سؤال: معرفة الله وعمل الله
في الأمس سمعت محاضرة للأب توماس هوبكو عن معرفة الله وعناية الله وخطة الله والصلاة، وفي الحقيقة في كثير من الأحيان كنت لا أفهم ماذا يقول، إلا أني فهمت أن العالم اليوم هو كما هو بخطة الله المسبقة قبل إنشاء العالم. بمعنى أن الله بسابق معرفته لما سيحدث، يتصرف على هذا الأساس. مثلاً عندما نصلي من أجل شفاء مريض، وهذا المريض يشفى، فإن فعل الشفاء محدد من الله قبل إنشاء العالم، لأنه يعلم أن فلان قديس سيصلي من أجله. هذا جعلني أتساءل: ما الفرق عندها بين القضاء والقدر وهذا التعليم؟ هل هو أرثوذكسي؟ يعني إذا كل شيء محدد مسبقاً، فلماذا أنا أعيش ما يعرفه الله مسبقاً. أقصد أن الله يعرف أني مثلاً سأعيش حياة دنسة رديئة، أما شخص آخر فسيعيش حياة قداسة، وبالتالي مصير كل منا معروف مسبقاً، فلماذا أعيش أنا هذه الحياة؟ لماذا لم يضعنا الله ويصنفنا بحسب معرفته المسبقة في الفردوس وفي النار؟
وأيضاً كان يقول بأن الله لا يصرف قواه بلا فائدة. بمعنى لا يظهر لأشخاص يعرف أنهم لن يستجيبوا له. ويعطي مثال عن بولس بقوله أن الله كان يعلم أن بولس كا سيستجيب للدعوة ولهذا ظهر له.
هل عند أحد أي فكرة عن هذا الموضوع؟
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة John of the Ladder
فلماذا أعيش أنا هذه الحياة؟ لماذا لم يضعنا الله ويصنفنا بحسب معرفته المسبقة في الفردوس وفي النار؟
نعيش هذه الحياة بسبب محبة الله الكلية لنا... فهو دائماً يعطينا الفرصة لكي نتوب عن أعمالنا... الله يعلم أقدارنا لأنه "كليّ المعرفة" ولكنه لا يقرر قدرنا عنا! سأعطيك مثالاً لتستوعب ما أدو قوله..
لماذا يقوم المُدرس بنهاية العام الدراسي بعمل امتحان لجميع الطلاب؟ ألا يعلم هذا المدرس من هو الطالب الشاطر ومن هو الطالب الكسلان من خلال سنة دراسية كاملة قضاها معهم؟؟ بالطبع يعرف حق المعرفة من هو الطالب المجتهد ومن هو الطالب الكسلان! ولكن مع ذلك يعطي الفرصة للجميع بخوض الامتحان حتى للطالب الكسلان عل وعسى أن يكون اجتهد ودرس في آخر السنة!! هكذا أيضاً الله.. يعلم بالفعل من هو الصالح ومن هو الخاطئ ولكن دائماً يعطينا الفرصة كي نتوب!
صلواتك
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة John of the Ladder
هذا جعلني أتساءل: ما الفرق عندها بين القضاء والقدر وهذا التعليم؟
إن مفهوم القدر المكتوب والقضاء الأزلي الإلهي المحدد مسبقاً، يعني أن الله (مسبقاً) قد حدد مستقبل كل الأمور وكل البشر. وليس للإنسان بالنهاية الدور الأساسي في تحديد مصيره بل ينحصر دوره في تحقيق المُقدر له.
إن هذا الإيمان بمسبق كتابة الله لأقدار البشر يرفع عن الإنسان مسألة هامة جداً، وهي مسؤولية الشر في الدنيا. فإن أي حدث شرير يعود سببه إما إلى الإنسان أو إلى الله، في حال أردنا أن نحلل الأمور منطقياً! ولما كان صلاح الله، في الأديان، بديهيّة لا يجب المساس بها، فإن مسؤولية الشر تعود إلى الإنسان. وهنا إذا أراد الإنسان أن يرفع المسؤولية عنه لا بد له أن يعيد هذه المسؤولية إلى قوة مجهولة (القضاء والقدر) أو إلى حكمة إلهية مجهولة (حكمة الله الخيرة)، ويسلم أمره متحرراً من المسؤولية تجاه أي ألم أو شر في واقع الحياة.
فلماذا مات هذا أو ذاك لسبب أو آخر، هكذا والآن؟ إنه القدر! بينما قد تختفي وراء ذلك أسباب كالإهمال والجهل والشرور الأخلاقية البشرية التي يجب أن تحمل مسؤولياتها ليس إرادة الله المسبقة إنما إرادة الإنسان الحرة. إذن إن مفهوم القضاء والقدر هو مقولة قديمة فلسفية ثم دينية، وهو أسهل أسلوب لرفع مسؤولية الإنسان تجاه الشرور في الدنيا.
إن مفهوم القضاء والقدر لا يخالف تعليم الكتاب المقدس فقط، وإنما يخالف المنطق أيضاً. فإذا كانت الأمور كلها مكتوبة مسبقاً، هذا يعني أنه لا يحق أن نمدح إنساناً على فضيلة ولا أن نحاسب آخر على رذيلة. فمن يعمل الصالحات هو مسيّر وليس مخيّراً ولا فضل له بذلك، ومن يقترف الطالحات هو مسيّر وغير مخيّر ولا ذنب له بذلك. إن مبدأ القضاء والقدر يخالف الخبرة البشرية في تأسيس المحاكم ووضع مبادئ العقوبات والمكافآت. فالناس بالعمق لا يؤمنون بالقضاء والقدر. لأنهم بالواقع ينظمون مجتمعاتهم على مبدأ الثواب والعقاب.
وماذا يفيد أن ترعى إنساناً أو أن تعتني به مادام مستقبله مرسوماً وقدره مكتوباً؟ فإن تعبت أو لم تتعب فالقدر محقق. لذلك إن مفهوم القضاء والقدر يخالف أيضاً الخبرة البشرية في التربية وبناء المدارس والتعليم والتطبيب وكل محاولة للخير في كل المجالات. المنطق البشري لا يتصرف بناء على الإيمان بالقضاء والقدر، أي على اعتبارات أننا مسيّرون وغير مخيّرين. على العكس كل أنظمة الحياة الاجتماعية تقوم على أسس مبنية على حرية الإنسان ومسؤوليته تجاه الحياة بخيرها وشرورها.
إن الإيمان بالقدر المكتوب يعود إلى ميل الدين إلى ضمانة أمرين: الأول هو (قدرة الله الكلية). أي أن كل شي يتم بإرادته ولا شي يغلب قدرته. والأمر الثاني هو (معرفة الله الكلية). فلا شيء يتم ويجهله الله، وكل شيء بعلمه وإرادته.
هل تضع حريّة الإنسان هذه "قدرةَ الله الكليّة" في موضع الشك؟ للوهلة الأولى، الجواب هو نعم. لكن قدرة الله الكليّة بحسب الإيمان المسيحي تتحقق في المخطط الإلهي ليس برفع حرية الإنسان حين تعارضها، وإنما بزيادة العطاء الإلهي والتدخل في التاريخ البشري وتدريب الإنسان إلى حين يعمل هذا الأخير إرادة الله بخياره الحر. فالله كلي القدرة نعم، ولكنه يريد ألا يتجاوز حرية الإنسان، وإذا كان يريد الصلاح فهو لا يحققه دون مشاركة الإنسان الحرة. لذلك يضع الله صلاحه - بإرادته رهناً بموافقة الإنسان، على أن قدرته الكلية ستتحقق اسختولوجياً في المنتهى.
ولدينا نحن من الخبرة الإنسانيّة صور توضح لنا ذلك. فمن السهل لواحد منا أن ينظر إلى ابنه ويقول عنه مثلاً، هذا سيصير موسيقاراً بارعاً، فهو هنا يسبق ويقرأ. وقد يعتني بابنه في هذا المجال، وقد ينجح، لا لأنه يخلق من ابنه موسيقاراً بالعنف ويجبله هكذا وكأنه دمية أو مجرد مادة صماء، وإنما لأن نظرته كانت مُصيبة؛ وقد لا ينجح! وإن كنا نحن كبشر بحكمتنا البسيطة نصيب مرات ونخفق مرات أخرى، فإن الله بحكمته المطلقة يقرأ دائماً حقيقة المستقبل.
كل الآيات الواردة في الكتاب المقدس، وخاصة عند بولس الرسول، التي تشير إلى مسبق اختيار الله أو إلى "سجل الحياة"، أو أنه "لا أحد يأتي إلى الابن إلا الذي اجتذبه (مسبقاً) الآب" وسواها من صور وآيات، كلها تندرج تحت مفهوم "مسبق رؤية الله" للأمور، وليس تحت مفهوم "مسبق كتابته للأقدار". يسمح الله بوقوع الأخطاء البشرية رغم أنه لا يريدها. كيف يرفعها؟ بتدريب الإنسان والعناية به.
إن "قدرة الله الكلية" والصالحة، ومسبق "معرفته الكلية" للأمور، ولكن أيضاً بالوقت ذاته احترامه "للحرية البشرية" والحفاظ عليها، هي حقائق تجعلنا نحن المسيحيين ننظر إلى المستقبل بتفاؤل وأمان ولكن أيضاً بمسؤولية واعية.
المصدر: المطران بولس يازجي، السائحان بين الأرض والسماء، (منشورات مطرانية بصرى وحوران للروم الأرثوذكس، 2005)
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
شكراً أختي مايدا للتوضيح، وأؤيد أن القضاء والقدر هو أسهل وسيلة لرفع مسؤولية الإنسان عن الشرور التي تحدث، وهي تخالف حرية الإنسان ومسألة الثواب والعقاب. يعني مرة واحد صار يحكي في إجتماع مثلاً الواحد إذا رمى حاله من سطح الدار هذا بكون مش قضاء وقدر، بس إذا كان نايم على سطح الدار، وبالليل قلب ووقع ومات، هذا بكون قضاء وقدر!! في الحقيقة الإثنتين ليسا قضاء وقدر، لأن كليهما حدث بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بمسؤولية الإنسان. فمن قال لهذا الشخص أن ينام على السطح ما دام هناك إحتمالية للوقوع. وأيضاً أحدهم قال إذا جُرح أحدهم وسمح للنزيف بأن ينزف حتى الموت هذا ليس قضاء وقدر، ولكن إذا سقطت طائرة فهذا قضاء وقدر!! مرة أخرى هناك مسؤولية للإنسان في كلتا الحالتين.
أعتقد أن ما أراده الأب توماس هو توضيح أن الله ليس عنده إستجابة في الزمان، بمعنى لأني اليوم طلبت سيلبي الرب. أنا أطلب والرب يستجيب. وإنما الله بسابق معرفته رسم كل هذه الأمور قبل الدهور، وإنما هي تأخذ حيزها في الزمان. ليس بمعنى أن الله يسير كل شيء، ولكن الله يتصرف بناءً على معرفته المسبقة ما سيفعله الإنسان. بمعنى الصليب كان منذ الأزل في ذهن الله، ليس لأنه هو من جعل الإنسان يخطيء، ولكن لأن الله بسابق معرفته عرف أن الإنسان الحر سيخطيء، فهو خطط على هذا الأساس. وكما قال أبونا توماس لا يوجد عند الله معرفة مسبقة عند الكلام بالنسبة لله، لأن الله يعلم كل شيء ولا يوجد عنده زمان. معرفة الله المسبقة تأتي في سياق الحديث بالنسبة للوقت والإنسان الذي يعيش داخل هذا الوقت.
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
وعليه السيد المسيح قال عن يهوذا "ابن الهلاك" لأنه كان يعلم أنه لن يتوب وسيقتل نفسه، لا لأنه أسلمه لليهود. ولكن هذا لا يعني أن كل شخص يقتل نفسه مصيره الهلاك، فنحن لا نعلم ما مصيرهم، ولكن في حالة يهوذا الرب يسوع هو من تفوه مصيره لأنه هو الرب الديان ويعلم كل شيء، ولهذا قال عنه "ابن الهلاك".
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
أخي يوحنا الجواب على السؤال يحتاج لبحث مستفيض في البدء والنهاية، وأقصد بهما: الخلق والتأله.
بعتقد أنو الجواب وصل.
والرب سيقول في ذلك اليوم: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية؛ المعدة لأبليس وملائكته.
سؤال مشابه لسؤالك سألته عندما كنت في الحركة في سوريا، وللأسف حينها الأب المحاضر، والمحاضرة خصيصاً كانت للرد على هذا السؤال، لم يستطيع أن يُعطيني الجواب الكافي الشافي.
والجواب لم أعرفه، إلا منذ بضعة سنوات.
والأكيد أن الرب يقول: "وواحد منها لا يسقط على الارض بدون علم الله" (متى 10: 29)
والمقالة أعلاه لسيدنا بولس، للأسف وضعت مبتورة، أو أن الكتاب الموجود على الشبكة غير موافق للورقي المطبوع عند الأخت مايدا. ولكن أرجو أن تقرأ معي هذا السطر لسيدنا بولس:
اقتباس:
وهل تعني "معرفة الله الكليّة" مسبقَ كتابته قدر كلّ شيء وكلّ إنسان؟ هنا يجب التمييز بين أن يسبق الله ويعرف وبين أن يسبق الله ويكتب.
إنّ الله بحكمته يعرف كلّ شيء في المستقبل. لكن هذا لا يعني أنّه يسبق ويكتب كلّ شيء. إنّ معرفة الله الكليّة القدرة للأمور لا تعني أبداً موافقته عليها. لذلك فعلاً "لا تسقط شعرة من رؤوسنا إلاّ بعلمه"،
ولكنّ علمه بالأمور لا يعني موافقته على كلّ الأمور. فهو يعرف مسبقاً الخيار الإنسانيّ. كما قال للتلاميذ "واحد منكم سيسلّمني"، ولكنه أضاف منبّهاً "الويل لمن يسلم ابن الإنسان"، فهو لا يريد ذلك. ما الذي يمنع الله إذن أن يسبق ويوقف الشرّ الذي يعرف مسبقاً بحدوثه؟ إنّه احترامه لحريّة الإنسان!
فلو تصرف الرب معنا، بحسب ما وضعت أنت فهذا يعني أن الله، بحسب فهمي، موافق على ما قمنا بعمله. وهو أصلاً كل همه أن يتلذّذ لا أن يؤلِّه.
والمهم هنا مايقول القديس يوحنا الذهبي الفم: قائلاً:
اقتباس:
"أبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها" ولم يقل "الله يعلم" بل "أبوكم السماوي يعلم" ليقودهم إلى الرجاء الأعظم فيه، لأنه إن آبا ولا آب آخر سواه، فإنه لن يتوانى عن أولاده أبدًا، في شدة الشرور،
في انتظار آراء قدس الآباء، والأخوة والأخوات معنا.
رد: سؤال: معرفة الله وعمل الله
ربما هناك سوء فهم أخي ألكسي في ما قلته أنا، فأنا أتفق معك فيما قلت. فالله يعلم كل شيء ولكن لا يسير كل شيء كما حدث ويحدث، على الأقل في أغلب الأحيان، ولكن ما يريد أن يفعله الله بناءً على معرفته المسبقة بعمل الإنسان الحر هو محدد منذ الأزل في ذهن الله. يعني عندما ظهر الله لشاول على طريق دمشق، كان هذا الظهور محدد من قبل الله منذ الأزل، لأن الله لا يوجد عنده زمان، وإنما ظهر له لأنه كان يعلم أن شاول سيقبل الكلمة ويصبح خادماً لها بحريته الكاملة. وعلى نفس المبدأ نستطيع أن نقول أن الله إختار إبراهيم من بين كل البشر لأنه كان يعلم أنه سيكون هو وبعض من خلفه من سيظل أميناً له حتى يتهيأ مجيء المسيح منهم ليتبارك كل العالم به.
أنا أعلم أن الموضوع شائك، وهذا ما حدث معي عندما سمعت المحاضرة لأول مرة، ولكن في النهاية وصلت الفكرة، وأعتقد أنها تتناسب مع طبيعة الله الكلية القدرة والمعرفة.