athnasi
2010-08-29, 12:22 PM
مقدمة: منذ مدة وأنا أعمل على دراسة متأنية ومطوّلة في الكتاب المقدس (العهد القديم على وجه التحديد), ولأن البحث سيطول ولن يظهر الكتاب قبل سنة على الأقل, فقد أحببت أن أنشر على صفحات منتدانا المحبوب, وعلى شكل سلسلة, بعضاً من الأفكار الجميلة التي ستظهر في الكتاب العتيد. والغاية الأولى من ذلك هو سماع آراء الإخوة للاغتناء من ملاحظاتهم وتعليقاتهم, وذلك لسدّ الثغرات التي لا بد أنها فاتتني, وإصلاح الأخطاء التي لا بد أني قد وقعت فيها.
تمهيد
تستعمل كنيستنا الأرثوذكسية في صلواتها ونصوصها الليتورجية وقراءاتها من العهد القديم نصّاً يونانياً للكتاب المقدس (يسمى الترجمة السبعينية) ورمزه lxx.
للأسف لم تقم الكنيسة الأرثوذكسية العربية حتى الآن بوضع ترجمة عربية للعهد القديم (أوالسبعينية), بينما نجد أن الكنيسة القديمة ومنذ عصورها الأولى قد ترجمت السبعينية إلى مختلف اللغات (اللاتينية القديمة "قبل أن تترك كنيسة روما السبعينية وتتبنى النص المسوري" الترجمة القوطية, السلافونية, السريانية القديمة, الأرمنية القديمة, القبطية..الخ).
وبالطبع فإن الكنائس الناطقة باليونانية (اليونان, قبرص, القسطنطينية, جبل آثوس, دير سانت كاترين) كلها تستعمل السبعينية مباشرة.
حتى كنيسة أميركا الأرثوذكسية فقد ترجمت السبعينية إلى الإنكليزية. ونحن في أنطاكيا ما زلنا ننتظر.
أما الكنائس الغربية بشقيها (الكاثوليك والبروتستانت) فتستعمل نصاً عبرياً للعهد القديم (يسمى النص المسّوري) ورمزه m وهو نفسه الكتاب المقدس الذي يعتمده اليهود اليوم.
هل النص السبعيني يطابق النص المسوري؟
الحقيقة أن الجواب هو باختصار: لا.
النصان مختلفان تماماً, ويختلفان حتى على مستوى تسمية الأسفار وترتيبها, وفي تقسيم بعضها (في السبعينية مثلاً سفر الملوك هو كتاب واحد مقسّم إلى أربعة أجزاء تسمى كتاب الملوك الأول, الثاني,الثالث, الرابع", بينما نجده في النص المسوري عبارة عن أربع أسفار تحت اسم صموئيل الأول, صموئيل الثاني, الملوك الأول, الملوك الثاني).
النص العبري ينقصه عشرة أسفار كاملة موجودة في النص السبعيني (وهي طوبيت, يهوديت, المكابيين الأول, المكابيين الثاني, المكابيين الثالث, حكمة سليمان, حكمة يشوع ابن سيراخ, باروخ, رسالة ارميا, عزدراس الأول.) بالإضافة إلى (صلاة منسى, المزمور 151).
أكثر من ذلك, بعض الأسفار في النص المسوري ينقصها أجزاء كبيرة ومهمة موجودة في النص السبعيني وهي (تتمة دانيال, تتمة أستير, تتمة أيوب).
والأهم من ذلك أنه حتى في الأسفار المتوازية بين النصين هناك اختلافات كثيرة جداً في متن النص (أحياناً تكون اختلافات طفيفة على مستوى الألفاظ المستعملة للتعبير عن المعنى نفسه, وأحياناً (كثيرة) تكون على مستوى اختلاف المعنى والتعليم المقصود من النص).
عندما تركت الكنائس الغربية النصّ السبعيني, وتبنّت النص المسوري, كانت تظن أنها بعملها هذا تعود إلى الينابيع الأصلية, لأن العهد القديم كُتب بالعبرية, والسبعينية في نهاية الأمر ما هي إلا ترجمة, وبالتأكيد الأصل أهم من الترجمة.
ولكي يفسّروا هذا الاختلاف الواسع بين السبعينية والنص المسوري, قرّروا أن السبعينية هي ترجمة غير دقيقة, أي ترجمة بتصرّف. واعتقدوا أن الأسفار والمقاطع غير الموجودة في النص المسوري هي مُضافة إلى النص, وليست أسفاراً مقدسة, لأن اليهود لا يعترفون بها!
(وكأن اليهود هم مرجعيتنا كمسيحيين لكي نعرف كتابنا المقدس).
لقد كانوا يعتقدون أن السبعينية هي مترجمة عن النص المسوري, وذلك لأنهم لم يعرفوا نصاً عبرياً آخر غير المسوري, فاعتقدوا أنه النص الأصلي.
ولكن في عام 1947 بدأ عصرٌ جديد في تاريخ الدراسات الكتابية غيّر كل الأفكار السابقة التي كانت راسخة في الأوساط العلمية.
لقد بدأ هذا العصر مع اكتشافات نصوص مخطوطات البحر الميت في وادي خربة قمران.
وقد سمّيت هذا الفصل في الكتاب: "عندَ خربة قمران الخبر اليقين".
لقد وجدوا في كهوف قمران مخطوطات أثرية تعود للفترة الواقعة بين القرن الثاني قبل الميلاد وحتى العام سبعين للميلاد.
وفي هذه الكهوف وجدوا مخطوطات لأقدم مخطوط عبري معروف حتى الآن للكتاب المقدس!
طبعاً لم يجدوا نسخة كاملة للكتاب المقدس, ولكنهم وجدوا لفائف فيها أسفاراً كاملة أحياناً, وأجزاء من أسفار أحياناً أخرى
عندما قارن العلماء بعض هذه النصوص العبرية القديمة (والتي يعود أقدمها وهو سفرَي صموئيل الأول والثاني) إلى القرن الثاني قبل الميلاد, وكذلك المخطوطات المكتوبة بالآرامية, عندما قارنوها بالنصوص الحالية......
وجدوا أنها تتطابق مع النص السبعيني, وليس مع المسوري, حتى على مستوى الاختلافات البسيطة جداً (كالاختلافات النحوية, أو الإملائية, أو الكلمات الضائعة) (المرجع 1 و2).
كل الملاحظات التي نتجت عن دراسة مخطوطات البحر الميت تدعم الرأي الذي أصبح محل إجماع عند الدارسين, والذي يقول أن السبعينية هي عبارة عن ترجمة حرفية ودقيقة للنص العبري الأكثر قدماً وأصالةً من النص المسوري (المرجع رقم 3).
في حقيقة الأمر أنهم وجدوا مخطوطات أخرى تتطابق مع النص المسوري, ووجدوا أيضاً بعض المخطوطات التي تتطابق مع نص التوراة السامرية (والتي تختلف اختلافات طفيفة في بعض المواضع عن النص المسوري ولكنها أقرب إلى النص السبعيني منها إلى المسوري), ووجدوا أيضاً مجموعات متفرّقة من النصوص التي صنّفوها في عائلات مستقلة عن العائلات الرئيسية الثلاثة المعروفة للنصوص (وهي السبعيني, والمسوري, والسامري)(المرجع رقم 4).
وهنا يبرز أمامنا السؤال الخطير.
أيٌّ من هذه النصوص هو النص الأصلي الذي أوحى به الروح القدس للأنبياء أن يكتبوا؟
هل هو النص السامري الذي يتبنّاه السامريون, والذين لم يتبقَ منهم اليوم سوى 712 شخصاً فقط يعيشون في "قريات لوزا" على جبل جرّيزيم قرب نابلس, و"حولون" في اسرائيل؟
أم هل هو النص المسوري الذي يتبنّاه اليهود اليوم, وقد تبعهم في ذلك منذ القرن السادس عشر (عصر الإصلاح) المسيحيون الغربيون؟
أم هل هو النص السبعيني الذي تبنّته الكنيسة الأولى, وما يزال هو النص الرسمي فقط في الكنيسة الأرثوذكسية, الآن, وكل أوان, وإلى دهر الداهرين؟
أم هو نص آخر مختلف عن الثلاثة؟
طبعاً, الدراسات العلمية الحديثة كلها تشير إلى تفوّق النص السبعيني على بقية النصوص. وهذا ما سيتضّح جلياً من خلال الدراسات المُقدّمة في كتابنا.
ولكن المعيار الذي يعتمده المسيحي المخلص, هو:"أيٌّ من هذه النصوص هو النص الذي اعتمد عليه ربنا يسوع المسيح وصادق عليه؟".
فربنا هو الذي يعرف النص الأصلي لأنه ببساطة هو الذي أوحى به إلى الأنبياء الذين كتبوه قديماً.
وهذا الموضوع أيضاً سنبحثه بالتفصيل في كتابنا.
كانت هذه الحلقة رقم صفر, انتظروا الحلقات القادمة, لن تكون مرتّبة, ولكن وضعت الحلقة رقم صفر كمقدمة لا بد منها لفهم الأفكار التي سنعرضها في الحلقات القادمة.
صلواتكم
طاناسي
ثبت المراجع
1Karen H. Jobes and Moises Silva (2001). Invitation to the Septuagint. Paternoster Press.
2Timothy McLay, The Use of the Septuagint in New Testament Research. — The current standard introduction on the NT & LXX.
3Karen H. Jobes and Moises Silva (2001). Invitation to the Septuagint. Paternoster Press.
4Fagan, Brian M., and Charlotte Beck, The Oxford Companion to Archeology, entry on the "Dead sea scrolls", Oxford University Press, 1996
تمهيد
تستعمل كنيستنا الأرثوذكسية في صلواتها ونصوصها الليتورجية وقراءاتها من العهد القديم نصّاً يونانياً للكتاب المقدس (يسمى الترجمة السبعينية) ورمزه lxx.
للأسف لم تقم الكنيسة الأرثوذكسية العربية حتى الآن بوضع ترجمة عربية للعهد القديم (أوالسبعينية), بينما نجد أن الكنيسة القديمة ومنذ عصورها الأولى قد ترجمت السبعينية إلى مختلف اللغات (اللاتينية القديمة "قبل أن تترك كنيسة روما السبعينية وتتبنى النص المسوري" الترجمة القوطية, السلافونية, السريانية القديمة, الأرمنية القديمة, القبطية..الخ).
وبالطبع فإن الكنائس الناطقة باليونانية (اليونان, قبرص, القسطنطينية, جبل آثوس, دير سانت كاترين) كلها تستعمل السبعينية مباشرة.
حتى كنيسة أميركا الأرثوذكسية فقد ترجمت السبعينية إلى الإنكليزية. ونحن في أنطاكيا ما زلنا ننتظر.
أما الكنائس الغربية بشقيها (الكاثوليك والبروتستانت) فتستعمل نصاً عبرياً للعهد القديم (يسمى النص المسّوري) ورمزه m وهو نفسه الكتاب المقدس الذي يعتمده اليهود اليوم.
هل النص السبعيني يطابق النص المسوري؟
الحقيقة أن الجواب هو باختصار: لا.
النصان مختلفان تماماً, ويختلفان حتى على مستوى تسمية الأسفار وترتيبها, وفي تقسيم بعضها (في السبعينية مثلاً سفر الملوك هو كتاب واحد مقسّم إلى أربعة أجزاء تسمى كتاب الملوك الأول, الثاني,الثالث, الرابع", بينما نجده في النص المسوري عبارة عن أربع أسفار تحت اسم صموئيل الأول, صموئيل الثاني, الملوك الأول, الملوك الثاني).
النص العبري ينقصه عشرة أسفار كاملة موجودة في النص السبعيني (وهي طوبيت, يهوديت, المكابيين الأول, المكابيين الثاني, المكابيين الثالث, حكمة سليمان, حكمة يشوع ابن سيراخ, باروخ, رسالة ارميا, عزدراس الأول.) بالإضافة إلى (صلاة منسى, المزمور 151).
أكثر من ذلك, بعض الأسفار في النص المسوري ينقصها أجزاء كبيرة ومهمة موجودة في النص السبعيني وهي (تتمة دانيال, تتمة أستير, تتمة أيوب).
والأهم من ذلك أنه حتى في الأسفار المتوازية بين النصين هناك اختلافات كثيرة جداً في متن النص (أحياناً تكون اختلافات طفيفة على مستوى الألفاظ المستعملة للتعبير عن المعنى نفسه, وأحياناً (كثيرة) تكون على مستوى اختلاف المعنى والتعليم المقصود من النص).
عندما تركت الكنائس الغربية النصّ السبعيني, وتبنّت النص المسوري, كانت تظن أنها بعملها هذا تعود إلى الينابيع الأصلية, لأن العهد القديم كُتب بالعبرية, والسبعينية في نهاية الأمر ما هي إلا ترجمة, وبالتأكيد الأصل أهم من الترجمة.
ولكي يفسّروا هذا الاختلاف الواسع بين السبعينية والنص المسوري, قرّروا أن السبعينية هي ترجمة غير دقيقة, أي ترجمة بتصرّف. واعتقدوا أن الأسفار والمقاطع غير الموجودة في النص المسوري هي مُضافة إلى النص, وليست أسفاراً مقدسة, لأن اليهود لا يعترفون بها!
(وكأن اليهود هم مرجعيتنا كمسيحيين لكي نعرف كتابنا المقدس).
لقد كانوا يعتقدون أن السبعينية هي مترجمة عن النص المسوري, وذلك لأنهم لم يعرفوا نصاً عبرياً آخر غير المسوري, فاعتقدوا أنه النص الأصلي.
ولكن في عام 1947 بدأ عصرٌ جديد في تاريخ الدراسات الكتابية غيّر كل الأفكار السابقة التي كانت راسخة في الأوساط العلمية.
لقد بدأ هذا العصر مع اكتشافات نصوص مخطوطات البحر الميت في وادي خربة قمران.
وقد سمّيت هذا الفصل في الكتاب: "عندَ خربة قمران الخبر اليقين".
لقد وجدوا في كهوف قمران مخطوطات أثرية تعود للفترة الواقعة بين القرن الثاني قبل الميلاد وحتى العام سبعين للميلاد.
وفي هذه الكهوف وجدوا مخطوطات لأقدم مخطوط عبري معروف حتى الآن للكتاب المقدس!
طبعاً لم يجدوا نسخة كاملة للكتاب المقدس, ولكنهم وجدوا لفائف فيها أسفاراً كاملة أحياناً, وأجزاء من أسفار أحياناً أخرى
عندما قارن العلماء بعض هذه النصوص العبرية القديمة (والتي يعود أقدمها وهو سفرَي صموئيل الأول والثاني) إلى القرن الثاني قبل الميلاد, وكذلك المخطوطات المكتوبة بالآرامية, عندما قارنوها بالنصوص الحالية......
وجدوا أنها تتطابق مع النص السبعيني, وليس مع المسوري, حتى على مستوى الاختلافات البسيطة جداً (كالاختلافات النحوية, أو الإملائية, أو الكلمات الضائعة) (المرجع 1 و2).
كل الملاحظات التي نتجت عن دراسة مخطوطات البحر الميت تدعم الرأي الذي أصبح محل إجماع عند الدارسين, والذي يقول أن السبعينية هي عبارة عن ترجمة حرفية ودقيقة للنص العبري الأكثر قدماً وأصالةً من النص المسوري (المرجع رقم 3).
في حقيقة الأمر أنهم وجدوا مخطوطات أخرى تتطابق مع النص المسوري, ووجدوا أيضاً بعض المخطوطات التي تتطابق مع نص التوراة السامرية (والتي تختلف اختلافات طفيفة في بعض المواضع عن النص المسوري ولكنها أقرب إلى النص السبعيني منها إلى المسوري), ووجدوا أيضاً مجموعات متفرّقة من النصوص التي صنّفوها في عائلات مستقلة عن العائلات الرئيسية الثلاثة المعروفة للنصوص (وهي السبعيني, والمسوري, والسامري)(المرجع رقم 4).
وهنا يبرز أمامنا السؤال الخطير.
أيٌّ من هذه النصوص هو النص الأصلي الذي أوحى به الروح القدس للأنبياء أن يكتبوا؟
هل هو النص السامري الذي يتبنّاه السامريون, والذين لم يتبقَ منهم اليوم سوى 712 شخصاً فقط يعيشون في "قريات لوزا" على جبل جرّيزيم قرب نابلس, و"حولون" في اسرائيل؟
أم هل هو النص المسوري الذي يتبنّاه اليهود اليوم, وقد تبعهم في ذلك منذ القرن السادس عشر (عصر الإصلاح) المسيحيون الغربيون؟
أم هل هو النص السبعيني الذي تبنّته الكنيسة الأولى, وما يزال هو النص الرسمي فقط في الكنيسة الأرثوذكسية, الآن, وكل أوان, وإلى دهر الداهرين؟
أم هو نص آخر مختلف عن الثلاثة؟
طبعاً, الدراسات العلمية الحديثة كلها تشير إلى تفوّق النص السبعيني على بقية النصوص. وهذا ما سيتضّح جلياً من خلال الدراسات المُقدّمة في كتابنا.
ولكن المعيار الذي يعتمده المسيحي المخلص, هو:"أيٌّ من هذه النصوص هو النص الذي اعتمد عليه ربنا يسوع المسيح وصادق عليه؟".
فربنا هو الذي يعرف النص الأصلي لأنه ببساطة هو الذي أوحى به إلى الأنبياء الذين كتبوه قديماً.
وهذا الموضوع أيضاً سنبحثه بالتفصيل في كتابنا.
كانت هذه الحلقة رقم صفر, انتظروا الحلقات القادمة, لن تكون مرتّبة, ولكن وضعت الحلقة رقم صفر كمقدمة لا بد منها لفهم الأفكار التي سنعرضها في الحلقات القادمة.
صلواتكم
طاناسي
ثبت المراجع
1Karen H. Jobes and Moises Silva (2001). Invitation to the Septuagint. Paternoster Press.
2Timothy McLay, The Use of the Septuagint in New Testament Research. — The current standard introduction on the NT & LXX.
3Karen H. Jobes and Moises Silva (2001). Invitation to the Septuagint. Paternoster Press.
4Fagan, Brian M., and Charlotte Beck, The Oxford Companion to Archeology, entry on the "Dead sea scrolls", Oxford University Press, 1996