من قبلنا. لكن يتساءل البعض قائلين: كيف نستطيع ونحن ضعفاء وخطأة أن نشابه القديسين ؟

إن هذا الكلام ليس خطأ فقط، لكنه تجديف وإهانة لخالقنا، لأنك إذا اعتذرت عن نفسك بهذه الطريقة فإنك تحسب خالقك غير قادر على تكوينك. فلم يكن جميع القديسين متوحدين بل كانوا مثلنا تماماً مرتبطين بمهام عالمية. وكان بعضهم ذوي عائلات أيضاً. وبما أنهم مسيحيون فلم ينسوا واجباتهم حينما كانوا يقضون أعمالهم ويتممون الواجبات المنوطة بهم في هذه الدنيا. فكانوا أثناء حياتهم على الأرض يسيرون في الطريق المؤدية إلى الملكوت السماوي. كما أنهم كانوا غالباً يقودون آخرين معهم في هذه الطريق. وهكذا، إذا أردنا، نستطيع أن نصبح مواطنين أخياراً وأزواجاً أمناء وآباء صالحين وإخوة محبين ومسيحيين مؤمنين حقيقيين أيضاً.

إن المسيحية لم تكن في يوم من الأيام عقبة كأداء في وجه الناس. إنما هي نافعة في كل الأحوال ومن كل الوجوه. والمسيحي الحقيقي هو من يؤمن بيسوع المسيح ويتبع خطواته في كل أمر. وما الروح المسيحية سوى محبة روحية نقية خالية من الأنانية. إنها تلك المحبة التي هي هبة الروح القدس.

فإن كنت تريد أن تدخل ملكوت السماوات، يجب عليك أن تسير في الطريق التي سار فيها يسوع المسيح، لئلا تهلك.

وإذا سرنا في هذه الطريق متكلين على قوانا الشخصية فلن نستطيع أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام. فتلاميذ المسيح لم يقدروا أن يحملوا شيئاً ما قبل نوالهم قوة من الأعالي. لقد كانوا أولاً يخشون أن يكونوا أتباعاً ليسوع المسيح، أما بعد أن حصلوا على معونته فقد تبعوه بفرح ومسرة. ولم تستطع أية صعوبات أو آلام أن تثني عزائمهم.

والعون الذي يمن به الرب يسوع المسيح على الذين يتبعونه هو عطية الروح القدس الذي يسكن فينا ويرشدنا ويجذبنا إليه ويمنح مواهبه لكل من يريد الامتلاء منه. أما كيف يعيننا الروح القدس لنسلك الطريق فهذا ما سنتناوله فيما يلي.

الفصل الرابع: كيف يعيننا الرب يسوع المسيح لنسلك الطريق إلى الملكوت السماوي وكيف نستطيع الحصول على هذه المعونة؟

إن الروح القدس الأقنوم الثالث من الثالوث القدوس هو الإله المساوي للآب والابن، رازق الحياة والقوة لجميع المخلوقات والعقل للناس والحياة الروحية الرفيعة للمسيحيين. (والروح القدس) هو الذي يرشد الإنسان لكي يدخل ملكوت السماء ويساعده للمضي في هذا السبيل.

نحن لا نأخذ الروح القدس كعاقبة لكثرة مواهبنا لكنه عطية مجانية تمنحنا إياها النعمة الإلهية لأجل خلاصنا. والروح القدس يساعدنا في الأمور التالية:

- 1 -

لما يسكن الروح القدس في إنسان ما يمنحه الإيمان والنور. فبدونه لا يوجد إيمان حي، وبدون نوره يصبح أحكم وأعلم الناس أعمى تماماً لا يرى أعمال الله وطرقه. والروح القدس يعلن لأجهل الناس طرق الله وأحكامه كما يجعلهم يشعرون بحلاوة ملكوت السماء إذ تضاء نفوسهم بنور سماوي يفوق الإدراك.

- 2 -

حين يسكن الروح القدس في إنسان، يولِّد في قلبه المحبة الحقيقية التي تشبه نيراناً نقية تنشر حرارة وضياء وتصبح أساساً لإنشاء كل عمل صالح. ومن يعش في المحبة الحقيقية لن يلاقي أمامه صعوبات بل تصبح لديه كل النواميس بسيطة وعملية.

فلإيمان والمحبة اللذان يهبهما الروح القدس هما أقوى الذرائع (7) التي تسيِّرنا بسهولة وفرح واطمئنان تام في الطريق التي سلكها يسوع المسيح.

- 3 -

يعطي الروح القدس أيضاً قوةً لمقاومة أهواء العالم. فقد يستعمل الممتلئ من الروح القدس ممتلكات هذا العالم إلاّ أنه يستعملها كضيف راحلٍ بدون أن يتعلق قلبه بها. ولكن من ليس له الروح القدس هو دائماً عبد بل عابد (8) لهذا العالم بالرغم من كل علمه وفهمه.

- 4 -

يعطي الروح القدس الحكمة للإنسان. فيه صار الرسل الأطهار حكماء ومتعلمين بعد أن كانوا بسطاء عاميين. وهو يعطي الحكمة لا في الكلام بل في الأعمال والتصرفات أيضاً. فيه يتيسر السير في طريق الخلاص ويمكن تأمل أعماق النفس وفحصها حتى في وسط المهام، ذلك الأمر الذي لا يبلغه الإنسان العادي ولو كان في هيكل الله.

- 5 -

يمنح الروح القدس فرحاً حقيقياً وغبطة قلبية وسلاماً كاملاً يفوق كل تصور.

قد يفرح من ليس له روح. لكن فرحه لا يدوم لأنه فرح غير طاهر وسرور مصطنع أجوف لا يزحزح متاعب الحياة قيد شعرة. وقد يهدأ أحياناً ولكن لا علاقة لهذا الهدوء بسلام النفس. فهو ليس بهدوء إنما هو نوم وغفلة وبئس النفس التي لا تنتبه ولا ترغب في أن تستيقظ من نوم كهذا {رومية11:13 وأفسس15:15 وكورنثوس الأولى34:15}.

- 6 -

يهب الروح القدس التواضع الحقيقي. فالمؤمن لا يستطيع أن يعرف نفسه معرفة صحيحة بدون إرشاد الروح القدس. فهو إذا ما صنع خيراً إلى الآخرين، يظن أنه بار ولا يعود يشعر باحتياجه الروحي. وهكذا يهلك الكثيرون بسبب هذا الاطمئنان الكاذب والشعور بالأمانة والصلاح والثقة بالبر الذاتي. فهم لا يفكرون إطلاقاً في روح المسيحية ولا يطلبون ملء الروح القدس غير مراعين بذلك شدة احتياجهم إليه.

لما يسكن الروح القدس في إنسان ما، ينير قلبه فيرى مسكنته وضعفه الداخلي ويدرك مدى بعده عن الله، كما أنه يكشف له محبته لذاته واعتداده بها في الأمور التي لم يكن ليرتاب في صلاحها.

وبالجملة فإنه يريه كل شيء على حقيقته. حينذاك يبدأ المرء بالاتضاع الحقيقي ويفقد رجاءه بقوته الشخصية وفضائله الذاتية ويرى نفسه أسوأ الناس جميعاً. ومن يتضع أمام الرب يسوع المسيح ويتب توبة حقيقية، مصمماً على أن لا يعود إلى الخطيئة مرة أخرى، ومقرراً أن يعيش حياة جديدة، يضع كل ثقته في الرب ويؤمن أنه بدون مساعدته لن يستطيع أن ينمو في أي عمل صالح.

- 7 -

يعلِّم الروح القدس الصلاة الحقيقية. فبدونه، تتشتت الأفكار أثناء الصلاة ويستحيل تركيزها في أمر واحد. ولا نستطيع أن نصلّي صلاة تسر الله، ولا نعرف ما تحتاج إليه نفوسنا، ولا نعلم ما هي إرادة الله وماذا ينبغي أن نطلب إليه. أما بالروح القدس فيعرف المؤمن إلهه ويوقن بأنه، أي الله، أبوه ويستطيع أن يدنو إليه سائلاً إياه على حسب إرادته. كما أنه يصلّي بأفكار مرتّبة طاهرة ومركّزة في أمر واحد هو الله. وهو يتوقع استجابة الصلاة فيستطيع من ثم أن ينقل الجبال من مكان إلى آخر {متى19:17 و21:21 و22}.

هذه لمحة موجزة عن عطايا الروح القدس التي تمنح كل قدرة على اقتناء الملكوت السماوي. فلنطلب إذاً حياة الامتلاء من الروح. ولنطلب امتلاءً كيوم العنصرة لتنتقل حياتنا من الضعف إلى القوة ومن الظلمة إلى النور. فكيف نحصل على هذا الملء؟

قال يسوع المسيح: (الريح تهبّ حيث تشاء وتسمع صوتها إلاّ أنك لست تعلم من أين تأتي ولا أين تذهب. هكذا كل مولود من الروح) {يوحنا 8:3}. ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نسمع ونشعر ونلاحظ الروح القدس بملئه في قلوبنا وندرك لمسه إيانا وتأثيره فينا. لكنه لا يمكننا أن نخبر متى أو كيف يملأنا.

لقد قبل الرسل عطية الروح القدس من الرب يسوع المسيح أول مرة في وقت محدود لكنهم امتلأوا منه مراراً كثيرة في أوقات لم يسبق لهم أن علموا عنها شيئاً أو علموا بحدودها، لأنها ليست وفق إرادتهم بل حسب مسرة الله. فهم لم يمتلئوا منه اعتباراً لمزاياهم الشخصية ولكن كهبة مجانية بالإيمان والرجاء. وما كانت (مواظبتهم على الصلاة بنفس واحدة) {أعمال الرسل 14:1} وسيلة للامتلاء من الروح القدس بقدر ما أعدتهم لقبوله. ولذا لا يمكن أن يقال كيف أو متى نمتلئ من الروح القدس لأنه عطية الله التي نُمنحها على حسب مسرته. ومن الخطأ أن يعتقد البعض أنهم يمتلئون من الروح القدس بحسب هيئة ما أو في زمان أو أن يخترعوا لنفوسهم طرقاً خاصة يتقبلون بها الروح. فهم يخطئون بذلك ولا ينتفعون شيئاً.

وقبل أن نبين كيف نمتلئ من الروح القدس، يجب أن نشير إلى أنه يستحيل أن يمتلئ منه إلا كل مؤمن يعترف بالإيمان الأرثوذكسي الذي للكنيسة الجامعة، اعترافاً صحيحاً بدون حذف أو زيادة وبلا ارتياب فيما سلمه إلينا الرسل الأطهار وفيما قررته المجامع المسكونية المقدسة وثبته آباء الكنيسة القديسون. لأن كل شك أو نقص في الإيمان يعني عدم الخضوع لله. والنفس التي لا تستسلم لله. لا يمكن أن تكون (هيكلاً أو مسكناً للروح القدس) {كورنثوس الأولى 19:6 وأفسس 22:2}.

أما الوسائل الحقيقية التي نمتلئ بها من الروح بحسب تعاليم الكتاب المقدس واختبارات الآباء القديسين فهي:

1- القداسة ونقاوة القلب.

2- التواضع.

3- الاستماع إلى صوت الله.

4- الصلاة.

5- الكفر بالذات كل يوم.

6- استماع وتلاوة الكتب المقدسة.

7- ممارسة أسرار الكنيسة وخاصة سر الشكر {أي المناولة}.

والنفس تمتلئ من الروح القدس إذا تطهرت من خطاياها ولم تكن مفعمة بحب الذات والكبرياء. فالروح القدس يحيط بنا ويرغب في أن يملأنا، لكنه يجد في أعمالنا وخطايانا حجر عثرة يحول دون امتلائنا.

وخطيئتنا النجاسة الجسدية والكبرياء هما من الأمور التي تصرفه عنا على الخصوص. فإنهما ينفران الروح منا، لأن الكلي النقاوة لا يمكن أن يملأ إنساناً يقيم في الخطيئة ويرفض العطية بقلبه المتكبر. فلن يجد الروح في قلوبنا مسكناً له، ما دامت مشحونة باهتمامات ونزعات وشهوات مختلفة، نخضع لها.

1- القداسة ونقاوة القلب {تسالونيكي الأولى 4:4 و7}

إن كنا لا نريد أن نحزن الروح القدس الذي قبلناه في المعمودية أو إن كنا نريد أن نمتلئ منه مرة أخرى يجب أن نكون أنقياء القلب وأن نحترس من أن ندنِّس الجسد لأن أجسادنا وقلوبنا هي هياكل للروح القدس الذي يود أن يملأ ويمتلك نفس الإنسان النقي القلب والطاهر الجسد {تسالونيكي الأولى 3:4- 8}.

فأسرع أيها المسيحي وطهِّر نفسك بالتوبة أي بالكف عن الخطيئة، وبالندامة على ما فعلت، والبدء بحياة ساهرة منتبهة لكي تتمكن من أخذ ملء الروح القدس.

2- التواضع {بطرس الأولى 5:5}

إن أسلم الوسائل لتقبل الروح القدس هي التواضع. فمع كونك أميناً وصالحاً وعادلاً ورحوماً ومع إتمامك وصايا الله، لا بد لك من أن ترى دائماً نفسك أنك عبد عقيم {لوقا10:17} ولست سوى أداة بيد الله التي تعمل فيك.

إذا فحصنا بتدقيق أعمالنا الصالحة وفضائلنا الظاهرة وجدنا أن أغلبيتها فضائل غير مسيحية. فمثلاً كم مرة نؤدي عطايا لإخوتنا للمجد الباطل أو محبة الذات كالفرّيسيين أو لمنفعتنا الخاصة كالمرائين، إذ نعطي الفقير فلساً لننتظر من الله المئات والآلاف ؟

إن قيمة أعمالنا الصالحة تزداد إن سلّمناها بثقة تامة لإدارة وتدبير الصائغ الأعظم الذي يصوغها وينقيها كما يظهر الصائغ قيمة الذهب بفعل يديه.

أيها المسيحي، واظب على أن تكون أميناً، صالحاً عادلاً، رحيماً، مؤدياً واجباتك عن إيمان. ولكن إن أردت أن تعرف قيمة فضائلك فلا تفتخر بها ولا تنظر إليها كأنها ذهب نقي تقتني به كنوز ملكوت السماوات، لأنك لست بالصائغ الغني الذي يستطيع أن يقوّم القيمة الحقيقية لهذه الأمور. وكما أن جمال الصنعة لازم لإظهار قيمة الذهب، كذلك المحبة لازمة لنا لنعرف بها قيمة الفضائل الحقيقية. وليس أية محبة بل تلك المحبة المسيحية المنصفة التي يهبها الروح القدس. وكل عمل خلا من المحبة التي يهبها الروح القدس لا يُعدّ من الفضائل الحقيقية {كورنثوس الأولى31:12 و1:13- 13}. ومن ليس له الروح فهو الفقير المعدم رغماً عن كل ما يظهر من أعمال {رؤيا 17:3}.

وهناك مظهر آخر للتواضع ألا وهو احتمال الأحزان والتجارب بصبر وبدون تذمر ناظرين إليها كجزاء عادل على خطايانا ومعتبرين نفوسنا مستحقين أكثر من ذلك من جراء ما تقوم به أيدينا من أعمال. ونحن نحتاج إلى الكثير منها (أي من الأحزان والتجارب) لنبرأ. كما يجب أن لا نسأل بإلحاح أن تعبر عنا {متى39:26} بمقدار ما نطالب الله بأن يعطينا القوة على احتمالها وأن تكون إرادته لا إرادتنا.

3- الاستماع لصوت الله

يُعطى الروح القدس أيضاً بالمواظبة على الاستماع إلى صوت الله ذلك الصوت الذي يتكلم بوضوح وتحديد ويفهمه كل من له أذنان للسمع. إن الله الآب المحب يكلمك من يوم ولادتك إلى الآن ويناديك ويحذرك ويرشدك ويعلمك وينير الطريق أمامك. فإذا كنت مسكيناً مضطهداً أو إذا ابتليت بموت أحد أقربائك أو كنت مريضاً أو حزيناً أو بائساً بدون أي سبب ظاهر ففي كل هذه الحالات تستطيع أن تسمع صوت الله الذي يوقظ حواسك فلا تعود ترجو بالناس أو تطلب العون والشبع من الملذات العالمية بل تتجه بقلبك إلى الله لأن فيه كفافك وعزاءك.

لكن دعنا نفترض أنك تعيش في سعة ولا تشعر بحزن أو ألم في الحياة بل كثيراً ما تفرح وتبتهج وأنك تفرح أحياناً فرحاً روحياً، فما هذه الحالات سوى نداء من الله يدعوك به إلى أن تحبه وتشكره من قلبك لأجل نعمه الغزيرة. اجعل السيد الرب أمام عينيك لأنه منبع كل النعم وأصل كل المسرات ولا تنس أن تشرح قلب الفقراء إخوة الرب يسوع المسيح كيلا ينساك الله.

من منا لم يسمع صوت الله يكلمه من خلال أمور متنوعة وأحوال مختلفة ومخاطر كثيرة وحوادث متتابعة ؟ فنحن جميعاً نسمع صوته واضحاً محدداً ولكننا لسنا جميعاً نفهمه أو نعمل وفقاً لمتطلباته.

نحن نجتهد غالباً في تخفيف كروبنا (9) بالمشاغل العالمية والملذات الكاذبة بدلاً من الوصول إلى أعماق نفوسنا حيث نقابل القادر على أن يشفينا ويستخدم الأحزان لأجل منفعتنا الروحية.

نحن نود أن نهرب من أحزاننا متذمرين غير راضين بدل أن نسمع صوت الله مصدر كل تعزية.

في الشبع ننساه ولا نشكره ونستخدم عطاياه لإرواء شهواتنا غير المجدية. ونتذمر غير عالمين أن إهمال صوت الملك يُعتبر جرماً لا يُغتفر، فكم بالحري صوت ملك الملوك ورب الأرباب.

إن الرب لا يعود يُسمعنا صوته ما دمنا لا نعير هذا الصوت اهتماماً. فيحسبنا أولاً أولاداً عققة (10) ويدعنا نعمل ما نريد بدون تحذير أو إرشاد، وبذلك تظلم عقولنا رويداً رويداً حتى نصير أشر الخطأة {عبرانيين 7:3- 9 و25:12}.

4- الصلاة

إن أبسط الطرق إلى الامتلاء من الروح القدس هي الصلاة. والصلاة إمّا خارجية وإمّا داخلية. فمن يصلِّي ويركع أمام الله في منزل أو كنيسة هو يصلّي صلاة خارجية. أمّا من يتجه بقلبه ونفسه إلى الله محاولاً حصر فكره في التقدير فهو يصلّي صلاة داخلية. وكلنا يعرف أيهما أحسن وأيهما أجدى.

نحن نستطيع أن نصلّي أثناء العمل وفي وقت الفراغ والأيام العادية والأعياد. إلاّ أنه لا غنى لنا عن المواظبة على الصلاة الخارجية وخاصة الصلوات العامة.

قد يقول كثيرون: لماذا يجب أن أذهب إلى الكنيسة ما دمت قادراً أن أصلّي في منزلي ؟ كما أنني قد أخطأ وأنا في الكنيسة. لكن ما الدافع لهؤلاء إلى القول هكذا ؟ فقولهم ليس من الصواب أو الحق في شيء وإنما هو ناشئ عن الكسل والكبرياء. فقد يحصل أحياناً ويا لسوء الحظ أن تخطأ وأنت في الكنيسة. ولكن هذا الخطأ لا يعزى إلى ذهابك إلى الكنيسة لتصلّي بل لعدم ذهابك بالروح الحق ولوقوفك في الكنيسة لا للصلاة بل للقيام بأعمال تخالف الصلاة تماماً. والآن فلنسال أولئك الذين يعللّون عدم ذهابهم إلى الكنيسة بمثل هذه الأسباب، هل هم يصلّون في المنزل أم لا ؟ إنهم لا يصلّون البتة أو يصلّون صلاة فرّيسية كالتي تفوّه بها الفرّيسي قائلاً: (ألّلهم إني أشكرك لأني لست كسائر الناس الخطأة الظالمين الفاسقين ولا مثل هذا العشّار) {لوقا11:18}.

لذلك يجب أن لا نهمل الصلاة العامة في الكنيسة {عبرانيين25:10}، كما يجب أن نصلّي في مخادعنا {متى 6:6} غير مبالين بعلل أولئك المخدوعين.

فإذا كان الله قد وعد بأن يجعل (قلبه في بيته) {أي بيت الله (الملوك الأول 3:9)}. وإذا كان يسهل على المؤمن أن يصلّي في الأماكن التي خصصت للتقديس والعبادة والتي تحفل بذكريات حضور الرب، فمهما كانت قيمة الأعذار التي يتذرع بها من لا يذهبون إلى الكنيسة فإنها لا تبررهم بل تزيد في إثبات عدم رغبتهم في الصلاة.

لقد قلنا: من ليس له الروح، لا يمكنه أن يصلي صلاة حقيقية. لذا نحتاج إلى الجهاد المتواصل، رافعين عقولنا إلى الله. وهذا الأمر لا يتيّسر لنا فجأة أو بسرعة. وذاك الاختبار لا يصادفنا نحن فقط بل يتعرض له أيضاً أولئك الذين يوجّهون حياتهم كلها للصلاة.

قد يخطر لك أن تبدأ بتوجيه أفكارك إلى الرب. ولكن لا تلبث أن تجدها قد تشتت في اتجاهات مختلفة. ومع هذا كله، جاهد وصلِّ بلجاجة {لوقا1:18 و7} حتى يمنّ الله عليك ويدرّبك على حياة الصلاة الحقيقية التي تأتي بالعذوبة والتعزية للقلب، حتى أن كثيرين من الآباء واصلوا الصلاة ليل نهار بدون أن يشعروا بالوقت مهما طالت حالتهم: فالصلاة لم تكن عملاً مضنياً بالنسبة إليهم بل مسرة.

ليس من اليسير أن يدرك حالة الصلاة الحقيقية أولئك الذين انقادوا لشهواتهم واسكتوا ضمائرهم. فالأمر يحتاج إلى مثابرة وجهاد حتى أنه ينبغي أن نصلّي بلجاجة وحرارة، محتملين كل تعب لكي ندرِّب نفوسنا على محادثة الله، محاولين أن نجمع شتات أفكارنا ونضبطها حتى تستنير قلوبنا بالتعزية الحقيقية، ويملأنا الروح القدس رويداً رويداً. وعندما يرى في جهادنا صراحة ورغبة صادقة، سرعان ما يساعدنا ويعلِّمنا الصلاة الحقيقية.

قد يهون عليك أن تصلّي عند الحاجة وفي التجارب والضيقات، فلا تجعل تلك الفرص تفوتك بل استخدمها لعرض أحزانك أمام الله الذي يأمرك أن تصلّي (بلا انقطاع) {تسالونيكي الأولى 17:5}.

طبعاً، نحن لا نستطيع أن نصلّي صلاة خارجية غير منقطعة لأن علينا تأدية الواجبات المنوطة بنا أيضاً، ولكن كل من شعر بفقره واحتياجه الداخلي لن يكفّ عن الصلاة حتى في أوقات عمله. وكل من تتأجج في قلبه حرارة الرغبة في الدخول إلى الملكوت السماوي يجد الوقت الكافي والفرص العديدة ليصلّي داخلياً وخارجياً. فالنفس الغيورة سوف تجد وقتاً تعبد الله فيه حتى في أشد الأوقات إنهماكاً في الأعمال.

قيل إن الله لا يسمع للخطأة أي لا يعطيهم ما يطلبونه. هذه حقيقة. ولكن لأي فئة من الخطأة لا يسمع الله ؟ إنه لا يسمع لأولئك الذين لا يريدون أنّ يتحولوا أو الذين يطلبون إليه غفراناً وهم لا يغفرون للآخرين أتفه الأشياء {متى 14:6 و15}. في الحقيقة لا يسمع الله لمثل هؤلاء ولا يستجيب لهم.

يا ليتك تسامح من يخطأون إليك ليسامحك الله دَيْنَك ويا ليتك ترحم الآخرين ليسمع الله صلاتك.

يظن البعض أنه لا يمكن أن نصلّي إلاّ من الكتب. وفي الحقيقة ما أحلى تسبيحك الله بالمزامير والأناشيد الروحية {أفسس 19:5}. أمّا إذا كنت تجهلها فيكفيك أن تعرف الصلوات المهمة وخاصة الصلاة الربانية {أبانا الذي في السموات}. لأن يسوع المسيح نفسه قد أعطانا هذه الصلاة لتسد كل احتياجاتنا {متى 9:6- 13}. قُلّ دعاء قصيراً واضعاً فيه كل مشاعرك القلبية وكل احتاجاتك. قل: ارحمني يا رب {لوقا13:18}، اغسلني من خطيئتي {مزمور4:50} يا سيدي يسوع المسيح.. إلى غير ذلك من الأدعية التي ترفع بها قلبك إلى الله في كل أحوال الحياة.

إن عدم فهمنا لحقيقة الصلاة يعوقنا عن أن نصلّي إلى الله الصلاة الحقيقية. فالصلاة ليست مجرد وسيلة لجلب خيرات السماء إلى الأرض بل وسيلة تسمو إليها النفس لتعاشر ربها على الدوام. ويعوقنا أيضاً عن ذلك ارتيابنا في قدرة إلهنا ومحبته. فكثيراً ما ننسى أن سر عدم استجابته لنا يعود إلى عدم استعدادنا لتقبل عطاياه. فلنطلب إلى الله أن يعلمنا كيف نصلّي إليه بإرشاد روحه بلجاجة وانكسار كلي أمام عرش نعمته، نافحين إياه بباكورة أوقاتنا لا بنفايتها، مستعدين قلبها للصلاة بالتأمل الهادئ، ومسلِّمين بعدها زمام حياتنا إلى إلهنا، لنتمكن من سماع صوته الهادئ غير معتذرين بالتعب الجسماني أو الإجهاد العقلي، لأن هذه العوائق تنمو وتزداد إن نحن فسحنا لها مجالاً. ولنتهم بحياة الصراحة في الصلاة، محدّثين الرب بكل ما عندنا بدون مراءاة، كاشفين القلب لله، طالبين إليه أن يعلن لنا حالتنا بأكثر وضوح، محاولين بكل قوانا العقلية أن (نختبر ما مشيئة الله الصالحة المرضية الكاملة) {رومية2:12}، تاركين للروح القدس مجالاً ليعرفنا ويرشدنا في المزامير، إذ لا يتلونها {أي المزامير} بروح الصلاة والتأمل، ولا يعلمون أن الصلاة الكاملة تتجلّى فيها بكل أركانها من اتضاع وندامة واعتراف إلى تمجيد وتوسل وشكر، وأنها تلائم {أي المزامير} كل الظروف وتفيد كل حالة كما تمتاز بصراحتها وبساطتها وسمو تعبيرها وقوتها.

5- الكفر بالذات كل يوم

قال أحد الآباء القديسين: (إذا أردت أن ترفع صلاتك إلى الله فامنحها جناحين هما الصوم والعطاء)، وقبل الكلام عن الصوم دعنا نرى لماذا كان الصوم واجباً ؟ إن الغاية من الصوم هي أن نهدّئ الجسد ونتحرر منه ونجعله أطوع للنفس. لأن الجسد الذي تشعبت رغباته وتمتع بالكماليات والراحة، يقود الإنسان إلى التراخي ويمنعه من التفكير في الله ويصبح كقيود تقيّد بها النفس.

أ- والآن: لنبحث في ماهية الصوم.

إنه يختلف بالنسبة إلى اختلاف حالات الناس. فمن يحيا حياة الترف يباين في صومه من نشأ على حياة بسيطة. فيسهل على البعض تناول أبسط المأكولات ويقدر البعض الآخر أن يعيش عدة أيام بلا طعام، بينما يشعر البعض الآخر لما يصوم، بتغير كبير محسوس قد يكون مضراً. لذا وجب على كلٍ منا أن يعتدل في تحديد صومه على حسب طاقته وأن يعتدل في طلب الطعام محاولين على وجه الخصوص أن لا نشبع رغائب الجسد وأن لا نؤيده فيما يطلب من مشتهيات. فإن هذه ليست ضرورية لحفظ الصحة والحياة.

وإذ تصوم جسدياً يلزم أن تصوم روحياً أيضاً فتكف لسانك عن الشر ولا تتكلم بسؤ عن أي إنسان ولا تنطق بالباطل على أي حال {مزمور14:33} كما أن تقمع رغباتك التي هي أصل كل الشهوات.

إن الأفكار تسبّب الكثير من الآثام. ولا شيء أعسر من ضبط الفكر بل من العسير أن نكبح جماح الأفكار دفعة واحدة، لأنها تشبه حصاناً أسرع من عدوه ولم يسبق له أن دُرِّب. أمّا إذا أُطلق العنان لمثل هذا الحصان فيجري بجنون. وهكذا من يسمح لنفسه بتشتت الفكر لن يستطيع أن يتدبر بحكمة في حياته.

كثيراً ما تعيش كإنسان عادي منهمك في مشاغل العالم وواجباته بدون أن تفكر إلا قليلاً في واجباتك كمسيحي. قد تظن آنذاك أن أفكارك مرتبة ونقية، ولكن بمجرد تفكيرك واهتمامك بخلاصك، تضطرب أفكارك كوعاء سكن فيه الماء زماناً طويلاً فرست ما فيه. ولكن بمجرد تحريكه يظهر عاكراً. هكذا الحال معك.

لما تصمم على تنقية نفسك يهيِّج الشيطان ما في داخلك ليشوِّش عليك كل شيء. ومع كل هذا، قاوم بكل إرادتك وكن قوياً شجاعاً، ولا تيأس ولا تظن أنه من غير الممكن أن ينقي الإنسان أفكاره لأن الله معك. جاهد على قدر استطاعتك واسأل الله العون، والروح القدس سيرى رغبتك الصادقة وسرعان ما يحلّ عليك ويساعدك.

ب- والآن فلنبحث في ماهية الإحسان.

إننا نعني به العطاء للفقراء. وهذه الكلمة تشمل كل الأعمال التي تتضمن فعل الرحمة كإطعام الجائع وإرواء ظمأ العطشان وإكساء العريان وزيارة المرضى والمحبوسين ومساعدة الآخرين وإضافة الغرباء وإيواء من لا مأوى لهم والاعتناء بالأرامل واليتامى إلى غير ذلك {متى35:25- 46 ويعقوب 27:1}. ويجب أن يكون ذلك بلا افتخار وبلا رغبة في مديح الآخرين لتلك الأعمال {متى 1:6 و2} ولا انتظار لشكر أو تعويض من جميل، بل اقتناعاً منك أنك تصنع هذه الأعمال لله، متمسكاً بقول السيد المسيح له المجد: (لا تعلم شمالك ما تصنع يمينك... وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك علانية {متى 3:6- 4}.

إن كلمات السيد المسيح له المجد التي تشير إلى الويل الذي يحل علينا (إذا قال الناس فينا حسناً) {لوقا 26:6}، تحذرنا من توجيه أعمال الخير وجهة يراها الجميع، متعللين بأن الناس يرون أعمالنا الصالحة فيستنيرون بها، غير عالمين بأن كل عمل صالح لا يؤول في نتائجه إلى تمجيد الله عمل باطل، لأنه وإن كان يظهر حسناً، إلاّ أنه لم يؤل إلى تمجيد الله. إذا عزونا التمجيد إلى نفوسنا عوضاً عن الله، حينئذ يجوز أن تحل علينا جميع الويلات. ومن الناحية الأخرى فالمغالاة في الكفر بذواتنا تعوقنا عن خدمة الله. والحقيقية أننا نتعذر بذلك عندما نكون متكاسلين وغير مثمرين.

6- تلاوة الكتب المقدسة

إن أكمل الوسائل التي تهيئ الإنسان لنوال الروح القدس هي تلاوة الكتب المقدسة والاستماع إليها واعتبارها كلمة الله الحقيقية {بطرس الثانية 21:1}.

فهي كنز ثمين نستطيع أن نستمد منه النور والحياة، نوراً يضيء ويرشد كل إنسان، وحياة تنمّي وتسعد وتهدي كل امرئ.

إن الكتاب المقدس من أعظم نعم الله على الإنسان لأن بواسطته يستطيع البسطاء أن يفهموا ويقبلوا حكمه الإلهية.

فلا تعجب إذا وجدت أعظم الفلاسفة بين أولئك الذين قرأوا الكتاب بإرشاد الروح بالرغم من بساطتهم الأولى. ولا تعجب إذا رأيت الكثيرين قد هلكوا مع كونهم متعلمين لأن الأولين قرأوا الكتاب ببساطة قلب وبدون نقد غير قاصدين سوى التعلم منه وطاعة وصاياه، بينما الآخرون نظروا إلى نفوسهم وحاولوا أن يكتشفوا ويتعلموا ما قد حجب عنا عوضاً بدل يقبلوا بتواضع وخضوع إعلانات الله لنا. لذلك تراهم قد سقطوا في وهدة الإلحاد والهرطقة.

أن نفرغ البحر كله في وعاء صغير إنه لأيسر من أن نحيط بكل حكمة الله. لذلك ابتعد عن حكمة البشر عندما تقرأ الكتاب المقدس، واخضع بملء إرادتك لكلمة من يكلمك ولإرادته، والتمس من يسوع المسيح نفسه أن يعلمك وينير عقلك ويعطيك العزم الأكيد لتعمل بموجب ما تقرأ.

يُعتبر الكثير من الكتب العالمية نافعاً ومفيداً. ولكن هذا التقويم لا ينطبق في الكتب الدينية إلاّ على كل كتاب أُنشئ على أساس الكتاب المقدس طبقاً لتعاليم كنيستنا الأرثوذكسية. لهذا يجب أن نتيقظ في اختيار ما نقرأ لئلا تؤدينا تلك الكتب إلى الهلاك.

7- المناولة

قال يسوع المسيح: (من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه. وتكون له الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير) {يوحنا 55:6- 58}. وهو يعني بذلك أن من يشترك باستحقاق في الأسرار المقدسة يتحد بيسوع المسيح اتحاداً سرياً أو بمعنى آخر من يتناول جسد المسيح ودمه بتوبة حقيقية ونفس نقية وخوف من الله وإيمان، يقبل للحين ملء الروح القدس الذي يهيئ فيه مكاناً لسكنى يسوع المسيح نفسه والله الآب {يوحنا23:14}. حينذاك يصبح الإنسان هيكلاً لله الحيّ {أفسس 21:2 و22}.

لكن من يتناول جسد المسيح ودمه عن عدم استحقاق {كورنثوس الأولى29:11} أي بنفس غير نقية وقلب مشحون بالخبث وحب الانتقام والضغينة، لا يفقد عطية الروح فقط بل يصبح مثل يهوذا الخائن أي يكون مثل من صلب المسيح مرة ثانية.

لقد اعتاد مسيحيّو الأجيال الأولى الاشتراك في مائدة الرب في كل الآحاد والأعياد لأنهم شعروا بأهميتها وفائدتها. ولهذا كما كُتب عنهم في سفر الأعمال، (كان لهم قلب واحد ونفس واحدة) {أعمال الرسل 32:4}. فما أعظم الفرق بيننا وبينهم. فالكثيرون بيننا لا يتناولون طيلة سنين عديدة. والبعض الآخر لا يأبه لهذا الأمر قطعياً.

لهذا أرجوك أيها القارئ العزيز أن تنمّي في نفسك الرغبة في تناول الأسرار المقدسة باستمرار، عالماً أن في هذه الشركة علاجاً لنقائصك وأمراضك، وتحريراً لنفسك من عبودية الشيطان، وثباتاً في الرب إلهك ثبات الغصن في الكرمة {يوحنا4:15}.

إن جسد ربنا يسوع المسيح ودمه الكريمين هما قوت {يوحنا 56:6} لنا في الرحلة إلى الملكوت السماوي. فهل من الممكن أن نذهب في رحلة طويلة بدون قوت ؟ إنهما قدس الأقداس المنظور الذي قدمه لنا يسوع المسيح نفسه لخلاصنا. فمن هو الذي لا يرغب في أن يتناول هذه الأقداس ويتقدس ؟ فيا ليتنا لا نتوانى في الاقتراب إلى كأس الحياة والخلود والمحبة والقداسة، ويا ليتنا نقترب بخوف وإيمان حتى نقتني زاداً لطريقنا إلى السماء.

وبالاختصار فإننا ننال الروح القدس بواسطة نقاوة القلب واستقامة الحياة والتواضع والانتباه إلى سماع صوت الله والصلاة والكفر بالذات وقراءة كلمة الله والاستماع لها والاشتراك في جسد الرب ودمه المقدسين.

لا ريب في أن كلاً منها كافٍ لإعداد النفس للامتلاء من الروح. ولكن استخدامها مجتمعةً هو أضمن الوسائل.

إذا كان أحدنا قد امتلأ من الروح القدس ثم وقع في الخطيئة فإنه يحزن روح الله {أفسس 30:4} الذي في داخله. ولكن لا تيأس ولا تتوهَّم أنكَ قد هلكت بل أسرع وارتم أمام الله في توبة وصلاة {مزمور2:141- 3} فيعود الروح القدس ويملأك ثانية.

الخاتمة

بعد أن أوضحت لكم الطريق إلى الملكوت السماوي بحسب استطاعتي يمكنكم بنفسكم أن تروا ما يأتي:

- 1 -

لا يستطيع أحد أن يرجع إلى الله ويدخل ملكوت السماوات إلا بالإيمان بربنا يسوع المسيح.

- 2 -

لا يمكن أن يُدعى الإنسان تلميذاً للمسيح ولو كان مؤمناً به ما لم يعمل ويعش كما عاش المسيح على الأرض. وهو بالتالي لا يستطيع أن يحيا معه في السماء.

- 3 -

لا يستطيع أحد أن يتبع المسيح إلا بمعاضدة الروح القدس.

- 4 -

من يرغب في أن يمتلئ من الروح القدس يجب أن يسير في السبل التي أعطاها لنا الله لهذا الغرض. وأكرر أنه لا توجد طريق إلى الملكوت السماوي سوى الطريق التي أعلنها لنا يسوع المسيح. وهي طريق فردية ولكن لا يوجد سواها لبلوغ السماء. إنها عسيرة لكنها تؤدي إلى السماء مباشرة. ومع الصعوبة نجد أن عون الرب هو في متناول اليد. فالروح القدس يرشدنا وملائكة الله تحرسنا والمعلمون يعلموننا والرب يسوع المسيح يمسك بأيدينا ويحدِّثنا ويقوينا.

إن الطريق تحتاج إلى جهاد {فيلبي 30:1 وتيموثاوس الأولى 12:6}. ومن لم يذق المرارة لا يستطيع أن يقدِّر الحلاوة حق قدرها. إنها متعبة ولكن إذا صلّينا نجد راحة وقوة. وأشد الآلام هنا لا تقاس بآلام الجحيم المعد لإبليس وجنوده. إنها شاقة ولكن إذا كان يشق علينا سلوك الطريق إلى المجد العالمي شاقاً فكم بالحري يكون سلوك الطريق إلى (مجد السماء المزمع أن يتجلّى فينا) {رومية 18:8 وبطرس الأولى 12:4 و13}.

إذا اختبرنا نفوسنا حق اختبار يتضح لنا أن عدم إقبالنا على الطريق إلى ملكوت السماء لا يعود إلى صعوبة الطريق بل إلى فقدان الرغبة الحقيقية والميل الأكيد إلى سلوكه. كما أننا لا نود أن نكلف نفوسنا مشقة البحث عنه. ومن البيِّن أن من رغب في أمر ما رغبة حقيقية، لا بد أن يجدّ في طلبه مهما اعترضته الصعاب والعقبات.

إن رغبتنا ضعيفة جداً ولذلك تخمد حرارة محاولتنا للوصول مباشرة. وسرعان ما نفقد الإيمان والتسليم الكامل إلى الله.

قد يظن البعض أن التوبة كفيلة بإيصال حياتهم لنهاية سعيدة. فيا لشناعة خطأهم. لأنه وإن كانت رحمة الله عظيمة وغير متناهية، وإن كان يسوع المسيح قد قبل اللص الشكور وهو مشرف على الموت {لوقا42:23- 43}، إنما دخول اللص إلى الفردوس كان مصحوباً بالآلام والأوجاع النفسية والجسدية. فقد عُلِّق على صليب العار {لوقا33:23} وتألم كمجرم وفاعل شر. إنما من منا لم يخرق الناموس الإلهي فضلاً عن القوانين البشرية ؟. فإن كانت خطايانا لم تبلغ حد قتل النفوس البشرية كما يفعل اللصوص لكن ما أكثر من قتلناهم بكلامنا وقساوتنا وعدم اهتمامنا بالسعي لخلاصهم.

إن الله يستطيع أن يفرحنا حتى في آخر لحظة من لحظات حياتنا، إذا قدمنا توبة صادقة وتناولنا الأسرار المقدسة. ولكن من منّا متأكد من أنه سيجد لهذه التوبة وقتاً وألماً كافيين لإقصاء الخطيئة عنه ؟ فكم من الناس يموتون فجأة وكم منهم يفقدون كل تعزية في ساعتهم الأخيرة حين لا ينفع نصح أو إيحاء لتقديم التوبة في آخر لحظة من لحظات الحياة ؟

والآن إذا كنت تفكر في الأبدية ففكِّر في مستقبلك فهو إمّا سعادة أبدية أو جحيم أبدي. ولا يوجد للوصول إليهما سوى طريقين، إحداهما (رحبة) ممهدة سهلة (والداخلون فيها كثيرون)، والأخرى (حرجة) وصعبة و(قليلون) الذين يجتازونها {متى 13:6 و14}. ولكن ما أسعد الذين اختاروا شقاء قصيراً ليسعدوا إلى الأبد، وما أشقى من لم يهتموا بخلاصهم وما أرهب يوم دينونتهم (لأن الوقوع بين يدي الله أمر هائل) {عبرانيين31:10}.

افتكر في خلاصك (ما دام النهار) لئلا يدرك ظلام الموت الذي (لا تستطيع فيه عملاً) {يوحنا 4:9}. ولا تؤجِّل التوبة من يوم إلى يوم بل بادر مقبلاً على طريق السماء ولا تخف فإنك ستجد نفسك تدنو إلى الله مهما كان سيرك بطيئاً. سر إلى الأمام دون أن تنظر إلى الوراء فسرعان ما تدهش لاجتيازك الطريق في سرعة لم تكن في استطاعتك، وذلك لأن الرب معك. وإليك هذه النصائح فانتفع منها أثناء سيرك.

- 1 -

لا تعبأ بملاحظة كيف يعيش الأشرار ولا تقسّ نفسك بمثالهم. ولا تردد في ذهنك أنك تسير على غير طريقة سائر الناس، لأن هلاكهم لا يخلِّصك. فأنت لا تستطيع أن تدافع عن نفسك بقولك أنك لست الوحيد الذي سار في طريق البشر. كما أنه من العسير أن ترى الناس وهم يتوبون إن كنت تراهم يخطأون. لذا ليس من شأنك أن تسأل عن غيرك لأنه ليس لك أن تدين غيرك {متى 1:7- 5 ورومية 1:2- 3}، ولأن حكمك على الآخرين مُخطئ جداً، يا من لا تنظر إلى حقيقة نفسك.

- 2 -

قد يقابلك كثيرون بالهزء والسخرية. وربما كان بين هؤلاء أقرب الأقربين إليك وأعزهم لديك. فلا تأبه لهم. فمن قبلك قد هزأ {متى29:27} أمثالهم بيسوع المسيح. ولكنه لم يبد نحوهم أي عداوة بل سكت {متى12:27- 14 ومرقس3:15- 5} وصلّى من أجلهم {لوقا34:23}. فافعل كما فعل هو واقتف أثر خطواته {أفسس 1:5}.

- 3 -

كثيرون من المثقفين لا يريدون السير إلى الملكوت في الطريق التي أوضحها لنا الرب ويتوهمون أنهم يستطيعون دخول السماء بدون هذه الطريق ويرتأون أن هذه الطريق إنما جُعلت لقلة ضئيلة لا للجميع. فلا تسمع لأمثال هؤلاء ولو كان القائل ملاكاً نازلاً من السماء {غلاطية 8:1}. ولا تجادل هؤلاء المخادعين بل ارثِ لحالهم وصلِّ من أجلهم.

- 4 -

قد يصدف أن تقابل من يضطهدك لأجل كلمة الله أو من يثلبك ويشتمك أو يهينك، فاصبر واحتمل بل افرح في ذلك اليوم الذي أصبحت فيه (مستأهلاً) أن تُضطهد (لأجل اسم يسوع) المسيح {أعمال الرسل 41:5}، لأن ما أعظم جزاءك الذي ستحظى به في المساء.

- 5 -

إذا كنت تسير حقيقة في هذه الطريق فإن الشيطان نفسه سيحاربك ويجرّبك بتجارب متنوعة. سوف يوحي إليك بأفكار شريرة أو يشكك في الإيمان أو يؤديك إلى الهرطقة فلا تخشه لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً بدون إذن الله، بل عليك أن تصلّي إلى الرب (فيهرب من وجهك) {مزمور2:67} كالسهم الطائر.

- 6 -

يجب أن تلاحظ أن كثرة الأعمال النافعة لا تنتصب عقبة أمام المسيحي الحقيقي. فالعمل الشاق لا يمنع خلاص النفس بل يساعد عليه لأن البطالة أم الرذائل {أمثال11:12 و24 و4:13 وأفسس 28:4 وتسالونيكي الأولى 11:4 والثانية 8:3- 12}. فهي التي تجعل الناس يدمنون الخمر وهي التي تكوِّن قطّاع الطرق واللصوص. وكل من لا عمل له، يشغل به فكره هو مسيحي سيّء القدوة رديء مهما أبان أنه صالح. وإذا لم يكن من كبار الخطأة فلا غرو أن عناية الله هي التي تتطلع إليه.

فكن مجتهداً ووطِّن نفسك على العمل والجهاد واعمل كل ما هو نافع وضروري لبيتك وتمم واجباتك نحو وطنك. فإذا كانت البطالة أماً للرذيلة فالعمل أب الفضيلة. لأن المنهمك في عمله لا يجد الوقت الذي يفكر في الشر. فهو دائماً منشغل بالواجبات المنوطة به أو بواجباته كمسيحي.

- 7 -

يجب أن تعوّد نفسك على التدرب بحياة العمل. فهناك نوع من الكمال هو الصبر {متى13:25 ولوقا19:21 ويعقوب 11:5 وتسالونيكي الثانية 4:1- 7 و5:3 وتيموثاوس الأولى 11:6} والاحتمال. فالصبر مفيد ونافع في كل الأحوال بل هو أهم الكمالات لمن يريد أن يمضي إلى الملكوت السماوي. وبدونه لا تستطيع أن تخطو في تلك الطريق لأنك ستلاقي أحزاناً وصعوبات وأشواكاً في كل خطوة تخطوها {فيلبي 29:1}. مرِّن نفسك على الاحتمال {يعقوب 10:5} جسدياً ثم روحياً. حينئذ يسهل عليك أن تكون عضواً عاملاً في الجماعة وصديقاً مخلصاً ورب بيت فاضلاً ومواطناً أميناً ومسيحياً صالحاً.

والآن بعد أن ذكرت كل ما استطيع عن الطريق إلى الملكوت السماوي أزيد كلمة واحدة وهي أن من يذهب بغيرة في هذه الطريق سوف يُعطى أضعافاً مضاعفة حتى في هذه الحياة على كل أتعابه وأحزانه ورغباته الصالحة ونياته الحسنة. كما سينتظره ما لا يمكن النطق به. وما لم (يخطر على قلب بشر) {كورنثوس الأولى 9:2}. فلا تخش أن تتبع يسوع المسيح إلى حيث يمضي {متى 19:8}، إنه معين قوي فاتبعه وأسرع ولا تتأخر. هيّا ما دامت الأبواب مفتوحة. ومهما كنت بعيداً الآن فالرب نفسه سيأتي في الطريق ليلاقيك ويقبِّلك ويلبسك أبهى الحلل {لوقا20:15- 24} ويقودك إلى عرشه حيث يسكن نفسه مع أنبيائه القديسين ورسله الأطهار وجميع الشهداء والقديسين. حينئذ تحظى بفرح مجيد لا يُنطق به وابتهاج حقيقي أبدي.

لكن إذا أُغلقت الأبواب الملوكية قبل أن تتوب وتعمل صلاحاً فلن يؤذَن لك في الدخول بعد فوات الساعة مهما قرعت الأبواب. ستقول: (يا رب افتح لي) {متى11:25} فإني أعرفك وقد دعوت باسمك (وصنعت المعجزات) بهذا الاسم {متى 22:7} أيضاً. لكن يسوع المسيح سيجيبك قائلاً: (إني لا أعرفك) {متى12:25} فأنت لست من أتباعي. (اذهب عني إلى النار الأبدي المعدَّة لإبليس وجنوده. هناك يكون البكاء وصريف الأسنان) {متى 23:7 و41:25 و13:22 ولوقا25:13- 28}.

 

 


(*) يتضمن القسم الثاني من هذا الكتاب مضمون تبشير القديس إينوكنديوس. وقد طُبع لأول مرة في عام 1839 باللغة الأليوثية وتُرجم فوراً إلى الروسية. وأُعيد طبعه سنوياً لمدة 46 سنة من عام 1839 إلى عام 1885. وقد تُرجم إلى عدة لغات أخرى منها اللغة العربية سنة1855 على يد المثلّث الرحمات المطران جراسيموس (يارد) متروبوليت زحلة. وكذلك قامت مدارس الأحد القبطية بترجمة أخرى سنة 1944. أمّا الترجمة الموضوعة بين أيدي القارئ فقد أنجزها فريق من أعضاء حركة الشبيبة الأرثوذكسية في اللاذقية سنة 1951.

[هذا هو القسم الثاني من كتاب "اينوكنديوس كارزو ألاسكا". رقم 10 ضمن سلسلة "القديسون" لمنشورات النور، والقسم الأول وهو "سيرة القديس اينوكنديوس" تجده على هذا  الرابط هنا... (الشبكة)]

(5) مثل العشّار (لوقا13:18 و14) متذللاً نادماً

(6) أي يوسف الخطيب

(7) أي الوسائل

(8) أي يعبده عبادة

(9) الأحزان والغموم

(10) متمردين

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع