يوجد داخلنا جزء من النفس يدعى " الواعظ الأخلاقي". هذا الواعظ الأخلاقي يثور إذا ما رأى أحداً يشذّ، بينما مرات كثيرة، يكون قد فعل هو نفسه الشذوذ ذاتها، ولكنه لا يحاسب نفسه بل غيره، والله لا يرضى بذلك.
يقول المسيح في الإنجيل: "يا من تعلّم غيرك ألا تعلّم نفسك؟ الذي تكرز ألاَّ يُسرق أتسرق؟" (رو 21:2). من الممكن ألاَّ نسرق ولكننا نقتل، نلوم غيرنا ولا نلوم أنفسنا. نقول مثلاً: "كان عليك أن تفعل هذا ولم تفعله، ماذا أصابك!" وفي الواقع نتمنى أن يصاب الآخر بسوء، عندما نفكر بالسوء عندئذٍ من الممكن أن يحدث بالفعل. إننا نقلّل لدى الآخر المقدرة على التوجه نحو الخير بطريقة سرية غير واضحة، فنسيء إليه. وبهذه الطريقة لا نسيء إليه فقط، بل نسيء إلى أنفسنا أيضاً، لأننا نبتعد عن نعمة الله. وعندئذٍ نصلّي ولا تستجاب صلواتنا، "تطلبون ولستم تأخذون" (يع 3:4)، لماذا؟ هل فكرنا بالسبب يا ترى؟ "لأنكم تطلبون ردياً"، ينبغي أن نجد طريقة نعالج بها الميل الكائن فينا، الذي يدفعنا إلى أن نفكر بالسوء تجاه الآخر.
يقول الواحد: " بحسب ما يتصرف فلان، هكذا سوف يعاقبه الله". ويعتقد أنه يتكلم بلا شر. ولكن الأمر غاية في الدقة، كي يميز الإنسان فيما إذا كان يتكلم بدافع شرير أم لا، فهذا لا يظهر بوضوح. ما تضمره نفوسنا، وكيفية إمكانية تأثيره على الأشخاص أو الأشياء هو سري جداً. لا يحدث الشي نفسه، عندما نقول بخوف إن الآخر لا يعيش حياة سليمة، ونصلي كي يساعده الله ويمنحه التوبة. أي أننا لا نقول ولا نتمنى في الأعماق أن يعاقبه الله على ما يفعله. عندئذٍ، لا نكون فقط غير مسيئين للقريب، بل نحسن إليه.
عندما يصلي الإنسان من أجل قريبه، تخرج منه قوة صالحة تتوجه إلى ذلك الأخ، وتشفيه وتقويه وتحييه. كيفية خروج هذه القوة منا هي سرّ، إلا أن من يحوي الصلاح داخله، يرسل في الواقع هذه القوة الصالحة إلى الآخرين وبرفق وبطريقة سرية. يرسل النور إلى قريبه، فيشكل حوله طوق وقايةٍ يحميه من الشر. عندما نقتني نية صالحة تجاه الآخر ونصلي من أجله، نشفيه ونساعده كي يتجه نحو الله.
توجد حياة غير منظورة هي حياة النفس. هذه الحياة قوية جداً، ويمكنها أن تؤثر في الآخرين، وحتى لو فصلتنا عنهم الكيلو مترات. يتم هذا بواسطة اللعنة، وهي قوة تفعل الشر. ولكننا أيضاً إذا صلينا بمحبة من أجل إنسان ما، فمهما كانت المسافة التي تبعدنا عنه كبيرة، ينتقل الخير إليه. إذاً، الصلاح والشر لا يتأثران بالمسافات، يمكننا إرسالهما إلى مسافات لا حدّ لها. يقول سليمان الحكيم: "صياح المتذمِّرين لا يخفى عليها". صياح نفوسنا يصل سرياً ويؤثر في الآخر، وحتى لو لم نُعبر بكلمة واحدة. يمكننا أن ننقل الصلاح أو الشر من دون أن نتكلم، مهما كانت المسافة التي تفصلنا عن القريب. وما لا نُعبِّر عنه، يملك عادةً قوة تفوق الكلام.
الشيخ بورفيريوس الرائي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس



المفضلات