-
بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم أجمعين
أولاً: أي مشاركة للأخوة الذين لا يعتبرون المجمع الخلقيدوني العظيم المقدس هو مجمع قانوني ومسكوني، فأي مشاركة لهم سيتم حذفها لأن هذا الموضوع سيكون تعليمي وليس للجدال.
ثانياً: المرجع الأساسي المعتمد في هذه الدراسة سيكون:
مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق - للأب الكاثوليكي فرنسيس مريا المرسل ضمن الإرساليات البابوية إلى مصر.
وقد قيل في هذا الكتاب من قِبَل الكنيسة القبطية:
[OCH="الأنبا أيسذورس أول اسقف لدير البراموس، الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة، ج1، ص 497"]نحن لا نعتمد على رواية الكنيسة القبطية التى طبعاً لا تروق لعين الخصم بل على رواية الأخصام ومنها نقف على الحقيقة ضالة المنصف ، ومصدر ر ما نقوله هو أولاً التاريخ الغربى المطبوع فى روما 1694م بأمر الكنيسة الرومانية لهداية مخالفيها ، وقد ندمت على إصدار هذا الكتاب فجمعت النسخ المطبوعة وأعدمتها ، ويوجد منها نسختان
الأولى : أحدهما فى مكتبة البطيركية أحدهما بخط اليد
الثانية : نسخة أخرى باللغة السريانية وجدت فى المتحف البريطانى ترجمت إلى الإنجليزية سنة 1867م وإلى الفرنسية سنة 1875م
ولا شك أن صدور هذه الوثيقة التى ترجمتها الكنيسة الكاثوليكية من وثائق المحاضر الأصلية التى يحتفظ به الفاتيكان فى مكتبته تعتبر تبرئة للبابا القبطى ديسقوروس ، خاصة أن لاون أسقف روما فى ذلك الوقت كان من المعاديين للبابا القبطى بالرغم من الصداقة الفريدة التى كانت تجمع البابا القبطى وبابا روما على مدى التاريخ القديم والمعاصر.
المصدر: البابا الأنبا ديسقوروس البطريرك رقم 25
[/OCH]
والثالثة اصبحت عندي :) .. وسيتم وضعها بعد الانتهاء من الموضوع. وقد نقلتُ هذه الشهادة للأنبا ايسذوروس التي يقول فيها أن الكنيسة الكاثوليكية ندمت على طباعته، وأنها سحبت نسخه من السوق!! لكي يكون شهادة على صدق محتويات الكتاب. مع العلم أن الكتاب باللغة العربية ترجم وطبع خصيصاً لأهل مصر وقد تم اهداء بطريرك الكنيسة القبطية نسخةً منه.
مع الملاحظة أن اللغة العربية المستخدمة في الكتاب هي سيئة جداً وكثيراً لم استطيع أن اقرأ الكلمة. فلذلك الاقتباسات من الكتاب ستكون احياناً حرفية وأحياناً بحسب المعنى. وبكلتا الحالتين لا يجوز اقتباس ما ساضعه على أنه ما جاء في الكتاب حرفياً، ولكنه مطابق للمعني. أي يمكن اقتباس بعضه على أنه معنى صحيح ولكن ليس بالضرورة نفس الكلمات التي كتبت في الكتاب.
والكتاب كما عرفه المؤلف هو مختصر الأعمال. ولذلك سنلجأ بالتأكيد إلى كتب أخرى تاريخية سيتم ذكرها مستقلة عند استخدامها.
مع العلم أن المؤلف كاثوليكي، وهدف ترجمة الكتاب هو أن تعود الكنيسة القبطية للشركة مع الكنيسة الرومانية.
فلذلك الكتاب ليس نزيهاً عندما يتعلق الموضوع بعظمة الكنيسة الرومانية وسلطة بابا روما.
وأنقل ما قاله الكاتب يبين هذا الموضوع:
[OCH="الأب فرنسيس مريا، مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق، ص 12 بحسب ترتيب ملف PDF الذي سيوضع في نهاية الموضوع"]يوجه كلامه للقارئ ويقول: أيها القارئ المبارك خذ الآن هذا المثال وإن كان الملك أراد إنفاذ أمر جمع اكثر الوزراء والأكابر وأعيان الدولة واستحضرهم إلى الديوان وأثبتوا الأمر وسطروه بالتحرير أمام الحاضرين، فهل يستطيع أحد يقول لا اقبل هذا الأمر ولا أرتضي بمضمونه؟ وهكذا البيعة المقدسة عبارة عن الملك الروحاني والبابا هو الملك المعين لهذا الملك وبإذن الله تعالى مثلما هو واضح في الابركسيس والانجيل المقدس والبطاركة الاربعة وزراءه أي البطريرك القسطنطيني والاسكندري والأنطاكي المقدس. ثم المطارنة الأساقفة بمقام الأكابر والأعيان. [/OCH]
فكما نراه هنا، يصف باقي البطاركة بالوزراء، ويجعل بابا روما ملك!!!! فلذلك ما سيأتي في هذا الكتاب من أفكار الكاتب لا دخل لنا بها.
وايضاً الكاتب يعود إلى النسخة اللاتينية لأعمال المجمع الخلقيدوني المقدس. وطبعاً في ما يخص موضوع مساواة أسقف القسطنطينية واسقف روما بالكرامة، يلعبون عليه جداً ويحاولون التهرب منه ويتمنون لو تنشق الأرض وتبلعهم على أن يقرأوا هذا القانون في هذا المجمع.
فلا أحد ينكر أنه مع القديس البابا لاون الكبير، بدأت تتبلور أولية روما بحسب المعتقد الروماني، إلا أنها ضاربة في القدم من حيث الأفكار وتعود إلى ترتليانوس. ولكن ما لبث البابا لاون وغيّر هذا الاعتقاد كما يخبرنا كتاب:
قول لاهوتي أرثوذكسي: أوليفيه كليمان، روما: نظرة أخرى - الأرثوذكسية والبابابوية، ص 25-26
ولم يعد القديس لاون يتدخل إلا ليشهد للحق ولكي يتأكد من احترام حقوق الكنائس المحلية. فهو لا يجهل أنه "خليفة" بطرس في في الأسقفية ويصرح أن الصيغة البطرسية ليست غائبة عن أية محلّة - كما أنه لا ينكر أيضاً كون الشعب المؤمن "خليفة" لبطرس الرسول، بقوله: "في الكنيسة كلها يعترف بطرس يومياً: انت المسيح ابن الله الحيّ". وهكذا، فإن كل لسان يعترف بالمسيح تحييه قوة هذا الكلام. وكان لاون يذكر على الدوام بأن وظيفته هي وظيفة "سهر" و"حراسة".
نذكر أن موضوعنا هو أوطيخا وليست أعمال المجامع بحد ذاتها، فلذلك لن نقف على ما حصل في المجامع ولا يختص بهرطقة أوطيخا.
وبنعمة الرب نبدأ.
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
سلام ونعمة
..................
ساتابع بشغف ما يُكتب......منتظرك يا اخي
:sm-ool-02::sm-ool-02::sm-ool-02:
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الأول
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الأول
من يظن أن أوطاخي/أوطيخا/افتيشيوس كان إنساناً غبياً جاهلاً، فهو يحتاج إلى إعادة النظر في هذا العبقري، والأمين بكبرياء على التعليم الحرفي للمجامع المسكونية المقدسة.
ولذلك سنبدأ أولاً بالمجمع المسكوني الأول وهو مجمع نيقية الأول.
كلنا يعرف مضمونه فهذا المجمع كثيراً ما يتم الحديث عنه، ولذلك لن نقف عنده كثيراً.
ولكن ما يهمنا حقيقة من هذا المجمع هو قانون الإيمان [HL][1][/HL]
الذي سَنّه، فلنقرأ:
نؤمن [HL][2][/HL]
بإله واحد
آبٍ ضابط الكل، خالق كل شيء، ما يرى وما لا يرى،
وبربٍ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب، ومن جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، الذي له ذات جوهر الآب، الذي به كان كل شيء، مما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات.
وبالروح القدس.
وكل من يقول:
إنه كان ثمة وقت لم يكن فيه،
أو إنه لم يكن قبل أن يولد،
أو إنه خُلق من العدم،
أو إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته،
أو إن ابن الله مخلوق،
أو إنه عرضة للتغير أو التبديل،
فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال
ما أردت التنويه عنه بالحديث عن المجمع المسكوني الأول (نيقية الأول) هو البنود المتعلقة بطبيعة الابن. دعونا نستعيد ما يقوله الدستور بخصوص الابن وطبيعته:
- الذي له ذات جوهر الآب
- نزل من السماء وتجسد وتأنس
- وكل من يقول إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته، فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال.
بالنسبة لرقم 2 أعلاه، فإن إضافة "تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس". هذه الإضافة قد تمت فيما بعد ولم تكن في دستور الإيمان النيقاوي.
والنقطتين الأولى والثالة واضحتان أنهما يتكلما عن أن طبيعة الابن هي نفسها طبيعة الآب. إلا أن النقطة الثانية تقول تجسد وتأنس دون أن تشرح هذا التجسد والتأنس كيف تم.
طبعاً دستور الإيمان النيقاوي، ظهر لكي يضع حداً لهرطقة آريوس فلذلك لم يُعنى بتثبيت الإيمان الأرثوذكسي فيما يتعلق بالتجسد.
وهذا المجمع اعتبر مسكونياً منذ انعقاده وثبتت هذه المسكونية في المجمع المسكوني الثاني والمسكوني الثالث والمسكوني الرابع وكل تعليم الآباء. ولذلك قوانينه نافذة في كل المسكونة حيث يُكرز باسم المسيح. وهذا الذي يميز المجمع المسكوني عن غيره بأنه نافذ في كل الكنائس. عكس المجامع المكانية التي ممكن أن تكون معترف بها في منطقة ما ومرفوضة في منطقة أخرى.
كما قلت أعلاه "اُعتُبِرَ" لأن المجمع المسكوني لا يستمد مسكونيته من تلقاء انعقاده، بل من اعتراف المسكونة فيه.
أعتقد الآن بدأنا نفهم عبقرية أوطيخا الكفرية... والآن سننتقل إلى المجمع المسكوني الثاني وهو المجمع القسطنطيني الأول، حتى نفهم أكثر الخلفية التاريخية لهرطقة أوطيخا.
يتبع>> المجمع المسكوني الثاني>>
----------------
[HL]الهوامش[/HL]
----------------
[HL][1][/HL]
الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص43. وطابقته على مؤلف الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك)، "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثاني: المجمع المسكوني الأول"، صفحة 311. واستعنت بالشماس اسبيرو جبور، سر التدبير الإلهي، الفصل الثاني: المجامع المسكونية، ب. دستور الإيمان النيقاوي، ص 104-105.
[HL][2][/HL]
يقول الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك) في "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثاني: المجمع المسكوني الأول"، في ذات الصفحة السابقة 311: "لاحظنا أن قوانين الإيمان في القرون الثلاثة الأولى بنوع خاص، تعتمد غالبيتها صيغة التكلم بالجمع أي "نؤمن" وليس "أؤمن"، باستثناء اعتراف الإيمان الذي يتلوه الموعوظ لدى اعتماده". ويتابع ويقول بما معناه أنه يوجد نسخ لاتينية استبدلت كلمة "نؤمن" بـ "أؤمن". ثم يعرج ويقول أن نؤمن هي أصح...انتهى الاقتباس. بالنسبة للقانون فهو ورد بصيغة الجمع هذا حقيقة، ولكن انطلاقاً من اعتراف الموعوظين فهمت الكنيسة الأرثوذكسية وعلمت أن تلاوة دستور الإيمان هو تلاوة شخصية، يعلن فيه كل شخص عن إيمانه الشخصي وخاصةً يجب أن نفهمه على ضوء موقعه في سر الافخارستيا. ولو كان مثلاً كاثوليكي وأرثوذكسي يتلوان قانون الإيمان، لا يستطيعا القول "نؤمن". لأن الكاثوليكي سيضيف "من الآب والابن"، في حين سيرى الأرثوذكسي هذه الزيادة هي هرطقة. فالأصح إذاً أن نقول "أؤمن" وليس "نؤمن". إلا اننا نقول "آبانا" لأن الله بغض النظر عن موقفنا تجاه، فهو آب للجميع.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
هذا المجمع هو المحور الفاصل في هرطقة أوطيخا، وذلك لأسباب ننقلها مُلخصة[HL][3][/HL]:
- عُقد هذا المجمع على أنه مجمعاً مكانياً.
- لم تصدر الدعوة إليه من بابا روما، ولم توجه إليه دعوة.
- أقل مجمع تمثيلاً، حيث أن عدد الأساقفة المجتمعين كان 150.
- لم تُمثل ولا أبرشية غربية، فضلاً عن روما، في هذا المجمع.
- رئيس المجمع، القديس ملاتيوس الأنطاكي، لم تكن بينه وبينا روما شركة.
- الرئيس الثاني للمجمع، القديس غريغوريوس اللاهوتي، رُفعت عليه دعوة بأنه خالف القوانين. [وله عظة يُدافع فيها عن نفسه وأحقيته في الجلوس على كرسي القسطنطينية].
- لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
- قوانين هذا المجمع لم تكن بعد قوانين مجمع نيقية في المجموعة التي استخدمها المجمع الخلقيدوني.
- أصدرت روما حرم ضد هذا المجمع، ولم تعترف بقوانين، إلا بعد 1000 سنة [HL][4][/HL].
- لكن يتميز هذا المجمع، بأنه اعتبر مجمع قديسين. وقد لا يكون هناك مجمعاً آخر يضاهي هذا المجمع بعدد الذين اجتمعوا فيه من المعترفين والقديسين. يكفي أن نقول أنه بالإضافة لمن ذكرت أسماؤهم بالأعلى فكان حاضراً أيضاً، غريغوريوس النيصصي، تيموثاوس الإسكندري[HL][5][/HL] وكيرلس الأورشليمي حضروا هذا المجمع.
- هناك من ينكر على هذا المجمع أنه سنّ قوانين. ولكن تأكد أن القوانين الأربعة الأولى هي من وضعه. ولكن بالنسبة للقوانين 5، 6، فهي من المرجح أن تكون من وضع مجمع آخر عُقد في القسطنطينية بعد سنة، أي 382. وهذه القوانين عُرفت في خلقيدونية. أم القانون رقم 7 فيشك فيما إذا كان المجمع قد وضعه أم لا لأن يوحنا مفسر القوانين، لم يعرفه في القرن السادس. إلا أن هذا القانون قد تبناه المجمع الخامس – السادس وجعله رقم 95 من بين قوانينه [HL][6][/HL].
هذه هي أهم ميزات هذا المجمع الذي لم يُسمى مسكونياً إلا بعد المجمع الخلقيدوني إذ ثبت قوانينه وتبنى تعليمه. وقبل هذا، كما رأينا أعلاه، لم يكن مجمعاً ذا ثقلاً في الكنيسة. حتى أن المجمع المسكوني الثالث وهو المجمع الأفسسي لم يقرأ أعماله. فبالتالي هذا يعني بلغة القوانين الكنسية، أن أعمال وقوانين وتعاليم هذا المجمع غير ملزمة للإيمان. لا يعني أنها خاطئة، فهناك مجامع كثيرة نأخذ منها وهي مكانية لا وبل تعتبرها كنيستنا ضرورية وقوانينها نافذة في الكنيسة الأرثوذكسية[HL][7][/HL].
إذاً نحن الآن ما يهمنا هو البند رقم 7، الذي يقول: لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
هذا كان من ناحية هيكلية ومكانة هذا المجمع. ولكن ما هو تعليم هذا المجمع الذي يخص موضوعنا؟
المجمع ناقش عدة أمور أهمها: هرطقة محاربي الروح القدس، هرطقة أبوليناريوس، ورفع الكرسي القسطنطيني فوق الكرسي السكندري في الشرق وتسمية القسطنطينية برومية الجديدة.
ما يخص بحثنا هذا هو هرطقة أبوليناريوس، ورفع كرسي القسطنطينية.
ونبدأ من رفع كرسي القسطنطينية :
القانون رقم 3 من مجمع القسطنطينية يقول: وأما أسقف القسطنطينية فليكن له إكرام التقدم بعد أسقف روما، لأن القسطنطينية هي رومية الجديدة.
هذا القانون الذي لأجله لم تعترف روما بقوانين هذا المجمع، ولكنها اعترفت بتعليمه الذي ثبته خلقيدونية.
أما في الإسكندرية، فكان لهذا القانون وقع أكبر. مع أن الإسكندرية كانت ممثلة وهم الذين شنّوا حملة إقصاء القديس غريغوريوس اللاهوتي عن أسقفية القسطنطينية وبالتالي عن رئاسة المجمع. وكان من الأمور التي جاءت نتيجة هذا القانون هو وجود ضغينة في قلوب الأساقفة السكندريين تجاه أساقفة القسطنطينية.
فالبابا ثيوفيلوس، رقم 23 على كرسي القديس مرقس، شنّ حرباً شعواء ضد القديس يوحنا الذهبي الفم وكان هو أكبر سلطة كنسية ساعدت الملكة افذوكسيا. وبمساعي الإمبراطورة والبابا ثيوفيلوس تم عزل القديس يوحنا واتهامه بالهرطقة. وكما هو معلوم فقد رقد القديس يوحنا الذهبي الفم وهو قانونياً هرطوقي.
قد ينزعج بعض الأقباط من هذا الكلام، ولكنها حقيقة لا نستطيع التهرب منها. وقد حاول القمص تادرس يعقوب ملطي، تبرير عمل البابا ثيوفيلوس فقال أنه كان يعتقد بأن القديس يوحنا الذهبي الفم أوريجنسي. مع أنه في نفس الكتاب يقول بأن القديس يوحنا الذهبي الفم كان معارضاً للمدرسة اللاهوتية السكندرية والتفسير الرمزي، واصفاً إياها بمخرّجة الهراطقة. وكان يقصد أوريجنس.
وهناك أمر أخر لا بد من الانتباه له، بأن نتحدث عن بطريرك كان في زمن قبل خلقيدونية وبالتالي فنحن لا نتحدث عن شخص نعتقد أنه قد هرطق. ولكننا نقول بأنه كان قاسي، وفظ، ولا يحترم كرسيه. وهذا القول قد نقوله في أي أسقف. وكما أننا لا نقول بأن بولس السمسياطي ليس هرطوقياً مع أنه أنطاكياً.
ونعود للموضوع، فقد انسحب هذا الموقف تجاه القسطنطينية على القديس كيرلس الكبير أيضاً، كونه كان متأثراً بخاله –البابا ثيوفيلوس-، وكانت كنيسة الإسكندرية أخر كنيسة تعلن قداسة الذهبي الفم. وذلك بعد أن قام الأسقف الشيخ أكاكيوس أسقف حلب بترجي القديس كيرلس من أجل هذا الأمر. وقد كان أكاكيوس الضلع الثالث بعد البابا ثيوفيلوس والإمبراطورة أفذوكسيا في إدانة القديس يوحنا الذهبي الفم.
وطبعاً بقي سارياً هذا الأمر إلى ما بعد القديس كيرلس وسنتكلم عنه في وقته.كما سنعرّج على موضوع القديس كيرلس في محاربته لهرطقة نسطوريوس.
أما الموضوع الثاني الذي ناقشه المجمع المسكوني الثاني، ويدخل في صلب موضوعنا هذا، كان: هرطقة أبوليناريوس.
من هو أبوليناريوس وما هي الأبولينارية؟[HL][8][/HL]
من اللاذقية، ولد حوالي 310. كان أسقف النيقاويين في حربهم ضد الآريوسيين. فكان معروفاً بحبه وصداقته للقديس أثناسيوس الكبير بطل الأرثوذكسية. وكان مؤلفاً غزير الإنتاج، ولكن لم تصل لنا من مؤلفاته إلا القليل. نستطيع أن نقول أن هذا أعظم الهراطقة. فهرطقته كانت لها الأثر في حدوث كل الانشقاقات. وكان سابق عصره في فكره اللاهوتي، فقد استطاع أن يحول موضوع الهرطقات من الثالوث القدوس إلى سر التجسد. وكان أنطاكياً قحاً في اللاهوت والفكر. وقد يكون من أكثر الأشخاص الذين حاربوا الهرطقات. فلم يترك باباً من أبواب الهراطقة إلا وطرقه ليفنّد بدعتهم وضد الوثنين ليرد ضلالهم. وقد وصل إلينا مؤلفات عقائدية تُنسب له لغيره، مثل "اعتراف إيمان" ينسب للقديس غريغوريوس العجائبي. وكتابي "الاتحاد بالمسيح" و"في تجسد الكلمة الإله" وتنسب للقديس أثناسيوس الكبير.
في بداية الأمر لم يلحظ الآباء أخطاء أبوليناريوس العقائدية، ولكن مع غزارة إنتاجه هبّ كثيرون لمواجهته وتفنيد بدعته. وكان على رأسهم صديقه السابق القديس أثناسيوس الكبير. وأيضاً باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، وغريغوريوس اللاهوتي وغيرهم.
وقد تمت إدانة بدعته من قبل عدة مجامع مكانية، منها: الإسكندرية 362،ـ روما 374 و376 و380، وأنطاكية 397. ومن ثم في المجمع المسكوني الثاني.
وعلى إثره قامت السلطات بمحاربة أبوليناريوس وأتباعه ومنعتهم من انتخاب أساقفة أو تنصيب كهنة. وحرمت عليهم أن يسكنوا في المدن وعقد الاجتماعات أو التجمعات. فبدأت تنحصر هذه البدعة شيئاً فشيئاً إلى أن بقي منها مجموعة صغيرة.
إلى أن جاء عام 426 وأعلن قسم كبير من الباقي بتوبتهم وندامتهم وطلبوا العودة إلى الشركة من قبل أسقف أنطاكية ثيودوتوس، فقبلهم.
إلا أن بعضاً منهم أبقى إيمانه سراً، ومن ثم اختلطوا مع مذهب "الطبيعة الواحدة"، المونوفيزيتيين.
نعود إلى أبوليناريوس، أنطلق أبوليناريوس في لاهوته على أساس معارضة الآريوسية ودحض آرائها في الثالوث القدوس، لكنه ما لبث أن استرجع مبادئها في الخريستولوجية، وربما عن غير وعي تأثر بها. فجذبه هكذا صراعه ضد الآريوسية إلى أخطاء ليست أقل شؤماً. فوصل إلى التطرف الآخر من الهرطقة: شوّه كمال ناسوت المسيح، كما تعترف به الكتب المقدسة والتقليد الآبائي والإيمان المستقيم، إذ أنكر وجود نفس عاقلة في المسيح ابن الله المتجسد.
فكان بهذا أول هرطوقي خريستولوجي، أول من ارتكب هرطقة خريستولوجية بالمعنى الحصري.
يعوج خطأ أبوليناريوس إلى عدم وضوح في الرؤيا، وإلى تشابك الأفكار، وإلى نظرة جد مادية داخل اللاهوت، وإلى اختيار اعتباطي لنظريات من مدارس فلسفية متنوعة، مما أدى إلى تصادم وارتباك في الأفكار. إذ كان يحب التلفيق ليجمع من كل حدب وصوب فكرة يضمها إلى أفكاره فتكتمل نظريته. ارتكز على عناصر "مشائية" أي فلسفة أرسطو، بالإضافة إلى عناصر "رواقية" وتبع أفلاطون قاعدة لذلك.
شدد في معارضته للآريوسية، على الاتحاد الكامل بين ناسوت السيد المسيح ولاهوته، مع افضلية واضحة لألوهيّة الفادي. فحاول إيجاد حل لمعضلة هذا الاتحاد، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفسير اتحاد الطبيعتين في المسيح على أنه اتحاد شخصين أو أقنومين. وكان همه وهاجسه، تأكيد وحدانية الكلمة المتجسد وعدم الفصل بين الطبيعتين. فلكي يحل هذه المعضلة التي خلقها وواجهته، أنكر على الكلمة المتأنس ناسوته التام، معتبراً أنه اتخذ الطبيعة البشرية، ولكن من دون نفس عاقلة nous.
وقد توصل إلى هذه النظرية لأنه أساساً استند على ثلاثية افلاطون: الإنسان مكون من ثلاثة عناصر هي "الجسم"، النفس الحيوانية" و"النفس العاقلة أو الروح (أو العقل وهي النوس باليونانية كما قلنا أعلاه)" [HL][9][/HL]. وطبق هذه النظرية على الخريستولوجيا، فتوصل إلى أن الإنسان-الإله مكون من ثلاثة عناصر هي: الجسد، النفس، واللوغوس الذي حل مكان الروح، فنفى بذلك وجود النفس العاقلة (الروح) في المسيح. إذ إن اللوغوس المتجسد قام مقامها فاعلاً للنشاطات الإنسانية في المسيح.
أما السبب الذي حدا به إلى إنكار وجوده، فلأنه كان مقتنعاً بأن نسب النفس العاقلة للمسيح، يعني نسب الحرية إليه، وبالتالي التغيير والخطيئة [HL][10][/HL]. وهذا ما يهدد، كما يقول، يقين فدائنا.
لكنه لم يلاحظ أنه أنه بتشويهه طبيعة يسوع البشرية، يهدم الإله-الإنسان، ويقوض أساس ناسوت المخلص، إذ كان يفسر بالمعنى الحرفي الضيق نص إنجيل يوحنا 1: 14 [HL][11][/HL]، غير منتبه إلى أن الكتاب المقدس يعني بالجسد الإنسان بكليته، وبالتالي فإنه يعرض الخلاص كله للخطر والانتفاء.
استشهد أبوليناريوس لإثبات رأيه بالآتيني: "قدسكم إله السلام تقديساً تاماً، وحفظكم سالمين روحاً ونفساً وجسداً" (1 تسا 5: 23) [HL][12][/HL] و"إن الجسد يشتهي ما يُخالف الروح، والروح يشتهي ما يخالف الجسد، كلاهما يقاوم الآخر حتى إنكم تعملون ما لا تريدون" (غلا 5: 17). ومرد إنكاره اتخاذ الكلمة المتجسد نفساً بشرية عاقلة، يعود إلى أنه لم يميز بين "طبيعة" و"أقنوم"، بل كان يساوي بينهما، فلم يكن يقدر، بحسب طروحاته، ان يقبل بوجود أقنومين في كيان المسيح الواحد: اعتبر أن جوهرين كاملين، أو طبيعتين تامتين، لا يمكنهما أن يتحدا ويشكلا كياناً واحداً، لأن طبيعة تعادل أقنوم، وهذا منعه من القبول بوجود طبيعة بشرية كاملة في المسيح، ولهذا علّم بطبيعة واحدة فيه، هي الطبيعة الإلهية.[HL][13][/HL]
فكان لدى أبوليناريوس سببان أساسيان يعارضان أن يكون في المسيح إنسانية تامة. السبب الأول ميتافيزيقي، أي أن كائنين كاملين، الله والإنسان، لا يمكن أن يكوِّنا وحدة، بل كائناً هجيناً؛ واعتبر أن التعليم القائل بوحدة في أقنوم واحد مستحيل، لأنه لم يرَ كيف يمكن أن يكوّن كائنان كاملاً تاماً، إله وإنسان، كائناً واحداً أي المسيح. والسبب الثاني بسيكولوجي، إذ يعتبر أن النفس العاقلة هي مركز قوة الإرادة الحرة والاختيار الشخصي بين الخير والشر، ولهذا لا يمكن أن ننسب إلى المسيح إمكانية الخطيئة، فالمخلص يجب أن يكون من دون خطيئة ليتم الفداء. واستنتج أنه لا يمكننا القول إن المسيح مُنزه عن الخطيئة إذا ما وافقنا على أنه اتخذ نفساً بشرية، التي تقع بالضرورة في الخطيئة.
لهذا اعترف أبوليناريوس بطبيعة واحدة في المسيح، طبيعة واحدة في الله الكلمة المتجسد[HL][14][/HL]، لأن كل طبيعة كاملة، في مفهومه، يُقابلها أقنوم [HL][15][/HL].
يتبع>> ج2>>
-----------------
[HL]الهوامش[/HL]
-----------------
[HL][3][/HL] الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص241-242.
[HL][4][/HL] بعد جلوس بطريرك لاتيني في القسطنطينية.
[HL][5][/HL] إن كان القديس تيموثاوس الإسكندري غير معروف كثيراً الآن، إلا أن قوانينه من قوانين الكنيسة الأرثوذكسية. راجع الأب الدكتور جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، الفصل الرابـع: قوانين إيمان الكنائس الثلاث، قوانين إيمان الكنيسة الأرثوذكسية
[HL][6][/HL] راجع الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 241 فما بعد.
[HL][7][/HL] المرجع السابق. مثل: مجامع القسطنطينية المنعقدة سنة 1341، 1347، 1351، 1638.
[HL][8][/HL] الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك)، "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثالث: المجمع المسكوني الثاني"، صفحة 81 وما يليها.
[HL][9][/HL] تُدين كنيستنا الأرثوذكسية هذه النظرية والقائلين بها. للمزيد راجع: الأب د. جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، القسم الثاني، الفصل الأول، 8- حلق العالم المنظور، ج- خلق الإنسان
[HL][10][/HL] وهكذا نرى أن وجود مشيئة وإرادة واحدة في المسيح، هو تعليم ابوليناري صرف. ولذلك ردّ عليه القديس غريغوريوس اللاهوتي في المجمع المسكوني الثاني وقال: ما لم يتخذه المسيح، لم يخلص. أي إن لم يكن للمسيح إرادة ومشيئة بشرية، فإن مشيئتنا مازالت فاسدة.
[HL][11][/HL] وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا
[HL][12][/HL] هذا النص ولو أنه يبدو لأول وهلة وكأنه يوافق على النظرية الثلاثية، إلا أنه لا علاقة له في الجوهر معه، لأن روح ونفس هنا لا تشيران إلى مبدأين أو طبيعتين مختلفتين في الإنسان بل إلى وظيفتين في طبيعة واحدة والتي هي الطبيعة العاقلة وغير المحسوسة التي تكلم عنها الآباء. الروح إذاً هي النفس ذاتها منظوراً إليها بحسب قواها ومواهبها العليا. وأكبر دليل على ذلك هو في النص التالي "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب12:4). الذي يذكر به المفاصل والمخاخ والقلب ... فهذه كلها أعضاء في الجسد وليس كل منها عنصراً أساسياً مكوناً للطبيعة البشرية. هكذا أيضاً فالنفس والروح ليستا سوى وجهين أو وظيفتين لعنصر واحد. وغالباً ما تشير الروح إلى النفس السامية، النفس المتحدة بروح الله والمتمتعة بكل المزايا الناتجة عن حياة الروح مثل استنارة الذهن، الحكمة والفضائل.
من هنا فتعبير "نفسانيون لا روح لهم" الوارد في رسالة يهوذا يشير خاصةً إلى نفوس الذين لا تأثير للروح القدس عليهم بل يخضعون لقوى طبيعتهم الفاسدة بسبب الخطيئة، وليس عندهم ولادة جديدة. (المرجع السابق)
[HL][13][/HL] أرجو أن نتذكر هذه الفقرة جيدة، لأننا سنصطدم بها لاحقاً مع تعليم أوطيخا. فكما لاحظنا هنا لم ينكر أبوليناريوس التجسد، ولكنه قال أن في المسيح يوجد طبيعة إلهية فقط، متجسدة أي اتخذت جسداً لها.
[HL][14][/HL] وهي الجملة التي اقتبسها القديس كيرلس، ومن ثم صحح مفهومها وعمدها معموديةً أرثوذكسية. إلا أن هناك من رفض هذه المعمودية وأرادها أن تبقى على ما كانت عليه.
[HL][15][/HL] وهذا ما سنراه لاحقاً في الحديث عن أوطيخا وخلقيدونية.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج2
تابع>>>
زعم أبوليناريوس أنه قادر على تحديد اتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح بدقة رياضية، معتمداً في شرحه هذا الاتحاد على نظرية اتحاد الكلمة بالجسد، أو لوغوس-ساركس (Logos-Sarx) المتطرفة، التي تجعل اللوغوس يحل محل النفس العاقلة. إذا كان يعتقد أن الروح الإلهي بإمكانه أن يُهيمن على النفس البشرية الحيوانية، فيُعيد التناغم والانسجام بين جزء الطبيعة البشرية الأدنى، وجزئها الأسمى، فاستبدل، في المسيح، بالروح الضعيف، المعرض لأنواع من المخاطر وتجارب شتى، الروح الإلهي القوي والراسخ، ولهذا دعا المسيح "الإنسان السماوي" [HL]
[16][/HL]
. وقد أطلق أبوليناريوس على الكلمة المتجسد، من دون أن يعني بهذا، كما في هرطقات أخرى، أن جسد المسيح نزل من السماء. فهو يُعلم أن المسيح أخذ ناسوته من العذراء، وأنه يصبح إلهاً باتحاده بالألوهة [HL]
[17][/HL]
. فالمسيح إذاً هو الإنسان السماوي بقوة الروح الإلهي، أي اللوغوس، لأن اللوغوس يدخل فعلياً في اتحاد حقيقي وجوهري مع الجسد ليكون الكائن البشري.
لقد رغب أبوليناريوس، أن يوحد في المسيح، جوهرياً وتلازمياً، اللاهوت بالناسوت، لأنه خشي جداً الفصل بينهما. فرأى الإنسان-الإله وحدة في هيئة إنسان. بهذه العبارة أراد أبوليناريوس أن يشرح كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح، ووصف عملية التجسد على النحو التالي: "ليس التجسد أن يسكن الإله في الإنسان، بل يكون التجسد الحق عندما يكون الروح الإلهي والجسد الأرضي وحدة كيانية عضوية، بحيث يكون الإنسان، في المسيح، مكوناً من هذين العنصرين".
لا يفترض تحقيق عملية التجسد إذاً، في مفهومه، بواسطة ناسوت المسيح الكائن بحد ذاته، لا زمنياً ولا أنطولوجياً، ولا يكون ناسوته بحد ذاته إلا من خلال اتحاد الروح الإلهي بالجسد الأرضي. لأن "صار" إنساناً لا يعادل "اتخذ" إنساناً. من هنا "لا تشكل النفس البشرية عنصر إنسانية المسيح بالحقيقة، الأساسي والضروري، بل الروح الموجود قبل الجسد، الروح يتحد بالجسد ليكونا وحدة كاملة". نستشف من هذه النظرية أن التجسد، بحسب أبوليناريوس، يعني أن اللوغوس يتحد بالطبيعة البشرية المادية، ليكونا وحدة جوهرية، وبهذه الوحدة يكون المسيح كائناً ذا جسد وروح.
ولتحقيق ادعاءته، بأنه قادر على تحديد العلاقة بين الناسوت واللاهوت في المسيح بدقة حسابية، ولإثبات صحتها، جعل أبوليناريوس المسيح كائناً متوسطاً وسيطاً بين الله والإنسان، وكأن المسيح مكوّن من نصف إليه ونصف بشري، امتزجت أجزاؤهما كلها في "كل" جديد.
يظهر إذاً "كل" جديد بتجسد اللوغوس، ونستطيع فهم فكرته الأساسية، من خلال نصه هذا: "نعترف فيه بكيان مخلوق مع اللامخلوق وبكيان اللامخلوق ممتزج بالمخلوق، لأنه من الجهتين هو طبيعة واحدة، لأن اللوغوس، بفضل كمال ألوهته، يمنح الكل طاقة جزئية، بحيث يُكمل ما نقص فيها، فيكون على صورة الكمال الإلهي. ويحدث الشيء نفسه عند الإنسان العادي، المكون من جزئين ناقصين يؤلفان طبيعة واحدة، ويظهران تحت اسم واحد".
من هنا يكون الإنسان-الإله "كل" مكوناً من أجزاء مُتعددة الطبيعة، فيكون لدينا كائن وسيط مركب، كما يقول: "تتكون الكائنات الوسطى أو الوسيطة، عندما تندمج خصائص مختلفة لتكونا شيئاً واحداً، وعلى سبيل المثال خصائص الحمار والحصان في البغل، وخصائص الأبيض والأسود في الرمادي...، ولكن لا يحتوي أي كائن وسيط خصائص الطرفين في كليتهما، ولكنهما فيه جزئياً. وفي المسيح هناك كائن وسيط، مكون من الألوهة والناسوت، فهو إذاً ليس بإنسان كامل ولا إله كامل، بل خليط من كليهما".
لا يمكننا أن نعتبر الناسوت واللاهوت في المسيح بحسب أبوليناريوس، على أنهما على المستوى نفسه وفي الدرجة عينها، أو أنهما متساويان. فالروح الإلهي يحافظ، في كل شيء، على أوليته وتفوقه وسيادته وسلطانه، فيصبح الروح المحيي، والعام الذي يحرك فاعلياً الطبيعة البشرية. فيشكل الاثنان وحدة كيانية وحياتية. وهنا يكمن الأساس الميتافيزيقي لهذه الوحدة، في مفهومه، إذ يستند إلى أن كل حرمة الحياة في هذه الوحدة، الإنسان-الإله، مركزها اللوغوس في ذاته وبحد ذاته.
وفي تفسير خاطئ، لآية" "كان آدم الآخر روحاً محيياً" (1كور 15: 45)، لا يرى أبوليناريوس في المسيح إلا حياة إلهية. فتكون كل عملية الخلاص معتمدة على أن جسد المسيح يحييه روح إلهي معصوم، وإرادة ثابتة، وقدرة إلهية، وبالتالي لا يقع في الخطيئة، كما يقول: "على الرغم من أن الإله تجسد في جسم بشري، لكنه يحافظ على طاقاته الخاصة كما هي: هو عقل لا يمكن أن تغلبه أهواء النفس والجسد، وهو يقود إليها الجسد وحركاته كلها من دون خطيئة".
من هنا تأتي صيغة أبوليناريوس الشهيرة "طبيعة واحدة" [HL][18][/HL]، إذ اعتبر التكلم عن طبيعتين، في المسيحـ بمثابة ذريعة للذين يرومون تدمير وحدة المسيح، لأنه لا انقسام إلا حيث هناك ثنائية أو ازدواجية، وهذه الثنائية غير موجودة فيه. وإذا تطلعنا وتمعنا، كما يليق، في كيان المسيح "فليس الجسد بحد ذاته طبيعة، لأنه لا يقدر بذاته أن يمنح الحياة ولا يمكن كذلك فصله عن اللوغوس المعطي الحياة. وكذلك فإن اللوغوس غير منفصل، أو بالأحرى غير موجود في طبيعته اللاجسدية، بل يقيم في الدنيا فقط عندما يتحد بالجسد. لهذا فإن التحدث عن طبيعتين لخاطئ. إذ لا يعيش الجسد المخلوق منفصلاً عن الألوهة اللامخلوقة، بحيث نلاحظ وجود طبيعة مخلوقة مستقلة بوضوح، ولا يسكن الكلمة اللامخلوق في العالم منفصلاً عن الجسد، بحيث نلاحظ وجود الطبيعة اللامخلوقة وحدها بوضوح".
ومرد هذا الأمر إلى مفهوم "طبيعة" لدى أبوليناريوس، الذي اعتبر أن تسمية "طبيعة" لا يمكن إطلاقها بتاتاً إلا على حقيقة محيية، تكون مصدر الحياة في كيان ما [HL]
[19][/HL]
. وهكذا وجد، في المسيح، أنه لا يمكن إطلاق اسم "طبيعة" إلا على اللوغوس، من هنا خرجت تلقائياً صيغة "طبيعة واحدة": "نعترف.. لا بطبيعتين، بل بطبيعة واحدة، طبيعة الله الكلمة المتجسد، أي إن الله الكلمة المتجسد طبيعة واحدة μία φύσις του Θεού λόγου σεσαρκωμένη"[HL][20][/HL]
. فالإله-الإنسان طبيعة واحدة، جوهر واحد، لأنه قدرة محيية واحدة تدخل الجسد، القدرة الخارجة من اللوغوس، وهي توحد الاثنين في وحدة كيانية...
تكمن قوة خريستولوجيا أبوليناريوس في ميزتها الوحدوية، أما نقطة ضعفها فيه واضحة وذلك في نقصان إنسانية المسيح، وهذا ما يصعب قبوله بالاعتماد على الكتاب والتقليد، تعليم الكنيسة،. وقد خال أبوليناريوس أن بنظرياته هذه ينقذ الإيمان القويم، ويضعه على السكة الصحيحة، وظن أنه بهذا يصيغ الخطوط الأساسية والرئيسية للاهوت كنسي صلب القاعدة والأساس، يستطيع به التصدي لأنواع مختلفة من الهرطقات والبدع، ويقضي عليها. غير أنه صنع لاهوتاً وخريستولوجية فيزيولوجية مادية سخيفة تلغي سمو الله وكماله، إذ من المؤكد أنه لم يرَ الوحدة إلا من منظور مادي بيولوجي، بحيث يربط الألوهية مباشرةً بالجس، فيكون بذلك طبيعة واحدة. ورأى فيها تفسير صحيح لتبادل الخصائص، والحبل العذري، وقوة موت المسيح الفدائية، وطابع جسده الخلاصي الذي نتناوله في الافخارستيا. فنقض بذلك التجسد، لأنه ضحى بأهم عنصر يتكون من الإنسان، لتحقيق غايته، وانتهى به الأمر إلى السير على خطى الهراطقة، والقول بالإله المتوشح بالجسد. بإلغائه عنصراً من عناصر ناسوت المسيح، جعل عملية الخلاص جزئية، لأن الفداء، يشمل الإنسان بكليته، وبالتالي فالكلمة المتجسد اتخذ طبيعتنا كاملة.
لقد أراد أبوليناريوس إبراز إلوهية المسيح، لكي يحافظ على الإيمان النيقاوي، القائل: "الذي له ذات الجوهر" [HL][21][/HL]، فأساء فهم علاقة الألوهية بالإنسانية في المسيح، فأنكر بذلك على المسيح أحد عناصر الإنسانية الأساسية والجوهرية والكيانية.. فهدم تجسد الكلمة الحقيقي وتدبيره الخلاصي برمته.... انتهى موضوع أبوليناريوس
إذاً عرفنا الآن مضمون هرطقة أبوليناريوس، ويوجد عليها ردود كثيرة من الآباء القديسين. وعرفنا أيضاً أنه نادى بـ "طبيعة واحدة للكمة المتجسد". وهي نفس العبارة التي استخدمها لاحقاً القديس كيرلس لكي يرد على هرطقة نسطوريوس.
سنترك الحديث عنها الآن وقد نعود لها في عرض المجمع المسكوني الثالث المقدس، أو لا نعود. لأن هذا الموضوع قُتل بحثاً.
أما رد المجمع المقدس على أبوليناريوس كيف كان؟
لقد كان من خلال دستور الإيمان القسطنطيني. وهو الجزء المكمّل والمعدل لدستور الإيمان النيقاوي، فدعونا أولاً نعود ونتذكر قانون الإيمان النيقاوي:
نؤمن بإله واحد
آبٍ ضابط الكل، خالق كل شيء، ما يرى وما لا يرى،
وبربٍ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب، ومن جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، الذي له ذات جوهر الآب، الذي به كان كل شيء، مما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات.
وبالروح القدس.
وكل من يقول: إنه كان ثمة وقت لم يكن فيه، أو إنه لم يكن قبل أن يولد، أو إنه خُلق من العدم، أو إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته، أو إن ابن الله مخلوق، أو إنه عرضة للتغير أو التبديل، فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال.
أما دستور الإيمان الذي وضعه المجمع القسطنطيني فكان، كالتالي[HL]
[22][/HL]
:
نؤمن بإله واحد
آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى،
وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس، وصلب عنا على عهد بونتيوس بيلاطس، وتألم وقبر، وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه،
وبالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن، مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء.
وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية.
ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا.
ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي. آمين
لو تمعنا جيداً في هذا الدستور، لوجدنا اختلافات بينه وبين دستور نيقية. فهما من بالنسبة للآب والابن ليسا نصاً واحداً. أما بالنسبة للروح القدس فهو معروف أن هذا المجمع قد أضاف هذه الفقرة ولم تكن أساساً في نيقية. وتمت إضافتها رداً على الهراطقة محاربي لاهوت الروح القدس.
وما يهمنا عملياً هو الرد على أبوليناريوس من خلال هذه الجملة التي قالها المجمع "من الروح القدس ومن مريم العذراء". فهي كانت للرد على هرطقة أبوليناريوس بأن الكلمة المتجسد له ذات طبيعة السيدة العذراء مريم.
إذاً فقانونياً، وشرعاً، وكتعليم كنسي نافذ في كل المسكونة، كان هذا التعليم ليعلن ويثبت إيمان الكنيسة بتمام طبيعة المسيح البشرية.
ولكن انتهت أعمال هذا المجمع وهو ليس مجمعاً مسكونياً، وظل هكذا فترة طويلة من الزمن حتى جاء مجمع خلقيدونية وجعله مجمعاً مسكونياً. وأبسل كل من لا يؤمن بتعليمه. ولذلك كان الهراطقة يستطيعون الهروب من الإعتراف بكمال طبيعة المسيح البشرية حتى انعقاد مجمع خلقيدونية.
وكل من يعتبر أن هذا المجمع مسكونياً، فهو بالضرورة يؤيد مجمع خلقيدونية. لأن المجمع المسكوني الذي يليه، وهو المجمع الأفسسي – المسكوني الثالث، لم يقرأ حتى أعماله ولم يعيره أي اهتمام. وكأنه لم يكن. لم يزد بالتعليم شيئاً ولا بتثبيت العقائد.
وبقي حتى سنة 451، قانونياً، الاعتراف بنيقية ومن ثم أفسس كافيين ليكون المرء أرثوذكسياً. وكما رأينا بالنسبة لقانون نيقية، فهو يركز على الطبيعة الإلهية وهو ما دافع عنه باستماتة أبوليناريوس الهرطوقي.
وهكذا بقي أمامنا فقط أن نعرف ما دخل مجمع أفسس المسكوني الثالث بموضوعنا قبل أن ننتقل إلى صلب الموضوع ألا وهو أوطيخا وتعليمه عن الطبيعة الواحدة من خلال أعمال المجمع الثلاثة: قسطنطينية 448، أفسس اللصوصي 449 وخلقيدونية المسكوني الرابع 451.
يتبع>> المجمع المسكوني الثالث>>
------------------
[HL]الحواشي[/HL]
-----------------
[HL]
[16][/HL]
1كور 15: 47 الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ
[HL][17][/HL] هذه الفكرة أيضاً سنجدها عند أوطيخا.. فلنتذكرها جيداً.
[HL][18][/HL] حاشية من النص المقتبس، رقم 66 في صفحة 88: نجد لدى أبيفانيوس برهاناً على هذه المقولة حول أساس وحدة الأقنوم الطبيعي والفاعل في المسيح. فهو يُفيدنا بأن مدرسة ابوليناريوس استعملت مفهوم "أقنوم" استعمالاً ملتبساً، ونستطيع أن نستنتج، إنطلاقاً من تفنيد إبيفانوس له، ملخصاً معبراً عن خريستولوجية ابوليناريوس: "الإنسان أقنوم بفعل النفس التي فيه، وهي مبدأ الحياة. فإن لنفسه الحيوانية وجسده، من خلال هذه النفس، أقنوم أو شخص. وإذا اتخذ الكلمة، من حيث أنه نفس إلهية وروح إلهي، نفساً بشرية، ففي المسيح إذاً أقنومان، وهذا مستحيل... لأن في المسيح أقنوم وحيد فقط".
[HL]
[19][/HL]
حاشية للنص المقتبس، رقم 68، ص 89: إن النظريات الفلسفية التي طبقها ابوليناريوس على الخريستولوجيا أدت به إلى مثل هذا التفسير: فهو اعتبر أن "طبيعة" ليست جوهراً جامداً مجرداً، وليست هي الطبيعة التي توحد في ذاتها الأقنوم والجوهر، كما في خلقيدونية ، الطبيعة هنا هي الكائن الذي لديه المحرك في حد ذاته، والتقرير الذاتي، الذي مصدره الرئاسة والسلطة، وهو العنصر الرئيس في الطبيعة. وهكذا فإن الجسد، بحسب أبوليناريوس، يتحد بالكلمة، ويصير عضواً له، تجري فيه قدرة اللوغوس وحياته وقدرته... لأن اللوغوس هو مصدرها الوحيد. وهذا يتضمن أيضاً الطاقة الحياتية كلها بدون استثناء، فيكون في المسيح طبيعة واحدة وأقنوم واحد: "إن الله، بعدما اتخذ الأداة هذه، هو إله من حيث أنه يفعل، وهو إنسان من حيث أنه أداة. فإن الله لا يتحول بل يبقى هو نفسه، ويشكل مع الأداة هذه، التي يحييها ويحركها، فعلاً واحداً. وإذا كان الفعل واحد فطبيعة اللوغوس والأداة واحدة". [وهذا يعود بنا أيضاً إلى الفعل الواحد، الذي حاربه المجمع المسكوني السادس.]
[HL]
[20][/HL]
حاشية للنص المقتبس، رقم 69، ص 89: Apollin., Ad Iovian; Ad Dionys. A 2
استعمل كيرلس الاسكندر، هذه الصيغة على أنها من اثناسيوس، وبعود هذا الأمر إلى أن الأبوليناريينـ قد تشروا تعاليم مؤسسهم تحت أسماء مستعارة لامعة، حتى تنال مصداقية ورواجاً لدى المؤمنين. ولم يكتشف هذا الانتحال إلا في القرن السادس.
[HL]
[21][/HL]
أعد قراءة الفقرة الأولى عن المجمع المسكوني الأول لتلاحظ كيف أن أبوليناريوس انطلق من دستور الإيمان. وكان يعتقد أنه بهذا يثبت دستور الإيمان النيقاوي.
[HL]
[22][/HL]
الأب حنانيا كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 245-246.
-
رد: ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
وقد وصل إلينا مؤلفات عقائدية تُنسب له لغيره، مثل "اعتراف إيمان" ينسب للقديس غريغوريوس العجائبي. وكتابي "الاتحاد بالمسيح" و"في تجسد الكلمة الإله" وتنسب للقديس أثناسيوس الكبير.
أخي في المسيح ألكسي،
أشكرك على هذه المعلومات الجميلة والمفيدة والغنية، التي أسمع بعضاً منها لأول مرة. ولكن عندي سؤال، إن سمحت لي: هل الكتاب المعروف On the Incarnation of the Word هو ليس فعلاً للقديس أثناسيوس، وإنما لأبوليناريوس ولكن تمت نسبته له بهدف نشر تعاليم أبوليناريوس؟
متابع معك حتى النهاية. ربنا يكون معك
صلواتك
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
وليحفظنا الرب من كل فكر شرير
وشفاعة والدة الإله معكم أجمعين
s-ool-415
-
رد: ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة John of the Ladder
أخي في المسيح ألكسي،
أشكرك على هذه المعلومات الجميلة والمفيدة والغنية، التي أسمع بعضاً منها لأول مرة. ولكن عندي سؤال، إن سمحت لي: هل الكتاب المعروف On the Incarnation of the Word هو ليس فعلاً للقديس أثناسيوس، وإنما لأبوليناريوس ولكن تمت نسبته له بهدف نشر تعاليم أبوليناريوس؟
متابع معك حتى النهاية. ربنا يكون معك
صلواتك
أخي الحبيب يوحنا، هناك كتابين بنفس العنوان تقريباً. أحدهما للقديس أثناسيوس والآخر لأبوليناريوس.
الكتاب الذي هو للقديس أثناسيوس، موجود في المنتدى قد وضعوه الأخوة، أعتقد الأخ فادي أو الأخ أورفيوس، اسف لم أعد أذكر.
وأعتقد أنك تقصد هذا الكتاب http://www.newadvent.org/fathers/2802.htm
فهذا هو نفس الكتاب، وهو قانوني النسب للقديس أثناسيوس الكبير.
لاحظ الفرق بين الاسمين:
القديس أثناسيوس: On the Incarnation of the Word
الهرطقوي أبوليناريوس: في تجسد الكلمة الإله. بحسب المرجع العربي وبحسب Encyclopedia of Religion and Ethics Part 2, Part 2، فاسم الكتاب هو
Other work also commonly acknowledged to be by him are: pseudo-Athanasius; Of the Incarnation of the Word of the God
تجده على هذا الرابط
http://books.google.com/books?id=dTt...page&q&f=false
صلواتك
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 1
عندما هممت في كتابة ما سيأتي، اعتقدت أولاً أني لن اطيل كثيراً. ولكن خاب ظني.. فلذلك أعتذر عن الإطالة جداً لضرورة لا يمكن تجاوزها.
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس [24]
هذا المجمع يشكل نقطة هامة في تاريخ هرطقة أوطيخا والطبيعة الواحدة.
لكن قبل أن نتكلم عنه، نريد أن نذكر بأن أبوليناريوس هو أعظم هرطوقي عرفه التاريخ. لأنه صاحب اللاهوت الخريستولوجي، فكل الصيغ الإيمانية خلال المجامع المسكونية الخمسة اللاحقة، كان له الأسبقية في طرحها. الطبيعة والطبيعتين، الأقنوم والأقنومي، الفعل والفعلين، المشيئة والمشيئتين، وكيفية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح يسوع.
والآن سندخل في المجمع المسكوني الثالث، وخلفيته التاريخية واللاهوتية فيما يخص موضوعنا.
كما رأينا، في المجمع المسكوني الثاني، قد تم الرد على هرطقة أبوليناريوس بدستور الإيمان الذي يؤكد على أن الطبيعة البشرية في المسيح كاملة وله نفس طبيعة السيدة العذراء. إلا أن المجمع لم يُعنى بلاهوت الإتحاد. فترك الباب مفتوحاً للهرطقات والبدع.
وظهر نسطوريوس على الساحة، وكان تلميذاً وفياً لأستاذه ثيوذوروس أسقف مصيصة، الذي بدوره نهل من أستاذه ديودوروس أسقف طرسوس. هذا الأخير هو أول من تحدث بشكل واضح عن الطبيعتين، ولكن تلاميذته قد تطرفوا جداً.
جاء نسطوريوس يحمل نفس فكر المدرسة الأنطاكية بالتركيز على الطبيعتين، ولكن التعليم عن الطبيعتين، كان يقتضي، بحسب الفلسفة بوجود أقنومين. لأنه لا توجد طبيعة بدون أقنوم.
هذا كان الفكر الفلسفي السائد في المدرسة الأنطاكية، وتأثر به لاهوتيها. وحتى نجده عند آباء الكنيسة المنادية بالطبيعة الواحدة. فيقول فلكسينوس أسقف منبج: "لا توجد طبيعة بدون شخص، ولا شخص بدون طبيعة، فإن وجدت طبيعتان فبالضرورة يوجد شخصان وابنان"[25].
وأيضاً يشاركه اللاهوت السكندري في نفس النظرة، إذ يقول البابا تيموثاوس السكندري [26]: "لا توجد طبيعة دون أقنوم لها، ولا يوجد أقنوم دون بروسوبون، فان وجدت طبيعتان وجد بالضرورة بروسوبونان، وبالتالي وجد أيضاً مسيحان كما نادى هؤلاء المعلمون الجدد".
ونلاحظ أيضاً حتى بعد خلقيدونية بفترة لا بأس بها، بقي اللاهوت السكندري متأثراً باللاهوت الأنطاكي النسطوري-الفلسفي من ناحية وجود أقنوم للطبيعة، فها هو ساويروس الأنطاكي أشهر وأهم معلمي الطبيعة الواحدة، يقول[27]: "إن الطبائع والأقانيم التي تكون [أي الكلمة المتجسد] منها يمكن إدراكها بطرق يتعذر انتقاصها وغير متغيرة في الاتحاد. لكن ليس من الممكن إدراك شخص كل منها، لأنهما لم يوجدا في انقسام لا كشيء محدد ملموس ولا في ازدواج. لأنه أقنوم واحد من اثنين وشخص واحد مشترك وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد.
وهنا يتساءل، وسؤال حق، الشماس اسبيرو جبور: كيف استطاع أصحاب الطبيعة الواحدة التوفيق بين أبوليناريوس، وأوطيخا ونسطوريوس؟
لأننا كما رأينا في الاقتباس أعلاه، يقول ساويروس الأنطاكي أن المسيح من أقنومي متحدين.
وتأكيداً على تعليم ساويروس الأنطاكي، نقتبس من أحد لاهوتيهم المحدثين، وهو الأنبا ايسذوروس، من قال أن روما طبعت الكتاب، ومن ثم ندمت على طبعه، إذ يقول حول الاقنومين[28]: "إذا كان في المسيح طبيعتين فيكون ذا اقنومان، لأن المسيح اقنوم إلهي واقنوم ناسوتي، وذو الطبيعتين ينكرون وجود أقنومين ويعترفون بأقنوم، فكيف يجردون الاقنوم من الإنسان ويقولون أن الإله الكلمة أخذ الجسد دون اقنوم. وقد هتفت بيعة الله من مشارق الشمس إلى مغاربها، أن الابن الكلمة أخذ كل ما للبشر ما عدا الخطيئة". وأيضاً: " "الله الكلمة هو كامل غاية الكمال مثل ما يعلمنا الإيمان المستقيم، وأنه أخذ إنساناً كاملاً بجميع ما يختص بالطبيعة الإنسانية، ولا ينقصه شيء مما هو منسوب إلى تصور الإنسية كما يجب علينا أن نقر بذلك. فهذا الاعتراف الحسن يلزم المعترف به، أن يعترف بأقنومية المسيح من جهة الناس". وفي نفس الصفحة يقول، بأن هذا تعليم كيرلس الكبير ذاته، القائل:" كما قال كيرلس البطريرك مطرقة الهراطقة وعامود الدين: "من فرق من بعد الاتحاد المسيح الواحد إلى أقنومين، وطابقهما في بعضهما بعض بالمصاحبة فقط، أم بالعظمة، أم بالقدرة، أم بالسلطان، وليس يوحدهما بوحدانية طبيعة، فليكن محروماً". فهو لم ينكر أقنومية المسيح من جهة الناسوت. فيتضح أن المسيح من أقنومين وبالاتحاد الطبيعي صار أقنوماً واحداً، فكذلك المسيح من طبيعتين وبالاتحاد الطبيعي صار طبيعة واحدة."
فهو أشبه بتعليم نسطوريوس الذي يقول أن المسيح من أقنومين، ولكنه لا يقول باندماجهما بل بالمصاحبة. في حين أن اللاهوت السكندري المنادي بالطبيعة الواحدة قال فيما بعد نعم يوجد طبيعة إنسانية في المسيح، وإن كان كذلك فإذاً يوجد أقنوم إنساني في المسيح. ولحل المعضلة، يكون من الضروري أن تتحد الطبيعتان في طبيعة واحدة ويندمج الأقنومان في أقنوم واحد، حتى يكون تعليم القديس كيرلس في وحدة شخص المسيح، مطابقاً لتعليمهم.
ويقول في موضع آخر من الكتاب[29]: " المسيح واحد من اثني، جوهر من جوهرين، أقنوم من أقنومين طبيعة من طبيعتين، كيان من كيانين، وحقيقة من حقيقتين، إله متأنس.". وفي الصفحة التي تليها: " المسيح واحد بالجوهر". وكل هذا أبعد ما يكون عن تعليم وإيمان القديس كيرلس الكبير، ولكن دعونا نفهم لماذا حصل كل هذا؟
نعود للمجمع الأفسسي، المسكوني الثالث[30]:
كانت كنيسة المسيح الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية تعلّم منذ البدء أن مخلصنا الوحيد إله كامل وإنسان كامل ربٌّ واحد لمجد الله الآب. فقام آريوس وأنكر لاهوت الكلمة المتأنس وأن له ذات جوهر الآب. فُعقد المجمع المسكوني الأول وردّ عليه كما رأينا. ثم قام أبوليناريوس وعلّم بنقص في طبيعة المسيح البشرية واعتقد بأن اللاهوت في المسيح قام مقام الـ Nous. فعقد المجمع القسطنطيني الأول [ولم يكن مسكوني الطابع حتى خلقيدونية]. وعلّم المجمع حقيقة كمال ناسوت المسيح وأبسل كل من ينقص من طبيعته البشرية. غير أنه لم يُعنى ولم يقل عبارات محددة في وجه الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وعلاقة الطبيعتين الإلهية والإنسانية. ولذلك، بقي الباب مفتوحاً لتفاوت التعابير في هذا المعنى بين آباء الكنيسة مع حفظ وحدة التعليم وأرثوذكسيته في جوهره، ولكن أيضاً كان الباب مفتوحاً للهراطقة كي يصولوا ويجولوا. ومع اختلاف التعابير الآبائية أدى فيما بعد اختلاف في التعليم وخصام ونزاع أفضى إلى النسطورية، والأوطاخية وغيرها مما ناقشته المجامع اللاحقة.
وكانت في تلك الأزمنة المدرستان الإسكندرية والأنطاكية اللاهوتيتان، الأكثر شهرة وتأثيراً من كل مدرسة غيرهما ما في الشرق أو في الغرب. وكان لكل واحدة منهما نهج خصوصي في التعليم ونحت الاصطلاحات كثيراً ما خالفت اصطلاحات الأخرى في تأدية المعنى الواحد، كما جرى في تعليمهما عن لاهوت وناسوت المخلص.
فإن مدرسة الإسكندرية كانت تعتقد بكمال الطبيعة البشرية في شخص المخلص ضد تعليم أبوليناريوس - وما قبل أبوليناريوس، ونذكر هنا تعليم القديس بطرس الشهيد، المعروف بخاتم الشهداء في الكنيسة القبطية، إذ يقول[31]: "هكذا كان بالطبيعة هو الله، وبالطبيعة هو إنسان".- وبكمال الطبيعة الإلهية، وتركز عليها ضد تعليم آريوس. ولكن تعبير معلميها كان غير معين في إيضاح وجه اتحاد الطبيعتين واختلف بعد ذلك عن التعبير الكنائسي المعيّن. فقالوا مثلاً بالاتحاد الطبيعي والاتحاد الشخصي والاتحاد الجوهري بين الطبيعتين. وبعضهم نظروا إلى الطبيعة الإلهية بنوع خاص وقالوا بطبيعة واحدة متجسدة وما عنوا بذلك سوى الاتحاد الحقيقي بين لاهوت والكلمة وناسوته وأن الإله المتأنس شخص واحد، وليس اثنين. لأن كلمة "طبيعة" كانت عندهم بمعنى الشخص والأقنوم[32]. فهم لم ينكروا الطبيعتين بمعنى الجوهر اللاهوتي والجوهر البشري. والذين قالوا بالطبيعتين على معناهما الحقيقي اعتقدوا بالمزج بينهما، لكن لا بمعنى الاختلاط والتشويش بل بمعنى الاتحاد الحقيقي، أيضاً اتحاداً أقنومياً. على أنهم لم ينكروا أيضاً أن المسيح المخلص واحد في الأقنوم ولكنه ليس واحداً في الطبيعة. ونظراً لامتداد بدعة آريوس ووجوب محاربته كان كلامهم يتعلق بلاهوت المخلص أكثر من ناسوته وكثر حينها كثر استخدام مصطلح "والدة الإله - Theotokos" والقول بأنها ولدت إلهاً وأن "الإله ولد وتألم وصلب.. إلخ".
وكان معلمو الغرب متفقين مع الاسكندريين في المنهج والتعبير كما يتضح من رسائل بولس البابا يوليوس أسقف روما إلى البابا ديونيسيوس أسقف الإسكندرية، في أوساط القرن الرابع. حيث ينكر الاعتراف بطبيعتين استناداً على قول الإنجيل "والكلمة صار جسداً"[33] وقول بولس "رب واحد يسوع المسيح" ويعترف بطبيعة واحدة للاهوت غير المتالم والناسوت المتألم. وحيث بقوله الطبيعة يعني "الشخص والأقنوم"، لا لينكر الطبيعة البشرية بل ليثبت الطبيعة الإلهية ضد آريوس. وأما المغبوط أوغسطينوس فقد استخدم لفظة "المزج" ضد تعليم الكنيسة في المجمع الخلقيدوني.
وأما مدرسة أنطاكية فكانت مبادئها تقتضي في كل موضوع بساطة المنهج وكمال الإيضاح وإدراك تعليم الإيمان إدراكاً تاماً. ولهذا السبب كانت تميز بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الواحد. ومع أنها كامن تعتقد بأن المسيح واحد، وليس اثنين، كانت ترفض التعليم بالاتحاد الطبيعي والمزج بين الطبيعتين وكانت تعتبر اتحادهما إضافياً بمعنى السكنى والارتباط، حفاظاً على كمال الطبيعة البشرية التي زعم أبوليناريوس أنها ناقصة، وشهد بذلك يوحنا بأن الكلمة "سكن فيها"[34] وبولص قال: "ظهر بها"[35]. وكانت تنكر على الناسوت خواص اللاهوت[36] كالحضور في كل مكان والقدرة على كل شيء وما شاكلها. وعلى اللاهوت أهواء وآلام الناسوت كالولادة والتألم والموت وما مثلها. ولهذا السبب كان معلموها يتجنبون كل تعبير يؤدي على حسب زعمهم إلى مثل ذلك المعنى كتسمية العذراء بوالدة الإله وغيرها من العبارات التي عيّنتها الكنيسة، بعد ذلك، صيانة للتعليم القويم. ومع اعتقادهم بكمال الطبيعة الإلهية كانوا يعتقدون بوجوب كمال الطبيعة البشرية أيضاً. لأن الإنجيلي يقول "كان يتقدم بالحكمة والقامة"[37] وهذا لا يُقال إلا في طبيعة بشرية محضة. وكانوا يعلّمون بوجوب السجود للناسوت بمعنى أنه إناء للكمة ويقولون "إننا نسجد للأرجوان من أجل المتردي به، وللهيكل من أجل الساكن فيه، ولصورة العبد من أجل صورة الله، وللمتَّخَذ من أجل الذي اتخذَهُ، وللمكون من بطن البتول من أجل خالق الكل". على أنهم لم يكونوا يعلمون بأقنومين بل بأقنوم واحد ذي طبيعتين بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تشويش. ولهذه الأسباب كانوا من جهة يقدمون للمخلص سجوداً واحداً، ومن جهة أخر يرفضون الاعتراف بالاتحاد الطبيعي أو الجوهري مخافةً من حصر اللاهوت أو من تأليه الناسوت.
فينتج مما تقدم أن معلمي الإسكندرية يعلمون التعليم المستقيم على مناهج مختلفة، مع الحذر من استعمال عبارات مستقيمة أو مع استعمال عبارات أشد من المستقيمة تحصيناً للتعليم القويم بحسب اقتضاء مراكزهم. فكان المصريون يشددون العبارات المتعلقة بإيضاح كمال طبيعة اللاهوت تحسباً لهرطقة آريوس التي ظهرت عندهم. وكان الأنطاكيون يطلبون إيضاح كمال طبيعة الناسوت حذراً من بدعة أبوليناريوس التي ظهرت عندهم.
ولكنه قام في الكنيستين أو المدرستين أناساً تطرفوا في تعليمهما فسقطوا في الضلال. فقام في مدرسة أنطاكية من تطرّف بالتعليم عن الطبيعتين إلى التعليم بشخصين أو اقنومين، وهو تطور طبيعي في ظل مطابقة اللاهوت مع الفلسفة، حتى أنكر الاتحاد الطبيعي نسطوريوس وأتباعه. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فلا بد هنا أن نتكلم عن أوطيخا قليلاً، وقام في مدرسة الإسكندرية من تطرف بالتعليم باتحاد الطبيعتين إلى تكوينهما طبعة واحدة ولم يعد يُميز بين اللاهوت والناسوت البتة، وهو أوطيخا وأنصاره. وهكذا قامت البدعتان والهرطقتان وشوشتا الكنيسة أكثر من مائتي سنة، أي حتى انعقاد المجمع المسكوني السادس، وأفضت الحال إلى الإنشقاق... انتهى الاقتباس.
هذا الشرح الذي قلناه سابقاً، تقريباً هو شرح كلاسيكي، مكرر في الكثير من الكتب والمراجع. ولذلك سنحاول أن نلجأ إلى شرح آخر يوضح أكثر الغرض الذي نحن بصدده.
وسوف نستعين بلاهوتي بارع، وهو الشماس اسبيرو جبور. ومع أني ما سننقله موجود على موقع الشبكة، ولكن من أجل ترابط الأفكار رأينا أن نضعه حتى لو كان سيراه البعض حشواً لا فائدة منه.
فالموضوع الذي نطرقه ليس بالأمر السهل، فهذا المجمع، الذي تبنى تعليم القديس كيرلس بكامله وبدون مناقشة، نقطة ارتكز عليها أصحاب الطبيعة الواحدة فيما بعد.
فلذلك نرى أنه لا بدّ من الإطالة، لعل يكون فيها إفادة.
---------------------
الحواشي
---------------------
[24] لا نسمي هذا المجمع بـ "المجمع الأفسسي الأول"، لأن المجمع الأفسسي الثاني الذي عُقد سنة 449، لا يتم اعتباره مجمعاً قانونياً، بل لصوصياً. ولذلك يُسقط من حساب المجامع.
[25] راجع: القمص تادرس يعقوب ملطي، الاصطلاحان الطبيعة والاقنوم في الكنيسة الأولى، ص 43
[26] هو الذي قتل ومثّل في جثة البابا الشهيد ببروتيريوس. وهذا الأخير كان وكيل ديسقوروس في كنيسة الإسكندرية. إلا أنه كان خلقيدونياً.
[27] Contra Gr. I, p. 187. والترجمة للأنبا بيشوي مطران دمياط سكرتير المجمع المقدس. نقلاً عن " نحو إتفاقية كريستولوجية مشتركة"
[28] الأنبا ايسذوروس، أول اساقفة دير البراموس، البيانات الوافية والبراهين الثابتة، ص 85
[29] المرجع السابق، ص 83.
[30] الأرشمندريت جراسيموس مسرة، تاريخ الإنشقاق، الجزء الأول، القرن الخامس، ص 190 ومايليها.
[31] القمص تادرس يعقوب ملطي، البابا بطرس خاتم الشهداء. ص 17 بحسب ملف Word. ويبدو أن القمص تادرس يعقوب اصطدم بهذا التعليم للقديس بطرس الشهيد، فقال ملاحظة في نفس الصفحة: "أظن أن العبارة الأخيرة قد أقتبست أو ترجمت بغير دقة، لأن آباء الإسكندرية يفضلون إستخدام التعبير "الإله المتجسد " عن "الله والإنسان " لأن السيد المسيح هو شخص واحد، لا إنفصال بين لاهوته وناسوته، وفي نفس الوقت الإتحاد بينهما بغير إختلاط ولا إمتزاج". ولا أعرف كيف يقول هذا الكلام؟ لماذا يتهم بأن الترجمة غير دقيقة؟ مع أن القديسين كيرلس وأثناسيوس استخدما هذه المصطلح.
[32] للمزيد حول هذا الموضوع راجع: اسبرو جبور، سر التدبير الإلهي، القسم الثالث: الألفاظ اللاهوتية، ص 177-199
[33] كما رأينا سابقاً هي نفسها الآية التي دفعت ابوليناريوس للقول بالطبيعة الواحدة المتجسدة.
[34] يوحنا 1: 14
[35] تيموثاوس الأولي 3: 16
[36] وهنا استغرب قول الأنبا ايسذوروس المذكور سابقاً، عندما قال: " لو كان هذا القول [طبيعتي في المسيح] حقاً، لكان يظهر وقت الولادة الغير مدركة، لأن على حسب هذا الرأي أن الولادة ناسوتية للناسوت لا للاهوت، وعلى هذا كان يلزم حل ختوم البتولية الطاهرة". (نفس الكتاب السابق، ص 84)
[37] لوقا 2: 52
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 2
الصراع حول عقيدة التجسد الإلهي، والمجمع الثالث: أبوليناريوس، ثيوذوروس المصيصي، نسطوريوس
سرعان ما انصرف اللاهوتيون [بعد المجمع المسكوني الثاني] إلى طرح نوعية "الاتحاد" بين جوهر يسوع الإلهي وجوهره البشري. في أنطاكية -على ما يرى داليس- جرى التأكيد على تمامية الطبيعتين (ص 28). رئيس المدرسة الأنطاكية هو دويدوروس المعروف بأسقف طرسوس في كيليكا. تلميذه ثيوذوروس أسقف المصيصة ذهب في الأمر إلى نهايته تقريباً فصارت العلاقة بين الطبيعتين أدبية. جاء الرد من أبوليناريوس اللاذقي في العام 352 وربما في العام 360 (للنقاد آراء مختلفة). أنطلق من أرسطو فقال أن اتحاد "الكاملين" مستحيل. فيسوع، إذن، لم يأخذ طبيعة إنسانية كاملة. والروح (nous باليونانية) هو النبرة العليا في الإنسان لدى فلاسفة اليونان. لم يأخذ يسوع روحاً nous. لأن "كلمة" الله حلّ محله. ولذلك ليسوع طبيعة واحدة. أبوليناريوس موحّد من البداية حتى النهاية: طبيعة واحدة، أقنوم واحد، شخص واحد، مشيئة واحدة، فعل واحد[38]. انزعج صحبه أثناسيوس وباسيليوس والغريغوريوسان من موقفه. في الإسكندرية تعرض المجمع المنعقد في العام 362 برئاسة أثناسيوس للموضوع. ربما حوالي 370 كتب أثناسيوس رسالة إلى أسقف كورنثوس ببلاد اليونان يفند فيها ألواناً من البدع تدخل فيها بدعة أبوليناريوس وبدعة خصومه وانبرى الغريغوريوسان لمحاربته برجولة ومتانة (داليس 33).
أما أمر الأنطاكيين فلم يبلغ درجة مكشوفة من الخطر إلا بعد ارتقاء نسطوريوس تلميذ ثيوذوروس كرسي القسطنطينية. فاندلع الخلاف بينه وبين سكان القسطنطينية وامتد الشرر إلى أنحاء العالم المسيحي. وهو وصحبه أرسطويون أيضاً. لذلك، بحق، لاحظ داليس أن الأنطاكيين وأبوليناريوس اللاذقي كانوا يلتقون في أرسطويتهم. انطلقوا جميعاً من قول أرسطو باستحالة اتحاد "كاملين". حل المعضلة أبوليناريوس فقال بالبتر أي أن يسوع لم يأخذ روحاً بشرياً nous. وحلّها الأنطاكيون بالتطرف في التمييز بين الطبيعتين حتى صار الاتحاد أدبياً.
إلا أن اللغة اليونانية كانت من جديد عاجزة عن التعبير. نسطوريوس عاد بألفاظ اللاهوت الأساسية إلى معانيها في الفلسفة والمعاجم إلى حد بعيد. تشدد كثيراً في تمسكه بالتقليد، ولكنه في الحقيقة والواقع لم يكن ذا كفاءة للهضم ولتمثيل التقليد. يبدو مشبعاً من الكبادوكيين إلا أنه عجز عن الهضم. ويبدو من طلبه إلى الأمبراطور أن يبيد المبتدعين أنه شديد الطباع وأن في تصرفاته نبوة وفي خلقه جفوة. كان راهباً متشدداً. لا يخلو من الصلف والاعتداد بالذات. في كتاباته جهود مضنية للفهم، إلا أنه يخرج عن جادة الصواب والتقليد كلما حاول أن يفسر نظريته القائلة بوجود شخصين (إلهي وبشري) في يسوع وشخص ثالث أسماه شخص الاتحاد. حاول عبثاً تطبيق رأي غريغوريوس اللاهوتي القائل أن المسيح واحد في اثنين [طبيعتين] كما أن الثالوث هو واحد في ثلاثة أقانيم. لم يستطع أن يفهم هذا النص كما فهمه المجمع الرابع المسكوني. لا فلسفياً ولا لاهوتياً، لم يكن الشخصية المؤهلة لأن تفصل نقطة لاهوتية بالغة النعومة تتعلق بكيفية اتحاد الطبيعتين وبنوعية وحدة يسوع. بعبارة أخرى لم تكن لديه، أنتولوجية antologie قادرة على الكلام الصحيح عن كيان être يسوع. وقد جنى على نفسه بخروجه عن تقليد الكنيسة في كل مكان إذ رفض تسمية العذراء "أمّاً لله". ومهما حاول المعاصرون[39] بحجة مجمع الفاتيكان الثاني (كغيريلماير مثلاً) أو بأية حجة أخرى تلطيف الوضع، فإن نسطوريوس يبقى ذا قفزات خارج تقليد الكنيسة وتعليم الآباء. فبعضهم -بما فيه غريلماير- يعتذر له بالجهل. ولكن غريلماير نفسه يذكر أنه كان عليه أن يعرف تسمية غريغوريوس اللاهوتي للعذراء "أمّاً لله" من خطبة هذا ذات الرقم 37. وترد أيضاً في الخطبة 29: 4. ونسطوريوس كان يعرف مؤلفات غريغوريوس، ويذكر غريلماير أن أفسطاطيوس أسقف أنطاكية المخلوع في العام 330 كان يعرف هذه التسمية (ص 285). وفي العام 325 أرسل ألكسندروس أسقف الإسكندرية الرسالة 12 إلى زميله الكسندروس القسطنطينية حيث وردت اللفظة (مين 18: 568). وقد عرف ثيوذوريتوس نفسه هذه الرسالة وأوردها في تاريخه (1: 3 في مين 82: 908). فهل جهلها نسطوريوس؟ وفي ورقة بردي ترجع إلى أواخر القرن الثالث وردت اللفظة. ومنذ الربع الثاني من القرن الرابع تتكاثر الأدلة والشهادات فجأة على استعمالها (راجع الحاشية 4 ص 43 من الترجمة الفرنسية مع النص اليوناني لرسالة غريغوريوس في العدد 208 من مجموعة S.C). والذهبي الفم أنطاكي اعتلى سدة القسطنطينية مثل غريغوريوس قبل أن يعتليها نسطوريوس وهو يؤمن بأن يسوع هو ابن الله وابن الإنسان الذي صار إنساناً لكي يصّيرنا أولاداً لله. فوحدة شخص يسوع لديه بند إيمان رئيسي (الخطبة 2: 3 على إنجيل متى).
فمن الإسكندرية إلى أنطاكية إلى القسطنطينية إلى كبادوكية، اللاهوتيون والبطاركة كانوا في القرن الرابع مع الرهبان والشعب متعلقين بلقب "أُمّ الله"؛ فلا يُعقل أن ينفرد نسطوريوس في جهله. ولكن كان القصر معه.
جابهه في البداية المحامي أفسابيوس الذي صار فيما بعد أسقف دوريليوم[40]. تنطس للمعركة كيرلس الإسكندري. خاضها معه شلستينوس بابا رومية. تراشق الطرفان التهم. كيرلس الإسكندري استعمل عبارة أثبت التحقيق أنها مدسوسة عليه باسم أثناسيوس بينما هي في الحقيقة من تأليف أبوليناريوس. العبارة هي: "طبيعة واحدة متجسدة للإله الكلمة"[41]. اتهمه خصومه بأنه أبوليناري. تحولت المعركة إلى نوع من الصراع المصري-السوري. انعقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس (431). تأخر أسقف أنطاكية يوحنا فانعقد المجمع في غيابه (22 / 7 / 431) وحُرم نسطوريوس. ووصل يوحنا فعقد مجمعاً معاكساً وحرم كيرلس. الأكثرية الساحقة مع كيرلس (حوالي 200 ثم زادت) بينما ضم مجمع يوحنا 37. وتوسع الانشقاق وغطس القصر فيه سلباً وإيجاباً. وكلّفت العملية كيرلس إفلاس كنيسته. ونجح أخيراً لأن خصومه من السوريين أرادوا إنقاذ نسطوريوس وهم يعرفون أنه انحرف عن الإيمان القويم. ففي آب 431 بعثوا برسالة إلى الأمبراطور تدل على أن إيمانهم قويم. وهي نفسها (بعد إضافة فقرة عليها) صارت في العام 433 رسالة المصالحة. وفي نص 431 ونص 433 (أوردناهما دفعةً واحدة في مكان آخر لأنهما وردا في نص 433) يتضح أن الأنطاكيين محافظون على تعليم آباء الكنيسة وبخاصة منه رسالة أثناسيوس إلى أبيكتوس[42] ورسالة غريغوريوس اللاهوتي إلى كليدونيوس وخطبته الثلاثون[43]. وفضلاً عن سعي القصر الدائب لفرض الصلح لعب أكاكيوس أسقف حلب ووكيله في المجمع بولس أسقف حمص والقديس سمعان العمودي أدواراً مجيدة للسلام. اعتبر كيرلس نفسه قد انتصر. واعتبر يوحنا وثيوذوريتوس أسقف قورش وهيباس أنهم قد انتصروا. والحقيقة التي لا مراء فيها أن المنتصر الأكبر هو الإيمان الأرثوذكسي. فالأنطاكيون جرّوا كيرلس إلى جهد لاهوتي رائع عادت معه عباراته الأبولينارية ذات معنى أرثوذكسي لا أبوليناري[44]. وكيرلس جر الأنطاكيين إلى تعمق أوسع في آباء الكيسة ووضع النبرة على وحدة شخص يسوع. في النص المتفق عليه نرى نبرة كيرلس على الوحدة ونبرة الأنطاكيين على الطبيعتين[45]. أما لفظة "هيكل" فليست خاصة بالأنطاكيين كما يرى باردي (في فليش ومارتان). فقد استعملها أثناسيوس واستعمل سواها مثل "بيت"، "أداة"، "ثوب"، "رداء"، (الرسالة إلى أبيكتوس 2 و4 10؛ إلى أديفيوس 3: 4؛ في التجسد 42، 43، 44، نبذة في مين 26: 1240). والذهبي الفم استعملها في شرح المزمور 44: 2. واستعمل لفظة "مسكن" في العظة 11 على يوحنا.
هذا الصلح بين المعتدلين الأنطاكيين ومصر وروما والقسطنطينية على حرم نسطوريوس وعلى نص لاهوتي رصين (وإن كان غير تام) أخرج من جسم الكنيسة الجامعة المتطرفين، فنشأت كنيسة نسطورية. تقلصت شيئاً فشيئاً عبر التاريخ. في العام 589 أغلق الأمبراطور زينون مدرستها في نصيبين. انتهت غلى الانتشار في العراق وفارس وحتى الصين، بديناميكية نادرة يحميها القصر الفارسي ويوغر صدرها على القسطنطينية. ولغوياً انثنت إلى اللغة السريانية حتى بدت قومية. ولعبت دوراً بارزاً في نقل العلوم والفلسفة إلى العربية.
نسطوريوس قال بوجود أقنومين وطبيعتين وشخصين وشخص اتحاد. ورفض القول أن مريم هي أمّ الله. وقال أيضاً بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد. وحرص شديداً على تبرئة لاهوت الابن من الأوصاف البشرية لدرجة أضعف معها الاتحاد جداً. النبرة لديه موضوعة على الطبيعتين مهما حاول الكلام عن الاتحاد. بالمقابل قال المتصالحون أن يسوع واحد وأن الاتحاد صار من طبيعتين وأن اللاهوتيين يستعملون ثلاث طرق:
- ينسبون اللاهوتيات إلى اللاهوت.
- ينسبون البشريات إلى الناسوت
- ينسبونها جميعاً إلى الشخص الواحد يسوع.
ولهذا فمريم هي حقاً أمّ الله بفضل وحدة يسوع...
---------------
الحواشي
---------------
[38] اقتباس من المصدر: الألفاظ المركزية في اللاهوت منذ البداية حتى نهاية المجمع السادس المطروحة لدى أبوليناريوس بما فيه لفظة "التقنيم" أنه انفرد بطرح كل قضية الخريستولوجيا دفعة واحدة سبق فيها الزمن مع أنه رجل بدعة.
[39] وبعضاً منهم من لاهوتيي كنيستنا الأنطاكية الأرثوذكسية العظماء في القرنين 20 و21...
[40] إن أسقف دوريليوم، أوسابيوس، سنأتي على ذكره كثيراً لاحقاُ. ولكن لا بد أن نذكر هنا أنه هو نفس الشخص الذي تصدّى لبدعة أوطيخا فيما بعد، وحاربه البطريرك ديسقوروس في المجمع اللصوصي واتهمه بالنسطورية... فقد كان هذا المحامي، هو أول من حارب نسطوريوس وجاهر بالإعلان بأن ما يعلمه نسطوريوس هو هرطقة. هو الذي كان بداية الشرارة التي حركت القديس كيرلس للتصدي لهرطقة نسطوريوس. ووصم نسطوريوس بأنه من أتباع بولس السمسياطي.
[41] لقد أوضحنا هذا الموضوع سابقاً في موضوع أبوليناريوس، ولكن نزيد ونقول الآن أنه حتى أهم كتاب في هذا الخصوص صدر عن أصحاب الطبيعة الواحدة "مجمع خلقيدونية، إعادة فحص" للأب صموئيل، أقرّ أن هذه العبارة أبولينارية. ولكنه دافع عن استخدامها، بأسلوب يتضح منه أنه يجهل كل ماتقوله كنيستنا الأرثوذكسية، إذ يقول في الصفحة 458: "لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين أن عبارة "طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة" كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتي إذا سلمنا بهذا الإحتمال, فينبغي أن ننبه إلي أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلي سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي "له ذات الجوهر الواحد مع الآب" (هوموأووسيوس تو باتري), جزء من المفردات الفالنتينية (التي تخص اتباع فالنتين). بل والأكثر من ذلك انها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكية الذي حرم بولس السموساطي عام 268م وبالرغم من ذلك قام مجمع نبيقية 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنتينية عام 381م.
ولهذا فإن الأمر محل الإهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشؤته, وإنما المعني الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته)".
والكنيسة الأرثوذكسية تقول هذا. ولكنها تتوسع بالشرح فتقول: أن القديس كيرلس انخدع في بداية الأمر، ولكن المعركة التي كانت بينه وبين أنطاكية أوضحت له الفرق بين الطبيعة والأقنوم. ولهذا نراه بعد ذلك يُتهم بالنسطورية، وهذا ما سنوضحه لاحقاً في هذا الكتاب. وسنوضح أن هذا المصطلح رفضه خلقيدونية، لأنه كان ابولينارياً وليس كما شرحه القديس كيرلس لاحقاً.
[42] حاشية من المصدر: يوحنا الأنطاكي أعطاهما أهمية كبيرة. وكانت نسخته غير سليمة، فأمده كيرللس بنسخة أمينة (رسالة المصالحة) وهي حقاً إيمان أرثوذكسي.
[43] حاشية من المصدر: وتشبههما الخطبة 7 للذهبي الفم ضد أفنوميوس.
[44] وهذا الذي لم يفهمه الأب صموئيل. أننا لسنا ضد العبارة كعبارة، ولكن المعنى الذي يؤخذ من العبارة. ولهذا نجد القديس كيرلس قد دخل في معركة مع من كان متعصباً له ضد أنطاكية، وراح يشرح لهم أن إيمانه لم يتغير بل هو هو كما كان. إلا أن التعبير عن هذا الإيمان قد تغيّر... فقد أصبح يميز بين الأقنوم كشخص والطبيعة.
[45] حاشية من المصدر: ليس ضعف الأنطاكيين قائماً في وضع النبرة على الطبيعتين بل يقوم على جعلهما أقنوماً مناظراً للأقنوم الإلهي. وقوة كيرللس قائمة في التركيز على وحدة يسوع وعلى أقنومه الإلهي الذي اتخذ في الزمن بشريّة تملكها، صيرها ملكاً له بضمها إلى أقنومه الإلهي.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 3
والآن ندخل في صلب تعليم المجمع المسكوني الثالث:
ولكن قبل ذلك، لا بد أن نشير إلى موضوع رئاسة المجمع المسكوني الثالث. أعتقد أنه من الأخطاء التي تؤخذ على القديس كيرلس الكبير، رضي بأن يكون ممثلاً للبابا روما، وأن يرأسه نيابة عنه. فقد رأس المجمع المسكوني الأول، كما يرجح الكل، القديس أفستاثيوس أسقف أنطاكية كأسقف أنطاكية وليس نائباً عن أسقف روما. كان من الممكن أن يُقال، أن كل ما يعلنه القديس كيرلس موافقة عليه روما.
ولكن أعتقد أن هذا الموضوع لم يهتم له كثيراً القديس كيرلس، لأن ما كان يشغله أهم لسببين، الأول هو الدفاع عن الإيمان القويم، أما الثاني فكان الإطاحة بأسقف القسطنطينية.
والأخبار التي ينقلها المؤرخون عن المجمع، تقول بأن القديس كيرلس قام بأساليب ملتوية قبل وأثناء انعقاد هذا المجمع. لن ندخل بها، فيمكن مراجعتها في أي كتاب تاريخي مثل كتاب السيدة أ.ل. بتشر، المعنون بـ "تاريخ الأمة القبطية". أو تاريخ أنطاكية للدكتور أسد رستم.
لكن هناك حقيقة يجب ذكرها، وهي أن القديس كيرلس قبل المجمع قام بمراسلة نسطوريوس، للوقوف عما سمعه ومن ثم رسالة أخرى للرد عليه. وفي الرسالتين شرح تعليمه.
إلا أن ما يهمنا هنا أن القديس كيرلس لم يكتفِ بما سمع من أخبار، بل أرسل رسائل يستفهم بها عما حصل. وحين وصله خبر أن نسطوريوس راسل أسقف روما، قام بإرسال مندوب عنه وحمّله رسالة وقال له: لو كان نسطوريوس قد أرسل رسالة إلى روما، فسلّم رسالتي إلى أسقفها. أما إن لم يكن قد أرسل فاتركها معك، وارجع بها.
وهنا يوضح هذا الأمر احترام أسقفية نسطوريوس بأن راسله أولاً ليسأله عم يحدث وعما وصله من أخبار.
أما بالنسبة لأعمال المجمع للتعليم الذي صدر عن هذا المجمع، فقد كان بالشكل التالي:
لم تُقرأ أعمال المجمع المسكوني الثاني، ولم يؤخذ بدستور الإيمان الذي سنّه هذا المجمع. وقد اعتمد المجمع رسالة القديس كيرلس إلى نسطوريوس وإبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. ونرى أيضاً أنفسنا مجبرين على وضعها في هذا البحث، لأنها تتعلق فيما سيأتي بعد.
الجلسة الأول من أعمال المجمع الأفسسي، وهي التي صار بها قراءة الرسالة التالية:
رسالة القديس كيرلس الكبير، الأولى، إلى نسطوريوس:[46]
إلى الجزيل التقوى المحبوب من الله الزميل في الخدمة نسطوريوس، كيرلس يرسل تحيته بالرب.
سمعت أن البعض يتحدثون بتسرع في ما أحفظه في من الاعتبار لقداستكم. وقد تكرر هذا ولا سيما أثناء اجتماع أرباب السلطة. وقد يخال لهم أنهم بعملهم هذا يقومون بما يروق لكم. على أن أحاديثكم خالية من كل معنى أو شعور وليس منهم من ناله مني حيف أو جور. ولكني صارحتهم بما أراه بشأنهم ولا غاية لي إلا ما يفيدهم بنوع خاص. فإن اعتدى أحدهم على أموال العميان والمحتاجين، وجرح الثاني أمه بالسيف واختلس الثالث مال غيره بالاتفاق مع خادمته وكان يعمل دائماً مدفعواً بتأثير جرائم كهذه الجريمة مما يأبى أحد أن تلتصق لوثتها حتى بألد أعدائه خصومة. فأنا قلما أبالي بأقوال أشخاص من هذه الطبقة لأن التلميذ ليس أفضل من معلمه. ولست لأدعي أن دماغي الصغير أعظم أدمغة الآباء[47]. ومهما اتخذ الإنسان من مسلك في حياته لا يأمن فيه من محاولة الأشرار تسويد سمعته فإن أفواههم مملوءة لعنة ومرارة. وما على المرء إلا أن يقدم حساباً لله ديان العالم بأسره.
على اني أعود إلى نقطة البحث التي اكتب بشأنها خاصة وأرجو منك بإلحاح كأخ لي في الرب أن تشرح للشعب كلمة التعليم وعقيدة الإيمان بكل دق. وأن تعتبر بأن إيجاد معثرة لأحد أصغر المؤمنين بالمسيح يعرض الجمهور للازدراء بالله بصورة غير لائقة. وما أعظم الحاجة إلى الانتباه والحذق عندما يتكاثر عدد الذين تشوشت أفكارهم لنستطيع أن نعالج بكلمة الحق الشافية الذين ينشدون الحق. على أنه يمكننا أن نقوم بهذا على أتم وجه إذا أصغينا إلى أقوال الآباء القديسين وكانت غيرتنا صادقة في إطاعة أوامرهم، مبرهنين بذلك أننا لا نزال على الإيمان كما كتب وأننا نتوجه بكل أفكارنا لإتباع تعليمهم القويم الذي لا يدرك.
إن المجمع الكبير المقدس يقول إن ابن الله الوحيد المولود حسب طبيعة الله الآب، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به خلق الآب كل شيء، نزل وتجسد وتأنس وتألم وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء[48]. هذه الأقوال وهذه التعاليم يجب أن نتبعها باعتبار ما يعنى بالقول إن كلمة الله تجسد وتأنس. لأننا لا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة قد تغيرت فصارت جسداً. أو أنها تحولت إلى إنسان مؤلف من نفس وجسد. بل بالأحرى إن الكلمة قد ضم إلى ذاته جسداً فيه نفس عاقلة وصار بطريقة لا يمكن الإفصاح عنها أو إدراكها إنساناً ودعي ابن البشر ليس لمجرد أنه شاء وسُرّ أن يُدعى هكذا، وليس لأنه اتخذ لنفسه شخصاً بل لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر. ولذلك فالذي وجد قبل كل الدهور وولد من الآب قيل عنه أنه ولد بحس الجسد من امرأة دون أن تعني هذه الولادة أن طبيعته الإلهية قد أخذت بداءة وجودها من العذراء القديسة، لأن هذه الطبيعة لم تكن بحاجة إلى ولادة ثانية بعد ولادتها من الآب (لأنه من الجهل والحماقة أن يُقال أن الذي كان قبل كل الدهور والمساوي في الأزلية للآب احتاج وجوده إلى بداية ثانية). ولكنه لما كان لأجلنا ولأجل خلاصنا قد ضم إلى ذاته جسداً بشرياً وولد من امرأة قبل عنه، لهذا السبب، أنه ولد من امرأة. وأنه ولد بحسب الجسد لأنه لم يكن قد ولد في السابق إنساناً بسيطاً من العذراء مريم القديسة. وإذ ذاك نزل الكلمة وحل فيه. على أن الاتحاد، أو الحلول، حدث وهو في الرحم. وقيل عنه لذلك أنه احتمل ولادة جسدية ناسباً لنفسه ولادة جسده البشري. وبهذا الاعتبار نقول أنه تألم وقام. ولا نعني أن الله الكلمة قد تألم بطبيعته هذه واحتمل الجلد واختراق المسامير يديه ورجليه وطعن جنبه بالحربة. لأن الطبيعة الإلهية لا يمكن أن تتألم لأن لا جسد لها. ولكن ما دامت الطبيعة التي صارت جسده قد تألمت بالطريقة المار ذكرها قبل عنه أنه تألم لأجلنا. لأن الذي كان بطبيعته الإلهية غير ممكن أن يتألم كان لابساً جسداً متألماً. وبهذا الأسلوب نفسه ندرك ما يتعلق بموت. لأن كلمة الله بحسب الطبيعة لا يعتوره موت ولا فساد وهو حياة ومانح الحياة. على أنه إذا كان جسده كما يقول بولس الرسول قد ذاق الموت بنعمة الله لأجل الناس كافة قيل عنه نفسه أنه احتمل الموت لأجلنا. ليس بمعنى أنه عانى الموت بطبيعته الخاصة (لأنه من الجنون أن نقول هذا أو نفتكر به)، ولكن بما أنه، كما سلف القول، قد ذاق جسده الموت، فعلى هذا المنوال قام جسده من القبر. فقيامته بهذا المعنى لا تعني أنه عانى فساداً (العياذ بالله) بل لأن جسده البشري قام من الأموات. ولذلك نعترف بمسح واحد ورب واحد ليس كأننا نعبد إنساناً مع الكلمة (لئلا يقود هذا التعبير "مع الكلمة" الذهن إلى الفكر بانقسام الطبيعتين)، ولكننا نعبده كشخص واحد هو نفسه ما دام جسد الكلمة الذي يجلس به مع الآب غير منفصل عن الكلمة نفسه. فلم يجلس ابنان معه بل ابن واحد باتحاده مع الجسد. على أننا إذا كنا ننكر هذا الاتحاد الشخصي ونقول أنه مستحيل وغير لائق نسقط في ضلال القول بابنين، إذ أن ذلك يُلزمنا أن نُميز ونقول إن الذي كان إنساناً بالطبع قد كرم بإعطائه اسم الابن وأن الذي هو في طبيعته كلمة الله له بحسب طبيعته هذه البنوة اسماً وفعلاً. ولذلك يجب ألا نقسم أقنوم الرب يسوع المسيح الواحد على اثنين. كما انه لا ينطبق على الإيمان القويم أن نعتقد كما يعتقد البعض باتحاد شخصين، لأن الكتاب المقدس لم يقل أن الكلمة وحّد بين نفسه وشخص إنسان بل قال أنه صار جسداً. وهذا التعبير "الكلمة صار جسداً" لا يمكن أن يعني شيئاً آخر غير أنه اتخذ لخماً ودماً مثلاً أي جعل جسدنا جسداً له. وولد إنساناً من امرأة دون أن يخلع عنه وجوده كإله أو ولادته الأزلية من الله الآب. ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد، ولذلك أكتب إليك الآن هذه الأشياء حباً للمسيح متوسلاً إليك كأخ وشاهداً لك أمام يسوع وملائكته المختارين لتفكر أنت نفسك تفكيرنا وتشاركنا في التعليم على المنوال ذاته، لحفظ السلام في الكنائس وبقاء رباط الاتفاق والمحبة غير المنفصم بين كهنة الله العلي.
عودة للجلسة الأولى: فبعد أن قرأت أقرها الآباء واعترفوا بما جاء بها. ثم قالوا لتُقرأ رسالة نسطوريوس، فرفضوها، ومن ثم قرأت إبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس. وسنوردهم ولكن أولاً يوجد بعض التعليقات حول هذه الرسالة الأولى.
تعليقات على هذه الرسالة:
أولاً لا يجب أن نقرأها بمفهومنا اليوم. بل علينا أن نعود بالزمن إلى عصر القديس كيرلس.
ثانياً: أرجو التركيز على أن القديس كيرلس أرسل يستفسر من نسطوريوس، كما أرجو أن نركز على لهجة الخطاب التي تليق بالقديسين.
ثالثاً: أكد القديس كيرلس على مجمع نيقية، الذي تكلم فقط عن الطبيعة الإلهية في المسيح، وقال: "وكل من يقول:... إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته... فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال".
ثالثاً: مع أن القديس كيرلس تكلم عن الطبيعتين عرضاً، قائلاً: "لأن الطبيعتين، إذ قد اتحدتا اتحاداً حقيقياً، ففيهما كليهما مسيح واحد وابن واحد. لأن هذا الاتحاد لم ينزع الفرق بين الطبيعتين بل بالأحرى إن اللاهوت والناسوت جعلا لنا السيد الواحد يسوع المسيح كاملاً باتحادهما غير المدرك والذي لا يُفسر". إلا أنه عاد وتكلم عن الطبيعة الإلهية فقط، عندما قال: "ولكنه مع اتخاذه لنفسه جسداً بقي كما كان. هذا هو إعلان الإيمان القويم الذي يُنادى به في كل مكان. وهكذا اعتقد الآباء القديسون ولذلك تجرأوا على أن يدعوا العذراء القديسة والدة الإله ليس لأن طبيعة الكلمة أو لاهوته كانت بدايته من العذراء القديسة بل لأنه منها ولد الجسد المقدس بنفس عاقلة، وهو الجسد الذي اتحد به شخصياً الكلمة الذي قيل عنه أنه ولد بحسب الجسد".
كما يجب أن ننتبه، إلى أقنوم يعني طبيعة واحدة.. وبم أن القديس كيرلس كان يُزكز على الأقنوم أكثر، كما سنوضح هذا لاحقاً، فقد يُفهم من كلامه كله أنه يتكلم عن طبيعة إلهية واحدة اتخذت جسداً ونفساً عاقلة. دون إغفال دستور المجمع المسكوني الأولى.
ولا نجده يتحدث عن الطبيعة البشرية التي أخذها السيد من العذراء مريم، بل يقول فقط أنه ولد منها. وبالتالي فإن المقارنة بين دستور نيقية، وتعليم كيرلس الكبير في هذه الرسالة، يعني أن السيد المسيح ضم الطبيعتين إلى طبيعة واحدة إلهية. وهذا ما لم يقصده القديس كيرلس، لأن اللاهوت السكندري لم يكن متعمقاً في هذه المصطلحات، على عكس لاهوت أنطاكية. وهذا ما سيتوضح لاحقاً في الرسالة الثانية التي أرسلها القديس كيرلس إلى نسطوريوس، والتي قرأها أيضاً المجمع في جلسته الأولى، فلنقرأ معاً الرسالة الثانية التي تتسم بنضج أكبر في التعبير عن الإيمان:
-----------------
الحواشي
-----------------
[46] الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 295-297
[47] يقصد آباء الكنيسة في زمانه.
[48] قارن مع دستور الإيمان النيقاوي، ومن ثم دستور الإيمان القسطنطيني في اللذين وردا في الأعلى.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 4
رسالة القديس كيرلس الكبير، الثانية، إلى نسطوريوس:[49]
إلى الجزيل الاحترام المحب لله زميلنا في الخدمة نسطوريوس، تحية بالرب من كيرلس والمجمع المنعقد في الإسكندرية في أبرشية مصر.
إذا كان المخلّص يقول بجلاء: "إن من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلن يستحقني ومن أحب ابناً أو بنتاً أكثر مني فلن يستحقني" (متى 10-37) فماذا يحل بنا وقداستكم تطلبون منا أن نحبكم أكثر من محبتنا للمسيح مخلصنا جميعاً؟[50] ومن يشفع فينا يوم الدينونة؟ وأي عذر نقدمه لالتزامنا الصمت كل هذا الوقت الطويل في ما يتعلق بالتجاديف التي جئتم بها ضده؟ ولو أنكم آذيتم نفسكم وحدها باعتقادكم بهذه التعاليم وتبشيركم بها لكانت القضية أقل خطورة. أما وقد سببتم المعاثر للكنيسة كلها بصورة واسعة وألقيتم بين الشعب خميرة بدعة جديدة وغريبة، ليس بين القاطنين في القسطنطينية فحسب، بل بين الشعب في كل مكان وصلت إليه الكتب متضمنة تفاسيركم، فكيف يمكننا والحالة هذه أن نجد عذراً لسكوتنا؟ وكيف لا نرغم على أن نذكر أن المسيح قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. لم آتِ لألقي سلاماً لكن سيفاً. أتيت لأفرّق الإنسان عن أبيه والابنة عن أمها" (متى 10: 34 و35) لأنه إذا اتصل الأذى إلى الإيمان بطل الإكرام الواجب للوالدين بل حلّ به انحلال أو فساد. وصمتت شريعة المحبة الرقيقة نحو البنين والأخوة وصار الموت خيراً من الحياة للأتقياء "ليحصلوا، كما كتب، على قيامة أفضل".
لذلك هوذا نحن بالاتفاق مع المجمع المقدس الذي التأم في رومة العظمى، برئاسة الجزيل القداسة والاحترام أخينا وزميلنا في الخدمة كيلستين الأسقف، نعلن بهذه الرسالة الثالثة لكم وننصح بأن تنبذوا اعتقاداتكم الفاسدة المعوّجة التي تبشرون بها وأن تقبلوا الإيمان القويم الذي سلمه للكنائس منذ البدء الرسل والقديسون والإنجيليون الذين كانوا شهود عيان وخداماً للكلمة. وإذا كنتم، قداستكم، لا تريدون أن تفكروا وتعتقدوا بحسب الحدود التي وضعها كتابة أخونا المطوّب الذكر والجزيل الاحترام وزميلنا في الخدمة كيلستين، أسقف كنيسة رومية، فثقوا أنه لن يكون لكم نصيب معنا ولا شركة أو مقام بين كهنة الله وأساقفته. إذ لا يسعنا أن نهمل أمر الكنائس التي اضطربت والشعب الذي خامرته الشكوك والخراف التي شردت وتفرقت بسببكم والتي يدعونا الواجب أن نرشدها إلى الخلاص إذا كنا نحن أنفسنا معتصمين حقاً بالإيمان القويم ومتبعين عبادة الآباء القديسين.
ونحن في شركة مع العوام والإكليريكيين الذين قطعتموهم قداستكم من الشركة أو فصلتموهم من الكهنوت بسبب إيمانهم. لأنه ليس من العدل أن يتألم الذين ثبتوا في الاعتقاد القويم وكانوا على جانب الصواب في مقاومتكم لأنكم هكذا تريدون. وقد ذكرتم هذا الشيء نفسه في رسالتكم التي كتبتموها إلى زميلنا الجزيل القداسة كيلستين أسقف رومية.
ولكن لا يكفي أن سيادتكم تعترفون معنا بدستور الإيمان الذي وُضع سابقاً بإلهام الروح القدس في المجمع الكبير المقدس في نيقية[51]. لأنكم لم تعتصموا به ولم تفسروه تفسيراً قويماً، بل شوهتم معناه وإن لفظتم بفمكم كلماته ذاتها[52]، بل يجب عليكم فوق ذلك أن تعترفوا كتابةً وتؤيدوا ذلك بقسم أنكم تبسلون معتقداتكم هذه الفاسدة الكريهة، وأنكم تؤمنون وتعلمون بكل ما نعتقد ونؤمن به نحن الأساقفة ورؤساء الشعب في الشرق والغرب. إن مجمع رومة المقدس ونحن كلنا موافقون على ما جاء في الرسالة التي بعثت بها إلى قداستكم كنيسة الإسكندرية وأنها رسالة قويمة لا عيب فيها. وقد أضفنا إلى ذلك رسالتنا هذه وكل ما يجب أن تعتقدوا به وتعلموه وكل ما يجب أن تعتنوا في تجنبه ونبذه. وإليكم الآن إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي اتفقت عليه كلمة الأساقفة المستقيمي الرأي شرقاً وغرباً.
"نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب أي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء ما في السماء وما في الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وسيأتي منها ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس. أما الذين يقولون أنه كان وقت لم يكن فيه، وأنه قبل أن ولد لم يكن، وأنه قد صنع من العدم، أو كان من مادة أو جوهر آخر. أو أن ابن الله كان قابلاً للتغيير والتبدل. فهؤلاء تبسلهم الكنيسة الجامعة الرسولية".
وإننا إذ نتبع في كل النقاط اعترافات الآباء القديسين (إذ كان الروح القدس يتكلم بألسنتهم)[53] وإذ نجري على منوالهم في التفكير دون أن نحيد عن الجادة المرسومة نعترف بأن الكلمة الوحيد المولود من الآب، المولود من جوهر الآب نفسه، الإله الحق من الإله الحق، النور من النور، الذي به كان كل شيء ما في السماء وما على الأرض نزل لأجل خلاصنا جاعلاً نفسه بلا شهرة وقد تجسد وتأنس أعني أنه اتخذ جسداً من العذراء القديسة جاعلاً إياه جسده من البطن فعرض نفسه للولادة لأجلنا وولد إنساناً من امرأة دون أن ينزع عنه طبيعته التي كانت له. ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة فلا نقول أن الجسد تحول إلى الطبيعة الإلهية ولا أن طبيعة كلمة الله التي لا يمكن وصفها عزلت جانباً من أجل الطبيعة البشرية. لأنه غير متغير ولا يعتريه تغيير على الإطلاق وهو هو دائماً كما أعلن عنه الكتب المقدسة. لأنه وإن كان منظوراً وطفلاً ملفوفاً في أقمطة، وإن كان في بطن العذراء أمه فهو مالئ الخليقة كلها إلهاً وسيداً للخليقة ومساوٍ للذي وَلَده لأن الإله الرأس لا وصف له ولا امتداد ولا حدود.
إننا نعترف بأن الكلمة صار واحداً مع الجسد حسب الجوهر فنعبد الشخص الواحد الابن والرب يسوع المسيح. إننا لا نفصل الله عن الإنسان ولا نقسمه إلى أجزاء كأن الطبيعتين قد اتحدتا فيه وحده اتحاداً متبادلاً بواسطة الاشتراك في الكرامة والسلطة، (فإن ذلك شيء غير اعتيادي ليس إلا) فلا نطلق الاسم "المسيح" على كلمة الله وحده، أو على الشخص الذي ولد من امرأة دون سواه. ولكننا نعترف بمسيح واحد لا غير، كلمة الله الآب بجسده. لأنه كإنسان مُسح معنا مع أنه هو نفسه يمنح الروح القدس للذين يستحقونه "ولا يعطيه بمقدار" حسب شهادة الإنجيلي المغبوط (يوحنا 3: 34).
ولكننا لا نقول أن كلمة الله حلت فيه حلولاً فيه حلولها في رجل عادي مولود من العذراء مريم لئلا يعتبر المسيح كأنه إله متوشح إنساناً. لأنه وإن يكن الكلمة أقام في وسطنا فقد قيل أيضاً في المسيح "يحل كمال اللاهوت بالجسد". ولكننا [لا] نفهم أنه صار جسداً على سبيل القول أنه يسكن في القديسين. بل إن ذلك الحلول كان فيه بحسب المساواة. فجعل واحداً بحسب الجسد ولم يتحول إلى جسد وجعل مسكنه فيه على مثال قولنا أن نفس الإنسان اتخذت مسكنها في جسده.
فالمسيح إذن هو نفسه الابن والرب، وليس كإنسان توصل إلى هذا الاتحاد مع الله كأنه اتحاد في الكرامة أو في السلطة لا غير. لأنه ليس التساوي في الكرامة سبب اتحاد الطبيعتين، فإن هذا يشبه قولنا أن الرسولين بطرس ويوحنا، وهما متساويان في الكرامة إذ أن كلا منهما رسول وتلميذ، وقد صارا واحداً وهما مع ذلك اثنان لا واحد. ولسنا كذلك نفهم أن الاتحاد إنما كان اتحاداً بالاسم فإن هذا لا يكفي للدلالة على الوحدة الطبيعية.
ولا يعني ذلك الاشتراك النسبي كاتحادنا مع الرب كما قيل "أننا معه روح واحد". فإننا نسقط بذلك معنى الاتحاد فيزول مفهوم الوحدة المطلقة التامة. ولا ندعو كلمة الله الآب إله المسيح أو ربه. ولا نقسم صراحةً المسيح الواحد إلى اثنين الابن والرب فنسقط في التجديف بجعلنا إياه إلها ورباً لذاته. لأن كلمة الله، كما أسلفنا القول، صار مع حفظه خاصته الأقنومية واحداً في الجسد وهو مع ذلك إله الكل وضابط الكل. على أنه ليس عبداً لنفسه ولا هو رب نفسه. فإن تعليماً كهذا يعد حماقة وكفراً. لأنه قال أن الله أبوه مع أنه هو الله بطبيعته وجوهره. ومع ذلك لا نجهل أنه مع بقائه إلهاً صار هو أيضاً إنساناً وخاضعاً لله حسب الشريعة الملائمة للناسوت. ولكن كيف يمكن له أن يصير إلهاً ورباً لنفسه؟ إنه بسبب أنه إنسان، وبسبب مقدار خضوعه، قيل عنه أنه مساوٍ لنا في خضوعه لله فصار هكذا تحت الشريعة في حين أنه، وهو الله، كان واضع الشريعة ومعطيها.
إننا نبذل عناية فائقة فيما نقوله عن المسيح. "إنني أعبد الواحد الذي اتخذ بسبب الواحد الذي اتخذه. وأعبد المنظور بسبب الواحد غير المنظور". إنه لفظيع أن نقول في هذا الشأن هكذا: "إن من اتخذ ومن أُتخِذ كليهما يدعى الله". لأن مثل هذا القول يقسم المسيح أيضاً إلى اثنين ويجعل كلاً من الإنسان والله منفصلاً بذاته. لأن هذا القول ينكر صراحة الواحدة ويكون الواحد بموجبه غير مسجود له في الآخر ولا الله موجوداً مع الآخر. على أن يسوع يعتبر واحداً الابن الوحيد الذي يجب أن يسجد له ولجسده الإنساني سجوداً واحداً.
إننا نعترف أنه الابن المولود من الله الآب، الابن الوحيد لله، مع أنه بحسب طبيعته هذه لم يكن عرضة للألم فقد تألم مع ذلك لأجلنا في الجسد على ما جاء في الكتب. ومع استحالة ذلك فقد جعل بجسده المصلوب آلام جسده آلامه خاصة وبنعمة الله ذاق الموت عن الجميع. وقدّم لذلك جسده الخاص. مع أنه كان هو نفسه بطبيعته الحياة والقيامة.
حتى أنه إذ داس الموت بقوته التي لا ينطق بها صار بجسده الخاص بكر الناهضين من الأموات وباكورة ثمار الراقدين. ومهّد طريقة لطبيعة الإنسان لتدرك عدم الفساد بنعمة الله، كما قلنا الآن. إنه ذاق الموت عن كل إنسان وبعد ثلاثة أيام نهض ثانية وقد سبى الجحيم. وهكذا، قيل أن القيامة من الموت صارت بإنسان، نفهم مع ذلك أن هذا الإنسان كان كلمة الله وبواسطته انحلت قدرة الموت وسيأتي عند كمال الزمان كالابن الوحيد والرب، في مجد أبيه، ليدين العالم بالبر والعدل كما كتب.
ولا بد من أن نضيف هنا أننا إذ نعلن موت الابن الوحيد، ابن الله، أي يسوع المسيح، بحسب الجسد معترفين بقيامته من الأموات وصعوده إلى السماء نقدم الذبيحة غير الدموية في الكنائس ونمضي في إتمام سر الشرك ونتقدس بتناولنا جسده المقدس ودمه الكريم، جسد المسيح مخلصنا جميعاً ودمه. ولا نتناوله كجسد عادي، لا سمح الله، ولا كجسد إنسان تقدس واتحد مع الكلمة حسب وحدة الكرامة أو حسب السكنى في اللاهوت، بل نتناوله بأنه المعطي الحياة حقاً وجسد الكلمة نفسه. لأنه هو الحياة حسب طبيعته كإله ولما اتحد بجسده جعله مانحاً للحياة كما قال هو نفسه أيضاً: "الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه". فلا يجوز أن نفكر أنه جسد إنسان مثلنا لأنه كيف يمكن أن يكون جسد إنسان مانحاً الحياة بحسب طبيعته الخاصة؟. ولكن إذ قد صار ما هو حقيقة هو نفسه الذي لأجلنا دعي ابن الإنسان. زِد على ذلك أن كل ما ورد في البشائر من أقوال المسيح عن نفسه لا نميزه بافتراض صدوره عن شخصين إذ لا يجوز، وهو نفسه المسيح الواحد، أن يخطر بالبال أنه اثنان. ومع أنه مؤلف من طبيعتين مختلفتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة كما أن كل واحد يعرف أن الإنسان واحد لا اثنان مع أنه مؤلف من نفس وجسد فإنه واحد في كليهما. ولذلك عندما نفكر تفكيراً صحيحاً نحوّل الشخص الإلهي والشخص الإنسان إلى الشخص الواحد بعينه.
لأنه وهو يتكلم عن نفسه كإله: "من رآني فقد رأى الآب" و"أنا وأبي واحد" نعتبر هنا طبيعته الإلهية التي لا ينطق بها وهو بموجبها واحد مع أبيه إذ الجوهر واحد "صورة ورسم وبهاء مجده". ولكنه مع عدم ازدرائه لناسوته قال لليهود: "إنكم تطلبون قتلي لأني إنسان قلت لكم الحق". ثم نعترف أيضاً، كما نعترف قبلاً، أنه كلمة الله من نسبه وشبهه للآب ومن ظروف ناسوته: لأنه إذا كان من المحتم أن نؤمن أنه، وهو إله بالطبع، صار جسداً أي إنساناً ذا نفس عاقلة فأي داعٍ لأن يخجل البعض بكلامه هذا عن نفسه وهو لائق به كإنسان؟. لأنه إذا وجب أن ننبذ كل ما قيل عنه كإنسان فمن الذي أرغمه أن يصير إنساناً على شبهنا؟. وإذا شاء أن يواضع نفسه بمشيئته لأجلنا فما الذي يحمل أي شخص على رفض هذه الأقوال الملائمة لهذا التنازل؟ ولذلك فكل الأقوال الواردة في البشائر يجب أن تنسب إلى شخص واحد، إلى أقنوم واحد، أقنوم الكلمة المتجسد.
لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب المقدسة ودعي رسول إيماننا أو رئيس كهنة إيماننا بتقديمه لله الآب[54] اعتراف الإيمان الذي نقدمه له وبواسطته لله الآب ولله الروح القدس. ومع ذلك نقول أنه، بحسب الطبيعة، ابن الله الوحيد ولا ننسب لأي إنسان سواه الكهنوت وكونه الوسيط بين الله والإنسان الذي صالحنا لأجل السلام بتقديمه نفسه رائحة طيب ذكي لله الآب[55]. ولذلك قال هو أيضاً: "إنك لا تريد ذبائح وتقادم. ولكنك أعددتني جسداً. إنك لا تسر بالذبائح والمحرقات لأجل الخطيئة. حينئذ قلت هاأنذا آت، كما كتب عني في الكتاب، لأصنع مشيئتك يا الله". لأنه من أجلنا قدم جسده كرائحة طيب ذلك وليس لأجله هو شخصياً. لأن أي تقدمة أو ذبيحة كان هو في حاجة إليها عن نفسه وهو الله المنزه عن كل خطيئة؟. "لأن الجميع خطئوا وكانوا دون مجد الله". وقد صرنا هكذا معرضين للسقوط وسقطت طبيعة الإنسان في الخطيئة. أما هو فقد تنزه عن ذلك (ولذلك كنا دون مجده). فكيف يمكن أن يخامرنا شك في أن الحمل الحقيقي مات عنا ولأجلنا؟ وإذا قلنا أنه قدم نفسه عن نفسه وعنا نحن فلا ننجو بذلك من الوقوع في التجديف. لأنه لم يرتكب خطيئة على الإطلاق فلأي شيء يحتاج إلى التقدمة وهو بلا خطيئة والذبائح إنما تقدم لأجل الخطايا؟. ولكنه عندما تكلم عن الروح القدس قال: "إنه سيمجدني". فإذا كنا نفكر تفكيراً قويماً لا يمكن أن نقول أن المسيح والابن، وهو واحد، كان في حاجة إلى أن يمجده آخر وأن يتلقى المجد من الروح القدس. لأن الروح القدس ليس أعظم منه أو فوقه ولكنه استخدم الروح القدس ليظهر لاهوته الخاص في أعماله المجيدة ولذلك قيل أنه مُجِّد به. كما لو أن واحداً منا قال وهو يتحدث عن قوته الخاصة أو عن معرفته إن هذه القوة أو هذه المعرفة تمجدني. لأنه وإن كان الروح القدس هو من ذات الجوهر مع ذلك نفكر به أقنومياً أنه الروح وليس الابن ولكنه لا يختلف عنه لأنه دعي روح الحق والمسيح وهو الحق، وقد أرسله كما أرسله الله الآب. وعندما صنع الروح القدس عجائب على أيدي الرسل القديسين بعد صعود يسوع المسيح ربنا إلى السماء مجّده الروح القدس. لأننا نؤمن أن الذي يعمل بواسطة روحه القدوس هو الله بحسب الطبيعة. ولذلك قال: "وسيأخذ مني ويظهر لكم". ولكننا لا نقول هذا كان الروح القدس هو حكيم ومقتدر بواسطة مشاركته لأخر. لأنه كلي الكمال وليس في حاجة إلى شيء. ولذلك فما دام روح قوة الآب وحكمته (أي قوة الابن وحكمته) فهو ولا شك الحكمة والقوة.
وما دامت العذراء القديسة ولدت بالجسد الله الذي صار واحداً مع الجسد بحسب الطبيعة، لهذا السبب ندعوها والدة الإله ولا نعني بذلك أن طبيعة الكلمة كانت بداية وجودها من الجسد.
بل "في البدء كان الكلمة والكلمة كان الله وكان الكلمة عند الله" (يوحنا 1: 1) وهو صانع الدهور، مساوٍ للآب في الأزلية ومبدع الكل. ولكن كما قلنا سابقاً إذ ضم إلى نفسه أقنومياً طبيعة بشرية في بطنها أخضع نفسه لأن يولد كإنسان ليس لأنه في حاجة بحسب طبيعته الخاصة للولادة في وقت، وفي آخر الأزمنة في هذا العالم. ولكن لكي يتمكن من أن يبارك بداية وجودنا حتى أن الذي سلم أجساد كل جنسنا البشري الترابية إلى الموت يخسر اللعنة: "بالأحزان والأوجاع تلدين الأولاد" يظهر حقيقة ما قيل بالنبي "وابتلعهم اقتدار الموت ومسح الله من كل وجه كل دمعة". ولهذا نقول أيضاً أنه وقد دعي حضر وبارك العرس في قانا الجليل مع رسله القديسين بحسب التدبير الإلهي. وقد تعلمنا أن نعتقد بهذه الأشياء من الرسل والإنجيليين القديسين ومن الكتب المقدسة الموحى بها من الله ومن اعتراف الآباء المباركين القويم.
فيجب على جزيل وقاركم أن توافقوا على هذا كله وتتبعوه دون مواربة وأما ما يجب أن تبسلوه[56] فقد ألحقناه برسالتنا هذه.
تعليق على مقتطفات من هذه الرسالة:
هذه الرسالة فيها نضوج أكبر من حيث التعبيرات المستخدمة، ولكنها أيضاً لم ترضي الأنطاكيين بعد ذلك. إذ كما قرأنا الآن لم نجد القديس كيرلس يتحدث عن الطبيعة البشرية في المسيح، بتعليم واضح وصريح ويضع حداً للهرطقات التي ستأتي بعده، واقصد هنا أوطيخا وصحبه.
وسنبدأ بهذه الجملة " أقنوم الكلمة المتجسد"، إنها تقوِّض كل أركان القول بـ "طبيعة واحدة متجسدة"، وإذا أضفنا إليها التالي: "إذ ضم إلى نفسه أقنومياً طبيعة بشرية في بطنها". نستطيع أن نفهم أكثر أن القديس كيرلس يتحدث عن طبيعتين في المسيح يسوع. فالأقنوم هو الذي تجسد، وكان تجسده هذا بأنه ضمّ إلى نفسه طبيعة بشرية. ولذلك يقول: "ولذلك فكل الأقوال الواردة في البشائر يجب أن تنسب إلى شخص واحد، إلى أقنوم واحد". فهذا هو التعليم القويم الذي قاله القديس كيرلس، ولكنه للأسف لم يركز عليه كثيراً بل تلك الباب مفتوحاً لكي يأتي بعده ويقول أن القديس كيرلس قال: " أما الذين يقولون أنه ... من مادة أو جوهر آخر. أو أن ابن الله كان قابلاً للتغيير والتبدل".
وإن قارناه مع ما قاله أيضاً لاحقاً: "ومع أنه اتخذ جسداً ودماً بقي كما كان إلهاً في الجوهر وفي الحقيقة".
لا نستطيع أن نفهم من كلامه، إلا أنه يتحدث عن طبيعة واحدة وهي الطبيعة الإلهية. ويزيد هذا الفهم الخاطئ للقديس كيرلس إذا تابعنا معه، إذ يقول: "طبيعتين مختلفتين فقد ضمهما إلى وحدة غير منظورة". فإذا فهمنا هذه الوحدة، على أنها الطبيعة وليست الأقنوم، فنحن مُجبرين على القول بأنها طبيعة واحدة إلهية. ويزيد عليها: "ومع ذلك نقول أنه، بحسب الطبيعة، ابن الله الوحيد". وبما أنه لم يتابع ويقول، أن: "المسيح ابن الإنسان بحسب الطبيعة"، فنفهم من كلامه، لأننا نريد أن نفهم هذا، أنه يتكلم عن طبيعة إلهية واحدة.
طبعاً أرثوذكسياً، لا يمكننا أن نفهم هذا، ولا حتى القديس كيرلس نفسه قصد هذا. ولكن الهراطقة قوّله ما لم يقله.
وعملياً إن كنا جاحدي الإيمان، فإننا نستطيع أن نجد في تعليمه ما يدعم ما نرمي إليه.
لكن الرب، لم يشأ أن تبقى كلمات القديس كيرلس والمجمع المسكوني الثالث على هذا النحو. بل أراد لها أن تتوضح، حتى لا تبقى حجة لأحد بعد ذلك.
فأنقذنا الرب من ضلال الهراطقة برسالة المصالحة، مع أنطاكية. ولكن الآن دعونا ننتقل إلى إبسالات القديس كيرلس الكبير ضد نسطوريوس لنرى ما هو محتواها وتعليمها الذي قبله أيضاً المجمع المسكوني الثالث:
-----------------
الحواشي
-----------------
[49] المرجع السابق، ص 301-306
[50] بعد أن أرسل كيرلس الكبير رسالته الأولى، وردّ عليه نسطوريوس، نراه هنا بدأ يُعلن القديس كيرلس أن نسطوريوس عدواً للإيمان القويم. إلا أننا سنجد لاحقاً لغة خطاب تليق بالقديسين.
[51] هذه الجملة قوية جداً من القديس كيرلس، وهي تعليم حق بحق.
[52] ذات الأمر الذي سنراه لاحقاً، مع أوطيخا وصحبه.
[53] ولذلك تقول الكنيسة الأرثوذكسية، أن تعليم الآباء الجامع أو المعترف به كتعليم كنسي قويم، يوازي بسلطته سلطة الكتاب المقدس. لأن مصدرهما الأول واحد، وهو الروح القدس له المجد.
[54] الكلمة المستخدمة هنا في المرجع هي " وللآب"، ولكن بالمقارنة مع ما سيأتي من الكلام، رأينا أنها "الآب".
[55] نفس الحاشية السابقة.
[56] وهي الإبسالات الإثني عشر للقديس كيرلس الكبير، وسنودرها لاحقاً.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 5
إبسالات القديس كيرلس ضد نسطوريوس:[57]
1. الإبسال الأول: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن عمانوئيل هو إله حق، وأن العذراء القديسة هي لذلك والدة الإله لأنها بحسب الجسد، ولدت كلمة الله الذي صار جسداً كما كتب: "والكلمة صار جسداً" (يوحنا1: 41).
2. الإبسال الثاني: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن كلمة الله الآب متحد أقنومياً بالجسد، وأنه بذلك الجسد خاصته هو نفسه المسيح الواحد الإله والإنسان[58] معاً في الوقت نفسه.
3. الإبسال الثالث: ليكن مبسلاً كل من يقسم الطبيعتين في المسيح بعد اتحادهما، ويجعل اتحادهما ارتباطاً لا غير من جهة الاستحقاق أو السلطة أو القوة لا اتحاداً طبيعياً؟
4. الإبسال الرابع: ليكن مبسلاً كل من يفرق بين الشخصين[59] أو الجوهرين في العبارات الواردة في الكتابات الإنجيلية والرسولية أو في أقوال القديسين فيما يختص بالمسيح أو في أقواله هو نفسه فيعزون بعضها إليه كأنه إنسان منفصل عن كلمة الله وينسبون بعضها الآخر إلى كلمة الله الآب باعتبار أنه لا تليق إلا بالله.
5. الإبسال الخامس: ليكن مبسلاً كل من يتجاسر فيقول أن المسيح هو إنسان متوشح بالله وليس هو الله حقاً حسب كونه الابن الوحيد بالطبيعة. لأن الكلمة صار جسداً واشترك مثلنا باللحم والدم.
6. الإبسال السادس: ليكن مبسلاً كل من يتجاسر فيقول أن كلمة الله الآب هو إله المسيح أو رب المسيح ويأبى أن يعترف به أنه هو نفسه إله وإنسان معاً حسب ما جاء في الكتاب المقدس: "الكلمة صار جسداً".
7. الإبسال السابع: ليكن مبسلاً كل من يقول أن يسوع كإنسان إنما يستمد القوة والحركة من كلمة الله وأن مجد الابن الوحيد، وإن نسب إليه، ليس هو من خواصه.
8. الإبسال الثامن: ليكن مبسلاً من يتجاسر فيقول أن الجسد المتخذ يجب أن يُعبد مع الله الكلمة ويُمجّد معه ويُعتبر وإياه معاً أنه الله ومع ذلك فهما شيئان يختلف أحدهما عن الآخر ولا يقدّم عبادة واحدة وتمجيداً واحداً لعمانوئيل إذ قد كتب "الكلمة صار جسداً".
9. الإبسال التاسع: ليكن مبسلاً كل من يقول أن الرب الواحد يسوع المسيح قد تمجد بالروح القدس بحيث أنه اتخذ منه قوة لم تكن قوته الخاصة واستخدمها ضد الأرواح النجسة وصنع بها العجائب أمام الناس ولا يعترف أنه بروحه الخاصة اجترح هذه الآيات الإلهية
10. الإبسال العاشر: ليكن مبسلاً كل من يقول أنه ليس الكلمة الإلهي نفسه الذي تجسد وصار إنساناً على شبهنا بل هو ذلك الإنسان الآخر المولود من امرأة ولكنه يختلف عن باقي الناس وقد صار رئيس كهنتنا العظيم ورسولنا، ولك من يقول بأنه قدم نفسه ضحية عن نفسه أيضاً لا ضحية عنا وحدنا لأنه وهو بدون خطيئة لم يكن بحاجة إلى تقدمة أو ذبيحة.
11. الإبسال الحادي عشر: ليكن مبسلاً كل من لا يعترف أن جسد الرب يعطي الحياة وأنه يخص كلمة الله الآب، بل يدعي أن هذا الجسد هو لشخص آخر متحد معه (أي مع الكلمة) بالكرامة فحسب، وأنه قد اتخذ مسكناً للاهوت ولا يعترف بالأحرى كما نعترف نحن أن الجسد يعطي الحياة لأنه جسد الكلمة الذي يعطي الحياة للكل.
12. الإبسال الثاني عشر: ليكن مبسلاً كل لا يعترف أن كلمة الله تألم بالجسد، وصلب بالجسد، وبالجسد نفسه على هذه الصورة ذاق الموت وصار باكورة الناهضين من الأموات لأنه، وهو إله، هو الحياة وهو المحيي.
تعليقات على هذه الإبسالات:
إن الإبسالات، كما رأينا، تصب أيضاً في نفس سياق الرسالتين السابقتين. لكنهم يتميزوا بأقوال أكثر صراحة، وممثلة بـ "الإله والإنسان معاً"، و"هو نفسه إله وإنسان معاً". في هذين الإبسالين (2 و6)، كانت مصطلحاته أقرب إلى خلقيدونية. ولكن مع ذلك فبعض ما قاله يُفهم منه أيضاً، إن أردنا أن نفهم ذلك، أنه ينادي بطبيعة إلهية، كما يُفهم من:
" عمانوئيل هو إله حق، وأن العذراء القديسة هي لذلك والدة الإله"، "هو الله حقاً حسب كونه الابن الوحيد بالطبيعة".
ويبقى أخيراً أهم ما ورد في تحديد هذا المجمع، فهو أهم من تعليم القديس كيرلس ذاته، ولنقرأ هذا التحديد، الذي أعلنه القديس كيرلس نفسه:
"إننا لا نبشر بكائن بشري متأله. بل العكس إننا نعترف أن الله قد تجسد. إن الذي كان بدون أم بحسب الجوهر، وبدون أب بحسب التدبير على الأرض دعا أمته هذه أمّه".
ونرى هنا التكلم عن الطبيعة الإلهية، ولكن لا يوجد تأكيد على الطبيعة البشرية.
فلذلك استطاع الهراطقة الاعتماد على حرفية أقوال القديس كيرلس الكبير، لإعطاء صبغة آبائية لهرطقتهم.
ولكن الشكر للرب أن يوحنا الأنطاكي كان متعصباً لنسطوريوس محباً له. وإليكم هذا المخلص عن مجمع القديس يوحنا الأنطاكي، الذي تأخر عن الحضور للمجمع الأفسسي.
وقد كان القانون الأول من المجمع الأفسسي ضد يوحنا، وصحبه في المجمع الخاص بالأساقفة الأنطاكيين والموالين –غير المؤيدين- لنسطوريوس"
القانون 1: بما أن بعض الذين، لأسباب كنسية أو لموانع شخصية، لبثوا في مدنهم أو مقاطعاتهم ولم يحضروا المجمع المقدس، يجب ألا يجهلوا ما قد جرى من أحكام في المجمع، لذلك نُعلن لقداستكم ومحبتكم أن أي متروبوليت، في أي أبرشية انفصل عن المجمع المقدس المسكوني، وانضم إلى مؤتمر العصاة أو عزم على الانضمام إليهم بعد ذلك، وكان من قبل سابقاً أو سيقبل تعاليم كيلستيوس، أو أنه ينوي قبولها لا تبقى له سلطة بعد في أن يقوم بأن عمل ضد أساقفة الأبرشية لن هذا المجمع قد قطعه من كل شركة كنسية وجرّده من كل وظيفة كهنوتية. ويكون هو نفسه، على كل حال، تحت حكم أساقفة الأبرشية ومطارنة الأبرشيات المجاورة المعتصمين بالإيمان الأرثوذكسي ويسقط من درجته الأسقفية... انتهى
وهذا القانون يخص يوحنا أسقف أنطاكية، وثيودوريتوس أسقف قورش، وهيبا أسقف أوديسا (الرها)، ومجمع العصاة هو المجمع الذي عقده، يوحنا وأساقفته... لنقرأ الملخص:
-----------------
الحواشي
-----------------
[57] المرجع السابق، ص 307-321
[58] نراه يستخدم هنا نفس المصطلح الذي استخدمه سابقاً القديس بطرس الشهيد.
[59] من هنا فهم ساويروس فيما بعد، أن القديس كيرلس يقرّ بوجود أقنومين في المسيح، ولكنهما اندمجا في وحدة لا تنفصم.
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 6
المجمع الذي عقده يوحنا أسقف أنطاكية:[60]
إن المجمع الذي يشير إليه القانون الأول باسم "مؤتمر العصاة" هو الذي عقده يوحنا أسقف أنطاكية. وكان سبباً لإبطائه في الحضور إلى المجمع الملتئم في أفسس وعرقلة أعماله. فقد كان صديقاً لنسطوريوس وحاول أكثر من مرة، بدون جدوى، أن يقنعه بقبول الإيمان الأرثوذكسي. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا المؤتمر لم يأتِ على ذكر قضية نسطوريوس ومذهبه البتة واكتفى بمهاجمة القديس كيرلس، وممنون أسقف أفسس. أما القديس كيرلس وأصدقاؤه فقد اتهموا الأنطاكيين بمشايعتهم لنسطوريوس. وقد كانوا في الحقيقة مشايعيه بصورة سلبية، بمقاومتهم المدافعين عن الإيمان الأرثوذكس. ولكنهم، كما يشهد بعض المؤرخين، لم يكونوا على وفاق مع نسطوريوس من جهة بدعته وقد قبلوا بكل سرور استعمال العبارة "والدة الإله" دلالة على صدق عقيدتهم ثم وافقوا فيما بعد على إسقاط نسطوريوس من أسقفيته.
وهذا ما كتبته هيفيله عن الصدام اليوحناوي-الكيرلسي: وصل يوحنا في 26 أو 27 حزيران للمجمع، وكان المجمع قد بدأ في 22 حزيران. وللحال أرسل المجمع وفداً مؤلفاً من عدة أساقفة وإكليريكيين لاستبقال يوحنا وإظهار ما يليق له من الاحترام، ولإبلاغة في الوقت نفسه الحكم بخلع نسطوريوس فلا يتورط في مخالطته. على أن الجنود المحيطين بالأسقف يوحنا منعوا الوفد من محادثته في الشارع. فرافقوه إلى منزله وهناك ارغموا على الانتظار عدة ساعات معرضين لإهانات الجنود. وأخيراً عندما بلّغوا يوحنا رسالتهم أسيئت معاملتهم واشبعوا ضرباً. والذي أمر بهذه المعاملة كان الكونت ايريناوس صديق نسطوريوس. فعاد الوفد وأطلع المجمع على ما حدث، فكان ذاك مدعاة للاستياء من يوحنا. ولبى المجمع اقتراح الأسقف ممنون فأصدر لهذه الأسباب حكم القطع من الشركة على يوحنا. ولكنه لم ينفذ الحكم إلا بعد إجراء ما أهمل ممنون ذكره، وهو استدعاء يوحنا ثلاث مرات للحضور إلى المجمع.
وكان يوحنا، قبل أن يستريح من السفر عقد في محل إقامته مؤتمراً من مشايعيه تاركاً مندوبي المجمع خارجاً في الانتظار. وفي هذا المجمع شرح الكونت كانديان، كيف أن كيرلس واصدقاؤه منعوه من حضور الجلسات مع أن هناك أمراً إمبراطورياً بحضوره، وأطلع يوحنا على الأمر. وأن كيرلس أخرج الأساقفة الذين أرسلهم نسطوريوس ولم يعر رسائل الآخرين انتباها. ثم استأنف كانديان وأجاب على سؤال طرحه يوحنا، قائلاً أن نسطوريوس حُكم عليه دون أن يسمع المجمع دفاعه. فأعلن يوحنا أنه هو نفسه عرف بالاختبار وضعية المجمع المشار إليه، لأنهم عوض أن يستقبلوه ورفاقه بصورة ودية، هجموا عليهم ثائرين. وأن مجمعه المنعقد الآن سيصدر حكمه في ما يقضي به العدل من جهتهم. وكان عدد أعضاء هذا المؤتمر 43 أسقفاً. في حين عدد الأساقفة المجتمعين في كنيسة افسس كان أكثر من 200.
وهنا سال يوحنا مؤتمره عم يجب اتخاذه بشأن كيرلس وأتباعه؟ فنهض عدد من الأساقفة لم يكونوا نسطوريين وروا كيف أن كيرلس وممنون شرعا منذ البداءة في إساءة معاملة النسطوريين وعدم السماح لهم بكنيسة حتى أنهم لم يأذنوا لهم أن يقيموا الخدمة في عيد الخمسين. وفضلاً عن ذلك أرسل ممنون إكليرسه إلى مساكن الأساقفة يأمرهم بالتهديد بوجوب حضور مجمعه، وهكذا شوش مع كيرلس كل نظام ليحولا دون فحص البدع التي اتهما بها. فإن رسالة كيرلس الأخيرة إلى نسطوريوس المذيلة بإبسالاته الاثني عشر الكثير من البدع الآيوسية والابولينارية والافنومية ولذلك صار من الواجب على يوحنا أن ينظر في كل هذا ويصدر الحكم بالعقاب الواجب على زعيمي هذه البدع كيرلس وممنون. وأما الأساقفة الذين ضلوا الطريق القويم بسببها فيجب أن يُفرض عليهم ما يستحقونه من العقوبات الكنسية.
فأجاب يوحنا على هذه التهم الكاذبة والتي لا تستند إلى حقائق بتواضع رأيي [والكلام هنا لـ "هيفيله"]، قائلاً انه لم يكن يريد أن يرى نفسه ملزماً بأن ينبذ من الكنيسة شخصاً نال نعمة الكهنوت المقدس. على أن الواجب، على كل حال، يقضي بقطع الأعضاء الفاسدة لأجل سلامة الجسد كله. ولهذا السبب يستحق كل من كيرلس وممنون أن يخلعا لأنهما سبب الاضطرابات والفوضى وقد خالفا في عملهما أوامر الأمبراطورين عدا وقوعهما في البدع في الإبسالات السابق ذكرها [61]. ويجب أن يقطع من الشركة أيضاً كل من ضل بسببهم إلى أن يعترفوا بخطأهم ويبسلوا أقوال كيرلس ويعتصموا اعتصاماً وثيقاً بالدستور النيقاوي بدون أية إضافة غريبة وينضموا إلى مجمع يوحنا.
فوافق المؤتمر وأصدر هذا القرار: "إن المجمع المقدس الملتئم في أفسس بنعمة الله وأمر الإمبراطورين الحسني العبادة يعلن: أننا كنا نود في الحقيقة أن نتمكن من عقد المجمع بسلام. ولكن بما أنكم عقدتم مؤتمراً على إنفراد بوقاحة وانفراد وعناد بسبب موقفكم الابتداعي مع وجودنا في الجوار، ولما كنتم قد ملأتم المدينة والمجمع المقدس من تشويشكم لتحولوا دون فحص بدعكم الآريوسية والأبولينارية والأفنومية ولم تنتظروا وصول الأساقفة القديسين من كل المناطق ورفضتم الإصغاء إلى إنذارات كانديديان وتنبيهاته لذلك يجب أن تعلم أنت كيرلس، أسقف الإسكندرية، وأنت يا ممنون، أسقف هذه المدينة، أنكما مخلوعان وممنوعان من القيام بأية خدمة كهنوتية لأنكما قد كنتما سبب هذا التشويش كله. وأما أنتم الآخرون الذين وافقتموهما فتقطعون من الشركة إلى أن تعترفوا بمغلطكم وتصلحوا أمركم وتقبلوا من جديد الإيمان النيقاوي بدون زيادة غريبة وتبسلوا اقتراحات كيرلس الابتداعية وتطيعوا في كل شيء أمر الإمبراطورين الراغبين المحافظة على العقيدة بسلام وبأوفر دقة".
وأرسل هذا المؤتمر علماً بما جرى إلى جانب واحد إلى الأمبراطور ثيودوسيوس وإلى السيدتين الإمبراطورة وشقيقة الأمبراطور وإلى إكليروس القسطنطينية وشعبه ومجلس الشيوخ. ثم بعد ذلك بقليل طلبوا من أعضاء المجمع الأصيل كتابة ألا يؤجلوا موعد توبتهم وارتدادهم وأن ينفصلوا عن كيرلس وممنون وإلا فإنهم يضطروا بعد قليل إلى الندم وندب غباوتهم وحماقتهم".
ويوم السبت طلب المؤتمر من الكونت كانديديان أن يبذل جهده في منع كيرلس وممنون وكل من شايعهما المقطوعين من الشركة من إقامة الخدمة الإلهية يوم الأحد. أما كانديديان فطلب أن يمتنع الفريقان عن الخدمة وأن يقوم بها قسوس المدينة دون سواهم. فأعلن ممنون أنه لن يخضع لأمر يوحنا أو مؤتمر وأقام كيرلس من معه الخدمة المقدسة وكل مساعي يوحنا في أن يعين بالقوة أسقفاً آخر لأفسس غير أسقفها ممنون ذهبت أدراج الرياح. فإن سكان المدينة الأرثوذكسيين عارضوا مسعاه بشدة.
فماذا كانت النتيجة؟[62]
بيان إمبراطوري: وفي أوائل آب أطل على الآباء المجتمعين المختلفين أحد كبار رجال البلاط يوحنا قمص العطايا المقدسة وبيده براءة إمبراطورية. ولدى وصوله أمر الحزبين المتنافرين أن يجتمعا في مكان واحد. ثم قرأ عليهم البراءة وفيها خلع نسطوريوس وكيرلس وممنون ووجوب الاستمساك بنص الدستور النيقاوي والعودة إلى الأوطان.
ووافق الوفد الأنطاكي على مضمون هذا البيان وأعلن استمساكه بالدستور النيقاوي واعتقاده بصحة الاصطلاح "والدة الإله". ولم يأتِ الوفد على ذكر نسطوريوس. والواقع أنه منذ وصول الوفد إلى أفسس ونقطة الدائرة في البحث هي بنود كيرلس الاثنا عشر. أما الوفد الإسكندري ومن شد أزره فإنهم صعقوا وراحوا يسعون للدفاع عن كرامة كيرلس وممنون. إلا أن الأمبراطور أصغى أخيراً للقديس كيرلس وأمر بالتسوية.
في خلقيدونية: واستقال نسطوريوس من منصبه وآثر العودة إلى الدير في أنطاكية ولم يطلب شيئاً سوى إبطال بنود كيرلس الاثني عشر. ووافق الوالي أنطوخيوس فعاد نسطوريوس إلى دير افبريبيوس. ودعا الأمبراطور ممثلين عن الحزبين المختلفين إلى خلقيدونية. واستمع إلى أقوالهما وأمر بإعادة كيرلس وممنون إلى منصبيهما ونصَّب على كرسي القسطنطينية مكسيميانوس الكاهن الوقور المحترم. ولكن هذا وحده لم يكف لإعادة السلم والوئام إلى الصفوف. فبنود كيرلس الاثنا عشر كانت لا تزال موضع جدل عنيف بين أنطاكية والإسكندرية.
ورجع الأساقفة إلى أوطانهم وهم على شقاق لا على سلام واتفاق. وبعد رجوعهم عقد الأنطاكيون مجمعين أحدهما في طرسوس والآخر في أنطاكية وأعادوا حرم كيرلس وبنوده.
مهمة أرسطولاوس: فساء هذا كله في نظر الأمبراطور فشاور مكسيميانوس في الأمر فأشار بدعوة كل من كيرلس ويوحنا إلى اجتماع خصوصي يعقد بينهما وحدهما في نيقوميذية. فاستدعى الأمبراطور القائد أرسطولاوس ودفع له بإرادة سنية قضت بقيام كل من كيرلس ويوحنا إلى نيقوميذية لأجل التفاهم وبامتناعهما عن خلع الأساقفة وسيامتهم حتى وصولهما إلى الصلح والاتحاد.
ولدى وصول أرسطولاوس إلى أنطاكية رأى من المفيد جداً أن يتصل بعميد الأساقفة وشيخهم الوقور أكاكيوس متروبوليت حلب. ففعل وحمل إليه أيضاً جواب أساقفة أنطاكية وكان هؤلاء قد أكّدوا للإمبراطور أرثوذكسيتهم واستمساكهم بدستور نيقية وبنص رسالة أثناسيوس إلى ابيكتيش ولكنهم أعلنوا عدم استعدادهم لنقبل أية إضافة إلى التعاليم الموروثة.
ورأى أكاكيوس أن يطلع كيرلس على جواب أساقفة أنطاكية فأوصى أرسطولاوس بذلك. فكتب كيرلس إلى أكاكيوس مبيناً شروط التفاهم المنشود. وأهمها الاعتراف بخلع نسطوريوس وتحريم بدعته. وأما سائر الأمور المتعلقة ولا سيما البنود فإن كيرلس لم يقصد بهم سوى نسطوريوس وعقيدته. فلمس الأسقف الشيخ استعداد كيرلس للمصالحة فكتب إلى ثيودريطس قورش والكسندروس منبج يبين شروط كيرلس وينصح بقبولها ويرجو التفضل بالرد. فرفض الكسندروس هذا النصح وأيده في الرفض عدد من زملائه الأساقفة وأجمعوا أن ما يقوله كيرلس شيئاً من الأبولينارية. أما ثيودوريطس قورش واندراوس سميساط فإنهما لمسا تقرباً في رد كيرلس ولكنهما رفضا ذم نسطوريوس والحكم عليه.
بولس أسقف حمص: وكتب يوحنا أسقف أنطاكية كتاباً كريماً إلى زميله الإسكندري جاء فيه أنه لا يطلب إلا السلام وأنه يغتبط لتمسك زميله برسالة أثناسيوس لابيكتيتس لأنه هو أيضاً مستمسك بها.فرأى أكاكيوس أن يوفد صديقه بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية لينقل رسالة يوحنا ويفاوض كيرلس في التفاهم والاتحاد.
ووصل بولس إلى الإسكندرية فوجد كيرلس مريضاً. ثم لمس شيئاً من الدس يزرعه البلاط الإمبراطوري طمعاً بالمال فطالت إقامة الرسول الأنطاكي. ونثر كيرلس الذهب مرة ثانية فسكتت القسطنطينية. ثم استأنف الفريقان التفاوض فاتفقا على أن يعلن بولس اعترافه بقانونية انتخاب مكسيميانوس وبصحة التعبير "والدة الإله" وأن يخطّئ نسطوريوس في ما ذهب إليه فيدخله عندئذ كيرلس في شركته. واعترف بولس بهذا كله فاشترك في الذبيحة الإلهية في الإسكندرية مرتين متتاليتين في 25 كانون الأول سنة 432 وفي أول كانون الثاني سنة 433.
اتفاق وسلام: وكان أرسطولاوس قد عرّج على أنطاكية حاملاً رسالة يبين فيها كيرلس موقفه النهائي من المسألة وقد أوجب فيها قطع نسطوريوس ونبذ تعاليمه. ولم يُشر إلى بنوده الاثني عشر. فقبل يوحنا وأرسل إلى كيرلس نص اعتراف كان قد حرره ثيوذوريطس في أفسس. فوافق كيرلس وتم التفاهم بين الإسكندرية وأنطاكية. وأهم ما جاء في هذا الاعتراف[63] :"إننا نعترف بأن سيدنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو إله تام وإنسان تام من نفس ناطقة وجسد, مولود من الآب بحسب اللاهوت وهو عينه مولود في الأزمنة الأخيرة لأجلنا من العذراء مريم بحسب الناسوت.... إذ قام فيه اتحاد الطبيعتين.... وأن القديسة مريم بحسب هذا الاتحاد العادم الاختلاط هي والدة الإله, لأن الإله الكلمة تجسد وتأنس منها ومن بدء الحمل أَتْحَدَ ذاته بالهيكل الذي منها....".
وصدر عن أنطاكية وعن الإسكندرية رسائل سلامية إلى كل من سيكستوس أسقف رومة ومكسيميانوس أسقف القسطنطينية وثيودوسيوس الأمبراطور تنبئ بالحادث السعيد.
اختلاف الكلمة في أنطاكية: واختلف الأساقفة الأنطاكيون في أمر هذا الاعتراف فاعتبره الكسندروس منبج انتصاراً لكيرلس واندحاراً ليوحنا وأتباعه. وقال هذا القول معظم أساقفة قيليقية الأولى والثانية كما يتبين من مقررات مجمع عين زربة في ربيع 433. وتفرقت الطرق بأساقفة وادي الفرات. فبعضهم أيد الكسندروس والبعض الآخر عاد إلى الشركة مع يوحنا رئيس الكنيسة. وبين هؤلاء أندراوس أسقف سميساط ويوحنا أسقف مرعش.
وتوفي مكسيميانوس أسقف القسطنطينية في ربيع 433 وحلّ محله بروكلوس. وظل الكسندروس منبج وايلاذيوس طرسوس ومكسيميانوس عين زربة وملاتيوس موبسوستي وثيودوريطس قورش مستبدين برأيهم منفردين به. فأطلت السلطات المدنية وأكدت لهم أن الوقت قد حان للتواضع والتعقل. وضغطت بشكل خصوصي على ثيودوريطس أعلم الأساقفة وأبعدهم أثراً فبعثت بسمعان العامودي ويعقوب وغيرهما من مشاهير الرهبان إليه ليتوسلوا إليه بوجوب المحافظة على الاتحاد. وشجعت السلطات وجهاء رعية هذا الأسقف القديس على مطالبته بالأمر نفسه. وتعددت رسائل زملائه الأساقفة للغاية نفسها. فقبل أن ينهض إلى أنطاكية لمقابلة يوحنا أسقفها. ولدى وصوله إليها اشترك بالذبيحة مع يوحنا ووقع الاعتراف وكتب إلى كيرلس بذلك. ولم يُطلب إليه أن يقطع نسطوريوس. وتبع ثيودوريطس في هذا عدد غير قليل من أساقفة القيليقيتين وأسورية. وأصرَّ الكسندروس منبج على غيّه وأمعن في تيهه فنفي إلى مناجم مصر. وهام في أودية الضلال حتى وافته المنية. وعميت وجوه الرشد على خمسة عشر أسقفاً آخرين فخلعوا وأبعدوا. وأشهر هؤلاء ملاتيوس موبسوستي وانستاسيوس تنذوس.
اختلاف الكلمة في الإسكندرية: وحدث أيضاً في الإسكندرية ما حدث في أنطاكية. إذ ظن بعض الأساقفة السكندريون أن كيرلس في مصالحته مع يوحنا الأنطاكي انتصاراً ليوحنا واندحاراً لكيرلس وبتراجعه عن إيمان أفسس[64]. فأرسل رسائل إلى الأساقفة يشرح فيها كيف أن مصالحته مع يوحنا لا تتعارض مع شرحه للإيمان في أفسس[65].
وقبل أن ننهي هذا الفصل، من بحثنا هذا، وجب أن نضع رسالة المصالحة، لما تحتويه من تعليم أرثوذكسي قويم:
----------
الحواشي
----------
[60] المرجع السابق، ص 334-336
[61] نحن اليوم نقرأ هذه الإبسالات على ضوء مئات السنين من الحوارات الخريستولوجية. ولكن في ذلك الوقت كانت تعابير القديس كيرلس لها معاني مختلفة عند البعض. وكان هذا هو حال التعليم اللاهوتي بشكل عام. لأن المصطلحات متغيرة المعاني بحسب الشخص والمدرسة اللاهوتية التي ينتمي لها.
[62] الدكتور أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى.
[63] سنورده كاملاً بعد هذه الفقرة
[64] سنفرد لها فقرةً توضحها نوعاً ما.
[65] وهذا هو لب موضوع مجمع خلقيدونية..
-
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 7
كيرلس - إلى سيدي الأخ المحبوب والزميل في الخدمة، يوحنا سلام بالرب:[66]
"لتفرح السموات ولتبتهج الأرض" لأن حائط العداوة المتوسط قد نُزع الألم قد زال. وكل اختلاف في الرأي قد اضمحل.
إن المسيح مخلصنا إذ قد منح السلام لكنائسه بواسطة دعوتنا إلى ذلك من قبل ملوكنا الحسني العبادة المحبوبين من الله وهم أفضل من حذوا حذو أسلافهم من المحافظة على الإيمان القويم في نفوسهم ثابتاً غير متزعزع يصرفون عنايتهم بنوع خاص في سبيل مصالح الكنائس المقدسة وهكذا يستحقون دائماً المجد الاثيل ويسيرون إلى أمام بمملكتهم الفائقة الشهرة. فإن المسيح نفسه رب القوات يوزع عليها العطايا الصالحة بسخاء ويمهد لهم في سبيل الغلبة على الأعداء ويمنحهم الصبر والظفر. لأنه لا يخلف في وعده "ما دمت حياً يقول الرب سأكرم الذين يكرمونني". لأنه عندما وصل سيدي وأخي وزميلي في الخدمة بولس المحبوب من الله جداً إلى الإسكندرية امتلأنا سروراً وبالطبع إن توسط شخص في مقامه واستعداده للعمل بما هو فوق الطاقة كان عوناً لنا في التغلب على مكايد إبليس مسبب انقساماتنا وبإزالته أسباب كل ما حدث بيننا من خصومات سيتوج كنيستنا وكنيستكم بالوئام والسلام.
ليس الحديث عن سبب الاختلاف جوهرياً. وأحسب أنه أجدى لنا عائدة أن نفكر وأن نتحدث بما يلائم عهد السلام. ولذلك سررنا لاجتماعنا بذلك الرجل الممتاز الجزيل التقوى الذي ربما كان يتوقع أن يلاقي عناء غير قليل لإقناعنا بضرورة عقد محالفة من أجل السلام في الكنيسة نحول بها دون هزء غير الأرثوذكسيين ونثلم مناخس عناد إبليس. وقد وجدنا مستعدين بحيث أنه لم يحتج على الإطلاق إلى أقل عناء لإقناعنا. لأننا تذكرنا قول المخلص "سلامي أعطيكم سلامي أترك لكم". وقد تعلمنا أيضاً أن نقول في الصلاة "أيها الرب إلهنا امنحنا سلاماً لأنك أعطيتنا كل شيء". لأن كل من اشترك في السلام الذي أعده الله لا ينقصه شيء من الصلاح. وحقيقة الأمر أن الخلاف بين الكنائس لم يكن له داعٍ على الإطلاق. والآن قد رضينا كل الرضى بالصك الذي أحضره سيدي الأسقف بولس الجزيل التقوى المتضمن اعترافاً بالإيمان لا خلل فيه وقد أكّد لنا أنه من وضع قداستكم وأساقفتكم المحبوبين من الله. وهذا هو نص الصك نورده بالحرف في رسالتنا هذه[67]:
"فيما يختص بالعذراء نعتقد ونقول أنها والدة الإله. ومن جهة تجسد ابن الله الوحيد نقول بإيجاز لا من قُبيل الزيادة بل لتثبيت ما تسلمناه من البدء في الكتب الإلهية وتقليد الآباء غير مضيفين شيئاً إلى الإيمان الذي وضعه الآباء القديسون في نيقية. لأنه كما قلنا سابقاً كافٍ لمعرفة كل ما يتعلق بالإيمان ولدحض كل اعتقادات المبتدعين الكاذبة. ولكننا نقول غير مدعين المستحيل بل نعترف بضعفنا ونتجنب كل من يريد منا أن نتمسك بما يتخطى الاعتبار البشري.
"فنحن لذلك نعترف بربنا يسوع المسيح ابن الله الوحيد أنه إله تام وإنسان تام مؤلف من نفس عاقلة وجسد، مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وفي الأيام الأخيرة ولد لأجلنا ولأجل خلاصنا من مريم العذراء بحسب ناسوته[68]. إنه مساوٍ لأبيه في الجوهر وهو من طبيعتنا نحن ذاتها في الناسوت. وقد حدث اتحاد بين الطبيعتين ولذلك نعترف بمسيح واحد – ابن واحد – ربّ واحد".[69]
"وبهذا الإدراك للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي والدة الإله. لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس وبهذا المعنى وحَّد بين نفسه والهيكل الذي اتخذه منها.
"لأننا نعلم أن اللاهوتيين يجعلون بعض الأشياء من التعليم الإنجيلي الرسولي عن الرب عاماً من جهة اختصاصه بالشخص الواحد ويوزعون البعض الآخر مخصصين قسماً لكل من الطبيعتين. فينسبون ما هو جدير بالعزة الإلهية إلى الله من جهة لاهوت المسيح وما هو دون مقامها إلى طبيعته البشرية من جهة ناسوته".
هذه[70] هي آراؤكم المقدسة وإذ نرانا نعتقد الشيء نفسه[71]، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، نمجد الله مخلص الكل مهنئين أحدنا الآخر أن كنائسنا وكنائسكم تؤمن إيماناً واحداً كما جاء في الكتب التي أوحى بها لله وفي تقاليد آبائنا القديسين.
وإذا علمت بأن البعض الذين اعتادوا أن يفتشوا عن العيوب كانوا يطنون كالزنابير اللاسعة ويتقيأون أقولاً باطلة ضدي كزعمهم أن قلت أن جسد المسيح المقدس أتى من السماء وليس من العذراء القديسة رأيت من الضرورة أن أقول ما يأتي بهذا الشأن. أيها الحمقى الذين لا تعرفون إلا أن تشوهوا الحقائق من أين أتيتم بهذا الحكم؟ وكيف سقطتم في مثل هذه الحماقة؟ لأنه ليس من شك في أن المنصف يدرك أن كل اعتراض علينا في ما يختص بالإيمان كانت أسبابه تأييدنا للقول بأن العذراء القديسة هي والدة الإله؟ فلو أن جسد المخلص المقدس لم يولد منها بل هبط من السماء فكيف يمكن أن نقول أنها والدة الإله؟. وماذا ولدت إلا إذا كانت قد ولدت حقاً عمانوئيل بالجسد؟ إن الذين يتمتمون بهذه الأقوال يجب حقاً أن يكونوا أضحوكة وهزأة.
إن النبي أشعياء لا يكذب في قوله: "ها أن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا" (انظر اش7: 14، مت1: 23، 24) وحقاً قال جبرائيل القديس للعذراء المباركة: "لا تخافي يا مريم فإنك قد نلتِ نعمةً عند الله. وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع" (لو1: 31) "لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 21).
لأننا عندما نقول أن ربنا يسوع المسيح نزل من السماء من العلى لا نقول هذا بمعنى أن جسده المقدس أخذ من السماء فوق بل بالأحرى نتبع ما أعلنه بولس الإلهي: "الرجل الأول كان من الأرض ترابي، والرجل الثاني هو الرب من السماء".
وإننا نذكر ما قاله المخلص نفسه: "لم يصعد أحد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء أي ابن الإنسان". فإنه وإن يكن قد ولد بحسب الجسد، كما قيل حقاً، من العذراء القديسة فالله الكلمة قد نزل من فوق من السماء. وجعل نفسه بلا شرف واتخذ صورة عبد ودعي ابن الإنسان ولكنه وقد اعتبر واحداً مع جسده قيل عنه أن نزل من السماء.
وقد دعي أيضاً الإنسان من السماء لأنه تام في لاهوته وتام في ناسوته ويعتبر شخصاً واحداً. لأنه واحد هو الرب يسوع المسيح على الرغم من عدم اختفاء الاختلاف بين طبيعتيه اللتين منهما كان ذلك الاتحاد الذي لا يمكن الإعراب عنه[72].
فهل تأمرون قداستكم بإسكات أولئك الذين يقولون اختلاطاً أو تداخلاً أو مزجاً قد حدث بين الله الكلمة والجسد إذ قد يغتابني البعض زاعمين أن هكذا ارتأيت وهكذا قلت[73].
مع أني أعتبر كل من يقول أو يظن بحدوث أقل تغيير في طبيعة الله الكلمة إنه يعرّف بما لا يعرف[74]. فإن الكلمة ما زال كما كان لم يطرأ ولن يطرأ عليه تغيير. وكلنا نعرف أيضاً أن كلمة الله غير قابل أن يتألم حتى عند إتمامه بملء حكمته هذا السر العظيم فيظهر كأنه ينسب لنفسه الآلام التي احتملها في جسده. ولهذا السبب عينه قال بطرس الكلي الحكمة عندما كتب عن المسيح "أنه تألم بحسب الجسد". وليس بحسب طبيعة لاهوته التي يتعذر وصفها. ولكن يمكن أن نؤمن به أنه مخلص الكل احتمل آلام جسده بحسب تدبيره الخاص.
قال النبي كأنه يتكلم بفمه: "بذلت ظهري للضاربين وخديَّ للناتفين الشهر. ولم أستر وجهي عن العييرات والبصق" (أشعيا 5: 6). فأريد من قداستكم أن تقتنعوا أو لا تدعوا مجالاً لأحد أن يشك في أننا كلنا نتبع تعاليم الآباء القديسين ولا سيما أبينا المشهور المغبوط أثناسيوس دون أن نحيد قيد شعرة عنها.
وكان في إمكاني أن أضيف مقتبسات أخرى من أقوال الآباء لإثبات أقولي لولا خشيتي أن تطول رسالتي وتصير مملة. ولسنا نسمح لأحد أن يتعرض لدستور الإيمان الذي وضعه آباؤنا القديسون في نيقية أو يحاول زعزعته. ولا نجيز لأنفسنا ولا للغير بأن نغير كلمة واحدة من نصه أو نضيف هجاء واحداً أو حرفاً واحداً متذكرين القول: "لا تنزع المعلم القديم الذي وضعه آباؤك" (أم22 : 28). فليس هم الذين نطقوا بل روح الله الآب نفسه الذي ينبثق منه أيضاً وليس هو غريباً عن الابن بحسب الجوهر.. وهذا ما تثبته لنا أيضاً كلمات القديسين الذين منحونا الأسرار. فقد كتب في أعمال الرسل: "وبعد أن أتيا من ميسية حاولا أن يسيرا إلى بيثينية فلم يأذن لهما روح يسوع" (أع 16: 7). وبولس الإلهي كتب: "فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. أما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله حالاً فيكم. ولكن إن كان أحد ليس فيه روح المسيح فهو ليس منه" (رومة 8: 8،9).
فأرجوا من قداستكم ألا تعجبوا إذا صوّر كلامي بعض الذين اعتادوا تزوير الحقائق حسب أرائهم. ولكن كونوا على ثقة أن أتباع كل بدعة يتخذون الحجج لضلالهم من الكتب التي أوحى بها الله مشوهين بأفكارهم الخبيثة الأقوال التي نطق بها الروح القدس وصابين على رؤوسهم ناراً لا يطفأ لهيبها.
وإذ قد علمنا أن البعض شوّهوا الرسالة الأرثوذكسية التي أرسلها أبونا أثناسيوس الجزيل الشهرة إلى الطوباوي ابتكتيتوس لتضليل كثيرين لاح لنا أنه من الضروري المفيد أن نبعث إلى قداستكم بنسخة منها منقولة عن مخطوط قديم صحيح موجود لدينا – الوداع.
كان من المفترض أن ينتهي هذا الفصل من البحث، ولكن الأفضل أن نضع مقتطفات من هذه الرسالة التي تحدث عنها القديس كيرلس:
رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس:[75]
أي عالم سفلي تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟... أو من سمع في الكنيسة أو بين المسيحيين على العموم، بأن الرب لبس جسداً خيالياً وليس طبيعياً؟... بالعكس فإن الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته... لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها، جسد الكلمة، البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة [76]... ومن الغريب، أن الكلمة نفسه كان متألماً وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة، إذ هو إله بالطبيعة. فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجوداً في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل التي قبلها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي، بعد أن يأخذ ما لنا (أي الجسد) ويقدمه كذبيحة، يقضى على (العلل والضعفات) كلها. وهكذا يلبسنا ما له[77]... وهكذا فإن المولود من مريم هو بشرى بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية... لأنه لم يقل كما تشاهدونني وأنا لحم وعظام، بل قال "كما ترون إنه لي" لكي لا يعتقد أحد بأن الكلمة نفسه قد تحول إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة... لأن الثالوث الحق، والكامل بالحقيقة، وغير المنفصل لا يقبل إضافة، بل إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص... وكيف يمكن أن يظلوا مسيحيين أولئك الذين يخترعون إلهاً آخر مختلفاً عن الإله الكائن... لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلص هو من مريم وأنه بشري، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعاً بدلاً من ثالوث، كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد، وهكذا فإن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثير، إذ أنهم يتوهمون بأنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركوا، أن الكلمة صار جسد، ليس لأجل إضافة (شيء ما) إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد قيامة... كيف إذن يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيء ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه ؟ بل بالعكس فإن الجسد البشرى ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به،.. ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءاً من اللاهوت... لكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (إضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي هو فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل)... أما الكلمة نفسه الذي وًلد من مريم فقد اتخذ منها جسداً وصار إنسان، إذ هو بطبعه وجوهره كلمة الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم...
يتبع>> مابين المجامع الثلاثة ومجمع خلقيدونية>>
---------------
الحواشي
---------------
[66] الأب حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 380-383.
[67] ينقل كيرلس الكبير الآن نصاً من رسالة يوحنا أنطاكية ومجمعه.
[68] لأول مرة نجد اعتراف صريح بالطبيعة البشرية في السيد المسيح
[69] هذا النص من الرسالة، بالإضافة للذي بعده، كان له أشد وقع على الهراطقة. مما اضطر بعضهم أن يرمي القديس كيرلس بالهرطقة، كما سيأتي.
[70] عاد الكلام للقديس كيرلس.
[71] يؤكد القديس كيرلس أن هذا هو أيضاً إيمانه، وسيوضح لاحقاً بأنه لم يؤمن إلا هكذا دائماً.
[72] اعتراف صريح، وقوي يقول فيه القديس كيرلس إيمانه فيه.
[73] ينفي القديس كيرلس هنا أي تعليم له بأن للمسيح طبيعة واحدة. وبهذا قوّض كل ادعاء باطل سيأتي بعد ذلك بأنه علم بطبيعة واحدة.
[74] تصريح آخر من القديس كيرلس، يقول فيه أن طبيعة الكلمة لم تتغير. أي لا يجوز أن نقول أن طبيعته ليست إلهية وليست بشرية، بل هي طبيعة من طبيعتين. لأنه يرفض تغيير طبيعة الكلمة. والتجسد هو أن المسيح له المجد ضم إلى ذاته طبيعة بشرية فلم تتغير طبيعته الخاصة اللاهوتية، بل أضاف لأقنومه طبيعة بشرية كان هو نفسه أقنومها.
[75] تُرجمت هذه الرسالة عن اليونانية ضمن الجزء الثالث لرسائل القديس كيرلس (ترجمة الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد)، ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1995م
[76] تعليم واضح عن التأله.. فإن لم يكن هذا تعليم عن التأله، فماذا يكون؟
[77] نفس التعليق السابق.
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج1
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟
بما أننا الآن سندخل في نقطة التماس بين أفسس وخلقيدونية، فكان الأفضل أن نلجأ إلى كتب أصحاب الرأي الآخر، لنرى ما فيها من معلومات حول هذه الفترة الزمنية. مع أننا، بكل أسف كما وجدنا في موضوع الذهبي الفم في كتاب "تاريخ الكنيسة القبطية" للشماس منسى القمص، لا يمكننا الوثوق بتاريخهم، فهم يجمّلونه، وأعتذر عن قولي هذا. وللتذكير نعيد ما اقتبسناه من ذلك الكتاب سابقاً: "يقول الشماس منسى القمص، تاريخ الكنيسة القبطية، ص 194: "لا ريب أن تاريخ البابا ثيوفيلوس قد تشوه بمقاومته لفم الذهب الرجل الذي أجمعت كل الكنائس على محبته".. ويتابع في نفس الفقرة: "ولكن التاريخ نفسه يخبرنا أنه فيما بعد تجلى له سوء صنيعته وشدة تطرفه ضد أخيه فم الذهب، فندم على ما بدا منه ضده ثم قضى بقية حياته في الأعمال النافعة". رأينا هنا أنه بعد أن يقول بأن هذا العمل شوه سيرة البابا ثيوفيلوس، لكنه يعود ويقول أنه ندم على ما صنع ضد أخيه! ولكن من ثم في صفحة 280 يقول عن القديس كيرلس: "كان هذا البابا على رأي خاله ثيوفيلوس من جهة فم الذهب، ولذلك لم يذكر اسمه في صلوات القداس". فالتناقض واضح هنا جداً. فقبل قليل وجدنا يقول أن البابا ثيوفيلوس قد ندم وتاب على ما صنعه بأخيه الذهبي الفم، ثم يقول أن البابا كيرلس كان من رأي خاله! مما يعني أن خاله، البابا ثيوفيلوس، لم يندم على ما صنع بأخيه".
وسنرى ذلك لاحقاً مع كتاب آخر، كيف تتم قراءة التاريخ، بحسب معطيات يفترضونها سابقاً. وليس التاريخ فقط، لأنها كانت مشكلة بسيطة أن نختلف في قراءة التاريخ، ولكن الإيمان والعقائد كذلك الأمر.
على كل حال دعونا نبدأ بمطالعة بعض ما كتب، وتيسر لنا مما كتب عن حقبة ما بعد الصلح الأنطاكي-الإسكندري
أولاً: الأنبا ديسقوورس، أسقف المنوفية، يتكلم عن المصالحة، فيقول أن هناك من عاب القديس كيرلس على موافقته على نص رسالة المصالحة، وننقل منه قوله التالي[79]: قد ورد في رسالة المصالحة التي وقّع عليها القديس كيرلس، كما قرأنا سابقاً، عبارات عاب البعض على البابا كيرلس قبولها. وهي: "لأنه صار اتحاد الطبيعتين فلذلك نعترف بمسيح واحد. وبحسب معنى هذا الاتحاد الخالي من الاختلاط،[80] نعترف بأن القديسة مريم هي والدة الإله". وأيضاً: "أما الأقوال الإنجيلية والرسولية المقولة في الرب، فنعلم أن علماء اللاهوت يجعلون بعضها عامة تنبغي لأقنوم واحد. ويفصلون بعضها لاختلاف الطبيعتين، وينسبون تلك الواجبة لله للاهوت المسيح وينسبون الوضيعة لناسوته".
ثانياً: الشماس منسى القمص[81]، فيبدو أنه صاحب الكلام الذي اقتبسه سابقاً الأنبا ديسقوروس. ولا يوجد بها ما يُفيد موضوعنا.
ثالثاً: الأنبا بيشوي أسقف دمياط وكفر الشيخ، وسكرتير المجمع المقدس. يتوسع قليلاً ويحاول سحب البساط إلى جانبه، بكلمات طنانة، لا طائل منها. ودعونا نقرأ ماذا يقول[82]:
" 1- إعادة الوحدة عام 433
لم ينهِ رحيل نسطور الخلاف، فقد تحطمت أواصر الشركة بين روما والإسكندرية من جانب وأنطاكيا من الجانب الآخر، فسعى الإمبراطور نفسه مستخدماً سلطانه ونفوذه ليعيد السلام، وبالفعل حققت مساعيه النتائج المرجوة، وفى عام 433م أرسل يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه اعتراف بالإيمان (أي وثيقة تعلن إيمان يوحنا) وقبله كيرلس، وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة التي أعادت الوحدة، والتي تضمنت جزءً من اعتراف يوحنا يؤكد وحدة شخص السيد المسيح والاستمرارية غير المختلطة وغير الممتزجة للاهوت والناسوت فيه.[83]
وورد في هذا النص ما يلي: "نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسد، وهو مولود من الآب قبل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه فى الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من مريم العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه، له الجوهر نفسه مع الآب، بحسب لاهوته، وله نفس الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين. لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي "والدة الإله"، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ الحمل به اتحد الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته."[84]
2- تأزُّم الموقف[85]
لم تنجح إعادة الوحدة عام 433م في تحقيق الاستقرار والوحدة الكاملة بين الجانبين. فالسكندريون (أي الجماعة المؤيّدة للقديس كيرلس) شعروا بأن كيرلس قدم تنازلات كثيرة للأنطاكيين، أما الأنطاكيون فشعر بعضهم بالاستياء وعدم الرضى في شأن استبعاد نسطور وإدانته.
غير أن كيرلس كان قوياً ونافذ القول بقدر كاف لاحتواء أتباعه؛ وأرسل كثير من الرسائل إلى أصدقائه مثل أكاكيوس أسقف ميليتين وفاليريان أسقف إيقونية شارحاً كيف أن المصالحة مع يوحنا الأنطاكي لا تتعارض مع شرحه السابق للعقيدة في رسائله إلى نسطور، ولا مع عقيدة مجمع أفسس.[86]
أما بالنسبة للأنطاكيين، فلم يكونوا كلهم موافقين على إعادة العلاقات أو على الوحدة. وبالرغم من وجود رجال مثل يوحنا الأنطاكي وأكاكيوس أسقف حلب الذين قبلوا إعادة الوحدة وظلّوا مخلصين لمصطلحات الاتفاق الذي تم التوصل إليه سنة 433م، إلا أنه كان هناك آخرون في الجانب الأنطاكي غير راغبين في الإذعان والخضوع للبطريرك الأنطاكي. وهؤلاء كانوا يمثلون اتجاهين:
من ناحية: كان هناك الكيليكيون المعارضين لكيرلس ولإعادة الوحدة.
ومن الناحية الأخرى: كان هناك رجال مثل ثيئودوريت أسقف قورش الذي لم يقبل إدانة نسطور.
وتدخّل الإمبراطور وخضع الكثير من هؤلاء الأساقفة، إلا أن خمس عشر منهم عاندوا فكان مصيرهم الخلع، وفى عام 435م قبِل ثيئودوريت إعادة الوحدة ولكن بدون إدانة نسطور،[87] وهكذا لعب ثيئودوريت أسقف قورش المجادل المقتدر دوراً فعالاً في الجدال الذي تلا إعادة الوحدة[88].
3- إعادة الوحدة تُفسَّر بطرق مختلفة[89]
تفاقم التوتر بين الجانبين لأن إعادة الوحدة لم تُفهم بمعنى واحد عند كلا الطرفين، فالسكندريون من جهتهم، نظروا إليها كأمر جعل الأنطاكيين يقبلون مجمع سنة 431م بدون أي شروط أو تحفظات، وكيرلس نفسه فهم الأمر بهذا المعنى وأوضح لمؤيديه عندما سألوه.[90] وهذه النظرة الكيرلسية –كما سنرى فيما بعد- أكد عليها ساويروس الأنطاكي باقتدار في القرن السادس،[91] وكان للسكندريين تبريرهم الكافي لهذا الموقف. ألم يوافق الأنطاكيون، على سبيل المثال، على أن يسحبوا اعتراضاتهم الثلاثة على مجمع أفسس؟ ألم يعيدوا العلاقات مع كيرلس السكندري بدون أن يجعلوه يتراجع عن حروماته (الاثني عشر) أولاً؟
وبالرغم من أن شرعية هذا الدفاع السكندري لا يمكن أن تُدحض[92]، إلا أن ثيئودوريت أسقف قورش ومؤيديه كانوا غير راغبين في التسليم والإقرار به، ومضى ثيئودوريت، من جهته، قدماً في الاعتقاد بأن إعادة الوحدة سنة 433م ألغت كل قرارات المجمع سنة 431م التي لم يقروها إقراراً تاماً (إيجابياً)، وبالتالي بذلوا قصارى جهدهم ليؤسسوا ويقيموا لاهوتاً أنطاكياً قوياً (أي متطرفاً) على أساس صيغة إعادة الوحدة (بحسب مفهومهم الخاص)، وسعوا كذلك لوضع رجالهم المؤيدين لهم في الأماكن والمناصب الرئيسية والأساسية لينشروا هذا اللاهوت، وظنوا أنهم يستطيعون تحقيق ذلك عن طريق الاعتراف برسالة كيرلس الثانية إلى نسطور، كوثيقة إيمان بالإضافة إلى صيغة إعادة الوحدة نفسها[93]. ولعل الأنطاكيين في اعترافهم بالرسالة الثانية قد فسّروا عبارة "اتحاد أقنومي" hypostatic union)) الموجودة فى الرسالة كمرادف لعبارة "اتحاد بروسوبوني" أي "اتحاد أشخاص" (prosopic union)[94]، بالرغم من أن كيرلس رفض هذه العبارة في رسالته. وفى سعيهم لتطوير لاهوتهم كان من المستشعر أنهم لابد وأن يعترفوا ويعلنوا أن ديودور أسقف طرسوس Tarsus، وثيئودور أسقف موبسويستيا Mopsuestia هم أساتذتهم اللاهوتيين. ونُشرت أعمالهما. بل وكتَبَ ثيئودوريت نفسه دفاعاً عنهما، وما أن تم هذا حتى فنّده البابا كيرلس ودحضه. وجلّس الأنطاكيون (المتطرفون) أيضاً رجالاً من مؤيديهم في كراسي أسقفيات هامة، وكان هيباس واحد من هؤلاء وقد جُلّس على كرسي الرها في سنة 435م. وقدم الجانب الأنطاكي أيضاً تبريرات لأعماله هذه، فقد قالوا على سبيل المثال، إنهم لم يستطيعوا فهم العبارات السكندرية التالية: إتحاد أقنومي، أقنوم واحد، طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة. بل رأوا فيها معنى أبولينارياً، وقالوا إنهم لم يقبلوا حرومات كيرلس.[95]"... انتهى الاقتباس من سيادة الأنبا بيشوي.
رابعاً: والآن ننتقل إلى مصدر ثالث، تتطرق إلى تبعات المصالحة. وهو الأنبا غريغوريوس، الذي كان أكثر صراحة من غيره. ونطق الكلمات الصحيحة التي يرتكز عليها فهم الطبيعة الواحدة فيما بعد. إذ يقول[96]:
"[بعد ذكره النص الأنطاكي في رسالة المصالحة، يقول]: الملاحظ في هذه الصيغة الجديدة أنها توافق الأنطاكيين أكثر مما توافق رأي الإسكندرية، ولكنها اعترفت صراحة بتلقيب العذراء بوالدة الإله، كما استخدمت لفظة الاتحاد بدلاً من اتصال أو اقتران أو مصاحبة وما إليها من تعبيرات.
عدم رضى الفريقين بهذه التحديدات: على أن ذلك الاتحاد لم يكن مرضياً لكل من الفريقين، وذهب بعض أتباع البابا كيرلس إلى أنه قد أقر الأخطاء النسطورية، وآخرون أساءوا فهم المصطلحات والتعبيرات التي عبّر بها كيرلس، ولكن آخرين ذهبوا أبعد من هذا، فأنكروا صراحة التعليم الذي علّم به كيرلس. أما البابا كيرلس فقد كتب عدة رسائل يشرح فيها معنى الإتحاد الذي يقول به بين اللاهوت والناسوت[97]، وقال إن الإتحاد بين اللاهوت والناسوت اتحاد كامل من غير اختلاط بينهما. والخطأ الذي وقع فيه النساطرة هو أنهم لم يعترفوا باتحاد حقيقي بين اللاهوت والناسوت. ويقول كيرلس أننا لا نجيز الفصل بين الطبيعتين، ونعلم فقط بالتمييز بينهما تمييزاً ذهنياً. وفيما يتصل فالأفعال المنسوبة إلى السيد المسيح في الكتب المقدسة، لا نقول أن بعضها يختص فقط بكلمة الله وبعضها الآخر يختص فقط بابن الإنسان، وإنما نقول أن بعضها يختص فقط باللاهوت والبعض الآخر فقط بالناسوت، وهذه وتلك على السواء تنسب إلى الابن الواحد بعينه".
وإني أرى أن كلامه في غاية الرزانة، ولكن للأسف ليس الوضع هكذا في كل المواضع لا من هذه الموسوعة ولا في أي كتاب مستقل. وقبل الانتهاء، من هذه الفقرة، وهي الصلح من وجهة الرأي الأُخرى، نود أن ننقل هذا الاتهام الصريح، للأسقف غريغوريوس يتهم فيها ساويروس الأنطاكي، ومن جرى مجراه بالنسطورية، إذ يقول في الصفحة 195: إن النساطرة يقولون بالجمع بين اللوغوس وإنسان في ثنائية صريحة، وهم على قول الباب كيرليس يقولون بأقنومين وبابنين في مركب هو أقرب إلى مزيج أي خليط منه إلى اتحاد بالمعنى الدقيق. بينما ينكر الأرثوذكسيون [ويقصد فيها أصحاب الطبيعة الواحدة، لأنهم يسمون نفسهم أرثوذكسيين] هذه الثنائية وينادون بالاتحاد بين اللاهوت والناسوت في أقنوم واحد وطبيعة واحدة جمعت بين صفات وخصائص اللاهوت والناسوت معاً على أن مركز الشخصية أو الأقنومية في الكلمة الذي كان هو الله وصار إنساناً هو في اللاهوت، لأن الناسوت غير مشخص، وعلى ذلك فالأقنوم الذي اتخذ أحوال الحياة الإنسانية وقبل الحد من حياته الإلهية لسبب تلك الأحوال الإنسانية، هو أقنوم اللاهوت الذي اتخذ الأحوال والخبرات والصفات الإنسانية فصارت أيضاً أحواله وخبراته وصفاته.
كما رأينا تعليم الأنبا غريغوريوس يرفض وجود أقنوم بشري اندمج مع أقنوم إلهي فكان أقنوم الكلمة. لكنه يقول في موضع آخر أن المسيح له جوهر واحد[98]. لقد تجاوز الطبيعة الواحدة إلى الجوهر، وهو ليس وحيداً في هذا المضمار.
نكتفي بهذا القدر من المراجع، والآن نجد أنفسنا مُضطرين لوضع الرسائل التي ذُكرت، لنرى إن كان ما ادعته المرجع أعلاه، صحيح أم هو نصف الحقيقة فقط؟ وبعد أن ننتهي من رسائل القديس كيرلس[99]، سنعرض دراسةً في الألفاظ اللاهوتية، وخاصة للقديس كيرلس الكبير.
يتبع>> ج2>>
-------------
الحواشي
-------------
[79] الأنبا ديسقوروس، أستاذ التاريخ بالإكليرية وأسقف المنوفية (الجزءان في مجلد واحد)، ص 248-249
[80] هذا النص الذي يذكره سيادة الأسقف ديسقوورس، لا نجد فيه ما يخالف أسلوب القديس كيرلس السابق في شرحه للتعليم، إلا هذه الجملة بأن الاتحاد لم يعني الاختلاط والامتزاج. فهذا يعني أن هؤلاء الذين كانوا يوالون القديس كيرلس ومن ثم انقلب البعض عليه، كما سيمر علينا، كانوا يؤمنون بطبيعة إليهة واحدة متجسدة بما يشبه تعليم أبوليناريوس الهرطوقي ويقولون بالاختلاط.
[81] راجع كتابه المذكور آنفاً، ص 294.
[82] الأنبا بيشوي، أسقف دمياط، وسكرتير المجمع المقدس: اللقاء الثالث للجنة المشتركة للعلاقات بين الكنيسة الروسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، 12- 16 ديسمبر 2005، كاثوليكوسية بيت كيليكيا العظيم - أنتلياس -لبنان، ملف بعنوان "مجمع خلقيدونية 451م" تحم تحميله من موقعه الشخصي.
[83] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Samuel, V.C., The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, p. 8.
[84] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: St. Cyril of Alex, Letter to John of Antioch, The Fathers of The Church, C.U.A. Press, Washington D.C., Vol. 76, 1978, par. 3, p. 148-149.
[85] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Samuel, V. C., The Council of Chalcedon Re-Examined, Senate of Serampore College, Madras, India, 1977, p. 11.
[86] نفهم من هذا القول أن هذه المصالحة، كانت ثورة لاهوتية على المصطلحات المستخدمة. لأن إيمان القديس كيرلس هو هو نفسه لم يتغير. ولننتظر لما سيأتي بعد ذلك.
[87] ولكنه أدانه في نهاية المطاف كما سيمر معنا في خلقيدونية.
[88] بل وقبل الوحدة، لأن النص الذي وقعه القديس كيرلس، هو بالأساس من وضع ثيودوريتوس، وسنرى القديس كيرلس لاحقاً يستخدم تعليم ثيودوريتوس.
[89] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid. p. 12-13.
[90] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: "عند هذه النقطة كتب ف. س. صمويل التعليق التالى: رسائل القديس كيرلس إلى أكاكيوس وفالريان وسكسينسوس تحمل شهادة قوية لهذه الحقيقة. فعلى سبيل المثال الرسالة إلى أكاكيوس توضح أن إعادة الوحدة كانت سعياً لعودة السلام فى الكنيسة (P.G. LXXVII, 184 A-B) أما بخصوص عبارة "طبيعتان" فى صيغة الوحدة فقد قال القديس كيرلس أن الطبيعتان اللتان منهما تكوّن المسيح الواحد هما إثنان وأنه فى الاتحاد لم يكن هناك إمتصاص ولا إمتزاج ولا إختلاط بينهما. ولكن العبارة لا تحمل معنى الانفصال كما يؤكد نسطور. ومع ذلك يقول كيرلس أنه لم يستخدم هذه العبارة إنما الذى استخدمها هو يوحنا (P.G. LXXVII 200C).".. انتهى. ولكننا سنبين كيف أن هذا التعليق للاب صموئيل، واقتباسه من الأنبا بيشوي ما هو إلا ليّ عنق النصوص. وسنرى كيف أن القديس كيرلس يستخدم نص المصالحة ليشرح إيمانه. وأن هذا الذي يقوله الأب صموئيل، كان قد جاء عرضاً وليس هو السبب الرئيسي كما سنبين ذلك من خلال عرضنا لهذه الرسائل الثلاثة كاملة، وبترجمة قبطية.
[91] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid. p. 194.. ولكننا عندما سنضع نصوص الرسائل، ستبين أن إيضاح ساويروس ما هو إلا هرطقة فعلية للقديس كيرلس. لا ننسى أن ساويروس الأنطاكي علّم، بأن المسيح أقنومين مندمجين كما راينا سابقاً، فنرجو مراجعتها.
[92] لا نفهم قوله هنا: "لا يمكن أن تُدحض"! يبدو أنه يستخدم أسلوب التأثير النفسي على القارئ.
[93] إن رسالة المصالحة وعودة الشركة، تُسمى الدستور الأفسسي. لأنها اعتمدت في كنائس المسكونة.
[94] إن كان يناقش هنا فكر الأنطاكيين المتطرفين، فهو حق. ولكن إن كان يُناقش هنا الأنطاكيين الذين قبلوا المصالحة مع كيرلس، فيجب أن يُعيد القراءة. وبكل الأحوال نقول لسيادته، أن من فهم اتحاد الطبيعتين على أنه اتحاد أقنومين ودمجهما، فهو ساويروس الأنطاكي.
[95] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: Ibid., p. 11-13.
[96] الأنبا غريغوريوس أسقف عام للدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، موسوعة الأنبا غريغوريوس، المجلد الأول، اللاهوت المقارن، ص 193-194.
[97] حاشية من المصدر، تتبع النص المقتبس: "منها رسالة إلى أكاكيوس وهي الرسالة رقم 40، ورسالة إلى يولوجيوس وهي الرسالة رقم 44، ورسالة إلى فاليريان وهي الرسالة رقم 50 والرسالة إلى سكيسوس وهي الرسالة رقم 45، راجع مجموعة مين محلد 77 ص 181 ومايليها ثم المجامع الهيفيلة جزء 3 ص 240 وما يليها"... وسوف نضع هذه الرسائل كما قلنا وسنزيد عليها الرسالة التي طهرحها نيافته.
[98] تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يختص بطبيعة السيد المسيح، ص 15.
[99] كلها من مرجع واحد: الدكتور موريس تاوضرس والدكتور نصحي عبد الشهيد، رسائل القديس كيرلس، الجزء الثالث
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج2
رسالة 40: من كيرلس إلى أكاكيوس [100]أسقف ميليتيني
كيرلس يهدي تحياته في الرب إلى سيدي وأخي المحبوب والشريك في الخدمة أكاكيوس
1- مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للأخوة ويستوجب الإعجاب ويستحق كل اعتبار بين أولئك الذين يفكرون تفكيراً سليماً بالحق. وأنا أقول إنه من الضروري أن أولئك الذين لهم إيمان واحد ونفس واحدة ينبغي أن يسرعوا ويفعلوا هذا بلا انقطاع، حيث إنه لا شيء يقف عائقاً ولا أي شيء يصد الرغبة الحارة والشوق نحو هذا الأمر. ولكن توجد أوقات، بسبب طول المسافات أو لندرة الذين يمكن أن يحملوا الرسالة، تغرينا ضد إرادتنا بعدم المراسلة. ومع ذلك فحينما يدع لنا الوقت فرصة أن يخاطب أحدنا الآخر، فإنه من المناسب أن نعتبر هذا الأمر مرسلاً من الله، وأن نقتنص الفرصة بفرح لنتصل بأولئك الذين نشتاق إليهم كثيراً. لذلك قد ابتهجت كثيراً جداً بالرسالة المرسلة من كمالكم، وإذ قد تعجبت من موقفك تجاهي، فكرت أنه من المناسب أن أعرفك الكيفية التي بها حل السلام بين الكنائس وأن أُبيّن كيف حدث كل شيء.
2- فان الملك التقي جداً والمحب للمسيح، له اهتمام عظيم جداً والذي يقدم العناية اللازمة للكنائس المقدسة، لم يعتبر الشقاق بينها أمراً يمكن احتماله. لذلك فبعد أن دعا الملك، الموقر جداً والمتقي لله جداً أسقف الكنيسة المقدسة بالقسطنطينية مكسيميانوس وكثيرين من الأساقفة الآخرين من الذين كانوا هناك وقتئذ، فإنه فكر في الكيفية التي يمكن بها أن يزول الشقاق بين الكنائس من وسطنا، وكيف يدعى إلى السلام الخدام المقدسون للأسرار الإلهية. ولكنهم قالوا إن هذا لن يحدث بأية طريقة أخرى، والذين يختص بهم النقاش لن يأتوا إلى وحدة الفكر نحو بعضهم البعض سوى برابطة وحدة الإيمان المشرق أمامهم وكما لو كان منقذاً لهم. لقد قالوا إن يوحنا أسقف أنطاكية وهو أسقف مملوء من تقوى الله، ينبغي أن يحرم تعاليم نسطوريوس ويقر كتابة بعزله. أما فيما يتصل بالأحزان الشخصية فإن أسقف الإسكندرية سينساها كلها لأجل المحبة، وسوف يعتبر المعاملة المهنية التي نالها في أفسس كأنها لا شيء، رغم أنها كانت خشنة جداً ويصعب احتمالها.
3- لذلك حيث إن الملك الموقر جداً وافق وكان مسروراً جداً بهذه الكلمات، فانه أرسل سيدي المدهش جداً التريفون والسكرتير أرسطولاوس، ليتمم هذا الأمر نفسه. ولكن حينما أطلع الأساقفة في الشرق على القرار الملكي وشرح لهم أن هذا القرار هو متفق مع رأي الأساقفة الذين كانوا موجودين في مدينة قسطنطين العظيمة، وأنا لا أعلم ماذا قصدوا، لكنهم إجتمعوا مع المقدس جداً والمتقي لله جداً أكاكيوس أسقف بيرويا، وإهتموا أن يكتبوا إليّ، أنه في طريقة الاتفاق أي في سلام الكنائس المقدسة، فإنه من المناسب أن يتحقق ليس بطريقة أخرى سوى تلك التي بدت أفضل بالنسبة لهم. كان هذا مضجراً وثقيلاً، لأنهم رغبوا أن يبطلوا كل ما كتبته في الرسائل والمجلدات والوثائق، ويوافقون فقط على الإيمان المحدد في نيقية بواسطة آبائنا القديسين. فكتبت رداً على أننا جميعاً نتبع عرض الإيمان المحدد من الآباء القديسين في مدينة نيقية، ولا نحّرف إطلاقاً أي أمر من الأمور التي تحددت هناك، لأن كل شيء فيه صحيح ولا ينبغي أن يمُس[101]، وبعد التحديد لم يكن أمراً مأموناً أن يتطفل أحد بعد ذلك.
4- أما من جهة الأشياء التي كتبناها بصواب ضد تجاديف نسطوريوس، فليست هناك أية مجادلة يمكن أن يقنعنا أن نقول أنها لم تعمل بصواب. بل بالحري كان من الضروري أنهم بحسب مابداً أفضل للملك التقي جداً والمحب للمسيح، وللمجمع المقدس والمجتمع في مدينة أفسس أن يحرموا التجاديف غير المقدسة لذلك الذي يحارب مجد المخلص، ويقروا بعزله، ويوافقوا على سيامة المقدس جداً والمتقي لله جداً الأسقف مكسيميانوس. وعلى ذلك فحينما سُلِمتَ إليهم هذه الرسائل، فإنهم أرسلوا إلى الإسكندرية الموقر جداً والمحب لله جداً الأسقف بولس أسقف إيميسا[102]، الذي أجريت معه أحاديث طويلة وكثيرة عن الأمور التي قيلت وحدثت بصورة غير شرعية وغير لائقة في أفسس[103]. وإذ وضعت هذه الأمور بعيداً عن ذهني - حيث أنه من المناسب بالحري أن نتبع بحماس الأمور الضرورية- فسألته إن كان يحمل رسائل من المتقي لله جداً الأسقف يوحنا. ثم قدم لي رسالة لم تكن تحتوي على الأشياء التي ينبغي أن تحتويها. ولكنها قد أُمليت بطريقة لم يكن ينبغي أن تملى بها لأنها تحمل قوة الإثارة وليس قوة التعزية[104]. وأنا لم أقبل هذه الرسالة. ورغم أنه كان من المناسب أن يزيلوا أحزاني باعتذارات عن الأمور التي سبقت ، ولأجل الأشياء التي حدثت في أفسس، فإنهم انتهزوا الفرصة لكي يقولوا أنهم أستشيروا ضدي بواسطة غيرتهم من أجل التعاليم المقدسة. ولكني سمعت أنه لا الغيرة الإلهية قد حركتهم، ولا هم اصطفوا ضد بسبب أنهم كانوا يحاربون لأجل تعاليم الحق، بل بسبب أنهم يخضعون لمداهنة الناس وبسبب أنهم كانوا يختطفون فرصة لأنفسهم على صداقة الذين كانوا في السلطة في ذلك الوقت.
5- ورغم ذلك، فحينما قال الأسقف المتقي لله جداً بولس انه مستعد أن يحرم تجاديف نسطوريوس وأن يقر كتابة بعزله، وأنه يفعل هذا نيابة عن الجميع وفي حضور كل أساقفة الشرق المتقين لله، فاني عارضته قائلاً أنه يكفي أن يقدم خطاباً منه بخصوص هذا لكي تتحقق الشركة التي نحتاج إليها نحن جميعاً.[105] إني أكدّت بقوة بكل طريقة وبكل الوسائل أنه من المناسب أن الموقر جداً والمتقي لله جداً يوحنا أسقف أنطاكية، يقدم اعترافاً مكتوباً بخصوص هذه الأمور. وهذا قد تم فعلاً، والحاجز والانفصال بين بعضنا البعض الذي يضل الكنائس قد انتهى. ولكن لم يكن هناك شك في أي مكان أن سلام الكنائس المقدسة يتحقق بملاشاة المدافعين عن تجاديف نسطوريوس.
6- إنهم يبدون لي أنهم مثل أولئك الذين يسقطون من سفينة دون أن يعرفوا كيف يسبحون. وحينما يكون هؤلاء البائسون يختنقون، فإنهم يضربون بأيديهم وأرجلهم جيئة وذهاباً، ويمسكون بأي شيء كان يأتي في طريقهم حباً في الحياة. أفليس صحيحاً أن يقال أنهم ينقلبون بعنف حيث إنهم قد سقطوا، وهم ينعزلون من الكنائس، وهم يبقون خارج الكنائس التي ظنوا أنها ستكون حامية لهم؟ أو ألا يغتاظون إلى درجة غير محتملة حينما يرون أولئك خدعوا منهم يتحولون عنهم، وأولئك الذين، كما لو كانوا، قد اسكروا بابتداعات دنسة، يصيرون الآن صاحين في الحق؟ ومع ذلك فيمكن أن نقول لهم ما هو مناسب جداً، وهو ما قيل بصوت النبي:"تجمعي واجتمعي أيتها الأمة غير المهذبة قبل أن تصيروا مثل الزهرة التي تمضي" (صفنيا 2 : 1،2) فلماذا إذن قد صاروا آكلين لقيئ غيرهم، وهم لا يخجلون بينما هم يدنسون قلوبهم نفسها بنجاسة آخر؟ "أيها الصم اسمعوا، ويا أيها العمي والأفكار المنحرفة؟ لماذا تشمتون الطريق المستقيم، وتعوجون طرقكم الخاصة (أنظر أمثال4 : 25) "أحرثوا من جديد أرضكم المراحة ولا تزرعوا في الأشواك"(إر4 : 3) ولكونكم شديدي الاهتياج، كما قلت - بسبب حلول السلام في الكنائس المقدسة فإنهم يسخرون من أولئك الذين لم يحتملوا مشاركتهم في شرهم، ويشجبون بمرارة دفاع الأساقفة المقدسين، وأنا أعني الأساقفة الذين من الشرق، ثم إذ يعوجونهه إلى ما هو مُرضٍ وعزيز على أنفسهم، وإذ يفكرون بغير إستقامة، فإنهم يقولون إن هذا الدفاع غير متعارض مع ابتداعات نسطوريوس.[106]
7- وهم قد اشتركوا في انتقادنا نحن كما لو كنا نفكر ضد ما قد كتبناه فعلاً. ولكني أعلم أنهم يقولون هذا أيضاً :أننا حديثاً قد قبلنا بياناً إيمانياً أو قانون إيمان جديد، كأننا لا نكرم القانون القديم والجليل."الأحمق يتكلم بحماقات وقلبه يفكر باطلاً" (أش32 : 6) وفضلاً عن ذلك فنحن نقول هذا، إنه لم يطلب أحد بياناً للأيمان منا ولا نحن قبلنا بياناً جديداً صاغه آخرون. لأن الكتب الإلهية الموحى بها، وصحوا آبائنا القديسين، وقانون الإيمان الذي صيغ بواسطة أولئك الذين هم مستقيمون من كل جهة، هذه تكفينا. وحينما اختلف معنا في أفسس، أساقفة الشرق المقدسون جداً، وصاروا موضع شك في أنهم اصطيدوا في فخاخ تجاديف نسطوريوس، بسبب هذا بالحري بإحساس مرهف، لكي يخلصوا أنفسهم من الخطأ المتضمن في هذا، بسبب أنهم كانوا مهتمين أن يرضوا تماماً محبي الإيمان الذي بلا لوم، لأنهم يعرفون كيف يكونون غير مشتركين في تصرفه المخزي، فإنهم صنعوا اعتذارا. إن الأمر بعيد جداً عن كل انتقاد ولوم. لأن نسطوريوس نفسه في ذلك الوقت الذي كانت فيه حاجة إلى إدانة تعاليمه الخاصة وإلى اختيار الحق بدلاً منها، لو أنه صنع اعترافا مكتوباً بهذه الأمور فهل كان يقول أحد انه اخترع اعترافا جديداً للإيمان؟ فلماذا إذن يشجبون عبثاً تحديد اعتراف الإيمان بأن يسموا اتفاق أساقفة فينيقية المتقين لله جداً، اعترافا جديداً. هذا الاتفاق قد عُملَ بطريقة نافعة وضرورية، إذ تحدثوا دفاعاً عن أنفسهم ولمصالحة أولئك ظنوا أنهم (أي أساقفة فينيقية) يتبعون التعابير الباطلة لنسطوريوس. لأن المجمع المقدس المسكوني الذي انعقد في مدينة أفسس عرف مقدماً بالضرورة أنه لا توجد حاجة لإقرار إيمان آخر غير ذلك الموجود الذي حدده الآباء المثلثو الغبطة الناطقون بالروح القدس.
8- أولئك الذين أختلفوا مرة مع المجمع - وأنا لا أعرف كيف - بعد أن تعرضوا للشكوك في أنهم لم يختاروا أن يفكروا تفكيراً صحيحاً وأنهم لا يتبعون التعاليم الرسولية والإنجيلية، فهل يتخلصون من الخزي بصمتهم أم بالحري بالدفاع وإظهار معنى رأيهم. وفي الحقيقة فان التلميذ الموحى له من الله قد كتب :"كونوا مستعدين دائماً لمحاربة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم" (1بط3 : 15) فذلك الذي يختار أن يفعل هذا، لا يصنع شيئاً جديداً ولا يُرى أنه يصيغ إقرار إيمان جديد، بل بالحري يوضح لأولئك الذين يسألونه، الإيمان الذي عنده فيما يخص المسيح.
9- ولكن بالإضافة إلى هذه الأمور، علمت أن أعداء الحق، بسبب أن لهم وجوهاً عابسة جداً من إجماع الأساقفة المتقين لله جداً، يقبلون كل شيء رأساً على عقب، ويقلبون إن معنى الإقرار الذي عمله الأساقفة يتفق مع لابتدعاتهم غير المقدسة، وهذا الإقرار صاغه الأساقفة في الإيمان المستقيم دون أن يجددوا شيئاً كما قلت، أو يضيفوا شيئاً على الإطلاق إلى ما سبق أن تحدد منذ زمن طويل، بل بالحري تابعين التعاليم التي بلا عيب التي للآباء القديسين. ولكن لكي نبرهن أنهم يتكلمون كلاماً زائفاً[107]، تعالوا ودعونا نعرض علناً هراء نسطوريوس وبيانات الأساقفة،[108] لأن الفحص سوف يظهر الحق بهذه الطريقة وليس بطريقة أخرى.
10- وبناء على ذلك، فإننا نجد أن نسطوريوس قد أنكر تماماً ميلاد ابن الله الوحيد حسب الجسد، لأنه يقول إنه لم يولد من امرأة حسب الكتب، فهو يتكلم هكذا:" تعلمت من الكتب الإلهية أن الله جاء من العذراء أم المسيح، ولكن لم أتعلم في أي مكان أن الله ولد منها. وأيضاً في تفسير آخر يقول:" لا يذكر الكتاب الإلهي في أي موضع أن الله ولد من العذراء أم المسيح، بل المسيح يسوع، الابن، والرب. وحيث إنه يقول هذا، فكيف يشك أي واحد أنه بقوله هذه الأشياء هو يقسم الابن الواحد إلى ابنين، واحد منهما مأخوذاً على حدة، يقول إنه هو ابن ومسيح ورب، الكلمة المولود من الله الآب، أما الآخر وأيضاً مأخوذاً على حدة إنه ابن ومسيح ورب، ولد من العذراء القديسة؟. ولكن أولئك الذين يدعون العذراء القديسة والدة الإله، يقولون إنه ابن ومسيح ورب واحد، كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت، ويرون أن جسده محياً بنفس عاقلة. لأن كونهم لا يقولون أن هناك ابناً هو الكلمة الذي من الله الآب، وآخر أيضاً الذي ولد من العذراء القديسة كما يعلن نسطوريوس، بل بالحري ابن واحد الذي هو نفسه، يصير مؤكداً وواضحاً جداً من الآتي، إنهم يضيفون - مشيرين إلى من يكون هو - أنه كامل كإله وكامل كإنسان، وقد ولد قبل الدهور من الآب حسب اللاهوت، و"في الأيام الأخيرة" لأجلنا ولأجل خلاصنا ولد من مريم العذراء القديسة حسب ناسوته، وانه هو من الجوهر نفسه الذي للآب حسب لاهوت، ومن الجوهر الذي لنا بحسب ناسوته.
11- لذلك فهم لا يقسمون الابن الواحد والمسيح والرب يسوع إلى اثنين بل يقولون إنه هو نفسه، قبل الدهور وفي الأيام الأخيرة، أي أنه من الله الآب كإله ومن امرأة حسب الجسد كإنسان، لأنه كيف يمكن أن يُدرك أنه من الجوهر نفسه الذي لنا بحسب ناسوته ومع ذلك يكون مولوداً من الآب بحسب لاهوته، إن لم يكن هو نفسه يدرك ويقال عنه أنه إله وإنسان معاً.
12- ولكن عند نسطوريوس لا تبدو الأمور هكذا، بل بالحري فإن قصده قد تحول إلى العكس تماماً. وفي الحقيقة أنه قال وهو يعلّم في الكنيسة:"لهذا السبب أيضاً يسمى المسيح الله الكلمة، ومن أجل أن له اتصال غير منقطع بالمسيح" وايضاً قال، "فلنحفظ الاتصال غير المختلط الطبيعتين، لأنه دعنا نعترف بالله في الإنسان، وبسبب الاتصال الإلهي دعنا نكرم الإنسان المعبود مع الله الكلي القدرة".
13- لذلك أنتم ترون كيف أن تفكيره غير معقول، لأنه مملوء حتى النهاية بعدم التقوى. فهو يقول أن كلمة الله على حده يسمى المسيح، وله اتصال غير منقطع مع المسيح. لذلك ألا يقول هو بكل وضوح بمسيحين؟ ألا تعرف أنه يكرم إنساناً - لست أعرف كيف- وهو الذي يُعبد مع الله؟ ألا يظهر أن أقواله هذه ليست لها علاقة بأقوال أساقفة الشرق؟. أليست أفكاره متناقضة؟ لأنه يقول بوضوح أنه يوجد اثنان، أما هم فيعترفون أنهم يعبدون مسيحاً واحداً وابناً وإلهاً ورباً، وهو نفسه من الآب بحسب اللاهوت ومن العذراء القديسة بحسب الناسوت. لأنهم يقولون إنه قد صار إتحاد لطبيعيتين ولكنهم يعترفون بوضوح بمسيح واحد، وابن واحد، ورب واحد. لأن " الكلمة صار جسداً" حسب الكتب، ونحن نقول أن إتحاداً تدبيرياً بلا انفصال ويفوق التعبير، قد تم حقاً بين أشياء غير متشابهة.
14- لأننا لن نفهم مثل بعض الهراطقة القدماء، أن كلمة الله أخذ من طبيعته الخاصة أي الإلهية وأعد لنفسه جسداً، بل إذ نتبع، من كل ناحية، الكتب الموحى بها، نحن نؤكد بقوة أنه أخذ جسده من العذراء القديسة. وهكذا فنحن نقول أن الطبيعتين اتحدتا ومنهما يكون الابن الواحد والوحيد الرب يسوع المسيح، كما يتفق مع أفكارنا، ولكن بعد الإتحاد حيث أن الانفصال إلى اثنين قد بطل الآن فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد[109]، قد صار إنساناً وتجسد. ولكن إن كان وهو الله الكلمة يقال أنه تجسد وصار إنساناً، فدع الشك في حدوث تغيير أن يطرح بعيداً لأنه قد ظل على ما كان عليه، ولنعترف بالإتحاد غير المختلط بالمرة. ولكن ربما يقول ذو الفكر المضاد:
هوذا أولئك الذين يصيغون الاعتراف بالإيمان المستقيم يذكرون طبيعتين بوضوح، ولكنهم يقولون أن تعبيرات أولئك الموحى لهم من الله تنقسم حسب اختلاف الطبيعتين. وحينئذ كيف لا تكون هذه التأكيدات مضادة لأقوالكم، لأنك لا تسمح بأن تنسب التعبيرات إلى شخصين أي إلى أقنومين.[110] ولكن يا أصدقائي أقول لكم، لقد كتبت في الفصول:
من ينسب الأقوال التي في الأناجيل والكتابات الرسولية إلى شخصين أي إلى أقنومين، ناسباً بعضها كما إلى إنسان على حدة منفصلاً عن كلمة الله، وناسباً الأقوال الأخرى كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الآب وحده، فليكن مداناً.
15- ولكننا لم نرفع التمييز بين الأقوال بأي حال، حتى وان كنا عملنا شيئاً يجعلنا غير جديرين وذلك بتقسيم الأقوال كمنسوبة للابن معتبراً على حدة كالكلمة الذي من الله الآب، وعلى الابن ثانية معتبراً على حدة كإنسان من امرأة. لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت.[111] إن كان أحد يرغب في معرفة الطريقة التي بها تجسد وصار إنساناً، دعه يتأمل في الكلمة: إله من إله، "آخذاً صورة عبد وصائراً في شبه الناس" (في2 : 6-9) كما هو مكتوب. وبناء على هذا وهذا فقط يفهم اختلاف الطبيعتين أي الأقنومين،[112] لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية. وإلا فكيف أن الكلمة وهو الله، أخلى نفسه ووضع ذاته إلى ما هو أقل، أي إلى حالتنا. وبناء على ذلك فحينما تُفحص طريقة التجسد بعمق، فان العقل البشري بلا شك يرى الاثنين مجتمعين معاً في إتحاد يفوق التعبير وبلا اختلاط. والعقل الإنساني لا يقسمهما بأية طريقة بعد أن اتحدا، بل يؤمن ويقبل بقوة أن الواحد الذي من الاثنين هو الله والابن والمسيح الرب.
16- ولكن هرطقة نسطوريوس تختلف تماماً عن هذا. لأنه يتظاهر أنه يعترف أن الكلمة الذي هو الله تجسد وصار إنساناً، ولكنه إذ لم يعرف معنى التجسد فانه يسمّى طبيعتين ويفصلهما عن بعضهما، وبالمثل الإنسان على حدة متصلاً بالله نسيباً فقط، بحسب مساواة الكرامة أي قوة السيادة. لأنه يقول ما يلي:" الله منفصل عن ذلك الذي هو منظور، ومن أجل هذا، أنا لا أفصل كرامة الذي هو غير منفصل، أنا أفصل الطبيعتين ولكني أوحد العبادة.
17- ولكن الإخوة في أنطاكية إذ يفهمون المسيح بأفكار عالية ووحيدة، فإنهم يقولون باختلاف بين الطبيعتين، لأنه كما قلت فإن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية ولكنهم كرزوا بابن واحد ومسيح ورب باعتباره واحداً حقاً، وهم يقولون أن شخصه (proswpon) واحد، ولا يفصلون بأي حال ما قد اتحد. وهم لا يقبلون انفصال الطبيعتين مثلما كان يسر أن يفكر مبتدع الاختراعات البائسة، ولكنهم يؤكدون أن الأقوال الخاصة بالرب هي فقط منفصلة، ليس أنهم يقولون أن بعضها يختص على حدة بالابن الكلمة الذي من الله الآب، وبعضها الآخر يختص بابن آخر أيضاً، الذي من امرأة، ولكنهم يقولون أن بعضها يناسب لاهوته، وبعضها الآخر يناسب ناسوته[113]. لأنه هو نفسه إله وإنسان[114]. ولكنهم يقولون أنه توجد أقوال أخرى مشتركة بطريقة ما، وتختص كما لو بكليهما، أعني اللاهوت والناسوت.
18- وما أقواله أنا هو مثل هذا:[115] فمن ناحية، بعض الأقوال تناسب على الأخص لاهوته، وأقوال أخرى أيضاً تناسب ناسوته، ولكن هناك أقوالاً تتصل بنوع خاص بموقف متوسط معين لأنها تعلن الابن كإله وإنسان معاً في نفس الوقت وفي شخصه. لأنه حينما يقول لفيلبس أنا معكم زماناً هذا مدته ولم تعرفني يا فيلبس، ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ، من رآني فقد رأى الآب" (يو14 : 9،10) "أنا والآب واحد"(10 : 30)، ونحن نؤكد أن هذا الكلام هو لائق جداً بلاهوته. ولكنه حينما يوبخ الشعب اليهودي قائلاً لهم: "لو كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق. هذا لم يعمله إبراهيم" (يو8 : 39،40) فنحن نقول أن مثل هذه الكلمات لائقة بناسوته. ومع ذلك فنحن نقول أن تلك الكلمات اللائقة بلاهوته وتلك اللائقة بناسوته هي كلمات الابن الواحد، لأنه وهو الله صار إنساناً، ومع ذلك عندما صار إنساناً لم يترك ما لكينونته الإلهية باتخاذه اللحم والدم. ولكن حيث أنه واحد: الابن والله والرب، فنحن نقول أن شخصه واحد، نحن وهم[116] نقول هذا.
19- ولكننا نؤكد بقوة أن هناك أقوالاً أخرى متوسطة مثلما حين يكتب بولس المبارك:" إن يسوع المسيح هو هو أمس واليوم وإلى الأبد." (عب8 : 13) وأيضاً:
"لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة سواء كان في السماء وعلى الأرض...لكن لنا إله واحد الآب الذي منه كل الأشياء ونحن منه، ورب واحد يسوع المسيح الذي به كل الأشياء ونحن منه" 01كو8 : 5،6).
وأيضاً:
"كنت أود لو أكون أنا نفسي محروماً من المسيح من أجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد الذين هم إسرائيليون ولهم التبني والنجد والعهود والاشتراع. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل وإلهاً مباركاً إلى الأبد آمين." (رو9 : 3،5) لأنه هوذا، إذ قد سماه المسيح يسوع، فهو يقول إنه هو هو أمس واليوم وإلى الأبد، والذي به صارت كل الأشياء والذي من اليهود يسميه إلهاً على الكل ويؤكد قائلاً إنه مبارك إلى الأبد.
20- لذلك فلا تقسم في هذه الحالات، الأقوال التي عن الرب لأن فيها في نفس الشخص ما هو لائق بالله وما هو لائق بالإنسان، بل بالحري طبقها على الإبن الواحد، أي على الله الكلمة المتجسد. وبناء على ذلك، فإنه شيء أن تفصل الطبيعتين وذلك بعد الإتحاد وتقول أن الإنسان متصل بالله فقط بحسب مساواة الكرامة، وأيضاً هو شيء آخر أن تعرف الاختلاف بين الأقوال. لذلك فكيف تتوافق أقوال أولئك [الذين من الشرق] مع أقوال نسطوريوس الباطلة؟ لأنه ليس عجيباً إن كان بالنسبة للبعض أيضاً، فإن صياغة الأقوال والتعبير عن المعاني تبدو أنها تعجز عن التعبير الدقيق، لأن مثل هذه الأمور من الصعب جداً التعبير عنها. ففي هذا الأمر حتى بولس الموحى له، طلب من الله أن يعطيه كلاماً عند افتتاح فمه. (أف6 : 19).
21- لذلك أليس من الواضح للجميع أنهم (أساقفة الشرق) لا يقسمون المسيح الواحد إلى اثنين، حينما يقولون إنه من الضروري أن نطبق الأقوال اللائقة بالله على لاهوته، وأيضاً تلك الأقوال الإنسانية على ناسوته. وإنهم يؤكدون كما قلت أنه هو الكلمة الذي من الله الآب المولود قبل الدهور، وولد في الأيام الأخيرة حسب الجسد من العذراء القديسة. وهم يضيفون أن ولادته حسب الجسد هي باتحاد لا يُعبرّ عنه وغير مختلط، ويؤمنون أن العذراء القديسة هي والدة الإله، ويعترفون بوضوح بابن واحد ومسيح ورب. إنه أمر لا يصدق بالمرة، إنهم وهم يقصدون أن يقولوا إنه واحد، ومع ذلك يقسمون الواحد إلى اثنين. إنهم لم يصلوا إلى مثل هذه الحالة من الغباء حتى أنهم هم أنفسهم يعيدون العصاة إلى مركزهم السابق، وبطياشة يعيدون بناء ما قد هدموه بصواب. فإذا اتفقوا مع آراء نسطوريوس، فكيف يحرمونها كنجسة وبغيضة.
22- ولكني أظن أنه من الضروري أن أخبر بالأسباب التي من أجلها أستعمل أساقفة الشرق مثل هذه الدرجة من دقة الكلام[117]. لأن مؤيدي كفر أريوس - إذ يغشون بمكر معنى الحق، يقولون أن الكلمة الذي صار إنساناً، ولكنه أخذ جسداً بدون نفس، وهم يفعلون هذا بدافع من الخبث لكي إذ ينسبون إليه الأقوال الإنسانية فإنهم يظهرون لأولئك الذين يضلون بواسطتهم أنه في وضع أقل من سمو الآب ويعلنون أنه من طبيعة أخرى مختلفة عن الآب. وبسبب هذا فإن أساقفة الشرق لخوفهم من الإقلال من مجد وطبيعة كلمة الله، لأجل ما يقال عنه بشرياً بسبب تدبير التجسد، فإنهم يفصلون الأقوال دون أن يقسموا الابن الواحد والرب إلى شخصين، كما قلت، بل ينسبون بعض الأقوال إلى لاهوته وبعضها الآخر إلى ناسوته، ومع ذلك فالأقوال كلها ينسبونها إلى واحد.
23- ولكني علمت أن الأسقف يوحنا الموقر جداً والمتقي لله جداً كتب إلى بعض أصدقائه كما لو كنت قد علّمت بوضوح واعترفت بصوت واضح بالاختلاف بين الطبيعتين وأني قسمت الأقوال بحسب الطبيعتين،[118] ولهذا السبب فإن البعض قد تعثّر. لذلك كان من الضروري أن نتكلم عن هذا. وكما لكم لو يكن يجهل أن أولئك الذين يصبّون تهمة رأي أبوليناريوس على رسائلي، ظنوا أنني أقول أن جسد المسيح المقدس هو بدون نفس، وأن هناك امتزاجاً أو اختلاطاً أو اندماجاً، أو أن الله الكلمة تغير إلى جسد، أو أن الجسد انتقل إلى طبيعة اللاهوت، حتى أن شيئاً لم يحفظ خالصاً أو يبقى كما هو. وبالإضافة إلى ذلك، ظنوا أنني وافقت على تجاديف آريوس بسبب عدم الرغبة في رؤية اختلاف الأقوال وأن بعضها لائق باللاهوت وأن بعضها الآخر إنساني ولائق بالحري بتدبير التجسد. ولكني أنا برئ من مثل هذه الأخطاء، وكما لكم تشهدون بهذا للآخرين.
24- ومع ذلك كان من الضروري أن يحدث دفاع من أجل أولئك الذين تعثروا، ولهذا السبب كتبت إلى تقواه أنه لم يكن لي آراء آريوس وأبوليناريوس بالمرة، ولا أقول في الواقع أن كلمة الله تغير إلى جسد، كما أني لا أقول أن الجسد تحول إلى طبيعة اللاهوت، لأن كلمة الله غير قابل للتغير أو التبدل. والعكس مستحيل. ولكني لم أبطل اختلاف الأقوال بل إني أعرف أن الرب تكلم بطريقة لائقة بلاهوته، وإنسانياً في نفس الوقت، حيث عنه هو في ذاته إله وإنسان معاً. لذلك، فبسبب ؟إنه[119] يرغب أن يشير إلى هذا كتب أنه علم أنني أعترف باختلاف الطبيعتين وأني أفصل الأقوال بحسب الطبيعتين. ولكن مثل هذه التعبيرات ليست تعبيراتي، بل هو الذي نطق بها.
25- ولكني أظن أنه ينبغي إضافة الآتي لما سبق أن قيل، لأن المتقي لله جداً بولس أسقف إيميسا[120] أتى إلىّ، ثم بعد أن بدأنا مناقشة عن الإيمان المستقيم الذي بلا لوم، سألني باهتمام إن كنت قد وافقت على الرسالة المرسلة من أبينا المثماث الغبطة ذي الذكر الشهير أثناسيوس إلى إبكتيتوس أسقف كورنثوس. وقلت أنه "أن كانت الرسالة محفوظة عندكم بغير تحريف" - لأن أشياء كثيرة فيها قد أصابها التزوير بواسطة أعداء الحق- فإني أوافق عليها من كل ناحية وعلى كل الأحوال. ولكنه قال مجيباً على كل هذا أنه هو نفسه عنده الرسالة وانه يرغب أن يتأكد منها تماماً بواسطة النسخ الموجودة عندنا وأن يعرف هل النسخ التي عندهم قد حُرِفّت أم لا. وأخذ النسخ القديمة وقارنها بتلك التي احضرها هو، فوجد أن هذه الأخيرة قد حرفت، وترجي أن ننسخ له نسخاً من التي عندنا ونرسلها إلى كنيسة أنطاكية. وهذا ما قد حدث فعلاً.
26- وهذا ما قد كتبه عني الأسقف يوحنا الوقر جداً والمحب لله جداً إلى كارينوس، إنه "بحث التعاليم الخاصة بالتأنس ونسج بالاشتراك معنا تقليد الآباء، وهو تقليد كان معرضاً كما لو كان لخطر أن يتضاءل بين الناس." ولكن أن كان بعض الناس يجولون برسالة كما لو كانت قد كتبت بواسطة فيلبس كاهن كنيسة روما المقدس جداً، تفيد بأن الأسقف المقدس جداً كسستوس كان مغتاظاً جداً بسبب عزل نسطوريوس وكان يساعده، فلا تثق قداستكم في هذه الرسالة. لأن كسستوس كتب متفقاً مع المجمع المقدس ووافق على كل شيء فعله المجمع، وهو له رأينا نفسه.
27- ولكن أن كان بعض الناس يجوبون برسالة كأنها مكتوبة مني تفيد بأني غيرت رأيي في الأمور التي حدثت في أفسس فليكن هذا مثاراً للسخرية، لأننا نحن بنعمة المخلص نتمتع بصحة عقلية جيدة، ولم نصل إلى نهاية حسن استعمال العقل. سلم على الأخوة الذين معك، الأخوة معي يحيونك في الرب.
انتهى نص الرسالة...
أكثر ما يهمني من هذه الرسالة، هو إهمال، من ساويروس الأنطاكي حتى الأنبا بيشوي، أكثر من 25 فقرة من هذه الرسالة، والتركيز فقط على فقرتين. وهذا الأسلوب لا يليق بأبناء المسيح. لأننا نعرف من هم الذين يقتطعون جملة، أو فقرة من كتاب كامل ليبنوا عليها ما يريدون.
وسنكمل لاحقاً، وبالترتيب الرسائل التي ذكرت في المراجع.
يتبع>> ج3>>
--------------
الحواشي
--------------
[100]حاشية من المرجع، مرتبطة مع النص: أكاكيوس، اسقف ميليتيني في كبدونية، توفى سنة 438م.
[101]ولكننا نعرف كما عرضنا سابقاً أن دستور إيمان نيقية، لم يبقَ كما كان بعد مجمع القسطنطينية الأول. ويمكن ملاحظة التعديلات التي أدخلوها أو التي حذفوها من النص النيقاوي.
[102]حمص
[103]ويقصد الإهانة التي تعرض لها آباء مجمع أفسس كما أسلفنا من الكونت كانديديان صديق نسطوريوس، وكان برضى مجمع يوحنا
[104]لا يتكلم عن التعليم التي تحتويه الرسائل، بل عن لغة الخطاب كما سيوضح ذلك لاحقاً.
[105]هذا النصف الذي تحدثوا عنه سابقاً، والذي يقول الأنبا بيشوي أن ساويروس الأنطاكي بيّنه لاحقاً. وهو أن القديس كيرلس فعلاً سعى للصلح ولكننا نراه هنا لا يهتم بما جرى له، ولا للغة الخطاب. ولكن هل القديس كيرلس لم يهتم بالإيمان القويم؟ هذا ما سيتضح من خلال قراءة الرسائل، ومنها هذه الرسالة.
[106]هذا المقطع لم يكن ليقصد فيه الأنطاكيين الأرثوذكسيين. بل أولئك الذين شق عليهم أن يعود الصلح والسلام في الكنيسة.
[107]كم هو تعبير قوي هذا يا أبينا الحبيب كيرلس
[108]سيبدأ الآن كيرلس بالدفاع عن النص الذي وقعه وأرسله ثانية ليوحنا، يقوم بعمل مقارنة بينه وبين تعليم نسطوريوس. وهذه الجزء من الرسالة لم يأتِ على ذكره لا ساويروس الأنطاكي –كما يُفهم-، ولا الاب صموئيل –كما يُفهم- ولا الأنبا بيشوي. ولذلك قلنا أعلاه أنهم تكلموا عن نصف الحقيقة.
[109]لا يجب أن نذعر إن قرأنا عبارة طبيعة واحدة عند القديس كيرلس، لأن كنيستنا الأرثوذكسية لا تنكرها، ولا يجب أن نفهمها على ضوء تحديدات خلقيدونية العقائدية واصطلاحته. بل يجب أن نفهمها كما فهمها ذاته القديس كيرلس، فقد كان عنده مصطلح طبيعة وأقنوم متداخلين، ولذلك فهم منه البعض أنه يقول بوجود أقنومين في المسيح. بل يجب أن نفهم الآن تعبير الطبيعة الواحدة على ضوء مدافعته عن رسالة المصالحة ودستور الإيمان الذي فيها. ولكن إن دققنا بعد بالجملة ذاتها " فنحن نؤمن أنه توجد طبيعة واحدة للابن، كواحد ، قد صار إنساناً وتجسد"، نجد أن الوحدة التي يتكلم عنها هي وحدة الأقنوم. فهو يقول نؤمن بطبيعة واحدة للابن، ثم يضيف ويقول "كواحد" قد صار إنساناً وتجسد. فعلمياً هذه العبارة "الطبيعة الواحدة للكلمة المتجسد" عنت دائماً في فكر كيرلس "أقنوم واحد للكلمة المتجسد"، كما كان قد قلنا سابقاً وسنقول لاحقاً.. وفيما بعد سيتضح أكثر فأكثر تعليم القديس كيرلس في هذه الرسالة نفسها.
[110]واضح في هذه الفقرة التداخل بين تعبيري طبيعة وأقنوم.
[111]أخي القارئ/أختي القارئة، حاولوا أن تفسروا هذا النص: "لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحد للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً كما سبق أن قلت". ونتركه لفطنتكم.
[112]الطبيعتين أي الأقنومين! هل من شكّ بعد هذا أن القديس كيرلس كان يستخدم مصطلحات، هي التي أودت حقيقةً لوجود بدعة الطبيعة الواحدة، ولكن فكره وإيمانه وتعليمه بريء منها. هل يعقل أن يقول القديس كيرلس "اختلاف الأقنومين" في المسيح، ويقصد ما نفهمه نحن اليوم؟ للأسف جاء ساويروس الأنطاكي ورسخ هذا المفهوم، ولكن كما رأينا الأنبا غريغوريوس اتهم بالنسطرة من يقول بوجود أقنوم بشري، بل إن أقنوم الكلمة هو نفسه أقنوم الطبيعة البشرية. ولذلك متى واجهنا عبارة "طبيعة واحدة للكلمة المتجسد" أو "طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد" لا يجب أن نخشى هذا القول، ولكن علينا أن يكون لنا فكر المسيح، الذي كان للقديس كيرلس، فنفهم العبارة كما قالها القديس كيرلس نفسه، وليس كما يريد أن يقوله الآخرين.
[113]تذكر جيداً هذه الجملة، هنا يقتبسها القديس كيرلس من الأنطاكيين. ولكن بعد ذلك، في رسالة أُخرى، سيشرح تعليمه معتمداً عليها.
[114]بالإجماع، من خلال قرآتي الشخصية المتواضعة جداً، لا يوجد كتاب يقول هذا. فقد رأينا اعتراض القمص الورع تادرس يعقوب ملطي على تعليم البابا بطرس الشهيد. وأيضاً نذكر على سبيل المثال لا الحصر الأنبا غريغوريوس في كتابه "تعليم كنيسة الاسكندرية فيما يختص بطبيعة السيد المسيح"، ص 15، يقول: " لا نجروء على القول إنه إله وإنسان معاً". يبدو أننا بحاجة إلى جرأة القديس كيرلس حتى نعود إلى الشركة.
[115]الآن تعليمه الشخصي للقديس كيرلس.
[116]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي أساقفة أنطاكية..
واسمحوا لي أن أزيد، وأقول: إن جملة "نحن وهم نقول هذا"، تعني أن هذا هو تعليم القديس كيرلس منذ البداية حتى النهاية، ولكن هناك بعض الأناس الذين فهموا ما لم يقصده القديس، وللأسف مازالوا يفهمون هكذا. فكيف يأتي ساويروس الأنطاكي، ومن ثم يقتبس منه الأب صموئيل صاحب كتاب "مجمع خلقيدونية إعادة فحص"، ويقتبسها أيضاً الأنبا بيشوي، ويقولون أن القديس كيرلس وقع المصالحة من أجل السلام فقط.
[117]القديس كيرلس يسمي كلماتهم، أي يوحنا وأساقفته الأنطاكيين، ومصطلحاتهم بـ"الدقيقة".
[118]هنا القديس كيرلس يرد على من يفهم من أقواله، أن يقسم ويفصل الطبيعتين بعد الاتحاد، وهذا كفر نسطوريوس. وبنفس الوقت يحاول امتصاص غضب الأساقفة ضده. لأنه أرسل رسائل كثيرة بعد المصالحة مع يوحنا أنطاكية. نستطيع أن نقول أن هذا القديس قد خاض مجمعاً كاملاً يدافع به عن نفسه.
[119]حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: أي يوحنا الأنطاكي.
[120]حمص
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج3
والآن بعد أن أثبتنا، عدم صدق الادعاء، وأن القديس كيرلس بحسب الرسالة الأولى قد تبنى تعليم نص المصالحة، سننتقل إلى رسالة أُخرى وردت ضمن المراجع التي وضعناها، والتي قيل فيها نفس الأمر، لنفحص مدى صحة هذا الكلام.
رسالة 44: تذكير إلى إفلوجيوس الكاهن المقيم بمدينة القسطنطينية من رئيس الأساقفة كيرلس
1- كيرلس أسقف الإسكندرية يهدي تحياته إلى إفلوجيوس. يهاجم البعض عرض الإيمان الذي أعده الشرقيون ويسألون: "لماذا يحتمل أسقف الإسكندرية أو حتى يمتدح أولئك الذين يقولون بوجود طبيعتين؟". أما أولئك الذين يتبعون نسطوريوس فيقولون أنه يفكر نفس التفكير وبذلك يختطفون إلى جانبهم أولئك الذين لا يدركون دقائق الأمور. ولكن من الضروري أن أقول لأولئك الذين يتهمونني أنه لا يلزم الهروب من كل ما يقوله الهراطقة، ولا أن أتحاشاه. لأن (الهراطقة) يعترفون بكثير من الأمور التي نعترف بها نحن. فمثلاً حينما يقول الآريوسيون إن الآب هو خالق كل الأشياء وربها، فهل يتبع ذلك أن نتحاشى هذين الاعترافين؟ وهكذا أيضاً بالنسبة لنسطوريوس، فحتى إن قال إنه توجد طبيعتان مشيراً إلى الاختلاف بين الجسد وكلمة الله، لأن الكلمة له طبيعته، وجسده له طبيعة أخرى مغايرة، ولكن نسطوريوس لا يعترف معنا بالإتحاد.
2- لأننا حينما نوحدهما نعترف بمسيح واحد وهو نفسه رب واحد. وإذن فنحن نعترف بأن "طبيعة الابن المتجسدة واحدة[121]."[122] ومن الممكن أن يقال مثل هذا الكلام عن الإنسان بوجه عام، لأنه من طبيعتين مختلفتين أي من الجسد والنفس. والفكر والتأمل يدركان هذا الاختلاف، ولكن حينما تتحد الطبيعتان فإننا نحصل على طبيعة واحدة للإنسان، ومن ثم ندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد إلى اثنين[123]. ولكن بما أن جميع الأساقفة الذين من الشرق يظنون أننا نحن الأرثوذكس نتبع آراء أبوليناريوس وأننا نرى أنه قد حدث امتزاج أو اختلاط (لأن هذه هي الكلمات التي استعملوها)، أي كما لو أن كلمة الله قد تغير إلى طبيعة الجسد، وجسده قد تحول إلى طبيعة اللاهوت ونحن قد صفحنا عنهم دون أن نقسم المسيح الواحد إلى اثنين، حاشا. ولكننا نعترف فقط أنه يحدث امتزاج ولا اختلاط، بل إن الجسد كان جسداً لأنه مأخوذ من امرأة، والكلمة هو الكلمة لأنه مولود من الآب. ومع ذلك فالمسيح والابن والرب هو واحد حسب قول يوحنا:"والكلمة صار جسداً " (يو1 : 41).
ونحن نعدهم ونلفت نظرهم ليقرأوا رسالة بابانا المغبوط أثناسيوس.[124]
4- فقد كان في عصره أناس محبون للنزاع يقولون أن الله الكلمة شكّل لنفسه جسداً من طبيعته الخاصة. وعلى العكس تماماً فقد أصر أثناسيوس أن جسد الكلمة ليس من الجوهر الذي للكلمة. فإن كان ليس من نفس الجوهر، إذن فهناك طبيعة ما كما أنت هناك بالتأكيد طبيعة أخرى مغايرة، ومن كليهما معاً يعرف المسيح الواحد والوحيد. ويلزم لأولئك ألا يكونوا جاهلين بهذا الأمر، لأنه حيث يكون هناك ذكر للإتحاد، فهو لا يعني أن الاجتماع يحدث من شيء واحد بل من اثنين أو أكثر يختلفان عن بعضهما من جهة الطبيعة. إذن، فإن تكلمنا عن إتحاد فنحن نعترف بإتحاد الجسد ذي النفس العاقلة، مع الكلمة، وأولئك الذين يقولون بطبيعتين يفكرون هكذا أيضاً.
5- ولكن بمجرد أن نعترف بالإتحاد، فإن تلك الأشياء التي اتحدت لا تعود تنفصل عن بعضها بل يوجد حينئذ ابن واحد وطبيعته واحدة باعتبار أن الكلمة صار جسداً. والأساقفة الذين من الشرق قد اعترفوا بهذه التعاليم[125] رغم أنهم غامضون نوعاً ما من جهة التعبير، لأنه حيث أنهم يعترفون أن الكلمة الوحيد الجنس المولود من الله الآب هو نفسه ولد من امرأة حسب الجسد، وأن العذراء القديسة هي والدة الإله، وأن شخصه واحد، وأنه لا يوجد ابنان أو مسيحان بل واحد، فكيف يتفقون مع آراء نسطوريوس.
6- لأن نسطوريوس في تفسيراته يدعي أنه يقول بابن واحد ورب واحد ولكنه ينسب النبوة والربوبية لكلمة الله وحده، ولكنه عندما يأتي إلى الحديث عن التدبير، فإنه مرة أخرى يقول أن الإنسان المولود من المرأة هو رب آخر على حده متصل بالأول بمساواة الكرامة. ولكن كيف يمكن القول أن الله الكلمة بهذه الطريقة يُسمّى مسيحاً لأن له اتصال مع المسيح[126]، دون أن يذكر صراحة أن هناك مسيحين، إن كان مسيح له اتصال مع مسيح آخر كواحد مع آخر؟ ولكن الأساقفة الذين من الشرق لم يقولوا مثل هذا القول بل هم يقسمون الأقوال [127].
7- وهم يقسمون الأقوال بهذه الكيفية، فبعضها لائق بألوهيته، وبعضها الآخر لائق بناسوته، وأقوال أخرى لها وضع مشترك لكونها تليق بلاهوته وناسوته معاً. ومع ذلك فهي أقوال قيلت عن واحد وهو هو نفسه، وليس كما ينسب نسطوريوس بعضها لله الكلمة على حده وبعضها الآخر لذلك المولود من امرأة، كابن آخر. لأن معرفة الاختلاف بين الأقوال شيء، وشيء آخر أن نُقّسِم الأقوال بين شخصين بعضها لواحد وبعضها الآخر لشخص آخر غيره.
8- ولكن الرسالة إلى أكاكيوس، وخاصة تلك التي بدايتها "مخاطبتنا بعضنا لبعض هي أمر حلو للإخوة ويستحق الإعجاب [128]"، وهي تحوي دفاعاً حسناً عن كل هذه الأمور[129]، وأنت تحتفظ برسائل كثيرة في خزانتك، ينبغي أن تعطيها بحماس، وتحضر أيضاً إلى المقدم [130] المعظم جداً الكتابين المرسلين مني، الأول منهما بعنوان ضد تجديفات نسطوريوس، والثاني يحوي الأعمال المجمعية ضد نسطوريوس ومشايعيه، والردود التي كتبتها أنا ضد من كتب ضد الفصول [131]، وهذان هما الأسقفان أندراوس وثيئودوريتوس[132]. ونفس الكتاب يحوي في نهايته عروضاً مختصرة حول التدبير الخاص بالمسيح وهي حسنة جداً وكثيرة النفع. وعليك أن تقدم له بالمثل، الرسائل الخمس المكتوبة على الجلود: الأولى منها من المغبوط البابا أثناسيوس إلى أبكتيتوس، والثانية الرسالة المرسلة منا إلى يوحنا [133]، ورسالتان إلى نسطوريوس واحد قصيرة [134] والأخرى طويلة [135]، وأخيراً الرسالة إلى أكاكيوس [136]، لأنه طلب هذه الرسائل منا.
حقيقة يؤسفني أن يقول هؤلاء، الذين يجب أن يكونوا مثل وقدوة وقديسون، أنصاف الحقائق. والكتاب المقدس يعلمنا أن قول نصف الحقيقة هو أسلوب الشيطان. لأنه يكون كذبٌ خدّاع، يجعل السامع الساذج يُصدق ما يُقال عن النصف لأن النصف الأول كان صحيح. ولننتقل إلى الرسالة التالية، وهي:
------------
الحواشي:
------------
[121] نحن لا نعرض هذه الرسائل لشرح لاهوت القديس كيرلس الكبير، وإنما لتبيان أسلوب أنصاف الحقائق الذي تم ابتاعه لنفي أن القديس كيرلس تبنى التعليم الأنطاكي في نص المصالحة. وسوف نفرد مقالة لدراسة ألفاظ كيرلس الكبير، ثم سنضع بعض أقواله الخريستولوجية من ناحية أخرى. ولكن نود أن نطلب من القارئ أن يتأمل في هذه العبارة بهذه الصيغة التي تنفي أي إمكانية لنسب هذا الإيمان للقديس كيرلس الكبير. لنقوم بالفصل على الشكل التالي: طبيعة الابن المتجسدة هي واحدة. ولنجاوب على هذا السؤال: هل الطبيعة الإلهية هي التي تجسدت؟ أم الأقنوم هو الذي تجسد؟ وبالتالي دعونا نتأمل الجملة على الشكل التالي: أقنوم الكلمة المتجسد هو واحد.
[122] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: العبارة باليونانية هي:Mian Tyn TOU UIOU Phusiv Sesakwmenyn وفي بعض المخطوطات وردت "طبيعة الله بدلاً من طبيعة الإبن".
[123] تتحد الطبيعتين، فنحصل على طبيعة واحدة، فندرك أن اختلاف الطبيعتين لا يقسم المسيح الواحد... هذا تعليم واضح أن القديس كيرلس يقصد طبيعتين وأقنوم واحد.
[124] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: هي رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيوس أسقف كورنثوس، وقد ترجمها من اليونانية إلى العربية المرحوم صموئيل كامل والدكتور نصحي عبد الشهيد ونشرها بيت التكريس لخدمة الكرازة سنة1981.
[125] نفس الأمر الذي تكلمنا عنه. لأن الأنطاكيين –أساقفة الشرق- قالوا أن المسيح أقنوم واحد. ولم يأتوا بل رفضوا القول بطبيعة واحدة.
[126] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يقصد بالمسيح هنا ذلك المولد من إمرأة.
[127] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: الأقوال التي في الأناجيل والرسائل سواء التي قالها المسيح أو التي قيلت عنه، يفسرون بعضها عن اللاهوت الكلمة والبعض الآخر عن ناسوته.
[128] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: رسالة 40.
[129] القديس كيرلس، لم يكفتِ بما عرضه هنا من دفاع عن نص المصالحة وإيمان الأنطاكيين. بل طب إلى الكاهن إفلوجيوس أن يعود إلى الرسالة المرسلة إلى الأسقف أكاكيوس، والتي قرأناها سابقاً.
[130] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقدم "Preapositio" رتبة عسكرية عالية.
[131] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: المقصود هو فصول كتابه ضد تعاليم نسطور.
[132] قد قرأنا عنهما سابقاً، وثيودوريتوس وقع كل أعمال مجمع أفسس عدا حرمان نسطوريوس، أما الثاني فكان قائد المعارضة ضد كيرلس.
[133] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 39.
[134] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 2أو4.
[135] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 17.
[136] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص: يحتمل أنها رسالة 40.
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج4
رسالة 45: رسالة كيرلس إلى سوكينسوس الأسقف المغبوط جداً أسقف ديوقيصرية في ابرشية إيسوريا
1- قرأت المذكرة المرسلة من قدسكم وسررت بها جداً، لأنه رغم أن لك المقدرة أن تساعدنا نحن والآخرين بحبك العظيم جداً للمعرفة، إلا أنك تتلطف وتحثنا أن نكتب عما في فكرنا، وهو ما نظن أنه هو نفسه ما تفكر فيه أنت أيضاً وتبعاً لذلك، فبخصوص تدبير مخلصنا، نحن نفكر مثلما فكر أيضاً الآباء القديسون السابقون علينا. لأننا حينما نقرأ كتاباتهم، فنحن نضع فكرهم أمامنا لكي نتبع خطواتهم ولا نضيف شيئاً غريباً على تعاليمهم الصحيحة.
2- وحيث أن كمالكم تسأل إن كان من المناسب أن نتكلم عن طبيعتين في المسيح أم لا، لذلك فكرت أنه يجب أن أتكلم في هذا الأمر. شخص ما يدعى ديودوروس كان لفترة ما محارباً للروح القدس كما يقولون، وكان في وقت ما في شركة مع كنيسة الأرثوذكس، فبعد أن ترك جانباً كما ظن هو، وصمة الهرطقة المقدونية، سقط في مرض آخر. لأنه فكر وكتب أنه يوجد، على حدة، ابن مولود من نسل داود من العذراء القديسة والدة الإله، وأيضاً على حدة ابن آخر هو الكلمة الذي من الله الآب. وإذ كان كذئب مختف في جلد حمل، تظاهر أنه يقول بوجود مسيح واحد بإطلاق اسم المسيح على الابن الوحيد الجنس الكلمة المولود من الله الآب، حيث أنه على سبيل النعمة ينسب له الاسم، كما يقول هو نفسه، ويدعوه الابن الذي من نسل داود، كأنه متحد بذاك الذي هو الابن بالحقيقة. ولكن ليس كما نمجده نحن بل فقط بحسب التأهيل وبحسب السلطان، وبحسب مساواة الكرامة.
3- ونسطوريوس صار تلميذاً لديودوروس هذا، وإذ أظلم عقل بكتب ديودوروس، تظاهر بأنه يعترف بمسيح واحد، الابن، والرب، ولكنه هو نفسه أيضاً يقسم الواحد إلى اثنين قائلاً إن الإنسان، بدوره كان متصلاً بالله الكلمة بنفس الاسم، وبمساواة الكرامة (الرتبة)، وبالتأهيل. وهكذا فهو يقسم الأقوال التي قيلت عن المسيح في الكرازة الإنجيلية والرسولية ويقول، إن بعضها يجب أن ينسب إلى الإنسان، وهي الأقوال التي تخص الإنسانية، وبعضها الآخر فقط يليق بالله الكلمة وهي تلك التي تليق بالألوهية. وحيث أنه في مواضع كثيرة يقسم الأقوال ويعتبر على حدة، الواحد الولود من العذراء القديسة كإنسان، وبالمثل على حدة، الابن الكلمة الذي من الله الآب، لهذا السبب، فهو يقوا إن العذراء القديسة ليست والدة الإله، بل بالحري والدة الإنسان.
4- ولكننا لسنا على استعداد أن نقبل هذه الأمور على أنها حقيقية، بل قد تعلمنا حسب الكتب الحقيقية والآباء القديسين نعترف بابن واحد المسيح الرب أي الكلمة الذي من الله الآب الولود من قبل الدهور بكيفية إلهية وتفوق الإدراك، وأنه في الأزمنة الأخيرة الابن نفسه وُلد لأجلنا حسب الجسد من العذراء القديسة. وحيث أنها ولدت الله المتأنس المتجسد، لهذا السبب فنحن أيضاً نسميها والدة الإله. لذلك يوجد ابن واحد "رب واحد يسوع المسيح" (1كو8 : 6) هو نفسه فبل تجسده وبعد تجسده. فليس هناك ابن هو الكلمة الذي من الله الآب وابن آخر أيضاً من العذراء القديسة. بل نحن نؤمن أنه هو نفسه الذي كان قبل الدهور، هو الذي قد وُلد حسب الجسد من امرأة، ليس أن ألوهية أخذت بداية وجودها أو أنها دُعِيت إلى بداية وجودها بواسطة العذراء القديسة، بل بالحري كما قلت، أن الكلمة الذي كان قبل الدهور، يقال عنه أنه قد وُلد حسب الجسد. لأن جسده هو خاص به كما أن كل واحد منا - بلا شك - له جسده الخاص.
5- ولكن حيث إن بعض الناس يحسبون علينا آراء أبوليناريوس ويقولون:" إذا قلتم بابن واحد - بحسب تام ومختلط - الذي هو الكلمة الذي من الله الآب متأنساً ومتجسداً، فأنتم بلا شك تبدون أنكم تفكرون وتدركون أن اختلاطاً أي اندماجاً، أو امتزاجاً حدث للكلمة مع جسده، وإلا يكون قد حدث تحول لجسده إلى طبيعة اللاهوت. لهذا السبب فنحن بكل حكمة نجيب على هذا الافتراء بأن الكلمة الذي من الله الآب وحّد بنفسه جسداً حياً بنفس عاقلة بطريقة تفوق الفهم وبكيفية لا يمكن التعبير عنها وجاء إنساناً من امرأة إذ قد صار مثلنا ليس بتغير في طبيعته بل بالحري بالمسرة الخاصة بتدبير تجسده، لأنه سُر أن يصير إنساناً دون أن يفقد ما هو عليه بالطبيعة كإله. ولكن وحتى وإن كان قد نزل إلى الحدود التي لنا "أخذ صورة عبد " (في2 : 7)، فرغم هذا، ظل في سمو ألوهية وفي ربوبيته الطبيعية.
6- وتبعاً لذلك، فحينما نؤكد إتحاد الكلمة الذي من الله الآب بجسده المقدس ذي النفس العاقلة، وهو إتحاد يفوق الإدراك ويعلو على الفكر، وقد حدث بدون اختلاط، وبدون تغيير، وبدون تحول فنحن نعترف بمسيح واحد الابن والرب، وهو نفسه إله وإنسان، وليس واحداً وآخر، بل هو واحد وهو نفسه، هكذا هو كائن وهكذا يدرك (بفتح الراء). لذلك فهو أحياناً كان يحاور كإنسان حسب التدبير وحسب ناسوته، وأحياناً أخرى كإله يعطي كلماته بسلطان لاهوته. ونحن نؤكد ما يأتي أيضاً. فبينما نحن نبحث كيفية تدبيره بالجسد ونسبر أعماق السر، نرى أن الكلمة الذي من الله الآب تأنس وتجسد وأنه لم يصنع ذلك الجسد المقدس من طبيعته الإلهية بل بالحري أخذه من العذراء مريم. لأنه كيف صار إنساناً لو لم يكن قد لبس[137] جسداً مثل أجسادنا؟ لذلك فعندما نعتبر - كما قلت - كيفية تأنسه نرى أن طبيعتين اجتمعتا احدهما مع الأخرى في إتحاد لا يقبل الانفصام، وبدون إختلاط وبدون تغيير، لأن جسده هو جسد وليس لاهوتاً رغم أن جسده قد صار جسد الله. وبالمثل فالكلمة أيضاً هو الله وليس جسداً، رغم أنه جعل الجسد خاصاً به بحسب التدبير. لذلك فحينما تكون لنا الأفكار، فنحن عندما نقول إنه كان من طبيعتين فنحن لا نحرج الوحدة، ولكن بعد الإتحاد لا نفصل الطبيعتين احدهما عن الأخرى، ولا نجزئ الابن الواحد غير المنقسم إلى ابنين، بل نقول بابن واحد، وكما قال الآباء: طبيعة واحدة متجسدة لكلمة الله[138].
7- لذلك، فبخصوص فهمنا وبخصوص تأملنا فقط بعيون النفس في كيفية تأنس وحيد الجنس، نقول أن هناك طبيعتين اتحدتا، ولكن المسيح واحد الابن والرب، كلمة الله الآب المتأنس والمتجسد. وإن كان يبدو حسناً، فدعونا نقبل كمثال ما في ذواتنا من التركيب والذي بحسبه نحن بشر، لأننا نتكون من نفس وجسد، ونحن نرى طبيعتين :الواحدة هي طبيعة الجسد والأخرى طبيعة النفس. ولكن هناك إنساناً واحداً من الاثنين بواسطة الإتحاد. ولكن ليس لأن الإنسان مركب من طبيعتين هو إنسانان يحسبان إنساناً واحداً، ولكنه هو نفسه الإنسان الواحد المركب من نفس وجسد كما قلت. لأننا إن كنا ننكر أن المسيح الواحد والوحيد هو من طبيعتين مختلفتين، وأنه لا يقبل الانقسام بعد الإتحاد، فأولئك الذين يحاربون الإيمان المستقيم سوف يقولون:"إن كان الكل طبيعة واحدة فكيف تأنس وأي نوع من الجسد جعله خاصاً به؟".
8- ولكن حيث أني وجدت في المذكرة تأكيداً معيناً لمثل هذا التعبير بمعنى أن الجسد المقدس للمسيح مخلصنا جميعاً، قد تغير بعد القيامة إلى الألوهية، حتى أن الكل هو لاهوت فقط، لذلك رأيت من الضروري أرد على هذا أيضاً. فبولس المغبوط يكتب في موضع ما حينما يشرح أسباب تأنس ابن الله الوحيد الجنس هكذا:" لأن ما كان الناموس عاجزاً عنه فيما كان ضعيفاً بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد. لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو8 : 3،4). وأيضاً في موضع آخر يقول:
" فإذ قد شارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذلك الذي له سلطان الموت أي إبليس. ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية. لأنه حقاً لم يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم. من ثم كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء" (عب2 : 14،17).
9- لذلك نقول أنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد أي حركاته المغروسة فينا، فقد من الضروري - لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض - أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعاً للفساد ومريضاً بحب اللذة - خاصاً به. وحيث إنه الحياة ومعطي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكناً أن تمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضاً أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا "ناموس الخطية" (رو7 : 25). لذلك حيث إن الجسد الإنساني صار خاصاً بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث إنه كإله " لم يعرف خطية " (1بط2 : 22)، فإنه اتحد بالجسد وأعلنه خاصاً به كما قلت، فهو نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه (لأنه هو كما هو دائماً) بل واضح أنه لأجلنا. لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضاً تأتي علينا كلها معاً.
10- ولذلك فقد صار إنساناً، ولم يتخذ إنساناً كما يبدو لنسطوريوس. ولكي نؤمن أنه صار إنساناً، رغم أنه بقى كما كان إلهاً بالطبيعة، لذلك فقد قيل عنه أنه جاع، وأنه تعب من السفر، واحتمل النوم والاضطراب، والحزن، وآلام بشرية أخرى لا لوم فيها.
11- وأيضاً لكي يعطي يقيناً لأولئك الذين يرون أنه بعد أن صار إنساناً فهو أيضاً إله حقيقي، وكان آيات لاهوته بانتهار البحار، وإقامة الموتى، وصنع أعمالاً أخرى تفوق العقل. واحتمل الصليب أيضاً، لكي بمعاناة الموت بجسده وليس بطبيعة لاهوته، فإنه يصير " البكر من بين الأموات" (كو1 : *18)، ويفتح لطبيعة الإنسان الطريق إلى عدم الفساد، وإذ يسلب الهاوية يحرر النفوس المحبوسة هناك.
12- وبعد القيامة كان له نفس الجسد الذي كان قد تألم سوى أن الضعفات البشرية لم تعد موجودة فيه، لأنه لم يعد قابلاً للجوع أو التعب أو أي شيء آخر مثل هذه، ومن ثم غير قابل للفساد. وليس هذا فقط بل أيضاً صار معطياً للحياة، لأنه جسد الحياة أي جسد الوحيد الجنس. وهو أيضاً جُعل (بضم الميم) يلمع بالمجد اللائق بلاهوته، ويعرف أنه جسد الله. لذلك حتى إن قال البعض أنه إلهي، كما أنه بالبديهة هو جسد بشري لإنسان، فإنه لم يضل عن التفكير اللائق. ولذلك أظن أن بولس الحكيم جداً قال :" وان كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الآن لا نعرفه بعد " (2كو5 : 16). وحيث أنه جسد الله الخاص - كما قلت - فهو تعالى على كل الأجساد البشرية.
13- ولكن لا يمكن أن يكون أمراً مقبولاً أن الجسد وهو من الأرض، يتعرض للتغير إلى طبيعة اللاهوت، فهذا أمر مستحيل. لأننا لو قبلنا هذا فإننا ندعي على اللاهوت كأنه شيء صار إلى الوجود وكأنه يضيف إلى ذاته شيئاً لم يكن خاصاً به بحسب الطبيعة. لأنه أمر غير معقول أن يقال أن الجسد قد تحول إلى طبيعة اللاهوت. وبالمثل أن يقال أن الكلمة تحول إلى طبيعة الجسد بالقول أن اللاهوت قد غير نفسه إلى طبيعة الجسد. وكما أن هذا الأمر الأخير هو مستحيل، لأنه (اللاهوت) غير قابل للتغير والتحول، هكذا أيضاً الأمر الأول هو مستحيل لأنه أمر غير معقول أن يتغير أي مخلوق إلى جوهر اللاهوت أو طبيعته. والجسد مخلوق. لذلك، فمن ناحية نقول أن جسد المسيح هو إلهي إذ أنه جسد الله، ونقول انه يلمع بالمجد الذي لا يوصف، وهو غير قابل للفساد ومقدس ومعطي الحياة. ولكن من الناحية الأخرى، فانه لا أحد من الآباء القديسين ولا نحن، فكر أو قال أن (الجسد) تغير إلى طبيعة اللاهوت.
14- ولا يمكن أن قدسكم تجهلون أن أبانا أثناسيوس المغبوط الذكر، الذي كان لفترة أسقفاً للإسكندرية - بسبب بعض الأشخاص الذين كانوا مضطرين في ذلك الوقت - كتب رسالة إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس، مملوءة بالتعليم الأرثوذكس، وحيث إنه كان فيها دحض لتعاليم نسطوريوس، ولأن أولئك الذين اتفقوا على الدفاع عن الإيمان المستقيم أخذوا منها - بعد قراءتها - برهين، وأخجلوا بها أولئك الذين أرادوا أن يفكروا مثلهم (مثل نسطوريوس)، فهؤلاء (أصحاب نسطوريوس) ارتكبوا أمراً رديئاً يتناسب عدم تقواهم الهرطوقي. لأنهم بعد أن أفسدوا الرسالة بحذف بعض الأجزاء وإضافة أجزاء أخرى فقد نشروها حتى يبدو أبونا المجيد كأنه يتفق مع فكر نسطوريوس والذين معه. لذلك، فلئلا يظهر البعض عندكم النسخة المفسدة (بضم الميم وفتح السين)، كان من الضروري أن نأخذ نسخة مماثلة تماماً للنسخ التي عندنا ونرسلها إلى وقاركم.
15- ولأن، الوقور جداً والتقي جداً بولس أسقف إيميسا بعد مجيئه إلى الإسكندرية أثار مناقشة حول هذه الأمور (هذه الرسالة)، ووجدنا أن نسخة الرسالة التي أحضرنا قد أفسدت وزيفت بواسطة الهراطقة حتى أنه طلب أن ترسل نسخة من تلك الرسائل التي عندنا إلى الذين في أنطاكية، ونحن قد أرسلنا هذه النسخة. ونحن إذ نتبع تماماً التعاليم المستقيمة للآباء القديسين، فقد وضعنا كتاباً ضد تعاليم نسطوريوس، وكتاباً آخر حيث أن بعض يحرفون معنى المبادئ[139] وأنا أرسلت هذين الكتابين إلى وقاركم حتى إن وُجد بعض من أخوتنا المماثلين لنا في الإيمان وفي الفكر، ولكنهم حمُلوا بحماقات بعض الناس، يظنون أننا قد غيرنا فيما قيل ضد نسطوريوس، يمكن أن يدحضوا بقراءة هذين الكتابين، ويتعلموا أننا وبخناه حسناً وباستقامة كمن ضل (عن الحق) والآن نحن لسنا أقل اهتماماً بمحاربة تجاديفه في كل مكان. ولأن كمالكم تستطيعون أن تفهموا هذه الأمور الهامة جداً، فإنكم ستكونون عوناً لنا بالكتابة وأيضاً بالصلاة.
هذه الرسالة التي أوصى الأنبا غريغوريوس بقراءتها، ولكن بما أن الأنبا بيشوي يستخدم رسالة رقم 46 فإننا سنودر نصها، كالتالي:
--------
الحواشي
--------
[137] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: Peforike
[138] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: باليونانية mian physin Theou Logou cesarkwmenin
[139] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: يشير إلى الحروم الذي أوردها في رسالة 17 (أنظر الجزء الأول من رسائل القديس كيرلس نشر مركز دراساتالآباء 1988).
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج5
رسالة 46: رسالة ثانية إلى سوكينسوس[140] مرسلة من كيرلس جواباً على الأسئلة.
1- الحق يجعل نفسه واضحاً لأولئك الذين يحبونه، ولكني أظن أنه يخفي نفسه ويسعى إلى أن يحتجب عن أفكار الماكرين. فهم لا يظهرون أنفسهم مستحقين أن ينظروا الحق برؤية واضحة. ومحبو الإيمان غير الملوم يطلبون الرب "بقلب بسيط" كما هو مكتوب (الحكمة1 : 1). لكن أولئك الذين يسيرون في طرق ملتوية ولهم "قلب معوج" (مز100 : 4س) كما قيل في المزامير، يجمعون، لأجل أغراضهم الخاصة حججاً ماكرة لخطط منحرفة، لكي يشوهوا طرق الرب المستقيمة، ويضلوا نفوس البسطاء إلى الاضطرار للتفكير فيما غير صحيح. وأنا أقول هذا بعد أن قرأت المذكرات المرسلة من قداستكم، فوجدت بعض أمور مقترحة فيها وهي غير مأمونة، من أولئك الذين - لا أعلم كيف - أحبوا انحراف العلم الكاذب الاسم.
2- وكانت اقتراحاتهم هكذا: I.[إن كان عمانوئيل مركباً من طبيعتين، ولكن بعد الإتحاد تعرف طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فيتبع هذا - من جميع النواحي - أن يكون ضرورياً القول أنه تألم في طبيعته الخاصة.]
3- آباؤنا المغبوطون الذين حددوا الاعتراف المهيب للإيمان قالوا إنه هو نفسه الكلمة الذي من الله الآب، والذي هو من جوهره، والوحيد الجنس، والذي به صارت كل الأشياء، وإنه تجسد وتأنس، وبلا شك نقول، إن أولئك الرجال القديسين لم يكونوا يجهلون أن الجسد المتحد بالكلمة كانت تحييه نفس عاقلة. لذلك، فإن قال أحد إن الكلمة تجسد، فانه يعترف أن الجسد الذي اتحد به (أي الكلمة)، لم يكن بدون نفس عاقلة. وهكذا كما أظن، أو بالحري كما يقال صراحة، فان الانجيلي يوحنا الحكيم جداً قال إن "الكلمة صار جسداً" (يو1 : 14)، ليس أنه اتحد بجسد بدون نفس، حاشا، ولا أنه تعرض للتغير أو التحول، لأنه ظل كما هو، أي إلهاً بالطبيعة، وإذ قد اتخذ لنفسه أن يصير إنساناً أي يصير مثلنا حسب الجسد من امرأة، فقد ظل هو الابن الواحد، فيما عدا أنه ليس بدون جسد كما كان سابقاً أي قبل فترة التأنس التي لبس فيها طبيعتنا. ولكن إذا كان الجسد المتحد به ليس من نفس جوهر الكلمة المولود من الله الآب، وهو متحد بنفس عاقلة، فعلى الرغم أن عقلنا يتصور اختلاف الطبيعتين اللتين قد اتحدتا إلا أننا نعترف بابن، ومسيح، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسداً. وحينما نقول جسداً، فنحن نتحدث عن إنسان.
4- وتبعاً لذلك، فأي ضرورة هناك أن يتألم في طبيعته الخاصة[141]، إن كان ينبغي أن يقال أنه بعد الإتحاد توجد طبيعة واحدة متجسدة للابن؟. لأنه لو لم يكن في الكلام عن تدبير التجسد أنه يولد ليحتمل الألم لكان قولهم صحيحاً، لأن إن كان الذي ولد ليتألم لم يكن موجوداً، لكان هناك كل ضرورة أن تحدث الآلام لطبيعة الكلمة. ولكن إن كانت خطة التدبير بالجسد كلها موجودة في عبارة "صار جسداً"، [لأنه صار جسداً ليس بطريقة أخرى سوى بأن "يمسك نسل إبراهيم"، "ويشبه أخوته في كل شيء" (في2 : 7)]، إذن فهم باطلاً قد تكلموا كلاماً لا معنى له، أولئك الذين يقولون أنه يتبع ذلك أنه ينبغي على أية حال أن يحتمل الألم في طبيعته الخاصة، لأن جسده خاضع للألم، الذي من جهته يعتبر معقولاً أن يحدث الألم، حيث أن الكلمة غير قابل للتألم. ونحن ليس لهذا السبب نستعبده من أن يقال عنه أنه قد تألم. وكما أن الجسد صار جسده الخاص، هكذا أيضاً فكل ما هو من الجسد ما عدا الخطية وحدها يقال عنه أنه خاص به، حيث أنه أخذه خاصاً به حسب التدبير.
5- ولكن أولئك الذين من جهة المضادة، سيقولون:
II.[إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فهناك كل الضرورة أن يقال أنه قد حدث امتزاج واختلاط، كما لو أن الطبيعة البشرية فيه تُصّغر (بضم التاء وتشديد الصاد وفتحها)، وتُسلب. (بضم التاء وفتح اللام].
6- وأيضاً، فأولئك "الذين يعوجون المستقيم" (ميخا 3 : 9)، جهلوا أنه في الحقيقة توجد طبيعة متجسدة للكلمة. لأنه إن كان هناك ابن واحد، الذي هو بالطبيعة وبالحق الكلمة الذي من الله الآب والمولود منه ولادة تفوق العقل، والذي بحسب اتخاذه جسداً ليس بدون نفس، بل محياً بنفس عاقلة، صار إنساناً من امرأة، فليس لهذا السبب يقسم إلى شخصين وابنين بل ظل واحداً، ومع ذلك ليس بدون جسد ولا خارجاً عن جسده، بل له جسده الخاص بحسب إتحاد لا يقبل انفصالاً. فالذي يقول هذا فهو بأي حال أو بأية طريقة لا يعني امتزاجاً أو اختلاطاً أو أي شيء آخر من مثل هذا، ولن ينتج هذا عن ضرورة منطقية بأية حال. لأنه حتى وان كنا نحن نقول إن ابن الله الوحيد الجنس هو واحد، متجسد ومتأنس، فهو ليس ممتزجاً بسبب هذا كما يبدو لهم. فطبيعة الكلمة لم يتحول إلى طبيعة الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، بل كل منهما ظلت كما هي في ذاتيتها بحسب طبيعة كل منهما، وتعتبران متحدتان بطريقة تفوق الفهم والشرح، وقد ظهر لنا من هذا طبيعة الابن الواحدة، ولكن - كما قلت - متجسدة.
7- لأنه ليس في حالة ما هو بسيط بالطبيعة يكون فقط تعبير " الواحد" مستعملاً استعمالاً حقيقياً، بل أيضاً من جهة ما قد جمع بحسب التركيب، مثلما أن الإنسان هو كائن واحد، وهو من نفس وجسد.لأن النفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر في الجوهر، ولكن حينما يتحدان يؤلفان طبيعة واحدة للإنسان، على الرغم أنه من جهة اعتبارات التركيب فإن الاختلاف موجود بحسب طبيعة تلك الأشياء التي أتت معاً إلى الوحدة. وتبعاً لذلك فإنهم يتكلمون باطلاً أولئك الذين يقولون :إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فانه من كل جهة ومن كل طريقة سيتبع ذلك أن اختلاطاً وامتزاجاً يكونان قد حدثا كما لو كان ثمة تصغير وسلب لطبيعة الإنسان. لأنها، من جهة لم تُصّغر، ومن الجهة الأخرى لم تُسلب كما يقولون. لأن القول بأنه قد صار جسداً هو كاف كأكمل بيان عن كونه صار إنساناً. لأنه لو كان هناك صمت عن هذا من جهتنا، لكان هناك مجال لافترائهم. ولكن حيث أن القول بأنه قد صار جسداً قد تم الإدلاء به كما هو لازم، فهل يكون هناك مجال للتصغير أو السلب؟[142].
8- أيضاً III.[إن كان المسيح يقال عنه إله كامل، وان كان يعرف أنه هو نفسه إنسان كامل، وإن كان من نفس الجوهر مع الآب حسب اللاهوت، ولكن بحسب البشرية هو من نفس الجوهر معنا، فأين يكون الكمال إن كانت طبيعة الإنسان لم تعد قائمة؟. وأين هي الوحدة في الجوهر معنا إن كان الجوهر، الذي هو طبيعتنا، لم يعد قائماً؟].
9- يكفي الحل أو الرد الذي ورد في القسم السابق كتوضيح لهذه الأسئلة أيضاً. لأننا لو كنا قد قلنا طبيعة واحدة للكلمة وصمتنا بعدم ذكر "متجسدة"، كما لو كنا قد وضعنا جانباً تدبير تجسده، فبلا شك فان قولهم يكون مقبولاً بالنسبة لهم، كما يتظاهرون أن يسألوا قائلين:" أين هو الكمال في البشرية أو كيف صار الجوهر المماثل لنا قائماً؟". ولكن حيث أن كمال بشريته والدليل على جوهر مماثل لنا قد قدمناه بقولنا " متجسدة"، فليكفوا عن أن يستندوا على قضيب من القصب.[143] لأن كل من أسقط التدبير وأنكر التجسد فينبغي أن يتهم بحق أن سلب الابن من بشريته الكاملة. ولكن كما قلت، إن كان في القول عنه أنه قد صار جسداً، يوجد اعتراف واضح وغير متلبس بأنه صار إنساناً، فلم يعد هناك شيء يعوق المعنى بأنه: حيث إنه هو الابن والمسيح الواحد والوحيد، فهو إله وإنسان، وكما أنه كامل في لاهوته هكذا هو أيضاً في ناسوته. وبالإضافة إلى ذلك، فان كمالكم قد شرحتم بكل صواب وبفهم كامل، الأمر الخاص بآلام مخلصنا، بدفاعكم بقوة أن ابن الله الوحيد كما يعرف، وكما هو في الحقيقة، الله، لم يحتمل آلام الجسد في طبيعته الخاصة بل تألم بالحري في طبيعته الأرضية.
10- لأنه كان لائقاً بالضرورة أن نلاحظ من جهة الابن الواحد الحقيقي، أنه لم يتألم لاهوتياً، ونؤكد أيضاً أنه تألم إنساناً لأن جسده تألم. ولكن أولئك يظنون مرة أخرى أننا بذلك نُدخل ما يسمونه هم "تألم الله"، وهم لا يدركون التدبير، بل بخبث شديد يحاولن أن ينقلوا الألم إلى الإنسان بمفرده، وبذلك يصطنعون بغباوة توقيراً ضاراً، حتى أن لكلمة الله لن يعترف به أنه مخلص أعطى دمه الخاص لأجلنا، بل بالحري إنه إنسان منفصل، معتبراً ابناً بمفرده، ويقال أنه أكمل هذا. ولكن التفكير على هذا النحو يلقي بكل خطة التدبير بالجسد بعيداً، ويحول سرناً الإلهي عملياً وبشكل يقيني إلى عبادة إنسان، وهم لا يفهمون أن بولس المبارك قال إن ذاك الذي هو من اليهود بحسب الجسد، أي المسيح، من نسل إبراهيم ويسى وداود هو "رب المجد" (1كو2 : 8) وهو" الله المبارك إلى الأبد" (رو9 : 5) وهو" الكائن على الكل"، مظهراً أن جسد الكلمة هو جسده الخاص، وهو الذي سمر على الخشبة، ولهذا السبب نُسِبَ الصليب له.
11- وأيضاً: IV [ ولكني أعرف أن هناك شيئاً آخر - بجانب هذه الأمور - يسألون عنه. لأن ذاك الذي يقول إن الرب تألم في جسده مجرداً إنما يجعل الألم غير عقلي وغير إرادي. ولكن إن قال أحد إنه تألم بنفس عاقلة لكيما يكون الألم إرادياً، فليس هناك ما يمنع القول إنه تألم في طبيعة بشرية. ولكن إن كان هذا حقيقياً فكيف لا نكون مقرين بأن الطبيعتين قائمتان بدون انفصال بعد الاتحاد؟ حتى أنه إن قال أحد أن " المسيح تألم لأجلنا بالجسد" (1بط4 : 1)، فهو لا يقول شيئاً آخر سوى أن المسيح تألم لأجلنا في طبيعتنا ].
12- وهذه المسألة أيضاً ليست محاربة لأولئك الذين يقولون أن هناك طبيعة واحدة متجسدة للابن. وأصحاب هذه المسألة يناضلون لكي يبرهنوا أن الطبيعتين قائمتان دائماً، راغبين أن يبرهنوا أن هذه الصيغة هي بالحري بلا معنى، ولكنهم قد تجاهلوا حقيقة أن تلك الأشياء التي يتم عادة التميز بينها ليس ذهنياً فقط، تختلف كلية وبنوع خاص احدهما عن الأخرى بكل طريقة، منقسمة ومتنوعة.
فلنأخذ مرة أخرى مثلنا كنموذج أمامنا. لأننا نعرف أن هناك طبيعتين في هذا الإنسان، احدهما للنفس والأخرى للجسد. ولكن حينما نقسمه ذهنياً وندرك الاختلاف في تأملات عالية، أو تصورات عقلية، فنحن لا نضع الطبيعتين منفصلتين الواحدة عن الأخرى، ولا ننسب إليهما بالمرة في الحقيقة وجوداً فعلياً بواسطة الانقسام، بل نحن ندركهما كطبيعتي إنسان واحد حتى أن الاثنتين لا تعودا بعد اثنتين بل ينتج مهما معاً كائن حي واحد. وتبعاً لذلك، حتى لو تكلموا عن الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية في عمانوئيل، فالإنسانية صارت خاصة الكلمة، وابن واحد يدرك مع ناسوته.
13- وحيث أن الكتاب الإلهي الموحى به يقول أنه تألم بجسده، فمن الأفضل أن نتكلم نحن أيضاً هكذا بدلاً من أن نقول في طبيعة إنسانيته، حتى لو أن هذا لم يقل بطريقة منحرفة من البعض، فلن يسيئوا بالمرة على أية حال لحقيقة السر. لأنه ما هي الطبيعة الإنسانية سوى جسد حي عاقل، وهو الجسد الذي نقول أن الرب تألم فيه؟. ومن ثم فهم يتكلمون بدقة مفرطة عنه أنه تألم في طبيعة إنسانيته، كما لو كانوا يفصلونها عن الكلمة ويضعونها خارجاً على حدة، ويقصدون اثنين لا واحداً وهو الكلمة الذي من الله الآب، المتجسد والمتأنس. ويبدو لنا أن لفظة " غير المنقسم" التي أضافوها لها أهمية كبيرة في التعليم المستقيم. ولكنهم لا يفكرون على هذا النحو، أن كلمة " غير المنقسم" عندهم يفهمونها بمعنى مختلف بحسب كلمات نسطوريوس الفارغة. لأنهم يقولون أنه بواسطة المساواة في الكرامة والمماثلة في الإرادة وبواسطة السلطان، فان الإنسان الذي سكن فيه الكلمة الذي من الله، غير منقسم عنه، حتى أنهم لا يفهمون هذه الكلمات ببساطة بل ببعض المكر والخبث. فهو[144] يقول أن كلمة الله على حدة يسمى المسيح، وله اتصال غير منقطع مع المسيح. لذلك ألا يقول هو بكل وضوح بمسيحين؟ ألا يعترف أنه يكرم إنساناً. ليست أعرف كيف - وهو الذي يُعبد من الله؟. ألا يظهر أن أقواله هذه ليست لها علاقة بأقوال أساقفة الشرق؟ أليست أفكاره متناقضة؟ لأنه يقول بوضوح إنه يوجد اثنان، أما هم فيعترفون أنهم يعبدون مسيحاً واحداً وابناً وإلهاً...إلخ.
وهذه الرسالة، أيضاً تشبه سابقيها، بأن القديس لا يعزو فقط الصلح من أجل السلام. بل نجده يُدافع عن الإيمان المعلن في نص الصلح، ويتبناه.
--------------
الحواشي
---------------
[140] القديس يوحنا الدمشقي يستخدم هذه الرسالة ليشرح فيها فكر القديس كيرلس حول وحدة أقنوم يسوع وطبيعتيه.
[141] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: هذا ما قال به المعترضون (أنظر نهاية فقرة2 في هذه الرسالة)
[142] هذا ما سوف يقوله اوطيخا لاحقاً.
[143] القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، 50: 2: "وعليه إن المغبوط كيرلس، في رسالته الثانية إلى صوكنصين، يقول هكذا، وهو يفسر عبارة "طبيعة كلمة الله الواحدة المتجسدة".
لو كنّا قلنا: طبيعة الكلمة الواحدة وصمتنا، غير مُضيفين إليها المتجسّدة، بل أعرضنا بذلك عن التدبير، ربما كان لمن يحاجّون بسؤالاتهم كلامٌ أيضاً غير مستنكر، وإذا كان الكل طبيعة واحدة، فأين الكمال في الناسوت؟ أو كيف حصل الجوهر الذي هو على مثالنا؟ ولكن بما أنّ الكمال في الناسوت وإيضاح الجوهر الذي هو على مثالنا قد حصلا بقولنا المتجسدة، فلكيفَّ إذاً هؤلاء عن وضع قضيب من قصب مكانهما!". إن كيرلس إذاً يستعمل هنا طبيعة الكلمة بدل الطبيعة. فلو كان قد استعمل الأقنوم بدل الطبيعة، لما كان مستنكراً أن يقول ما قاله بمعزل عن المتجسدة. وإننا لا نتردّد في قولنا جازمين. أقنوم كلمة الله الواحد. وكذلك فإن لاونديوس البيزنطي أيضاً قد فهم بأن ما يُقال عن الطبيعة ليس بمضادّ لما يُقال عن الأقنوم. والمغبوط كيرلس -في احتجاجه على تفنيد ثاودوريتوس بشأن الحرم الثاني- يقول هكذا: "إنّ طبيعة الكلمة أي الأقنوم، وهو الكلمة نفسه". لذلك فإن المقول بطبيعة الكلمة لا يعني الأقنوم وحده ولا ما هو عام للأقانيم، بل الطبيعة العامة في أقنوم الكلمة باعتبارها ككلّ.
نخبة من التعابير المعتاد سماعها والمقبولة: إذاً إنها لعبارة تُقال بأن طبيعة الكلمة قد تجسدت أو أنها اتحدت بجسد. ولم نسمع قطّ حتى الآن أنّ طبيعة الكلمة تألمت بالجسد. لكننا تعلّمنا أنّ المسيح تألم بالجسد. ونستنتج من هذا أنه لا يبدو أنّ القول بطبيعة الكلمة يعني الأقنوم. بقي إذاً أن نقول بأن التجسد هو الاتحاد بجسده، وإنّ الكلمة يصير جسداً هو أنّ أقنوم الكلمة نفسه يصير جسداً بدون استحالة. -وإنّه يقال بأن الله صار إنساناً وصار الإنسان إلهاً. لأنه لمّا كان الكلمة إلهاً فقد صار إنساناً بدون تغيير. أمّا أن يقال بأن اللاهوت صار إنساناً أو أنه تجسّد أو أنه تأنس فلم نسمعه قط. وقد تعلّمنا بأنّ اللاهوت قد اتحد بالناسوت في أحد أقانيمه. ويقال إنّ الله يتنكّر أو يتجوهر بالغريب أو بما هو على مثالنا فإنّ كلمة الله تصحّ في كل الأقانيم، أما كلمة لاهوت فلا يمكننا قولها عن أقنوم لأننا لم نسمع بأن كلمة لاهوت تُقال في الآب وحده ولا في الابن وحده ولا في الروح القدس وحده. لأن اللاهوت يدلّ على الطبيعة والآب يدل على الأقنوم كما يدلّ الناسوت على الطبيعة وبطرس على الشخص. وإن كلمة الله تعني ما هو عام في الطبيعة وتدلّ بالتساوي على كل الأقانيم، وكذلك كلمة إنسان. فإنه هو الله ذاك الذي يحصل على طبيعة إلهية، وهو إنسان ذلك الحاصل على الناسوت."
[144] حاشية من المصدر، مرتبطة بالنص المقتبس: تشير طبعة ميني P.M.G ا انه ابتداء من هنا يكرر القديس كيرلس ما سبق أن ذكره في رسالة 40 فقرة13... انتهى.
ونحن أيضاً لن نضيفها، ولكن نذكر بضرورة قراءة هذه الرسالة الذي فيها يقوم القديس كيرلس بالدفاع وشرح تعليم أساقفة الشرق، الأنطاكيين، من خلال نص المصالحة. مما ينفض الادعاءات الكاذبة حول أسباب الصلح.
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج6
رسالة 50: من كيرلس إلى الأسقف فاليريانوس ضد تعاليم نسطوريوس.
1- يكفي - بحسب ما أرى - أو بالحري فانه من طبيعة الحق أن نستدعي فطنة قداستكم، بشجاعة كبيرة، وأن نستعمل الدقة بأقصى ما يمكن في مواجهة ملاحظات بعض الناس الجزافية. فهم مثل القدامى يستعملون عبارات فارغة ويخلطون كل الأمور متظاهرين أنهم منشغلون بعناية بسر تأنس الرب الوحيد الجنس. ومع ذلك فإنهم لا يدركون حتى هذا، بل يغيرون السر إلى ما هو غير صحيح، ويفعلون هذا بسهولة، بينما هم يعتنقون تعاليم منحرفة، وأصعب شيء في هذه الأمور هو هذا: إنهم يتظاهرون بالرغبة في أن تكون لهم أفكار مستقيمة، وبإدعائهم أن لهم مظهر الميل نحو هذا - كما لو كانوا قد لبسوا قناعاً - فإنهم يسكبون سم كفر نسطوريوس في نفوس الناس الذين هم أكثر بساطة من غيرهم. فهم يشبهون معالجي الأجساد البشرية أي الأطباء الذي يمزجون العسل الحلو بعقاقيرهم المرة فهم إذ يخدعون الناس عن طريق ما هو مفيد، فإنهم يسلبونهم الإحساس بما هو كريه بطبيعته.
2- ولكننا لا نجهل أفكارهم إذ أن " لنا فكر المسيح" (1كو2 : 16) بحسب قول بولس الحكيم جداً. فإن كان هناك أحد ما يقول إن الله الكلمة وحيد الجنس الذي ولد من الله الآب بطريقة لا يمكن التعبير عنها، وهو أيضاً صانع الدهور نفسها، قد أخذ بداية وجوده من العذراء القديسة، فلا يبدو بالنسبة لهم أنه قد أخطأ الهدف فيما قاله. وإن كان كلمة الله هو روح بالطبيعة، فكيف ولد من جسد لأن الرب يقول "المولود من جسد هو جسد" (يو3 : 6). وحيث أن التعليم بخصوص سر المسيح يتبع مساراً أو طريقاً آخر مختلفاً نحو ما هو مباشر وراسخ وليس فيه تحريف، فلماذا يثرثرون باطلاً "بينما هم لا يفهمون ما يقولونه ولا ما يقررونه" (1تيمو 1: 7).
3- لأننا نقول إن كلمة الله الوحيد الجنس، لكونه روحاً مثل الله، حسب الكتب (يو4 : 24)، تجسد لأجل خلاص الناس وتأنس لا بتشكيل جسد لنفسه من طبيعته الخاصة، ولا بأن كف أن يكون ما كان عليه، ولا بخضوعه لأي تغير أو تحول، بل باتخاذه جسداً بلا دنس من العذراء القديسة، جسداً تحييه نفس عاقلة. لذلك أثبت أن هذا الجسد خاص به حسب إتحاد يفوق الفهم وبغير اختلاط ولا يمكن التعبير عنه مطلقاً، ولا كجسد لواحد آخر بل مدرك أنه هو جسده الخاص به. لذلك فقد أتي الوحيد الجنس إلى العالم "كبكر بين إخوة كثيرين " (رو8 : 29)، وهو الذي لا يحسب ضمن الخليقة إذ هو معروف أنه الله.
وبناء عليه فحينما يقال أنه ولد من امرأة (غلا4 : 4)، فبالضرورة أيضاً يشار إلى أنه ولد بحسب الجسد لكي لا يعتبر كأنه يتخذ من العذراء القديسة بداية لوجوده. ورغم أنه كائن قبل كل الدهور وهو الله الكلمة المساوي في الأزلية لأبيه الذاتي والقائم فيه، إلا أنه حينما أراد أن "يأخذ صورة عبد" (في2 : 7) بمسرة أبيه الصالحة، عندئذ يقال إنه خضع للولادة من امرأة بحسب الجسد مثلنا.
لذلك لابد من الإقرار أن المولود من الجسد هو جسد أما المولود من الله فهو إله. ولكن المسيح له الولادتان، إذ هو ابن ورب واحد مع جسده الخاص، ولكنه ليس بدون نفس - كما قلت - بل تحييه نفس عاقلة.
4- لذلك، دعهم لا يقسمون لنا الابن الواحد، واضعين الكلمة الابن الواحد على حدة، والذي من امرأة إنساناً على حدة، كما يقولون، بل بالحري يعرفون أن الله الكلمة لم يكن متصلاً بإنسان بل قيل إنه صار إنساناً "ممسكاً نسل إبراهيم" (عب2 : 16) حسب الكتب، وأيضاً "لكي يشبه أخوته في كل شيء " (عب2 :17)، عدا الخطية وحدها. هذه المشابهة من كل جهة أرادها أن تكون له وفوق كل التشابهات الأخرى، ولادته من امرأة، التي تعتبر من جهتنا خاصية إنسانية، وهو مثلنا، ولكن الوحيد الجنس يدرك أنه فائق على هذا، لأن الله صار جسداً. وتبعاً لذلك فالعذراء القديسة تدعى والدة الإله.
5- فإن قالوا إن الله والإنسان باجتماعهما معاً في واحد كوناً معاً مسيحاً واحداً وكل منهما محتفظ بأقنوم بدون اندماج، ولكن مميز بفكرنا، فمن الممكن أن يُرى أنهم لا يفكرون أو يقولون شيئاً دقيقاً في هذا الأمر. فالله والإنسان - لم يكونا مسيحاً واحداً باجتماعهما معاً، كما يقولون، بل كما قلت، فإن اللوغوس إذ هو الله أصلاً اشترك في الدم واللحم مثلنا أي أن الله صار إنساناً، وإنه قد اتخذ جسداً وجعله جسده الذاتي، لكي - كما أن أي إنسان منا معروف أنه إنسان واحد، وهو مكون من نفس وجسد - هكذا أيضاً المسيح يُعترف به أنه واحد، وهو ابن وهو رب.
6- طبيعة الإنسان يُعترف بها أنها واحدة، وإنه أقنوم واحد حتى وإن كان يعرف أنه من عناصر مختلفة بالنسبة للنفس، ولكنه جسدها الخاص، والاثنان يكونان معاً أقنوم الإنسان الواحد. ورغم أن الاختلاف المذكور بين النفس والجسد ليس غامضاً بالنسبة لذهننا وفكرنا إلا أن اجتماعهما معاً يكون إنساناً واحداً، حيث إن هذا الاجتماع هو بغير انفصال. وإذن، فإن كلمة الله الوحيد الجنس لم يأت كإنسان باتخاذه إنساناً، وبالرغم من أن له ولادة من الله الآب لا يعبر عنها، فإنه صار إنساناً بأن كون لنفسه هيكلاً بواسطة الروح القدس الواحد معه في الجوهر. لذلك أيضاً فهو يعرف أنه واحد، رغم أنه نظرياً وبحسب عقلنا فإن جسده كأن من طبيعة مختلفة بالنسبة له. ولنعترف بكل طريقة أن جسده لم يكن بدون نفس، بل كانت تحييه نفس عاقلة.
7- لقد عرفت أن البعض قد وصلوا إلى درجة من الجنون حتى أنهم لا يخجلون أن يقولوا إن الله الكلمة بسكناه في ابن معين، الذي ولد من العذراء، قد إلهه، ولكن أيها الفضلاء، أود أن أقول لهم، هذا ليس هو كلمة الله الذي تجسد وتأنس، بل بالحري، الحلول في إنسان، وهو بالطبع مثل الحلول في أحد الأنبياء القديسين.
ولكن الحديث عن السر بالنسبة لنا، كما قد تم توضيحه في التصريحات التي قدمناها قبل قليل، يعني أن الكلمة المولود من الله الآب صار جسداً حسب الكتب (يو 1 : 14). ليس إنه عانى تغييراً في طبيعته أو تبدلاً أو تحولاً، أعني إلى الجسد، بل انه جعل الجسد المحيي بنفس عاقلة، خاصاً به، وصار إنساناً.
فهو لم يتصل بإنسان أو يسكن فيه كما يقولون. فأن يقال أن ذلك الذي حصل على الحلول قد تأله، كما يؤكدون (لأن هذا بحسب تقديرنا ينبغي أن يستبعد كلية)، فكيف لا يكون هذا دليلاً على غباء مطبق؟ وهو معارض تماماً لرؤية الكتاب المقدس.
8- وبولس الموحى إليه من الله يقول أن كلمة الله، رغم أنه كان في صورة الله ومساوياً لأبيه في كل شيء، لم يحسب خُلسة أن يكون مساوياً لله، بل بالحري أخلى نفسه "أخذاً صورة عبد"، "صائراً في شبه الناس"، "كإنسان"، "ووضع نفسه" (في 2 : 6، 8) ولكنهم بتغيرهم طبيعة الأشياء إلى ضدها تماماً، ومساومتهم على معنى الحق بعدم تقوى، يقولون إن إنساناً قد أُله. وأكثر من ذلك، أيها الفضلاء، من هو الذي أخلى نفسه وكيف وضع نفسه؟ أخبروني، ما نوع صورة العبد التي أتخذها؟ لأن قولهم - كما يبدو لنا - يقدم إنساناً رُفع من مذلته مثلنا، صاعداً من الإخلاء الذي لنا إلى ملء اللاهوت، ومتغيراً من صورة العبد إلى صورة السيد. كيف يقولون إذن، إن الابن الوحيد الجنس أخلى نفسه، أو كيف احتمل هوانناً، إني لست قادراً على أن أفهم كيف أحتمل مذلتنا، إلا إذا كانوا يقولون إنه قد أخلى نفسه بسبب أنه قد كّرم الإنسان بمجده الخاص. فإن كان قد أُسئ إليه بتكريم الإنسان، وإن كان بتمجيد الإنسان يخلي نفسه، فكيف لا يكون من الأفضل أن يقال إنه لم يمنح لا الكرامة ولا المجد لي أحد؟ فليظل في رفعته الخاصة، دون تكريم أو تمجيد، لهذا الإنسان الذي أخذه، كما يقولون.
9- إلا تبدو الأمور التي قرروا أن يفكروا فيها ويسروا بقولها، مستوجبة لكل نوع من الضحك ومملوءة بغباوة مطلقة؟.
ولكن لو لم يكن له الملء حسب طبيعته الخاصة، فإن تعليم الحق لن يثير أي تشكك إطلاقاً في أنه أخلى نفسه. ولو لم يكن سامياً سمواً فائقاً وعالياً جداً في مقامه ثم نزل إلى ما لم يكن عليه، فلن يكون هناك أي مجال للتفكير في أنه وضع نفسه.
فالذي يأخذ صورة عبد تماماً بلا شك أن له الحرية بالطبيعة (أن يصير عبداً) قبل أن يأخذ هذه الصورة. والإنسان المخلوق لم يعرف أنه كان هكذا قبل أن يصير إنساناً.
10- لذلك، حيث أن الكتاب المقدس الموحى به من الله، يدعو هذا إخلاء وصورة عبد، وأنه صار إنساناً، ويقول أن ذلك الذي أحتمل هذه بإرادته هو الكلمة الذي من الله الآب، فلماذا يقبلون حكمة التدبير العجيب إلى المعنى المضاد، ويقولون إن إنساناً قد تأله، وبذلك لا يكون هناك أي اختلاف بين المسيحيين وبين أولئك " الذين عبدوا المخلوق دون الخالق" (أنظر رو1 : 25). وربما سيجادلون قائلين إن الملائكة القديسين أنفسهم قد انساقوا معنا إلى الخطأ. والكتاب المقدس يقول إن الملائكة طُلِبَ منهم أن يسجدوا للبكر عندما أُدخِل إلى العالم (أنظر عب1 : 6). فكيف يطلق اسم البكر على وحيد الجنس وإن لم يكن قد تجسد؟ لأنه إن كان صحيحاً ذلك القول "بكر بين أخوة كثيرين" (رو8 : 29)، إذن فهو يعرف بحق أنه البكر، حيث أنه نزل إلى الأخوية، التي من الواضح أنها أخوية معنا، حيث أنه إنساناً مثلنا، إذ قد صار "يشبه إخوته في كل شيء: (أنظر عب2 : 17)، ماعدا الخطية وحدها (أنظر عب4 : 15،2كو5 : 21). هذه النظرة وهذا الفكر سيكون كافياً لأجل تقوانا، أن الله صار جسداً، وهو يعطي الحياة لكل الأشياء، وله (أي الجسد) قوته (قوة الله) المحيية وقدرته، ويملك بوفرة، مجده الذي لا ينطق به ولا يقترب إليه.
11- ولكنه أمر غير معقول أن أولئك الذين ارتأوا أن يمسكوا بهذه الأفكار، ويضيفون اتهامات زائفة أخرى ضد العقائد المقدسة، يسلبون من شخص الابن الوحيد الإهانات التي أحتملها على أيدي اليهود، وبالإضافة إلى هذه يسلبونه حتى الموت حسب الجسد، وينسبون هذه الأشياء كما لو كان إلى ابن آخر امرأة على حدة.
لأنه يبدو مفضلاً جداً بالنسبة لهم - وأنا لست أعلم كيف - أن يقفزوا إلى فخ الهاوية وقاع الجحيم حسب الكتب (أم9 : 18س)، وذلك بواسطة الطريق غير المؤدي إلى التقوى. لأنه أمر معترف به أن اللاهوت - بسبب أنه بلا جسد - فهو غير قابل للألم ولا يُمس مطلقاً، لأن اللاهوت هو مغاير لكل خليقة منظورة وعقلية وهو بالطبيعة بلا جسد، وبلا دنس، ولا يُمس، ولا يمكن إدراكه.
وحيث عن كلمة الله الوحيد الجنس، إذ قد اتخذ جسداً من العذراء القديسة والدة الإله - كما سبق أن قلت مراراً وتكراراً - وإذ جعله خاصاً به، قدم نفسه رائحة طيبة لله الآب كذبيحة بلا عيب من أجلنا، وبهذه الطريقة قد تأكد أنه احتمل من أجلنا ما حدث لجسده. فكل ما حدث للجسد، ينسب بصواب إليه - ماعدا الخطية وحدها - لأنه جسده الخاص. وتبعاً لذلك حيث إن الله الكلمة تأنس، فقد ظل غير متألم بحسب لاهوته، ولكن بسبب أنه بالضرورة جعل جسده خاصة به، يُقلا بالتأكيد أنه احتمل ما هو حسب الجسد، رغم أنه من جهة إدراكنا له كإله، فهو لم يختبر الألم.
12- لذلك، فإن مظهر التقوى يحملهم بعيداً عن الحق لأنهم لا يدركون أن عدم قابليته للتألم قد ظلت محفوظة حسب وجوده الإلهي إذ هو الله ولكن تألمه لأجلنا بحسب جسده ينسب أيضاً إليه، فبينما هو الله بالطبيعة، فإنه صار جسداً، أي إنساناً كاملاً، لأنه من هو الذي قال لله الآب في السموات:" ذبيحة وتقدمه لم تُرد ولكن هآنذا، أجيء لأصنع مشيئتك يا الله" (عب10 : 5،7،مز39(40) : 7،9). لأن الذي هو كإله بدون جسد، يقول إن الجسد هُيئ له، لكي حينما يقدمه لأجلنا فإنه يُشفينا جميعاً "بجلدته" بحسب قول النبي (إش53 : 5). ولكن كيف يكون هو ذلك " الواحد الذي مات لأجل الجميع" (2كو5 : 14)، الواحد الذي هو بديل مستحق عن الآخرين، إن كان الألم يعتبر ببساطة خاصاً بإنسان ما، فإذا كان قد تألم بحسب طبيعته البشرية، فحيث إنه جعل آلام جسده خاصة به، عندئذ نقول بحق وصواب، أن موته هو وحده فقط بحسب الجسد يُعرف أنه مستحق عن حياة الكل، ليس موت واحد هو مثلنا نحن، حتى رغم إنه صار مثلنا، إلا أننا نقول إنه إذ هو الله بالطبيعة فإنه تجسد وتأنس بحسب اعتراف الآباء.
13- ولكن إذا سلب البعض من الابن الوحيد الألم بحسب الجسد، معتبرين الألم قبيحاً وغير مناسب وغير لائق، فدعهم لنفس الأسباب ينزعون منه أيضاً ميلاده بحسب الجسد من العذراء القديسة. لأنه إن كان القول بأنه تألم في جسده غير لائق به، فكيف لا يكون كذلك غير لائق به ما جرى قبل الآلام، أعني، ميلاده بحسب الجسد - أو على وجه العموم - أسلوب تأنسه؟ وهكذا يضيع السر المسيحي، ومن ثم يصير رجاء الخلاص باطلاً.
14- وقد يقول أحدهم:"ولكن كيف يتألم من لم يعرف الألم؟" إن الكلمة الذي من الله - كما قلت - من المسلم به أنه غير قابل للألم بحسب طبيعته الخاصة، ولكننا نعترف، بأنه تألم في جسده الخاص بحسب الكتب، لأنه هو نفسه كان في جسده المتألم، وبطرس سيعطيك، البرهان حيث أنه يكتب عنه،" الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة " (1بط2 : 24). لذلك، فالكلمة غير المتألم حينما يُنظر إليه على أنه هو الله بالطبيعة، ومع ذلك فإن آلام جسده تُعرف بأنها آلامه بحسب اتخاذه لذاته تدبيرياً. لأن ما هي الطريقة التي يمكن أن يصير بها من هو بكر كل خليقة والذي فيه "خلقت الرئاسات والسلاطين والعروش والسيادات " (أنظر كو1 : 16)، والذي فيه " تقوم كل الأشياء " متماسكة معاً، كيف يصير "بكر من الأموات" ، "باكورة الراقدين" (1كو15 : 20)، إن لم يكن الكلمة الذي هو الله قد جعل الجسد المولود للتألم، جسده الذاتي؟.
ولكن كما أنه " ولد من امرأة" (غلا4 : 4) بحسب الجسد وجعل الميلاد المماثل لنا إنسانياً، خاصاً به - رغم أن له ميلاده الخاص الذي هو من أبيه - هكذا أيضاً نُقّر أنه تألم في جسده إنسانياً مثلنا، على الرغم من أن عدم التألم هو خاص به بالطبيعة طالما يُنظر إليه أنه هو الله. وهكذا فهو يعرف أنه المسيح، وهكذا فهو أيضاً جالس مع أبيه، ليس كإنسان كُرّم بحلول الله الكلمة فيه بل كالابن بالحق حتى عندما صار إنساناً. لأن كرامة تميزه الجوهري محفوظة له، حتى وإن كان قد ظهر بحسب التدبير في "صورة العبد" (في2 : 7). لذلك - كما قلت - حتى إن كان مشتركاً في طبيعتنا كإنسان، فهو لا يزال في نفس الوقت فوق كل الخليقة كإله..
15- ولكني علمت عن شخص ما يشرح سبب الصعود إلى السموات، قائلاً إن الرب صعد إلى مكان آمن وبعيد عن الخطر، وإنه حسب مستحقاً للجلوس مع الآب حيث هناك - كما يقول - لا يستطيع عدو طبيعتنا أن يتآمر ضده أو يقترب منه ثانية. أخبرني إذن، هل صارت السماء قلعة وهل رحيله من بيننا الذي نعظمه كثيراً، قد صار بالأحرى، هروباً وليس صعوداً؟ وكما لو كان يبدو أن الشرير سيعد فخاً ثانياً له، كما يبدو، حتى بعد القيامة أيضاً " فمن هو الذي لا يبتعد بعيداً عن مثل هذه التقيوءات؟. أو من لا يقوم ويذهب بعيداً عن مثل هذه الأحاديث المشيئة الغريبة، مودعاً لزمن طويل أولئك الذين يتجاسرون أن يفكروا أو يقولوا مثل هذه الأقوال؟.
فَلتُبعد عنا هذه الأفكار الكريهة والساقطة. فإني أظن أنه ليس هناك شيء أكثر منها خرافة أو حماقة. إن الأمر قد وصل إلى مثل هذه الدرجة من الابتذال في الأفكار عندهم، حتى أنه ليس هناك أمر شائن أكثر من ذلك. لأنه حينما أكمل المسيح التدبير الخاص بنا وداس على الشيطان، وطرح كل قوته، " وأباد سلطان الموت نفسه" (عب2 : 14)، وجدد لنا طريقاً حديثاً حياً، بصعوده إلى السماء، "وظهوره أمام وجه الله الآب من أجلنا" كما هو مكتوب (أنظر عب9 : 24)، وجلس معه وهو الجسد، ليس كإنسان معتبراً على حدة، وليس كابن آخر مغاير إلى جانب اللوغوس، وليس كمن هو يسكن فيه، بل كالابن الواحد والوحيد بالحق، حتى حينما صار إنساناً. وتبعاً لذلك فهو يجلس معه كإله مع إله، وكرب مع رب، وكابن مع أبيه بالحق، ويوجد هكذا بالطبع على الرغم من أنه يدرك وهو مع جسد.
16- وربما لن يكون عسيراً - بواسطة مباحثات طويلة - أن نشير إلى عمق جهلهم، ولكن دحض مثل أفكارهم الباطلة هذه بمجادلات أكثر ربما يكون على نفس المستوى من الحماقة مع أولئك الذين يثرثرون بتلك التفاهات. إني أظن أنه ضروري بدون أدنى شك، بالإضافة إلى ما قد قيل، أن نهاجم الوسيلة بها يظنون أنهم يستطيعون أن يرعبوا جماعة الرب كما هو مكتوب " ليرموا في الدجى مستقيمي القلوب" (مز10)11) : 2)، أي أولئك الذين قد اختاروا أن يمضوا حياتهم ببساطة القصد والذين قد قبلوا نفوسهم تقليد الإيمان كيقين أكيد ويحفظونه مقدساً وغير مُحرّف.
أولئك الذين هم ماهرون في الخداع، بواسطة ابتداعات أفكارهم المعقدة، يجرفون معهم قليلي المعرفة كفريسة مبعدين إياهم عن الإيمان بالحق، وبواسطة تمثلهم بخبث بقية الهراطقة يقدمون بجهل ما اعتاد عليه الهراطقة دون أي اعتبار للمكتوب: "ويل للذين يسقون صاحبهم ويسكرونه مدمرين إياه" (حبقوق2 : 15س).
17- أولئك الذين يدافعون عن كفر آريوس، يقولون إن كلمة الله الوحيد الجنس هو من جوهر مختلف. وهم يضعونه في مرتبة تالية لذلك الذي ولده، ويزعمون بجسارة أنه مخلوق ومولود، ويخصون مع الخليقة ذلك الذي "به كل الأشياء" (رو11 : 36)، والذي "فيه خُلِقَ الكل" (كو1 : 16). ثم، إذ يتطفلون على سر تدبير الابن الوحيد الجنس بالجسد، فإنهم بأعظم شر يفسدون قوة الحق ويضعون أنفسهم تحت الاتهامات ببدعة أبوليناريوس، لأنهم يؤكدون بشدة أن كلمة الله أخذ جسداً، ولكنه ليس له نفس عاقلة تحييه. فهم بالحري يقولون إنه كان بدلاً من العقل والنفس في الجسد. ولكن كما قلت فإنهم بفعلهم هذا يقعون في أعظم جرم وهم يسلبون جسده النفس العاقلة الساكنة فيه، لكي لا يعتقدون أن الأقوال الخاصة ببشرية الرب كانت بحسب التدبير، وبحسب القياس الخاص بالإنسانية إذ أنه صار إنساناً.
لذلك فهم ينزلون به ويقولون إنه جوهرياً، يُحسب بين أولئك الذين هم أقل من الآب ويجمعون حججاً ليسندوا افتراءهم ضده، من الكتب المقدسة.
18- ولكن ها الآن، حتى الذين يقلدون جهلهم، يثورون بشدة ضد أولئك الذين لا يوافقوا على ثرثرات نسطوريوس الفارغة، ويحاصرون الإيمان الحقيقي الذي بلا لوم بعد أن يجمعوا معاً نفاية أفكارهم التي لا معنى لها. لأنهم يقولون إن بولس الموحى إليه من الله يقول عن المسيح مخلصنا جميعاً إنه "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وُجِدَ في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. لذلك رفّعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم" (في2 : 6،9). وأيضاً في موضع آخر يقول: "إن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5 : 19)، وأيضاً: "الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً " (كو2 : 9).
ويكفون أنفسهم مع أقوال بطرس الذي قال مرة: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس الذي جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه" (أع10 : 38)، وأيضاً (مع أقوال بولس)، "الله الآن يأمر الناس في كل مكان أن يتوبوا متغاضياً عن أزمنة الجهل، لأنه أقام يوماً فيه مزمع أن يدين المسكونة بالعدل برجل فيه عينه مقدماً للجميع إيماناً من الأموات"(أع17 : 30،31).
19- وباقتباسهم هذه الكلمات وتلك التي قيلت بطريقة أخرى بحسب بشريته، وبصياغتهم لمجادلات حادة من أفكارهم البائسة فإنهم يسألون على التو: لمن قد أعطى الله الآب الاسم الذي فوق كل اسم؟ هل لكلمته الذاتي؟ ويقولون، كيف لا يكون ذلك ببساطة أمراً لا يصدق، لأنه كان دائماً الإله، المولود منه بحسب الطبيعة. فهذا الاسم يجب أن يعتبر بحق الاسم الذي فوق كل اسم. لأنه ما هو الاسم الذي بطبيعته يفوق اسم الله. ومن هو الذي مسحه بالروح القدس، أو من هو الذي كان الله معه؟ وإذ يقدمون موضوعات أخرى إلى جانب ذلك، فإنهم يخلطون الأمور خلطاً شديداً ويملأون أذهان البسطاء اضطراباً.
20- ولأنهم يصنعون تمايزات من جميع النواحي، إذ أنهم "نفسانيون لا روح لهم" (يهوذا : 19)، ولأنهم يقسمون المسيح والابن والرب الواحد إلى ابنين، فسوف يقعون في الشرك بسبب محاولاتهم الخاصة لأنهم يتظاهرون بالاعتراف بمسيح وابن واحد ويقولون إن شخصه واحد، ولكنهم يعودون فيقسمونه إلى أقنومين منفصلين ومفترقين أحدهما عن الآخر، فيمحون تعليم السر كلية. وهم في الواقع يقولون إن الذي ولد من امرأة أي صورة العبد، نال الاسم الذي فوق كل اسم، على حدة وبمفرده، وخضع لمسحة الروح القدس وحصل على الدوام على وجود الله معه، أي الكلمة الذي من الله الآب. ولكنه ظاهر أنهم يقذفون بقوة بمجادلات تفوح منها رائحة الحماقة الكريهة إلى أقصى حد. "ولكونهم أشرار" فلن يستطيعوا "أن يتكلموا بالصالحات "، بحسب قول المخلص (أنظر متى12 : 34).
21- فالذي له ميلاد غير المنظور وغير المُدرك من الله الآب، يُعترف أنه كان ولا يزال على الدوام إلهاً ورباً. فبسبب أنه ولد من امرأة بحسب الجسد بطريقة عجيبة وتفوق التعبير، بحلول الروح القدس عليها وتظليل قوة الله لها (أنظر لوقا1 : 35)، وبسبب أنه احتمل ميلاداً مثل ميلادنا لأننا هكذا نقرر أنه "أخلى نفسه ووضع نفسه وصار مطيعاً حتى الموت والصليب" (أنظر في2 : 6،9)، وبهذه الطريقة يُقَرر بحق أنه "نال الاسم الذي فوق كل اسم، لكي تجثو كل ركبة ممن في السماء وعلى الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن الرب يسوع المسيح هو في مجد الله الآب" (أنظر في2 : 9،11).
22- لأن الطبيعة العاقلة لا تجهل الكلمة الذي صار إنساناً هو الله. لأنه إن كان قد" أخذ الذي لنا"، واشترك مثلنا في الدم واللحم (أنظر عب2 : 14)، فهو مع ذلك لم يتخل عن أن يكون إلهاً ولا جعله يطرح جانباً أن يكون ما كان عليه، لأنه ظل معبوداً في مجد الله الآب. لأن المجد الذي له (أي لله الآب) هو أن يكون له ابنه الذاتي مالكاً معه ومعبوداً معه حتى رغم أنه قد صار إنساناً حسب التدبير لكيما يخلص كل من هم تحت السماء.
23- لذلك فحينما أومن به من قبل الملائكة القديسين ومن قبلنا نحن الذين على الأرض، أنه هو الله بالطبيعة والحق حتى وهو في الجسد، حينئذ فهو يُعرف أنه أخذ الاسم الذي هو فوق كل اسم. ليس أنه اكتسب هذا الأمر بواسطة الازدياد، لأن الذي كان وهو كائن وسيكون على الدوام، كيف أن يأخذ كواحد ليس له، بل بالحري فإن الله الآب أنار عقول الجميع ولم يسمح أن يبقى غير معروف كون الكلمة المتجسد هو الله بالطبيعة لأنه يقول: "لا يقدر أحد أن يأتي إلىّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني " (يو6 : 44).
24- وهذه المَسحَة أيضاً صارت له بحسب ناسوته. وكما أنه من البديهي أن الآب قدوس هكذا الابن الوحيد المولود منه، فهو قدوس بالطبيعة. لذلك يقال إنه مُسِحَ مثلنا أي تَقدّس من الآب حسبما اتضح أنه إنسان. لذلك يقال فإن بولس الحكيم جداً يكتب عنه وعنا أيضاً : "لأن المُقّدِس والمُقدسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: "أخبر باسمك إخوتي" (عب2 : 11،12).
لذلك فلأن الوحيد الجنس - الذي هو قدوس بالطبيعة وهو مقِدّس الخليقة حمل لقب "الأخ" لنا، لذلك يقال إنه مُسِحَ إنسانياً كواحد منا، غير محتقر القياس الخاص واللائق ببشريته، بسبب التدبير لأنه هكذا يتحدث إلى المعمدان الموحى إليه من الله قائلاً: "يليق بنا أن نكمل كل بر" (مت3 : 15).
25- ولكن إن كان يقال إن الله يمكن إن يكون معه، فكيف جهل أولئك السفسطائيون المتشددون أن الآب، هو دائماً بالطبيعة مع الابن وهو فيه وحاصلاً عليه في ذاته. أو لم يتذكروا قول المسيح: "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأي الآب" (يو14 : 9)، و" أنا والآب واحد" (يو10 : 3)، و"ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيّ" (يو14 : 10). ولكنه كلّم تلاميذه القديسين في موضع آخر قائلاً: "هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي. أنا لست وحدي لأن الآب معي" (يو16 : 32). وليس كما يظن - أولئك الذين بحماقة امتلئوا بتقيات آخرين - أن الكلمة وهو الله كان مثلما يكون ابن مع ابن آخر مغاير، أي الإنسان الذي أُخذ (هذا قطع وتقسيم يؤدي إلى وجود ابنين اثنين)، ولكن الله الآب كان مع ابنه أي مع كلمة الله المتجسد والمتأنس، لأن الآب غير منفصل عن الابن.
26- وحتى إن كان الله "مزمعاً أن يدين المسكونة برجل قد عينه فلا ينبغي أن يظن أحد - وهو يفكر تفكيراً سليماً - أن الكتاب المقدس يقول إن الابن الوحيد الجنس كما لو كان في إنسان معتبراً على حدة غير الابن الذي ولد من امرأة - سوف يدين كل من تحت السماء. ولكننا تقرر بالحري بجرأة، أن هذا بالضرورة هو الأمر المقدس الذي يلزم التفكير فيه، وهو نفس الأمر الذي يقوله المسيح: "لأن الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة الابن، لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب" (يو5 : 22،23).
لأن الله الكلمة بعد أن تأنس وحُسب بين الناس وسمي إنساناً معنا، إلا أنه مع ذلك فسوف يكون دياناً وإذ هو الرب والابن الوحيد (أنظر 1كو8 : 6)، حيث إن الله الآب يكون فيه حينئذ (أنظر يو14 : 11). وكما قلت، فإنه له الآب فيه وهو في الآب. وكما يوجد إله واحد يسوع المسيح الذي به كل الأشياء.
27- ومع ذلك، فهم يحرّفون حتى ما قيل بصواب بولس المبارك، ويجعلونه أمراً قبيحاً، لأنه قال بصواب تام: "كان الله في المسيح مصالحاً العالم لنفسه" (2كو5 : 19)، ولكنهم يصنعون قطعاً غائراً في المسيح والابن الواحد فاصلين إياه تماماً عن الله الكلمة ويزعمون أنه موجود في مسيح مختلف معتبراً على حدة، لكي ما يعتبر أنه حاصل على حلول لأي إنسان بدلاً من أن يكون قد تجسد. ولكن أيها الناس الحكماء، فإن الكتاب المقدس لا يوافق على أن يكون هذه الأمور صحيح. لقد خلطتم القراءة مع معاني الأفكار بأن قبلتموها إلى ما هو غير مناسب. إلا أنه من الضروري من جهتنا أن "نستأثر كل فكر إلى طاعة المسيح" (2كو10 : 5) كما هو مكتوب. لأن الله كان بنفسه مصالحاً العالم في المسيح. فحينما نصطلح مع المسيح فإننا نصنع المصالحة مع الله الآب، حيث أن الكلمة المولود منه ليس مختلفاً عنه من جهة ذاتية الجوهر. وهو لا ينقص نفسه حتى وإن صار إنساناً طالما أنه هو الابن الواحد بالطبيعة. وقد كان هو هكذا حتى بعد أن تجسد، فمن يستطيع أن ينكر لنا مصالحة في المسيح وأنه "هو سلامنا" (أفسس2 : 14). لأنه" هو الباب" (يو10 : 7)، "وهو الطريق " (يو2 : 14)، "وفيه يحل ملء اللاهوت جسدياً" (كو2 : 9).
28- ولكن من هو شديد في الرأي وحاذق في الافتراء، ويمد أذنيه إلى أعلا، ويقول: إن يُقال إن الذي يحل هو واحد، وبالمثل فإن الذي يتم فيه الحلول هو آخر، فكيف لا يكون من اللازم أن نفصل الأقنومين ونقول أن كلً منهما قائم بذاته على حدة. ثم أخبرني بعد ذلك كيف يبقى هناك شخص؟ لأنهم إن كانوا يتظاهرون بالقول بشخص واحد للمسيح، بينما أن هناك أقنومين منفصلين ومتميزين، فبالضرورة هناك شخصان أيضاً. ولكنهم يأتون كأنهم مشّرعون ويؤكدون بكل الوسائل وبكل طريقة ما يبدو لهم أنه صحيح. لأنهم يقولون: نحن نوحّد الشخص في الوقت الذي فيه يفصلون الأقنومين.
29- ولكن كيف لا يكون هذا غير معقول، وغباوة ومحيراً؟ وكما قلت، فإن الإنسان سوف يدرك بالنظر العقلي أن الجسد هو من جوهر آخر غير الكلمة المتحد به. ولكن حيث إن الكتب الإلهية الموحي بها تقول إن هناك ابناً ومسيحاً ورباً واحداً، وتقليد الإيمان يقول هذا أيضاً، وليس شيئاً آخر، فنحن بتأكيد على الإتحاد غير المنفصل الذي لكلمة الله الآب مع الجسد المحيي بنفس عاقلة، فإننا نعترف بوجود مسيح وأبن واحد. وحيث إن هناك ابناً واحداً، فنحن نقول إن شخصه واحد، تابعين في ذلك من جميع النواحي، الكرازة الإلهية المقدسة وتابعين أولئك الذين كانوا منذ البدء شهود عيان وخداماً للكلمة.
ولكننا نرفض من الشركة معنا[145] أولئك الذين قد اعتادوا أن يفكروا شيئاً مختلفاً عن هذا، وقد انحرفوا إلى ما لا ينبغي أن يكونوه باختراع قياسات غير ملائمة، قائلين لهم: "اسلكوا بنور ناركم وبالشرار الذي أوقدتموه" (إش50 : 11).
30- ولكن حيث إنني علمت أن بعضاً من هؤلاء الناس الأغبياء يتجولون قائلين إن تعليم نسطوريوس المنحرف قد انتشر بين كل الأساقفة المتقين لله في الشرق وأنهم يعتبرونه تعليماً صحيحاً ومن الضروري إتباعه، لذلك فكرت أنه ينبغي إيضاح الآتي،[146] وهو أن الأساقفة المتقين لله جداً في كل الشرق مع سيدي يوحنا، أسقف كنيسة أنطاكية المتقي لله جداً، جعلوا الأمر واضحاً للجميع من خلال اعتراف مكتوب وواضح أنهم يدينون :الابتداعات الدنسة" (1تيمو6 : 20) التي لنسطوريوس ويحرمونها معنا ولم يفكروا أبداً أنها جديرة بأي إعتبار، بل يتبعون التعاليم الإنجيلية والرسولية ولا يسيئون بأي طريقة إلى اعتراف الآباء.
31- لأنهم أيضاً اعترفوا معنا أن العذراء القديسة هي والدة الإله، ولم يضيفوا أنها والدة المسيح أو والدة إنسان، كما يقول أولئك الذين يدافعون عن أراء نسطوريوس التعيسة والكريهة. أما (الأولون) فيقولون بكل وضوح أنه يوجد مسيح وابن ورب واحد، الله الكلمة المولود بطريقة تفوق الإدراك من الله الآب قبل كل الدهور، وأنه وُلِدَ في الأزمنة الأخيرة من امرأة بحسب الجسد.
وهكذا فهو إله وفي نفس الوقت إنسان(إله وإنسان معاً)، كامل في الألوهية وكامل في الإنسانية، ويؤمنون أن شخصه واحد، غير مقسّمينه بأية طريقة إلى ابنين، أو مسيحين، أو ربين. لذلك فإن كان بعض شيء مختلف عن هذه الحقائق، فلا ينبغي تصديقهم، بل ينبغي طرحهم بعيداً كخادعين وأفاكين، لينحدروا إلى أبيهم الشيطان، فلا يزعجون أولئك الذين يرغبون أن يسلكوا باستقامة.
فإن زور بعض الناس خطابات لخدمة أغراضهم الخاصة، وأذاعوها كما لو بواسطة أشخاص أكثر منهم شهرة، فينبغي عدم تصديقهم لأنه كيف لأولئك الذين اعترفوا بالإيمان كتابة أن يكتبوا شيئاً مغايراً، كما لو كان قد حملهم الندم إلى حالة لا يرغبون فيها أن يفكروا حسب الحق.
32- سلم على الإخوة الذين معك. الإخوة الذين معنا يحيونك في الرب. وأصلي أن تكون قوياً في الرب.
وهذه الرسالة أيضاً، تأخذ نفس المنحى ولكن عكسياً. فبعد أن شرح الإيمان للأسقف فاليريان، تطرق إلى موضوع أساقفة الشرق وقال أننا وإياهم نؤمن نفس الإيمان. وطلب إلى فاليريان أن يقطع من الشركة من يقول غير هذا.
طبعاً يوجد هناك رسائل كثيرة للقديس كيرلس توضح ما نقوله، بأنه راح يُدافع عن نص المصالحة ويتبنى عباراته، ولكننا لسنا بصدد دراسة لاهوت القديس كيرلس. وإنما وضعنا هذه الرسائل لأن من يُلفق ويقول أن الصلح كان بغرض السلام فقط، قد استشهد بها. ولذلك أحببنا أن نتبين عدم صدق هذه الأقوال.
------------
الحواشي
-----------
[145] هنا نرى تأكيد القديس كيرلس على أنه لا يُساوم على الإيمان. وينفي كل ادعاء بأنه قد يصالح على حساب الإيمان القويم
[146] الآن سيبدأ بالدفاع عن نص المصالحة بينه وبين أساقفة الشرق، أي الأنطاكيين.
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج7
استعمال كيرلس الإسكندري للألفاظ اللاهوتية:[147]
كل علم بحاجة إلى مصطلحات ينحتها له أربابه شيئاً فشيئاً. للعهد القديم مصطلحاته الدينية في العبرية والآرامية. أما العهد الجديد فقد كتبه شرقيون لغتهم الآرامية أو اليونانية التوراتية. كتبوه باللغة اليونانية. ومنذ فتوحات الإسكندر الكبير غزت اللغة اليونانية شيئاً فشيئاً العالم القديم حتى أضحت لغة المثقفين جميعاً[148]. آباء الكنيسة الغربية كتبوا باليونانية حتى أواسط القرن الثالث ومن تلاهم في القرن الرابع تتلمذ على الآباء الناطقين باليونانية (اليونانية هي لغة لا عرق. فمنهم السوري والمصري والكبادوكي والروماني و....).
ففيها تجلّى تقليد الكنيسة اللاهوتي. وعنها نُقِلَ. افرام السوري أسس معهداً لترجمة الكتب اليونانية إلى السريانية فكان أبا نهضتها الأدبية والثقافي والعلمية. واستفاد العرب والفرس من هذا التراث، فكانت السريانية لغة تدريس العلوم في نيبسابور وجنديسابور. ولذا لا نستغرب تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطوي اليوناني لأن واضعيه من الفرس نالوا ثقافة متأثرة باليونانية.
ففي هذا المحيط الثقافي اليوناني الواسع كان لا بد من أن يجري مضمون الوحي المسيح في لغة يونانية سليمة لينحت له المفسِّرون فيما بعد مصطلحات تقرّبه من الأذهان والأفهام.
الديانة المسيحية هي ديانة المصلوب. وهي قولً وفعلاً، صليب عام في جميع الحقول. كانت اليهودية نضالاً طويل النفس ضد الشرك أي تعدد الآلهة، فانتهت إلى توحيد شديد صلب.
فقالت بإله واحد أحد منزه تنزيهاً مطلقاً عن المادة. جاءت المسيحية تقول: ثالوث=إله واحد، أو بالأحرى إله واحد في ثالوث، 3=1 و1=3. هذا صليب للعقل.
وقالت أن ابن الله تجسد وصار إنساناً وصلب، فصلبت العقل اليهودي الرافض لمثل هذا الاعتقاد.
وجاءت بمفاهيم روحية وأخلاقية تقتلع الإنسان من الأرض ليعيش في السماء، أو ليعيش في عالم موبوء بالأهواء والمطامع والشهوات والأغراض والخبائث والأحقاد، كما يعيش الملائكة في السماء.
وهذا صليب أخلاقي كبير وقع تحته الجميع. لأن الامتلاء من الله حده قادر على رفعنا إلى هذه السوية العالية.
هل من المعقول أن أطير إلى العلاء وأنا من الزحّافات لا من الطيور؟ ومع هذا ينحني للصليب مئات الملايين من البشر اليوم المقيمين في بلاد العلم لا في بلاد التخلّف والجهل كمجاهل أفريقيا.
كان على الأدباء المسيحيين أن يوضحوا لنا مسألة: "إله واحد في ثلاثة أقانيم موجودين حقيقة في الواقع لا في الرؤية النظرية الصرفة". فالثالوث القدوس هو الله. وعندما نذكر الله نعني "الآب والابن والروح القدس" كما قال الآباء القديسون (غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 45: 4 وسواه).
اللغة اليونانية لغة عقل وتجريدات عقلية. الفلسفة اليونانية فلسفة "ماهيات"، و"مقولات". لم يكن فيها مكان لمضمون الوحي المسيحي. ولا يمكن إدخاله في "مقولات" أرسطو.
ولذا قال نيقولا بردياييف الفيلسوف الأرثوذكسي الوجودي-الشخصاني بحق: "لم يستطيع الوحي المسيحي أبداً أن يعبر عن نفسه فيما يخص الشخص، في مقولات catégories الفلسفة اليونانية"[149]. من هنا كانت فوضى ألفاظ غرباً وشرقاً، وكانت المشاحنات العديدة.
لا يحتمل القارئ العربي من أوّل محاولة، ترجمة الشواهد اللغوية اليونانية من فلسفية وآبائية[150]، ومقابلاتها اللاتينية. ومع هذا استطاع آباء الكنيسة أن يشقوا طريقهم المحفوف بالأخطار، فانحصر الخلاف في عدد من الألفاظ هي: جوهر، ماهية ousia؛ أقنوم (hypostasis)؛ طبيعة physis شخص prosopon والمشكلة الكبرى هي أن الألفاظ الثلاثة الأولى ذات معانٍ متعددة وبينها أحياناً ترادف[151] وقد يختلف استعمال اللفظة الواحدة بين المذاهب الفلسفية نفسها كـ ousia مثلاً.
ولكن الاشتقاق اللغوي يسمح بتطوير كل منها على حدة ousia تشتق من فعل "كان" ousia من فعل "ولد"، "نما". (hypostasis) مؤلفة من لفظتين: hypo "تحت" و stasis وَضْعٌ، موقف، حالة... من معانيها "الوضع تحت، تسيد، ما يوضح تحت، ما هو في العمق، أساس، قاعدة، ثقل، راسب جمعها رواسب،..." ووردت لدى أرسطو بمعنى دعامة (أي ركن، سناد، تكأة)[152].
ووردت لدى أرسطو المنحول وسواه. بمعنى جوهر، ماهية، ذات الشيء (أي حقيقته لا خياله). ووردت في هذا المعنى الأخير في الترجمة السبعينية (المزمور 38: 6 يوناني 39: 5 في الترجمات) وفي الرسالة إلى العبرانيين (1: 3).
ووردت لدى الأقدمين، وفي راعوث 1: 12 وحزقيال 19: 5 والمزمور 38: 8 (يوناني= 39: 7 ترجمات) وكورنثوس الثانية 9: 4 و11: 17 وعبرانيين 3: 14 و11: 1 بمعنى "الضمانة، الكفالة...".
وهي تشتق من الفعل hyphistimi الذي يحوي المعاني الواردة في الفقرة الأولى وسواها. ومن معانيه الموسعة "وجد، كان، قام، قواماً"[153]. ويرد فلسفياً في عبارة "يعادل الله في الكرامة"، فيكون معناه "يعادل"[154].
فلفظة "أقنوم" تقبل إذاً التطوير نحو معانٍ لاهوتية ننحتها لها كمعنى الوجود الشخصي الحقيقي. فيكون "الأقنوم" هو الموجود في الحقيقة والواقع الذي يملك الجوهر أو الطبيعة كقضية له، يملكه كسيّد غير منازع، كسيد مستقل.
هو الموجود existant. والجوهر الحقيقي موجود فيه. ولا وجود للجوهر خارجاً عنه.
الأقنوم كل غير قابل للتجزئة أو الانتقال أو الاستحالة.
ولكن ليس الأقنوم فرداً. مفهوم الفرد مرتبط بالانفراد. أفراد الجنس البشري متعددون. وكل منهم منفرد عن الآخر. كل منهم كائن.
في الثالوث القدوس الجوهر واحد. والكائن واحد. مفهوم الشخص يقبل أن يكون الله كائناً واحداً. مفهوم الفرد لا يقبل هذا. الجوهر الإلهي هو الوجود الكلي الكمال للثالوث القدوس في وحدته.
في الوقت نفسه الأقانيم الثلاثة وجوهرهم الواحد هم كائن إلهي واحد.
الأقنوم هو فقط المالك للوجود ومبدأه وغايته. المحتوى الحقيقي لوجوده هو الجوهر الحي. فلا يمكننا أن نتكلم عن شخص إن لم يكن يملك محتوى.
وكل من الأقانيم يملك تمام الجوهر الإلهي. فلا يتجزّأ الجوهر بينهم. وبفضل وحدة الجوهر كل أقنوم يسكن في الأقنومين الآخرين بدون امتزاج أو ذوبان[155].
لفظة طبيعة physis اشتقاقها اللغوي يسمح بتطويرها نحو الدلالة على معانٍ تشير إلى الخصائص والأفعال. ولذا ربط أرسطو الفعل بالطبيعة فجعل الطبيعة مبدأ الفعل (الفيزياء 2: 9 و10).
واستنتج آباء الكنيسة من وحدة الفعل ألوهة الابن والروح القدس ووحدة جوهر الثالوث.
قالوا إن الابن والروح القدس يفعلان كل ما يفعله الآب، وأنهما يملكان جوهره لأن وحدة الفعل تعني وحدة الجوهر.
وكان الآباء الكبادوكيون من أساطين هذا التفسير فبالغوا في استعمال لفظة "طبيعة" physis بدلاً من لفظة "جوهر" للثالوث القدوس فركزوا بذلك على أن وحدة الطبيعة بين الآب من جهة والابن والروح القدس من جهة ثانية دليل على التساوي في الألوهة.
وفي لغة أرسطو نفسها، الفعل الواحد دليل على الطبيعة الواحدة[156].
ولذلك في لاهوتنا الخلقيدوني الآبائي لا نستطيع أن نتصور وجود طبيعة بدون فعل. وهكذا يستحيل علينا أن نقول بفعل واحد في المسيح. فلاهوتنا القائل بالطبيعة مضطر للقول بالفعلين وإلا خرح على آباء الكنيسة الذين استشهدت بهم في الحاشية السابقة.
علاوة على الحلول الواردة أعلاه للألفاظ اللاهوتية، تولّى الكبادوكيون الثلاثة شرح عقيدة الثالوث القدوس. ففي فوضى الألفاظ كان لا بدّ من نحت المعاني الجديدة. في شجرة فوفيريوس Prophyrios وشرحها لتلميذه امونيوس ذكر لمفهوم الـ "فرد".
إلا أنهما يبقيان في النهاية في عالم المجرد والسطحيات دون التوصل إلى المفهوم الشخصاني المسيحي أبداً. استعمل باسيليوس الكبير عبارات تحاكي عباراتهما من بعض النواحي. إلا أن الفرق كبير جداً.
باسيليوس فرَّق بين "جوهر" و"أقنوم". أعطى الإنسان كمثل: المشترك بين أفراد البشر هو الطبيعة البشرية. الخاص هو الأشخاص. المشترك هو "جوهر". الخاص هو "أقنوم". بطرس وبولس وسلوانس هم أشخاص. وطالب باسيليوس بنقل هذا التفريق إلى الثالوث القدوس.
الألوهة جوهرهم. هي ousia. الأقانيم هم الآب والابن والروح القدس.
خاصة الآب الأقنومية هي الأبوة.
خاصة الابن هي البنوة.
خاصة الروح القدس هي الانبثاق.
هذه هي الخاصات الأقنومية وليس من شيء آخر سواها يميز الأقانيم.
الباقي كله مشترك. كل ما هو للآب هو للابن ما عدا أبوة الأب وبثَّته الروح القدس.
كل ما هو للروح القدس هو للآب ما عدا انبثاقه من الآب[157].
أكرر: كل شيء مشترك ما عدا الأبوة والولادة والانبثاق[158].
طبعاً لم يقفوا عند هذا الحد (أي الكبادوكيون). فلهم في الأقانيم أبحاث أطول من هذه. حدّدوا بموجبها لنا ما يمتاز به الأقنوم من عقل وعفوية واستقلال وحرية.
ساروا بالتاريخ نحو مفهوم شخصي لله فدحرجوا أفلاطون وأرسطو وكل الفلسفة اليونانية إلى أن نبشهم الغرب فعاد إلى فلاسفة الوثنية. ولم يستفق إلا متأخراً، ولكن نصف استفاقة.
غزا تفسير باسيليوس وصحبه العالم المسيحي، فصارت لفظة "أقنوم" تعني القوام الشخصي لكل من أشخاص الثالوث الذي يحوي الجوهر.
الجوهر قائم في الأقانيم. ولا وجود له خارجهم.
الأقنوم هو الموجود في الحقيقة والواقع. الجوهر هو الكائن être.
الأقنوم يحوي الجوهر. هو الحاوي والجوهر هو المحتوى. الجوهر موجود في الأقنوم. الألوهة موجودة في الأقنوم.
فكرة الاقتناء هذه فكرة مركزية في فكر الآباء. يركزون بقوة على الأقنوم كمقتنٍ وعلى الجوهر كمقتنى.
الأقنوم لا يتجزأ ولا يقبل التأليف مع أقنوم آخر. ولا ينتقل إلى الغير، إذ أنه هو الحاوي الجوهر كلياً، الذي يوحد كل ما هو فيه. وهو مستقل تمام الاستقلال عن كل أقنوم آخر. وهو تمسك تحت سلطانه كل ما هو فيه.
قلنا الأقنوم يقتني. هو يسود. أما الطبيعة فتفعل.
الأقنوم هو كل حقيقي Concret يحوي جميع ما فيه[159].
آباء الكنيسة الكاتبين باللغة اليونانية ركزوا على مفهوم الاقتناء كما ذكرنا. ويرى de Régnon أنهم استعملوا لغة حقوقية. فهم بأغلبهم حقوقيون كبار.
ومن جهة أخرى فلاهوتهم هنا يختلف عن اللاهوت الغربي كما لاحظ دي ينون المذكور. هم يذهبون من الجوهر إلى الأقنوم بينما لاهوتنا الشرقي يضع النبرة على الأقنوم الذي يقتني الجوهر[160].
فلسفياً اللاهوت الأرثوذكسي لاهوت وجودي شخصاني. بالنسبة إلى الله (الموجود سرمدياً) لا تطرح مسألة الوجود والماهية لأنه الموجود سرمداً، الحاوي جوهره سرمداً.
ولكن النبرة موضوعة بقوة على الأقنوم.
وغني عن البيان أن التفريق بين الأقانيم مستحيل إلا في مجال الفكر الصرف. فالآباء قالوا إن الألوهة برمتها في كل من الأقانيم.
هذا المفهوم الشخصاني أعطى اللاهوت الأرثوذكسي حيوية خاصة جداً وأخرج علم اللاهوت من متاهات الفلسفة النظرية والمثالية إلى الواقعية الشخصانية.
وهذا ما فات ديكارت وكل مفكري الغرب حتى أيامنا هذه. فلما بدأت ميرالوت بورودين ولوسكي ومن شاكلهما يصدرون في الغرب المقالات والكتب أصيب البحاثون الغربيون بصدمة أعادتهم إلى الرشد وساقتهم إلى الفهم الأصيل للاهوت الآبائي اليوناني.
كيرللس الإسكندري -كما أسلفنا- سار على خطى أثناسيوس والكبادوكيين في سر الثالوث القدوس. فهو من هذه الناحية تلميذهم الأمين[161] حتى جاء مكسيموس المعترف مشغوفاً بهم جميعاً ومنادياً بغريغوريوس اللاهوتي "المعلم".
إلا أن كيرللس لم يفعل كما فعل غريغوريوس اللاهوتي. هذا -كما مر معنا- طبق طريقته في الكلام عن الثالوث على طريقته في الكلام عن التجسد.
كيرللس اصطدم بعبارة أبولينارية مدسوسة تحت ستار مؤلف منسوب إلى أثناسيوس الكبير[162]، وهي:
"طبيعة واحدة متجسدة للإله الكلمة"
وقد وردت في أشكال أخرى كما سيجيء.
العبارة تقبل التفسير الخلقيدوني كما فعل كثيرون كالمجمع الخامس والأمبراطور جوستنيانوس وسواهما. فلفظة "متجسدة" هنا هي في اللغة اليونانية مرتبطة بلفظة طبيعة واحدة لا بلفظة "كلمة" أي أن كلمة الله هو ذو طبيعة متجسدة واحدة. له طبيعة واحدة متجسدة. فهناك الطبيعة وهناك التجسد. فما هو الواحد ما دمنا أمام الألوهة وجسد؟ الوحدة هي وحدة الشخص.
خصوم كيرللس اتهموه باستعمال عبارات أبولينارية. في زمن المجمع الأفسسي أي الثالث المسكوني (431) كان معروفاً أن أريوس وأبوليناريوس استعملا عبارة "طبيعة واحدة" ليسوع mia physis[163]. والنقاد جميعاً مجمعون على أن العبارة هي لأبوليناريوس. ومع ذلك فعبقرية كيرللس اللاهوتية وأرثوذكسيته فهمت الموضوع فهماً أرثوذكسياً سليماً.
وله الفضل الأكبر في حماية اللاهوت الأرثوذكسي مهما كان رأي النقاد في فرعونيته. فلولا الله وتعصبه (لدرجة الذعر) لوحدة شخص يسوع، لما كانت خلقيدونية ولا المجمع الخامس. ولطغت عقلانية بعض الأنطاكيين وسادت النسطورية. فلا غرابة أن تكون شخصيته قد سيطرت على القرنين الخامس والسادس.
هذا التشوش فصله المجمع الرابع المسكوني كما أسلفنا، مؤكداً بشدة على وحدة شخص يسوع.
ما هي أهم الالتباسات في ألفاظ كيرللس؟
أولاً:
إنه يسمي جوهري المسيح "طبيعتين" مستعملاً لفظة "طبيعة" في معنى "جوهر". فهو يقر إذاً بأن في المسيح جوهرين:
"إن (كلمة الله) موجود في الصورة morphè والطبيعة physis التي تخصنا، ويقود إلى أنظار الله الآب، طبيعة physis الإنسان"[164]. اللفظة الأولى "الصورة" وردت في فيليبي 2: 2-9 لطبيعتي الله والإنسان. ما من شك هنا أن "طبيعة" تعني "جوهر". ونرى أن كيرللس سمّى ناسوت يسوع "طبيعة".
"إنه ارتدى الطبيعة physis الخاضعة للموت"[165].
في النص التالي يسمي كلا من طبيعتي المسيح physis: "الابن الوحيد لله لم يقاسِ في طبيعته الخاصة كإله آلام الجسد، بل كابدها بطبيعته الأرضية"[166]. النص واضح: هناك طبيعة إلهية وطبيعة أرضية.
"إن الطبيعتين اللتين اقتربتا لتؤلفا وحدة حقيقية هما في الحقيقة مختلفتان، ولكن ينتج منهما ابن ومسيح واحد، لا أن اختلاف الطبيعيتين قد تلاشى نتيجة الاتحاد"[167].
فما هو لاهوت كيرللس إذاً؟ كيرللس إنسان ثارت ثائرته ضد النسطورية لا بسبب تمييز الطبيعتين في يسوع بعد اتحادهما في التجسد الإلهي بل بسبب تفريقهما إلى ذاتين. وآنذاك يضعف الاتحاد ويتلاشى. الخلاف هو على كيفية الاتحاد[168]. كيرللس بعد غريغوريوس اللاهوتي والذهبي الفم بطل الدفاع عن وحدة ابن الله: ابن واحد، رب واحد، مسيح واحد،....
الخلاصة: كيرللس أطلق على كلا طبيعتي يسوع لفظة physis بمعنى ousia.
ثانياً:
استعمل لفظتي طبيعة وأقنوم كمترادفين. وفعل ذلك في معنى يتميز عن لفظة "شخص". وبهذا تدلان على الطبيعة الحقيقية كشيء موجود، كواقع بغض النظر عن كيفية القيام والوجود.
ويطلق هنا كيرللس لفظة "أقنوم" على طبيعة المسيح البشرية.
وبذلك يؤكد أن الطبيعة البشرية التي اتخذها ابن الله هي طبيعة حقيقية physis هي واقع موجود فعلاً، لا تجريد أو مظاهر بدون قوام.
فإذاً، هو يستعمل لفظتي "أقنوم" و"طبيعة" بمعنى واحد ويطلقهما على الطبيعة البشرية أيضاً. بعد خلقيدونية هذا مستحيل عندنا، وإلا سقطنا في النسطورية بل في أردأ منها.
قال: ما ليس له أقنوم يعادل العدم وليس شيئاً على الإطلاق[169].
في دفاعه ضد ثيوذوريتوس أسقف قورش يطلق على الطبيعتين لفظتي "اقنومين" صراحةً. وفسّر لفظة أقنوم بمرادفها "حقيقة". فقال: "حقيقتان أي أقنومان"[170].
في رده على نسطوريوس استعمل عبارة "الاتحاد بحسب الأقنوم". هذه هي عبارة الأرثوذكسي اليوم. ولكن لدى كيرللس لا تعني ذلك. ففي رده على نسطوريوس تعني شيئاً آخر. الأمر يحتاج إلى بضع كلمات من الشرح الواضح.
كان نسطوريوس يقول أن في المسيح شخصين يرتبطان بروابط أدبية وجوار في شخص ثالث اسمه "شخص الاتحاد". فالوحدة إذاً سطحية بلا عمق. ونسطوريوس شوّه بذلك المعنى اللاهوتي الجديد للفظة "شخص" بعد اتفاق الشرق والغرب على ترادفها مع لفظة "أقنوم" في سر الثالوث.
بهذا يعود إلى معناها اللغوي العتيق: "وجه، قناع، دور مسرحي..." فإذاً: كيرللس أراد بالعبارة تركيزاً على اتحاد حقيقي واقعي متماسك ثابت كما شرحها هو نفسه:
"اتحاداً حقاً وواقعياً لأقنوم الكلمة مع البشرية، ولكن بدون أي تحوير أو ذوبان"، دون أن تعني العبارة "مزجاً" Krasis[171].
واستعمل في المعنى ذاته عبارة "الاتحاد الطبيعي أو بحسب الطبيعة"[172]. فإذاً: بحسب الأقنوم = بحسب الطبيعة = الاتحاد الطبيعي. وهكذا تكون "طبيعة" = "أقنوم". إنهما مترادفان.
ثالثاً:
وهناك ترادف ثالث لدى كيرللس. فهو يستعمل الألفاظ اللاهوتية "طبيعة" و"أقنوم" و"شخص" كمترادفات.
والمعنى لديه هنا هو: الفرد المستقل القائم بذاته.
قال: "الذي هو متحد بآخر بحسب الكرامة - مع بقاء الطبيعتين أو الأقنومين منفصلين -لا يعرف كيف يؤلف (مع الآخر) كائناً واحداً، هما اثنان حتماً"[173].
فإذاً -كما قلنا- همُّ كيرللس منحصر في "وحدة يسوع"، في اتحاد الطبيعتين فيه دون أن يكون هناك ربّان ومسيحان وابنان. استعمل طبيعة وأقنوم كمترادفين. عاب على خصومه القول في الاتحاد أنه يتم بحسب الكرامة أي سطحياً في النتيجة. وفيما يلي أدلة جديدة على صواب رأيه.
"فليقل لنا أولئك الذين يقسمون المسيح والابن الوحيد إلى ابنين، ويعلنون أن الإنسان التصق بالله بحسب مساواة الكرامة والسلطة فقط، مع بقاء الطبيعتين منفصلتين، (فليقل لنا أولئك) بموت من اعتمدوا؟"[174]
"إذا كان أحد يقسم العبارات المستعملة للمسيح في الأناجيل بين شخصين أو أقنومين..."[175].
"طبيعة physis الكلمة أو الأقنوم الذي هو الكلمة نفسه"[176].
"لهذا نجد في الأناجيل كافةً عباراتٍ عن "شخص" واحد: أقنوم واحد متجسد للكلمة"[177].
عبارة "أقنوم واحد متجسد للكلمة"[178] هذه معادلة تماماً للعبارة التي يتمسك بها اليعاقبة "طبيعة واحدة متجسدة للإله الكلمة"[179]. وهذا دليل قاطع على أن كيرللس ما كان يقيم في عقيدة التجسد (الخريستولوجيا) التفريق الذي اعتمده غريغوريوس اللاهوتي. فلفظتا "طبيعة" و"أقنوم" مترادفتان في أهم جملة تسلح بها خصوم خلقيدونية.
ولذا رأى فيها الأرثوذكس والكاثوليك دوماً بالاستناد إلى كل تفكير كيرلس تعبيراً صحيحاً عن الإيمان بوحدة يسوع وبأن كيرللس لم يكن يفرّق كل الأحيان بين لفظتي "طبيعة" و"أقنوم".
ولكن في صراعه مع الأنطاكيين استعمل في النهاية تعبيرهم كما نرى في رسالة المصالحة، فسمّى اللاهوت والناسوت "طبيعتين" بمعنى سليم تماماً.
وبالمقابل كان خصومه مثله في الاستعمال. فكان ثيوذريتوس يستعمل عبارة كيرللس: "طبيعتان أي أقنومان"[180].
بناء على كل هذا نتساءل لماذا كان كيرللس يُصاب بالذعر من عبارة خصومه "طبيعتان" dio physis؟
هو نفسه يميّز بين اللاهوت والناسوت ويؤمن بوجودهما تامين بعد الاتحاد في يسوع الواحد. الحل الوحيد هو أن كيرللس بحسّ أرثوذكسي سليم كان يشعر أن لاهوت خصومه بمجموعه هو لاهوت يُثنّي شخص يسوع ولا يعلن وحدته. فالعبرة في الكلام للمعنى لا للفظ. لاهوت خصومه ثنائي: أقنومان، طبيعتان، شخصان. والرابط بينهم شخص اتحاد واهٍ. لقد مسخوا مسخاً معنى لفظة "شخص" بعد أن دخلت الاستعمال السليم في سر الثالوث.
ومن جهة أخرى فإن كيرللس كان حذراً في استعمال لفظة "طبيعة". بلباقته كسلفه البعيد نسبياً أثناسيوس عرف كيف يفتح صدره لخصومه ويتعاطى معهم بفهم. فإن فاوض خصومه استعمل لفظة "physis" للناسوت. ولكن إن استعمل لغته الخاصة أضاف إلى لفظة physis مايفسّرها. أي أنه يطلقها على الناسوت ويضيف إليها ألفاظاً خاصة توضح المعنى الذي رمى إليه[181].
الخلاصة:
أصدر الأمبراطور مرسوماً بإتلاف كتب الأبوليناريين فأخفوا كتبهم تحت أسماء أثناسيوس الكبير والبابوين يوليوس وفيلكس وغريغوريوس العجائبي. يوحنا البيساني -في النصف الأول من القرن السادس- فضح الغشّ.
في مجمع 532 بين الأرثوذكسي ومحاوريهم الذين سموا فيما بعد باليعاقبة طعن أفرام الآمدي وسواه في أبولينارية مصادر الفريق الآخر، مما يطول شرحه هنا.
ذكرنا في النص أن المراجع الأرثوذكسية فسّرت عبارة كيرللس تفسيراً أرثوذكسياً (الأمبراطور يوستنيانوس، المجمع الخامس المسكوني، كتاب "في البدع" الدمشقي).
كيرللس استعمل العبارات اللاهوتية الرئيسية كمترادفات.
في رسالة المصالحة مع الأنطاكيين تفاهم الطرفان على القول بوجود طبيعتين في يسوع مع تشديد واسع على وحدة يسوع ونسبة الأفعال اللاهوتية إلى اللاهوت والناسوتية إلى الناسوت، ولكن ابن الله واحد لا اثننان. وبهذا أدرك كيرللس مرماه فأنقذ وحدة الشخص في يسوع.
---------------
الحواشي
--------------
[147] الشماس اسبيرو جبور، سر التدبير الإلهي، الفصل الثالث. وكل الحواشي التي ستأتي في هذا الاقتباس هي من المصدر.
[148] وفي سوريا الطبيعية صارت لغة أي إنسان ذي قسط من الثقافة في المنطقة الواقعة غربي الفرات كما مر معنا في القسم التاريخي.
[149] Nicolas Berdiaeff, Cinq Méditations sur l'Existence, p 180-181; Aubier, Paris; 1936 et Emmanuel Mounier, Le Personnalisme, p 10 et 13; P.U.F., Paris; 1949.
[150] في المعاجم اليونانية الكبرى وكتاب Prestige الذي ذكرناه آنفاً (ترجمته الفرنسية سقيه, الأفضل هو اللجوء إلى الأصل الانكليزي) و Lampe, Patristic Greek Lexicon ودوائر المعارف اللاهوتية الكبرى يعثر عاشق الله على ضالته من هذه الأبحاث بقدر لا بأس به. وبين المعاجم الكبرى المعجم اليوناني-الانكليزي... ...Lidell and واسع جداً و Bailly الكبير (الفرنسي) جيد (طبعة 1963 المنقحة).
[151] ديديموس الأعمى (مين اليوناني 39: 348، الدمشقي، مين 95: 589 و96: 1097 و348 وسواهم)
[152] ليديل، وبايي.
Catholicisme, t.l, 1150, Lidell; Bailly [153] Baur, A Greek-English Lexikon of the N.T. et Cath. loc. Citée.
[154] ليديل وبايي.
[155] سيرج فيرخوفسكوي عقد الفصل 6 من كتابه "الله والإنسان" حول "الجوهر". وفي صفحاته الأولى تحليل بارع للفظتي "كائن" و"فرد" والفرق بينهما وبين الأقنوم والجوهر. وهو آبائي كزميله مايندورف في التركيز على الأقنوم كمالك الجوهر على ما يمر معنا. والنبرة الشخصانية-الوجودية واضحة تماماً.
[156] أثناسيوس الكبير، مين 26: 585-588؛ باسيليوس، مين 29: 617 ونص ممتاز في الرسالة 189: 6؛ النيصصي 44: 1160 و45: 125؛ كيرللس الاسكندري 75: 137؛ مكسيموس المعترف في نقاشه مع بيروس ضرب فوراً على هذا الوتر. هو وصفرونيوس ويوحنا الدمشقيان ذهبا في هذا الباب إلى نهاية الشوط. انظر ايلاريوس بواتييه، في الثالوث 9: 47-48 فإنه من رأي الآباء. الدمشقي، دياليكتكا 40.
[157] باسيليوس الرسائل 38؛ 214 : 4؛ 236: 6 وخطب غريغوريوس 27 و28 و29 و30 و31 وو... لوسكي لا يذكر فوفيريوس بل يكتفي بأرسطو (49-51).
[158] نقتصب كثيراً. راجع لوسكي 43-64 لنظرة إجمالية.
[159] اكتفينا بهذا القدر وإلا طال بنا الشرح جداً.
آ- أثناسيوس، ضد الأريوسيين 3: 35 و36 في مين 25: 400، الرسالة 3 إلى سيرابيون 5 في مين 26: 633.
ب- كيرللس الأورشليمي 16: 24.
ج- باسيليوس، في الروح القدس 16: 38 و7: 41.
د- غريغوريوس اللاهوتي، الخطبة 31: 14 و15 و34: 8 و39: 11 والقصائد اللاهوتية 20: 3 في مين 37: 414.
هـ- حوارات على الثالوث 1: 2 في مين 28: 120 [أو 28: 3120، أو 28: 2120.. غير واضح الرقم (الشبكة)] (من القرن الخامس).
و- الدمشقي، الإيمان الأرثوذكسي 1: 8 في مين 808 و821 و284 و285 و828 و829 و849 والدياليكتيكا 40 و42.
ز- مايندورف 88 (النص والحاشية 69) ركز أكثر من لوسكي على فكرة غريغوريوس لجهة اقتناء الأقنوم للجوهر (لوسكي: اللاهوت الصوفي 53). ولكن أثناسيوس ركز قبلاً عليها في موضع البند آ أعلاه.
[160] دي رينون 1: 433.
[161] مين 76: 204 و1272.
[162] في مين 28: 256، 30.
[163] راجع في مرجع ذُكر آنفاً:
Richard, Léonce... et Léonce de J. p 79
[164] مين اليونانين 76: 1400
[165] مين اليوناني 76: 1376 وأيضاً 77: 245 و76: 1388 و1200 و1141 و329 و64 و89.
[166] مين 77: 244.
[167] مين 77: 244.
[168] مين 75: 1385 و76: 85 و77: 45 و255.
[169] مين 76: 1153.
[170] مين 76: 396 و401.
[171] مين 76: 396 و401 وأيضاً 332. ذكرنا سابقاً شيوعها ثم سقوطها من الاستعمال.
[172] 76: 120 و332 و400-401 و404 و405 و77: 45 و48 و117 والنيصصي 45: 1449.
[173] مين 76: 1357.
[174] مين 76: 1408-1409.
[175] مين 76: 332 و336 (أنظر أيضاً 77: 241 و245). إن العبارة هنا واردة أيضاً في الحرم الرابع (ص 332) ويدافع عنها كيرللس في ص 336.
[176] مين 76: 401 وردت العبارة رداً على ثيوذوريتوس، في تبرير الحرم الثاني.
[177] مين 77: 116.
[178] مين 77: 116 و340 و77: 116.
[179] مين 76: 349 و77: 241 وهي مدسوسة على أثناسيوس (مين 28: 256، 30) ومع هذا فسرها الأرثوذكس تفسيراً أرثوذكسياً كما مر معنا.
[180] مين 76: 404.
[181] مين 77: 241 و85 و76: 425 ز329. أنظر
Tixeront, Historie des Dogmes, t. III p. 62 et 64-54.
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج8
وهكذا نصل إلى نهاية الحقبة التي تلت المجمع المسكوني الثالث، وحتى بداية المجمع القسطنطيني المكاني 448.
ولكن لنضع بعضاً من تعاليم كيرلس الخريستولوجية، في لاهوته الكنسي:
خريستولوجية كيرلس الكبير من خلال لاهوت الكنيسة والافخارسيتا
1) الكنيسة تُدعى جسد المسيح، ونحن أعضاء هذا الجسد.[182]
2) ... فابن الله الوحيد الذي أظهر لعيوننا نفس جوهر الآب والذي يحوي في طبيعته الآب بأكمله.
صار جسداً بحسب قول الكتاب
وهكذا احتوى طبيعتنا،
بواسطة اتحاده بجسم من هذه الأرض اتحاداً لا يمكن وصفه ولا التعبير عنه.
وهكذا قد صار هذا الإله الحق بكل حقيقة إنساناً (كاملاً)، سماوياً وليس مجرد إنسان حامل لله كما يقول البعض الذين لا يفهمون بالتدقيق عمق هذا السر.
فقد كان هو نفسه في شخصه الواحد إلهاً وإنساناً. وبهذه الوسيلة كان يوحد في ذاته طبيعتين متباعدتين جداً الواحدة عن الأخرى وكان يُصيِّر الإنسان شريكاً للطبيعة الإلهية،
فقد انحدرت شركة الروح القدس بالفعل إلينا،
وبالروح أيضاً سكن فينا،
وقد بدأت هذه السُكنى في المسيح وتحققت فيه أولاً بصفته البكر (بكر البشرية الجديدة).
لأنه لما صار مشابهاً لنا، أي لما صار إنساناً، فقد مُسح وقُدِّس (في الجسد من أجلنا)، مع أنه من جهة طبيعته الإلهية -حيث أنه في الآب- فهو نفسه الذي يُقدِّس بروحه الخاص هيكل جسده.
(وليس ذلك فقط)، بل والكون كله المخلوق منه، على قدر ما أن كل شيء ينبغي أن يتقدس به.
فالسر الذي حدث في المسيح هو بداية ووسيلة اشتراكنا في الروح واتحادنا بالله.[183]
3) وإذا كنا جميعنا شركاء في جسد واحد بعضنا مع البعض في المسيح وليس فقط بعضنا مع البعض، بل وأيضاً شركاء في جسد واحد مع ذاك الذي يأتي إلينا بجسده، فكيف لا نكون جميعنا واحداً بعضنا ببعض وفي المسيح؟ فالمسيح في الواقع هو رباط الوحدة، لأنه هو هو إله وإنسان واحد[184].
4) أما إن قيل أنه ليس لنا معه أي ارتباط بحسب الجسد، فإننا سنبين أن هذا يتعارض مع الكتاب المقدس... فليقولوا لنا حينئذ ماذا يكون سبب وجود "الأولوجية السرية" (أي الإفخارستيا) وماذا تكون قوتها؟ ولماذا تأتي إلينا؟ أليس لكي تُدخل إلينا المسيح جسدياً بالشركة في جسده والتناول منه؟... فإننا نصير شركاء في الجسد معه بواسطة تناولنا من "الأولوجية السرية" -الافخارستيا- ونصير معه جسداً واحداً كما صار الرسل القديسون.
ألم يقل المسيح إن أعضاءهم أو بالحري أعضاءنا جميعاً هي أعضاؤه؟ فإنه مكتوب بالفعل: "ألستم تعلمون أن أعضاءكم هي أعضاء المسيح" (1 كو 6: 15). والمخلص يقول: "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" (يو 6: 56). ويجب أن نلاحظ جيداً أن المسيح لا يتكلم عن حلوله فينا بمجرد رباط عاطفي، بل بمشاركة طبيعية.
فكما أنه إذا عجن أحد قطعتين من الشمع معاً وجعلهما تنصهران في النار فإنهما تصيران واحداً، هكذا بقبول جسد المسيح ودمه الكريم، يكون هو فينا ونحن متحدين فيه.
فالذي ولد قابلاً للفساد، لم يكن ممكناً إحياؤه بطريقة أخرى إلا بمزجه جسدياً بجسد الحياة نفسها أي بالابن الوحيد. وإذا كنت لا تريد أن تقتنع بكلامي، آمن على الأقل بالمسيح الذي يصرخ قائلاً: "من يأكلني فله حياة أبدية..." (يو 6: 54 و55). إن الحياة الأبدية هي في الواقع جسد الحياة أي جسد الابن الوحيد.[185]
5) لقد صرنا متحدين في الجسد بواسطة "الأولوجية السرية" (أي الافخارستيا)، ولكننا صرنا أيضاً بوسيلة أخرى متحدين بعضنا ببعض، لأننا صرنا شركا الطبيعة الإلهية بواسطة الروح، فهو يسكن نفوس القديسين.... الإنسان الأول اتحد بالمرأة في جسد واحد وبذلك هلك، وأما المسيح فقد وحّد الكنيسة بنفسه بواسطة الروح وبذلك حررها وخلصها ورفعها فوق مكيدة الشيطان.[186]
6) هو الرأس ونحن جسده وأعضاؤه . وهو الكرمة ونحن قد طُعمنا فيه مثل الأغصان، واتحدنا معاً في الوحدة بحسب الروح بالقداسة.[187]
7) لما أراد ابن الله الوحيد أن يُدخلنا في الوحدة مع الله وبعضنا مع البعض ويُصيّرنا ممتزجين بعضنا ببعض، على الرغم من كوننا مختلفين ومفترقين بالأجساد والأرواح بسبب الكيان الذاتي لكل واحد منّا، ابتكر لذلك وسيلة هي ثمرة حكمته ومشورة الآب. فقد بارك المؤمنين به بواسطة التناول السري من جسد واحد هو جسده الخاص، وجعلهم بذلك جسداً واحداً معه بالكمال وبعضهم مع البعض. فمن ذا يستطيع أن يفرِّق ويفصل من هذا الاتحاد الطبيعي أولئك الذين اتحدوا بوحدة المسيح بواسطة هذا الجسد المقدس الوحيد؟ فالمسيح لا يمكن أن ينقسم. ولهذا السبب تدعى الكنيسة جسد المسيح ونحن أعضاؤه بحسب فكر القديس بولس (1 كو 12: 27). وحيث أننا جميعاً متحدون بالمسيح الواحد بواسطة جسده المقدس، إذ نتناوله في أجسادنا وهو واحد وغير منقسم، فنحن بذلك نكون أعضاء المسيح ونكون له أكثر مما لأنفسنا.[188]
8) فلأن جسد المخلص قد صار مُحيياً بسبب اتحاده بطبع الحياة عينها، أي بكلمة الله، فنحن جينما نأكله نقبل الحياة في أنفسنا، لأننا نكون متحدين بهذا الجسد كما هو متحد بالكلمة الحال فيه.[189]
9) نحن جميعاً بحسب الطبيعة منحصرون في شخصياتنا، ولكن من جهة أخرى نحن جميعاً متحدون. فعلى الرغم من كوننا منقسمين إلى شخصيات متميزة بعضها عن بعض بحيث أن أحدنا يكون بطرس والآخر يوحنا أو توما أو متى، لكننا جميعاً ننصهر في جسد واحد في المسيح إذ نأكل جسداً واحداً. والروح الواحد يشكل وحدتنا.
وكما أن المسيح واحد وغير قابل للانقسام، هكذا نحن أيضاً نكون واحداً فيه.
ولذلك طلب من أبيه السماوي قائلاً "ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد"[190].
فهل بعد ما سبق كله، نستطيع أن نقول بالطبيعة الواحدة؟ كأننا نقول نحن والطبيعة الإلهية أصبحنا طبيعة واحدة.
------------
الحواشي
-----------
[182] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20-21 - الكتاب 11:11 = P.G 74,557
[183] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20 و21 = P.G 74,557-560
[184] P.G 74: 560
[185] تفسير إنجيل يوحنا 10: 2
[186] جلافير على سفر التكوين 5: 4و5 = P.G. 69,246,249
[187] جلافير على التكوين 6: 3 = P.G. 69,296
[188] تفسير إنجيل يوحنا 17: 20 و21 كتاب 11: 11 = P.G. 74, 557sq.
[189] تفسير إنجيل يوحنا 6: 54 = P.G. 73, 577
راجع أيضاً تفسير إنجيل يوحنا = P.G. 73, 601, 604, 522, 581, 964
ضد نسطور 4 = P.G. 76. 192
عن الإيمان القويم إلى ثيودوسيوس 37 = P.G. 76. 1188
الدفاع ضد الشرقيين = P.G. 76, 373, 376
تفسير إنجيل لوقا 4 = P.G. 72, 522
مقالة "لأن المسيح واحد" = P.G. 75. 1269
[190] في الثالوث = P.G.75, 695-697
راجع أيضاً تفسير إنجيل يوحنا 17: 11 و20 و21 = P.G. 74, 516F - 517A, 560
-
تعريف بما حصل بعد المصالحة، وماذا نستنتج حتى الآن؟ ومن هم أهم الأشخاص الذين سنقابلهم لاحقاً؟ - ج9
أهم الشخصيات التي سنتعرف إليها لاحقاً هي:
البابا لاون
أسقف القسطنطينية الشهيد فلابيانوس
أسقف دوريليم أوسابيوس
الملكة بوليخيارية
أسقف الإسكندرية ديسقوروس
الأرشمنديت أوطيخا
أعتقد عن نفسي أن أهم شخصية محورية بين هذه الأسماء، وخلال العشرين سنة الفاصلة بين هرطقة نسطوريوس وهرطقة أوطيخا، هو الأسقف أوسابيوس.
لأن هذا الأسقف الذي كان مُحامياً قبل أسقفيته، هو أول من جاهر بهرطقة نسطوريوس. فكان له الفضل الأول في شرارة محاربة هذه الهرطقة، وهو هو نفسه بعد عشرين عاماً كان أول من جابه هرطقة أوطيخا. فنحن أمام شخص يجحد نسطوريوس من الدرجة الأولى. وقد كان أوسابيوس أصلاً زميلاً لأوطيخا، وكيرلس الكبير، في الحرب اللاهوتية ضد نسطوريوس. ولكن سرعان ما لاحظ أن أوطيخا بدأ يتطرف في تعليم القديس كيرلس.
الشخصية الثانية، هي القديس البابا لاون الكبير. هذا القديس هو الذي طلب إلى القديس يوحنا كاسيانوس، عندما كان في روما، أن يقوم بتأليف كتاب عن التجسد الإلهي ليفنّد فيه هرطقة نسطور، ومن ثم قام بتقديم الكتاب. فنحن أيضاً أمام محارب صنديد لنسطور وهرطقته. ولمن يرغب بقراءة الكتاب: "On the Incarnation of the Lord (Against Nestorius)"
الملكة بوليخارية القديسة، وهي أحد الأشخاص الذين ساعدوا كيرلس الكبير في عقد المجمع المسكوني الثالث، وكانت من الأشخاص المحسوبين بصفه. ولذلك سنجد آباء الإسكندرية يهتفون باسمها في أعمال المجمع الخلقيدوني، مما يدل صداقتها لكرسي الإسكندرية وجحدها لهرطقة نسطوريوس.
الشهيد فلابيانوس، هو ليس بصانع أحداث، بقدر ما هو الحدث بنفسه.
ديسقورس، ويمثل بحق الجهة التي عارضت الصلح مع أنطاكية، وينطبق عليه قول الأنبا غريغوريوس بأن البعض اتهم القديس كيرلس بالنسطورية.
أوطيخا، هذا الأرشمندريت هو محور القصة كاملة. فبعد أن كان صديق كيرلس وأوسابيوس في ضد نسطوريوس، أصبح صاحب بدعة الطبيعة الواحدة.
ما هو دستور الإيمان حتى الآن؟
هنا يكمن ذكاء أوطيخا وصحبه. فكما قلنا إن المجمع المسكوني الأول قد حدد أن المسيح، الإله المتجسد، له ذات الطبيعة الإلهية مع أبيه. دون أن يأتي على ذكر الطبيعة البشرية.
ثم جاء المجمع المسكوني الثاني وحدد أن الابن قد تجسد من مريم العذراء. ولكن لم يُعترف بمسكونيته حتى 451 م.
وجاء مجمع أفسس، المسكوني الثالث، ورفض أي إضافة على دستور نيقية، وتجاهل كلياً القسطنطينية الأول، وحدد بحسب تعليم كيرلس أن المسيح شخص واحد. وأن هذا الشخص تجسد، ولكن بقيت طبيعته الإلهية كما هي.
فمن هنا جاء أوطيخا ومن جرى مجراه وقال: بما أفسس يصر على تعليم نيقية الأولى ويقول أن لدينا طبيعة واحدة متجسدة، فإذاً نحن لدينا إن جمعنا هاتين العبارتين: طبيعة واحدة إلهية متجسدة. ولا يجوز لنا أن نتكلم عن الطبيعة البشرية في المسيح، ولكننا لا ننكر أنه قد تجسد.
فقال مقولته بأن في المسيح طبيعة إلهية واحدة، دون أن ينفي التجسد. فهو كما سنرى يقول بطبيعة متجسدة، ولكن هذا الطبيعة الواحدة هي إلهية لأنه هكذا سنّت القوانين القديمة. أي أنه كان وفياً لدستور نيقية وشرح كيرلس وأفسس ما قبل المصالحة. طبعاً لم يكن وفياً بالمعنى الإيجابي، ولكن بالمعنى السلبي. أي أنه تمسك بحرفية النصوص، من أجل إعلان هرطقته.
ولكن هل كان ديسقوروس أرثوذكسياً؟
إن ما سيأتي من أعمال مجمع خلقيدونية، سنرى فيها أن ديسقوروس وأساقفته يرفضون الاعتراف بمجمع القسطنطينية الأول أي المجمع المسكوني الثاني. ويرفضون زيادة "تجسد من الروح القدس ومريم العذارء وتأنس".
ويقول ديسقورس في أعمال المجمع أيضاً: أقبل الذي من طبيعتين ولا أقبل الذي في طبيعتين.
والسؤال هنا: هل كان وجود لطبيعتين قبل التجسد...
وإذا قارنا ما سنضعه الآن من أقوال لديسقوروس مع ما حدث في التاريخ، طبيعة إلهية واحدة، متجسدة، وأقنوم واحد في المسيح يسوع.
1) أعرف تماماً أنه ولد من الآب بكونه الله، وفي نفس الوقت ولد من مريم كإنسان.[191]
2) رأه الناس ماشياً على الأرض، ورأوه خالق القوات السمائية بكونه الله.[192]
نلاحظ هنا في القولين، يأتي على الكينونة الإلهية، ولكنه بالنسبة للناسوت فهو يستخدم نفس أسلوب أبوليناريوس، وأوطيخا وكيرلس الكبير قبل المصالحة، وهو عدم التركيز على الطبيعة البشرية. لا نجد في القولين أعلاه، ما يؤكد وجود طبيعة بشرية. وخاصةً لو أخذنا هذه الأقوال في عصرها التي قبلت بها.
ولذلك سنسأل سؤال طبيعي: هل بالفعل كان أوطيخا قادراً على خداع ديسقوروس؟
إنها كذبة يتم تلفيقها.
لأن ديسقوروس عقد مجمعاً محلياً برّأ فيه أوطيخا. فكيف برّأه إن لم يسمع إيمانه؟
وسنجد لاحقاً في أعمال المجمع الأفسسي الثاني، من يلمح بالكلام إلى أن أوطيخا هرطوقياً ولكن لن نجد أن ديسقوروس سيقوم باستجوابه والتأكد من هذه التهمة.
ثالثاً عدم قراءة طومس لاون
كلها أمور تدل على أن ديسقوروس كان أوطاخياً.
فمع احترامي، لكل القامات، التي تكلمت واتخذت من ذريعة عزل ديسقوروس لأسباب أخلاقية، أدبية، وإدارية. إلا أنهم لم يكونوا آمينين في استخلاص النتيجة من سائر أعمال المجمع.
لأننا سنرى آن آباء المجمع سيقولون للأساقفة السكندريني لماذا لا تلعنوا ديسقوروس وأوطيخا مع سائر الهراقطة؟ وسيضعون اسم ديسقوروس في أكثر من موضوع مع نسطوريوس وأوطيخا.
صحيح أن المجمع لم يدينه من أجل العقائد، ولكن لأن ديسقوروس رفض الحضور والمثول أمام المجمع. وسنرى أن إدانة ديسقوروس الإدارية والأخلاقية والأدبية قد تمّت منذ الجلسة الأولى، بقرار من القضاء وممثلي الأمبراطور.
ولكن الأساقفة حينها لم تصادق، بل تم تأجيل الحكم إلى ما بعد.
-وبالنسبة لموضوع عقد المجمع الافسسي اللصوصي، لقد وجدنا سابقاً أن القديس كيرلس قد أرسل يسال نسطوريوس عن هرطقته. فلو كان ديسقوروس يستحق خلافة كيرلس الكبير، ولو كان الإيمان يهمه، لماذا لا نراه يراسل فلابيانوس ويستوضح منه مشكلة أوطيخا؟ هذا ما سنعرفه من خلال أعمال المجمع. طبعاً ناهيك عن أنه قد برّأ أوطيخا، متعدياً على القوانين الكنسية التي لا تجيز له تبرئة من هو ليس في حدود ابرشيته.
لن نطيل كثيراً في الكلام، وسنترك للكتاب أن يتكلم.
والآن سننتقل إلى أعمال المجامع الثلاثة: القسطنطينية 448، أفسس اللصوصي 449، وخلقيدونية العظيم المقدس 451.
وكل هذه الأعمال هي مدونة في كتاب، يقول عنه الأقباط أن الكنيسة الكاثوليكية قد ندمت على طباعته.
فلنقرأ هذه الأعمال...
------------
الحواشي
------------
[191]الأب تادرس يعقوب ملطي، الاصطلاحان طبيعة وأقنوم، ص 20
[192] المرجع السابق
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
لقد تم إغلاق الموضوع، من قبل أحد الأخوة المشرفين. فأستمحيه عذراً في إعادة فتح الموضوع من أجل الأسئلة إن وجدت.
والأسئلة يجري عليها ما قلته في المشاركة الأولى، فأرجو ألا أضطر إلى حذف مشاركات.
أرجو أن تكون الأسئلة فيها إفادة لي، لتقويم ما وقعت به من سقطات
صلواتكم
-
لماذا نرفض عبارة "الطبيعة الواحدة"؟
لماذا نرفض عبارة "الطبيعة الواحدة"؟
قبل أن نقرأ أعمال المجامع الثلاثة، أردنا أن نوضح لماذا نرفض تعبير "طبيعة واحدة متجسدة".
إن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي يؤمن بأن للآب والابن والروح القدس طبيعة واحدة، ليس كما البشر يملكون الطبيعة البشرية، ولكن بطريقة تفوق الوصف.
فالآب له ذات طبيعة الابن والروح القدس، والروح القدس له ذات طبيعة الآب والابن، والابن له ذات طبيعة الروح القدس والآب.
أما الإنسان، فبطرس له طبيعة مساوية لطبيعة يوحنا وبولسلكنها ليست ذات الطبيعة... إلخ.
ومن هنا نقول أن الترجمة العربية لدستور الإيمان هي ترجمة ليست خاطئة فقط، بل ومضللة إن جاز التعبير –لكن بحسن نيّة- حول طبيعة أقانيم الثالوث القدوس.
إذاً فالطبيعة الإلهية ليست كالبشرية الموزعة بين أشخاص الجنس البشري، ولكنها طبيعة موجودة بملئهاوعينها وذاتها في كل أقنوم من أقانيم الثالوث القدوس.
وهذه الإيمان، يتم إغفاله كثيراً ولا يتم الحديث عنه، مع أنه محوري في فهمنا لعقيدة الطبيعة الواحدة.
إذ أن الخطأ الذي يقع به الغالبية العُظمى، هو أنهم ينطلقون من سنة 430 حتى يصلوا لأوطيخا. ولكن هذه الانطلاقة ناقصة، لأنها تُغيب أموراً كثيرة لا بد من الوقوف عليها.
فلذلك، ليس للابن طبيعة مساوية للآب، تجسدت. بل له ذات طبيعة الآب، فهل يصح أن نقول أن طبيعة الآب تجسدت؟ أو طبيعة الروح القدس تجسدت؟
نوضح أكثر، لو مات إنسان فإن عنصري طبيعته البشرية –الروح والجسد-، ينفصلان عن بعضهما البعض، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال ولا يخص ولا يمس أي شخص بشري آخر لأننا كبشر لا نمتلك ذات الطبيعة، ولكننا نمتلك طبيعة بشرية موزعة بين البشر. أما في الثالوث القدوس، فالأمر مختلف. لأن الطبيعة الإلهية ليست موزعة، بل هي واحدة. وهكذا نؤمن بإله واحد ثالوثي الأقانيم.
وهكذا، لو قلنا أن للمسيح طبيعة واحدة متجسدة، فنحن حُكماً نقول بأن الآب والروح القدس قد تجسدا. لأنه لا يوجد إلا طبيعة واحدة إلهية محتواة بملئها في كل من الأقانيم الثلاثة دون أن تتقسم أو تتجزأ أو تتوزع، كما عندنا البشر.
وهذا هو الذي فهمه البطريرك دميان السرياني الأصل، الذي جلس على كرسي الكنيسة القبطية ورقمه 38 ضمن سلسلة بطاركة الكنيسة القبطية (الرقم يشمل الآباء البطاركة ما قبل الانشقاق أيضاً).
فماذا قال دميان؟
قبل أن نتكلم عن تعليمه، أود أن أعود وأُذكِّر أنه وبكل أسف لا نستطيع أن نعتمد تأريخ الأقباط، لأنهم ليسوا أمينين في تدوين تاريخهم. فبالعودة إلى كل كتب التاريخ المتوفرة لدي، والتي ذكرت البابا دميان، وهي:
1. ساويروس ابن المقفع، تاريخ الآباء البطاركة.
2. إيريس حبيب المصري، قصة الكنيسة القبطية
3. الشماس منسى القمص، تاريخ الكنيسة القبطية.
4. موسوعة من تراث القبط، المجلد الأول، رئيس تحريرها: د. سمير فوزي جرجس
بالإضافة إلى مجلة "مرقس" التي يصدرها دير القديس مكاريوس (الأنبا مقار) والتي رأسها بكونه رئيس للدير، الأب متى المسكين، وكذلك موقع "تاريخ أقباط مصر" الذي يشرف عليه السيد عزت اندراوس.
وجدت أنهم لا يذكرون شيئاً عن تعليمه الخاطئ، ولكن يذكرون عن مشكلة حصلت مع الكنيسة السريانية حول عقيدة الثالوث القدوس. وأن بطريرك الكنيسة السريانية في ذلك الحين، بطرس، قد ابتدع في عقيدة الثالوث.
لكن جميع المراجع، لا تأتِ على ذكر المشكلة وما هي الهرطقة التي ظهرت، بل تمتنع عن الخوض في تفاصيل المشكلة. وكأن الأمر فيه "إن".
لذلك شعرت أنهم يجمّلون التاريخ. وبصراحة، أكثر ما صدمني هو مجلة مار مرقس. فكنتُ أعتقد أن هذا الدير، ورئيسه الأب متى المسكين، أمينين على التاريخ. ويضاف هذا الأمر إلى المثال الذي ذكرناه، وهو البابا ثيوفيلوس ومشكلته مع القديس يوحنا الذهبي الفم. والاستماتة على تبرئة البابا ثيوفيلوس بكل إمكانية، وكأن الأمر فيه عار.
المهم الآن أن نعرف ماذا علّم البابا دميانوس؟
جاء في كتاب "د. أسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج1، ص 386-387"، التالي: "تثليث الآلهة: وأدى الانشقاق إلى التطرف بالضلال فإن واحداً من أبامية اسمه يوحنا اسكوصناغ Askusagèsعلّم في القسطنطينية في السنة 557 بأن المسيح له طبيعة واحدة وأن كل واحد من الأقانيم له طبيعة واحدة خاصة. فقطع ونفي وتوفي. وانقسم أتباعه فعلّم يوحنا فيلوبونوس الأستاذ الإسكندري بتثليث الآلهة وقال بفناء جسد الإنسان بحسب الهيئة والمادة معاً. وعلّم كونون أسقف طرسوس بأن جسد الإنسان فان بحسب الهيئة فقط. وذهب دميان أحد بطاركة الطبيعة الواحدة في الإسكندرية إلى القول بتربيع اللاهوت أي أنه اعتبر وجوداً خاصاً لكل واحد من الأقانيم الثلاثة ووجوداً رابعاً عاماً للثلاثة معاً".
المرجع الذي استند له الدكتور أسد، حول البابا دميان، هو:
Chabot, M., Documenta ad Origenes Monophysitarum; Illustrandas; Maspero, J., Patr. d'Alex., 194 ff.; Duchesne, L., Eglise au VI Siècle, 243-343.
بتوضيح أكثر، إن الإيمان بالطبيعة الواحدة، قد ضلل دميانوس، وافترض وجود طبيعة لكل أقنوم –وبهذا لا تتأثر طبيعة الأقانيم بتجسد طبيعة الابن-، ووجود طبيعة رابعة تجمع الأقانيم، ولكن بما أنه لا يوجد طبيعة بدون أقنوم، فإن الطبيعة الرابعة هي بالضرورة أقنوم رابع. ولكن هذا القول لم يشبع فضولي عندما قرأته، لأنه بغض النظر عن وجود مراجع، فإنه سيتم الطعن فيه لكون مرجعي هو عربي، ودائماً عندنا شك في المصادر العربية. فلذلك لجأت إلى المراجع الأجنبية، وقالت نفس الكلام. ومنها:
James Hastings, Encyclopedia of Religion and Ethics, Part 24, P. 463.
هناك خطأ بتمسية دميان القسطنطيني، ولكن التاريخ الموضوع بجانبه، هو تاريخ جلوس دميان كبطريرك على الكنيسة القبطية، وفي ذلك الوقت لم يكن هناك بطريرك يدعى دميان في الكنيسة القسطنطينية. وبالعودة إلى أرثوذكس ويكي لا نجد بطريرك باسم دميان جلس على كرسي القسطنطينية.
وأيضاً نستطيع العودة إلى هذا المرجع:
CATHOLIC ENCYCLOPEDIA: Eutychianism
وأخيراً وليس آخراً، نقرأ:
دميانوس، القائل عبارة "الطبيعة الواحدة"
إن العلاقات الوديّة بين البطريرك دميانوس والبطريرك بطرس مرت بفترات اضطراب كثيرة. انتهت أخيراً لتصبح علاقة عداوة عندما كتب دميانوس رسالة ضد الثالوث وبعثها إلى بطرس (586) ولكن بطرس انتقد هذه الرسالة وهذا التعليم بشكل صارم لائق وحذر.
في أثناء هذا الخلاف بين دميانوس وبطرس عن الثالوث، لم يكن هناك أي نوع من أنواع المصالحة فيما بينهم، بل على العكس، تكاثرت الخلافات والخصومات فيما بعد.
أكد دميانوس بوجود ثلاثة أقانيم ولكل أقنوم له خصائصه المميزة بشكل متماثل، ولكنه أضاف أن الجوهر في هذه الأقانيم الثلاثة (المختلف عنهم طبعاً) هو الـ ousia[الإله الحقيقي أو الجوهري]؛ واعتبر ألوهة الأقانيم الثلاثة ألوهة بالمعنى المجازي ومن خلال المشاركة فقط.
هذا الرأي لدميانوس مأخوذ من Peter’s tractate Contra Damianum
فبطرس ناقش مراراً هذا الرأي المتعلق بخصائص الأقانيم أو الجوهر على أنها واحدة (أي الأقانيم هي نفسها الجوهر ولا يوجد انفصال بينهم)
ولكي يؤكد دميانوس نظريته أورد مقاطع من الآباء (III 16) مثل سيفيريوس (III 7,8,10) ، Damasus and John of Jerusalem (III 16) وكذلك باسيليوس (III 17) وكيرلس (III 29, 30).
اقتبس بطرس البعض من جُمل دميانوس اقتباس حرفي: "الأشخاص (الأقانيم) المتألهة لا تعني إلوهية (III 40). إن اعترفنا أن كل شخص (أقنوم) من الثالوث هو إله فهذا يعني أننا نؤمن بعدة آلهة (III 37). إن الأقانيم والإله ousia [الأوسيا ousia بمعقتد دميانوس هو الإله الجوهري أو الإله الحقيقي] مختلفين بالمفهوم والمعنى الحقيقي (III 46). إن أقانيم الثالوث تظهر بمفهوم مجازي (III 36) من دون أي وجود حقيقي لها (cf. II 21).
دميانوس يصف الأقانيم الثلاثة بالآب والابن والروح القدس كأسماء وألقاب (II 18) ويبدو أنه يتقبلهم كـ نظرية "en theoria" فقط (II 7).
يمكننا إيجاد هذه الأفكار مكتوبة بالأساس في الرسالة المجمعية ليعقوب البرادعي (578)، على سبيل المثال، عندما يكتب: "كل شخص من [الثالوث القدوس] متواجد تماماً في خصائصه – صفاته – من دون أن تختلط أو تندمج إحداها مع الأخُرى. الأشخاص الثلاثة؛ الآب والابن والروح القدس يتواجدون من دون اندماج أو إنفصال في خصائصهم. كما أن الاستقلالية وعدم الانفصال، الذي أوردها لاحقاً كصفات للأقانيم، (III 28) شدد بشكل خاص عليهم هنا. كما لُوحظ أيضاً في الرسالة إلى المجمع كيف أن الإله "ousia" المنفرد من الأقانيم صُنِّف غير مُتصل مع بالأقانيم وخصائصهم؛ إنه يعترف بعدد الأشخاص (الأقانيم) ولكن بإله وحيد وهو الـ "ousia" ،المنفرد بالألوهية، إنه قائم كإله وحيد ومنفرد منفصلاً عن الثالوث.
المعركة ضد الهراطقة والبدع أبقت دميانوس مشغولاً في عدة جوانب، ومعركته ضد الثالوث جعلته يُكون مذهبه وتعليمه الخاص عن الثالوث بإضافة الـ ousia.
والمرجع لهذا الكلام، هو:
Christ in Christian Tradition, Volume 2, From the Council of Chalcedon (541) to Gregory the Great (590 – 604), PART FOUR, The Church of Alexandria with Nubia and Ethiopia after 451. Aloys Grillmeier SJ with Theresia Hainthaler. Translator: O. C. Dean. Page: 78–79.
والآن فلنقرأ أعمال المجمع المجامع الثلاثة المذكورة، من الكتاب المذكور في بداية هذا البحث:
-
مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق، ج1
مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق.
مقدمات، تهيئة، إهداء... إلخ
مترجم من اللغة اللاتينية إلى العربية، الذي يدرك فيه ما حدث في ثلاثة مجامع بعلة بدعة أوطاخي المنافق ثم يستمل عليه جميع أعمال هولائك الآباء القديسين وقوانينهم المواجبة للإيمان المستقيم وفرائضهم ضد أوطاخي وأتباعه المخالفين لكي طائفة القبط المكرمين وطوائف الحبش الموقرين وغيرهم من طوائف الشرقيين المغرورين بحيلة حزب أوطاخي وديسقوروس السالفين، يبلغوا معرفة أصول اجتماع هذا المجمع العام الكاثوليكي وينكشف عندهم غش الأوطاخيين السالفين ويتفقوا بودّه حقيقية مع الكنيسة الرسولية الرومانية، رأس البيعة الجامعة، كما كانوا في الزمان القديم بطاعة آبهاتهم القديسين.
طبع هذا الكتاب في مدينة رومية الكبرى في دكان المعلم يوحنا من نسبة [من عائلة، كنيته] لكمارك. سنة 1694 لتجسد إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح له المجد دائماً أبداً، آمين.
المهدى إلى أنبا يوحنا المعظم المفخم خليفة الانجيلي مار مرقس أول وأشرف بطاركة كنيسة الاسكندرية وإلى جميع أصحاب الكهنوت المصريين والحبشيين أي المطارنة والأسقفة المبجلين والكهنة والشمامسة المكرمين. وإلى ملك الحبشة العالي الغالب الجليل وسائر الأكابر والأركنة المصطفين الموقرين وكافة طوائف القبط والحبش المباركين القاطنين في الديار المصرية وأقاليم الحبشة المقتدين بتدبير أنبا يوحنا المعظم البطريرك الإسكندري من الحقير فرنسينس مريا من مدينة سالم في جزيرة صلية، قس بنعمة ربنا يسوع المسيح وكارزو رسولي لتبشير الإنجيل المقتدي برهبنة الرهبان الأصغار المرسل إلى أرض مصر من قبل الحبر العظيم وبصلاة رئيس رهبنته الشاروفينه الصلح والاتفاق بينكم وفي ربنا المخلص الذي بموته على خشبة الصليب منح لنا الخلاص وبصعوه إلى السماوات وهب لنا السلام,. آمين
ثم يقول المؤلف عن سبب كتابة هذا الكتاب، ثم يعود لمغازلة الكنيسة القبطية، ويصفها ببوبو عين الكنيسة الرومانية. ثم يخبرهم أن البابا اينوسنسيوس الحادي عشر يرغب في أن تتحد الكنيسة القبطية [واصفاً إياها بالكسندرية] مع الكنيسة الرومانية. ويقول لذلك زاد عدد المرسلين والرسائل ... ولهذا السبب ترجم كتابه هذا. ويتابع: أما وحيث بلغت إلى ارض مصر وقبلت رجليكم وأيدي كهنتكم وتعاشرت مع جماعتكم المخدومة فمن كثرة الاحاديث معهم بقيت أعلم أنكم بسبب بعض من تواريخكم كذابة تأخذوا من عرض القديس لاون البابا الروماني والمجمع الخلقيدوني المقدس ومرقيان الملك الأرثوذكسي وبوليخارية القديسة محبيّن المسيح قائلين كتذكار التواريخ المذكورة الغير سادجه عن مار لاون أنه ذئب خاطف كونه برسالته الطومس فرق المسيح إلى طبيعتين وأقنومين وعن المجمع الخلقيدوني اجتماعه كان لأجل خاطر النساطرة كي يثبت هرطقة نسطور معلمهم المخالف. ثم وعنى الملك ومرقيان وبوليخارية زوجته أنهما من آل نسطور المنافق. أما حيث أنا رأيت أنكم لم تعرفوا الأصل الحقيقي لاجتماع الخلقيدوني الذي كان مقالة أوطاخي أي طبيعة واحدة في المسيح التي بها جعل اختلاط فيما بين لاهوت ناسوت المسيح ناكراً تحقيق جسده البشري قائلاً عنه أنه لطيف وخيال. فحيئذ من أجل الثلاثة الاسباب المذكورة خرجّت نسخة المجمع الخلقيدوني الصادقة وتترجمتها من النسخة الأصلية القديمة المحفوظة في خازنة كتب مار بطرس الرسول من اللغة اللاتينية إلى اللغة الرعبية كي ينكشف عندكم زور التواريخ المذكورة ويظهر الحق المستور تحت حجاب الغش وستارة الحليله وعرضته إلى جناب سيدنا البابا الروماني ليأمر بطبعه. فالبابا اذن أولاً أن يوقف عليه المعملين الحادقين الحافظين اللغتين أي اللاتينية والعربية ويقابلوا التفسير الذي صرحته إن كان هو صادق مع النسخة الاصلية أم لا. فبعد ما وقفوا عليه المعلمين ووجدوا التفسير صدق وأمين، فشهدوا بموافقة التفسير واظمان المترجم وبتلك الشهادة وباجازة البابا طبع هذا الكتاب المبارك الذي جعلت أنا أقدمه إلى جنابكم الفخم وحضرة كهنتكم أي المطارنة والاساقفة والقسوس والشمامسة وإلى ملك الحبش المخدوم واكابركما وشعوبكما في مقام الهدية. وارجو القبول من سيدنا يسوع المسيح بالمعرفة لكل من طالع في هذه الترجمة أن يهتدي إلى الحق بعد المعرفة والاطلاع وتطردوا عندكم غش الأوطاخيين وحيله والمخالفين وتتفقوا كمراد المسيح مع كرسي بطرس الروماني رأس جميع كنائس المسكونة وأنا عبدكم الحقير اقبل العبيد وأفقر التلاميذ وأسأل المسامحة من القارئ في هذا الكتاب إن وجد به من الغلط والنقصان، يعذرني لأنه لا يوجد انسان خالياً من السهو والنسيان. غير الله وحد الكامل بغير عيب ومنه نطلب الغفو والغفران. آمين
عبد حضرتكم المعظمة الشريفة
أنا الحقير فرنسيس مريا من مدينة سالم
المقتدي برهبنة الرهبان الاصغار
ديباجة
ثم يكرر نفسه تقريباً.. ومن بعد ذلك يوجه كلامه للقارئ ويقول: أيها القارئ المبارك خذ الآن هذا المثال وإن كان الملك أراد إنفاذ أمر جمع اكثر الوزراء والأكابر وأعيان الدولة واستحضرهم إلى الديوان وأثبتوا الأمر وسطروه بالتحرير أمام الحاضرين، فهل يستطيع أحد يقول لا اقبل هذا الأمر ولا أرتضي بمضمونه؟ وهكذا البيعة المقدسة عبارة عن الملك الروحاني والبابا هو الملك المعين لهذا الملك وبإذن الله تعالى مثلما هو واضح في الابركسيس والانجيل المقدس والبطاركة الاربعة وزراءه أي البطريرك القسطنطيني والاسكندري والأنطاكي المقدس. ثم المطارنة الأساقفة بمقام الأكابر والأعيان. وإن اجتمعوا هؤلاء الرجال المذكورة في محفلٍ وحرروا أمراً فهل يمكن لأحد المسيحيين ينفيه ويقول لا أقبل ما اتفقوا عليه هؤلائك المجتمعين؟.... إلخ
ثم صف كلام لا طائل من نقله.. او الحديث عنه من وجهة نظري، وقد أكون خاطئاً. ثم يضع أخيراً المدققين، كالتالي:
أنا كيرلس فرنسيس من مدينة واريسيس وكيل كلي لرهبنة القديس فرنسيس الشاروفيني، آذن بأمر الرئيس العام أن القس فرنسيس مريا راهب من رهبنتنا معلم في علم اللاهوت ومرسل رسولي إلى ارض مصر بطبع كتابه الملقب "مختصر المجمع الخلقيدوني" المترجم منه من اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية. بعد ما وقفوا عليه المعلمين ووجدوا التفسير موافقاً مع النسخة اللاتينية والله يبارك عليه.
أنا داود قس وراهب من ربنة الكرميليتانين معلم في علم اللاهوت ومعلم وقارئ لسان العرب في دير القديسة مريم المنتصرة بأمر معلم الدار الرسولي الاقدس للبابا وقفت على هذا الكتاب الذي اسمه "مختصر المجمع الخلقيدوني" مترجم من اللغة اللاتينية إلى اللغة العربية من القس فرنسنس مريا راهب من رهبنة الأصغار للقديس فرنسيس الشاروفيني وفحص عن تفسيره وقابلته مع نسخته الأصلية ووجدته موافقاً معها إلى الغاية ولم يذكر في شيئاً يضاد الايمان الكاثوليكي ولا العادات الصالحة وواجب أنه ينطبع لأجل نفع طوائف المسيحيين لبلاد الشرق. أعطيت في رومية من دير القديسة مريم المنتصرة في سنة 1691 لتجسد الرب.
أنا بطقوس قس وراهب من نسبة المبارك الماروني معلم في علم اللاهوت ووكيل البطريرك الماروني... وقفت على الكتاب ... ووجدته أميناً موافقاً مع نسخته المحفوظة في مكتبة مار بطرس في رومية واحسبه مفيداً.. وواجب يطبع. أعطيت في رومية في دير الموارني في يوم 10 كانون الثاني 1692 للتجسد.
[ندخل في محتوى الكتاب]
مجمع نيقية الأول – المجمع المسكوني الأول
الباب الأول - ص 18-19 بحسب ترتيب pdf:
[لتراحع في مكانها]
مجمع القسطنطينية الأول – المجمع المسكوني الثاني
الباب الثاني - ص 19-20 بحسب ترتيب pdf:
[لتراحع في مكانها]
مجمع أفسس – المجمع المسكوني الثالث
الباب الثالث - ص 20-21 بحسب ترتيب pdf:
[لتراحع في مكانها]
سبب المجمع الخلقيدوني
في شأن المجمع الخلقيدوني وهو الرابع في العدد ضد أوطاخي المجدف على ناسوت المسيح. وكان اجتماعه بأمر القديس لاون البابا الروماني في عهد مرقيان الملك الأرثوذكسي وبمعونته.
الباب الرابع - ص 21-25 بحسب ترتيب pdf:
[لتراحع في مكانها]
المجمع القسطنطيني الخصوصي - الجلسة الأولى
أخبار المجمع القسطنطيني الخصوصي المجتمع بعون الله وأمر فلابيانوس مطران ذلك الكرسي لأجل إصلاح تدبير كورته وصلاح أمر اقليمه، حيث كشف هرطقة أوطاخي المرة الأولى
الباب الخامس - ص 25-27 بحسب ترتيب pdf:
[لتراحع في مكانها، وتتضمن هذه الجلسة ايضاً العريضة المقدمة من أوسابيوس اسقف دوريليا ضد أوطاخي]. ويطلب فيه ابلاغ أوطاخي للقدوم والحضور في المجمع.
المجمع القسطنطيني الخصوصي - الجلسة الثانية
العمل الثاني من أعمال مجمع القسطنطينية في ولاية فلابيانوس في امر أوطيخا القس.
الباب السادس - ص 27-28 بحسب ترتيب pdf:
بتكلم أيضاً أوسابيوس اسقف دوريليا عن أوطاخي بأنه يخالف تعليم القديس كيرلس المدون في رسائله إلى نسطور وشرح آباء نيقية. وطلب قراءة رسائل القديس كيرلس إلى نسطور وإلى المجمع الأنطاكي. فيأمر فلابيانوس المطوب الذكر بقراءتها، فلتراجع في مكانها.
رسالة كيرلس أسقف الاسكندرية
من أعمال المجمع الأفسسي (الأول) في ولاية كيرلس التي قرأت في مجمع القسطنطينية في ولاية فلابيانوس.
رسالة كيرلس إلى يوحنا أنطاكية [وهي رسالة المصالحة والمعروفة بـ الدستور الأفسسي]ٍ
الباب السابع - ص 28-29 بحسب ترتيب pdf:
العمل الثاني من أعمال مجمع القسطنطينية في ولاية فلابيانوس في امر أوطيخا القس.
الباب الثامن - ص 27-29 بحسب ترتيب pdf:
مجادلات ومداولات بين الأساقفة.. قراءتها مهمة جداً.
[والآن سنبدأ من الجلسة الثالثة، من المجمع القسطنطيني 448، ويسميها الكاتب "العمل الثالث". ودائماً يضع كلمة "عمل" عوضاً عن "الجلسة"، فلذلك غالباً ما تركناها كما هي، وأحياناً قمنا باستبدالها، إلى كلمة "جلسة"].
-
مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي، ج2، مجمع القسطنطينية - الجلسة الثالثة
مجمع القسطنطينية - الجلسة الثالثة
الباب التاسع - ص 34-38 بحسب ترتيب pdf:
اجتمع المجمع نهار الاثنين في منتصف تشرين الثاني. وتكلم اوسابيوس قائلاً: لي اربعة أيام منذ طلبت منكم أن يحضر أوطيخا إلى المنجمع، فأطلب منكم أن تامروا المرسلين ليقولوا ما كان جوابه لهم؟
فقال فلابيانوس: ليعلمونا الكتبة من أرسلنا إلى أوطيخا.
فأجاب الكتبة: القس يوحنا حارس الكنيسة والشماس أندراوس، ذهبا إلى القس أوطيخا االارشمندريت وهما حاضرين.
فقال فلابيانوس: ليأتوا أمام المجمع المقدس وليقل أولاً القس يوحنا العابد حارس الكنيسة إن كان مضى ليدعي القس اوطيخا الارشمندريت وإن كان شاهده وما الذي سمع منه.
فأجب القس يوحنا حارس الكنيسة: لما تضرع أوسابيوس المكرم إلى قدسكم في المجمع وشكى أوطيخا الارشمندريت وقدم به عرض حال وادعى عليه أنه هرطوقي، ثم وطلب أنه يُدعى ويحضر أمامكم ليحتج على ما قد اعترض عليه. حينئذ قدسكم ملتفت لطلباته أمر بأني والشماس أندراوس نمضيا إلى ديره لندعيه إلى المجمع وقدة فعلنا كأمركم وانطلقنا إلى عنده ودخلنا إلى ديره وقرأنا له العرض حال المذكور وتركنا نسخته في يده وأظهرن له اسم الذي شكاه ودعيناه بأنه يأتي ليحتج لقدسكم. فأما المذكور أبى البتة المسير إلى هاهنا والاحتجاج عما قزفوه قائلاً أنه أجزم على نفسه من البدء أنه لا يخرج من بين الاخوة إلى مكان لأنه قائماً في الدير كأنه في قبل وابتهل إلينا لننهي لقدسكم أن الأسقف أوسابيوس المكرم هو عدوه من مدة زمان وأنه ألّف عليه هذه الدعوة جوراً منه، قائلاً أنه مستعداً لقبول شرح الآباء القديسين الذين اجتمعوا في نيقية وفي أفسس مستقراً ومثبتاً لتفساسيرهم أما إن حيث وجد بهم زهقه أم خلل لم يذمهم بذلك ولم يقبلهم إذ يفحص الكتب المنزلة بمفردها بأنها أثبت من اقوال الآباء القديسين وقال أنه بعد تجسد الله الكلمة وميلاد سيدنا يسوع المسيح، يُسجد لطبيعة واحدة هي طبيعة اله الذي تجسد وصار إنساناً وأقبل يقرأ كتاباً ثم قال أن بعض الناس كانوا ينقلون عنه بعض الاقوال الفاسدة وأنه نطق أن الله الكلمة جاب جسده من السماء فأنكر عن نفسه ذلك القول. أما أن ربنا يسوع المسيح قائماً في طبيعتين متحدتين في أقنوم واحد قال لنا بأن هذه المقالة لم يتعلّمها ولم يجدها في تفاسير الآباء الأبرار وأنه لم يقبلها ولو قرأت له في أسفار الآباء لأن الكتب الإلهية كنحو قوله هي أصلح من تعاليم الآباء حيث كان يقول ذلك اعترف أن الذي ولد من مريم العذرى هو إله تام وإنسان تام بل ان لم يكن له جسداً متساوياً لنا بالجوهر وهذا الذي كلمني به.
فأجاب فلابيانوس: هل سمعت ذلك وحدك؟ أم كان حاضراً معك الشماس أندراوس؟
فأجاب القس يوحنا الحارس، وقال: نعم كان حاضراً الشماس المذكور بينما كان أوطيخا يوصيني بهذه الأقوال.
فأجاب فلابيانوس: ليقل الشماس أندراوس المكرم إن كان سمع ما قال القس أوطيخا الارشمندريت.
فأجاب الشماس أندراوس: نعم إننا كرسم قدسكم مضينا نحو القس أوطيخا الارشمندريت وكلمناه وسمعنا منه ما أنهى لقدسكم سابقاً القس يوحنا الحارس المكرم.
فقال القس يوحنا الحارس: لما كان القس أوطيخا يكلمنا ويؤمّنا أن نوصل أقواله لقدسكم كان حاضراً هناك شماس الأسقف باسيليسو المكرم وسمع ما تكلم به. لأجل ذلك اسأل قدسكم أن تدعوه وتستخبروا منه إن كان سمع ما ذكرنا.
فأجاب فلابيانوس الأب الأقدس: ليقولوا الآن الكتبة إن كان الشماس الذي ذكره الآن القس يوحنا حاضراً ها هنا أم لا.
فأجابوا الكتبة: نعم إنه حاضر.
فقال فلابيانوس: ليأتي إلى الوسط.
ولما انتصب في وسط المجمع سأله الاب الاقدس: ما هو اسمك؟
أجاب الشماس: أثناسيوس.
فقال الاسقف: ما هي درجتك في الكنيسة؟
فأجاب اثناسيوس: شماس إنجيلي.
فقال فلابيانوس: في أي مدينة؟
فأجاب اثناسيوس: في مدينة سالق في خدمة الاسقف باسيليوس المكرم.
فقال فلابيانوس، وقال: قل لنا ما سمعت امام القس يوحنا الحارس والشماس أندراوس من فم أوطيخا الارشمندريت من خصوص الأمانة.
فأجاب أثناسيوس: إنما سمعت ما قد أنهيا سابقاً لقدسكم القس يوحنا الحارس والشماس أندراوس.
فقال أوسابيوس: قد اتضح من كلام المرسليّن المذكورين ومن شهادة الشماس أثناسيوس، ان أوطيخا حائداً عن الدين المستقيم ومذهبه مضاداً لتفسير الآباء القديسين. ولكن أتضرع إلى قدسكم أن أن تأمروا بإحضاره إلى المجمع مرة ثانية. لأني مستعداً لتبكيته أمام قدسكم وأظهر أنه خارجاً عن الاعتقاد الصالح وأنه علّم سابقاً وفي هذا الحين تعليم منافق قبيح. وكثيرون يشهدون على اثمه.
حينئذ أجاب فلابيانوس وقال: يا ليت أنه يأتي إلى هنا ويستقر بذنبه لأن ربنا يسوع المسيح يُسر بخلاص الخطأة وهو يفتش أولاً على التعجة الضالة ومن أجل ذلك انما يا ماما وثيوفيلوس القسان المكرمين، إمضيا إلى عند أوطيخا وانصحاه وسلما له تلك الدعوة التي كتبنا له بالمسير إلى مجمعنا المقدس الذي صار مشكاً به ليس فقط مما بلغه من العرض حال الذي قدمه الأسقف أوسابيوس بل أيضاص من اعتقاده المارق عن اعتقاد الكينسة كما اتضح من جوابه للقس يوحنا الوكيل والشماسين اندراوس واثناسيوس المركمين. لعله يأتي وينفي إثمه الأول ويعترف بالامانة المستقيمة ويعتقد بما فسروا الآباء القديسين فيستحق بذلك الغفران. لأنه ينبغي لنا أن نغفر للخطأة التائبين.
عند ذلك قال أوسابيوس: أتضرع لقدسكم أن تأمروا بقراءة الدعوة التي كتبها المجمع المقدس وارسلها إلى أوطيخا لتحفظ بعد قراءتها في أعمال المجمع.
فطلب فلابيانوس الأسقف أن تُفرأ الرسالة وتحفظ في دفتر أعمال المجمع.
[لتراجع في مكانها من الكتاب أو في أي مرجع آخر]
وبينما كان المجمع جالساً ينتظر عودة القسان المكرمان ماما وثيوفيلوس اللذان ارسلا ليدعوا القسيس أوطيخا الارشمندريت، وفيما كانت تقرأ لهم تفاسير الآباء القديسين من خصوص الأمانة. نهض الاسقف أوسابيوس وانتصب في وسط المجمع وقال: المنافق الخارج عن الدين المستقيم لا يدع شيئاً خالياً من السجس بل يتبع ويفعل بما يشتهي ويريد. فإني علمت الآن أن أوطيخا أنفذ إلى اديرةا الرهبان كتاباً وطفق يسجس الرهبان. فنيبغي لكم أن تعلموا ذلك لأجل صيانة الأمان والمجمنع المقدس. فلأجل ذلك اتضرع إليكم أن تستخبروا عما ذكرت من هذا القس الذي هو حاضراً هاهنا وهو خادم هيكل الشهداء الذي في السوق السابع ليعلمكم إن كان أوطيخا المذكور انفذ كتاب إلى الأديار وطلب منهم تثبيته بوضع خطوط ايديهم أم لا.
فقال فلابيانوس: هل هو حاضراً ها هنا القس المذكور؟
فقال الكتبة: نعم هو حاضراً.
فقال فلابيانوس: ليأتي إلى الوسط.
وعندما وقف القس في وسط المجمع قال له الاسقف: ماهو اسمك؟
اجاب القسيس: ابراهيم.
فقال له فلابيانوس: وما هي درجتك في الكنيسة؟
فأجاب: إني قس كنيستكم التي في السوق السابع في خدمة قدسكم.
فقال له فلابيانوس: قد سمعت ما قاله الأسقف أوسابيوس.
فأجاب القسيس: نعم
فقال له فلابيانوس: فقل الآن ما علمته من خصوص أوطيخا.
فأجاب القس: إن القس عمانوئيل الارشمندريت وجهني إلى القس استيريوس لكي أعلمه بما أن القس أوطيخا أرسل له كتاب يشتمل على عقائد الدين المسيحي قاصداً منه يثبته بخط يده. وامر ايضاً أن استريوس المذكور ينهي ذلك لقدسكم.
حينئذ قال اوسابيوس: لأن أوطيخا المذكور لم يقصد فقط ذلك في دير القس عمانوئيل، أسالك أن توجه أناس إلى بقية الأديار وتعلم إن كان المذكور انفذ كتاباً قاصداً تثبيته، وقائلاً ان القوم أهانوا الأمانة. لتعلم إن كان الخبر له اصل أم لا.
فاجاب فلابيانوس: ليعمل بما قال أوسابيوس وليمضيا إلى الأديار داخل المدينة القس بطرس المكرم والشماس بطريق المتقي. ولينطلقا خاراجا إلى السيق القس ريطوا والشماس اوطروب. ثم وإلى خلقيدونيا ليمضيا القسان بولس ويوحنا، ليستقصوا منهم إن كان القس أوطيخا انفذ لهم كتابا قاصداً تثبيته بوضع خط اليد أم لا.
وبينما كان الاسقف المكرم فلابيانوس يتكلم، قال الشماس اتيوس الكاتب: قد رجعا إلى ها هنا القسان ماما وثيوفيلوس.
فأجاب الأسقف فلابيانوس: ليقولا بالذي سمعا به من القس أوطيخا الارشمندريت المكرم. وإن كان سيأتي إلى هذا المجمع أم لا.
حينئذ قال القس ماما: لما انتهينا إلى دير القس أوطيخا وقعنا في بعض رهبان واقفين عند الباب. فدخلنا معهم إلى الدير وقلنا لهم إن الاسقف المكرم والمجمع المقدس المجتمع في هذه المدينة، قد وجهون لنكلم رئيس الدير، فاعلموه. فاقبلوا يقولوا لنا أن سيدنا الرئيس ضعيف ولا يستطيع أن يقابلكم، فاعلمونا ما في خاطركم ولأي سبب ارسلتم. فأنكرنا ذكل قائلين نحن مرسلين إليه ويجب أن نتمم الأمر الذي معنا، واتينا برسالة ارسلها إليه المجمع المقدس. فحينئذ مضوا ومن ثم رجعوا وصحبتهم راهباً اسمه أوليسين وقالوا لنا إن رئيسنا ضعيفاً وقد ارسل هذا الراهب لتعرضوا عليه الأمور التي معكم. فلم نرتضي أن نطلعه على شيء بل قلنا: قولوا لنا جهاراً إن كان رئيسكم يريد ان يقابلنا أم لا. فنحن مرسلين من الأسقف المغبوط ومن المجمع المقدس العظيم. فرأيناهم بعد ذلك وقد تكدرت خواكرهم وأنهم طفقوا يكلموا بعضهم بعض بالسر وحيث لم نأخذ منهم جواباً. فقلنا لهم لما حزنتم وهو ليس بأمر صعب ولا هو بمكتوب ما هو مكتوب، بل ونقول لكم أيضاً مضمون الكتاب وهو أن المجمع المقدس قصد للمرة الثاني أن يدعوه يحضر ويحتج عم ادعى عليه الاسقف اوسابيوس. حينئذ دخلوا لعند أوطاخي واعلموه، وبعد ذلك قابلنا القس الوطيخا المذكور وعرضنا عليه كتابكم. وأمر أن يقرأ الكتاب أمامنا. وبعد ذلك قال لنا قد جزمت على نفسي أن لا أخرج من الدير إلا في خطر الموت وأن ينظر المجمع المقدس والاسقف المعزلله أني طعنت في السن جداً. فأجبناه: لا بل امضي وارضي المجمع المقدس عما سمعوا عنك. فقال: انا لم أخرج من ديري لأني هكذا فرضت على نفسي، أما إن كان الأسقف المكرم والمجمع المقدس قصدا يفعلا شيئاً فليصنعا ما يريدا وإني فقط أطلب منهم بأنهم لا يرسلوا أحدا إلي فإني فرضت على نفسي الا أخرج من ديري ابداً. فأتضرع غليكم بأنكم لا ترسلوا أحد ومهما أراد المجمع ليفعل (قبلما يدعيني مرة ثالثة فهما فعل مقبول كأنه يكون دعاني). وأمنا بأننا ننهي لقدسكم هذا الكلام وطفق يلزمنا أن نقبل منه كتاباً نورده لقدسكم فابينا قائلين إن كان بخاطرك شيء فانطلق إلى المجمع واعرض عليها. وبينما كنا نخاطبه أتى بالكتاب واقبل يقرأه لنا. فأنكرنا أن نسمعه، وهو أخذه ووضع به خط يده. وأودعناه وكان يقول إني سوف ارسل هذا الكتاب مثبتاً بخط يدي إلى المجمع المقدس.
حينئذ أجاب فلاببيانوس الأسقف المكرم: فيتكلم الآن القس ثيوفيلوس المكرم الذي أرسل صحبة القس ماما إلى عند القس أوطيخا الارشمندريت بما سمع منه.
فأجاب القس ثيوفيلوس: عندما وصلنا أنا والقس ماما إلى دير القس أوطيخا الارشمندريت سمعنا من فمه قائلاً: اني لم أخرج من ديري إلا بغرض الموت. وأن لا سبيلاً لي إلى أن انتقل من هذا المكان، إني فرضت على نفسي، والباقي مما ذكر القس ماما المتقي الذي انا سمعته من فم أوطيخا القس المكرم.
حينئذ قال أوسابيوس الاسقف: المنافقون يبطئوا مجيئهم وعذرهم غير مقبول. لأن ليس لهم سلطان.... فالآن اتضرع إليكم بأنكم تامروا بحضوره إلى المجمع رغماً عنه بمقتضى القوانين المقدسة.
فأجاب فلابيانوس الاسقف: قد سمع المجمع المقدس كل ما قال القسان، فالآن ليقول لنا الآباء ما يشاءوا.
فاجاب المجمع المقدس: ينبغي لنا أن ننصحه للمرة الثالثة وندعوه إلى المجمع. وإذا خالف أمرنا قد دان نفسه.
فعند ذلك قال الأسقف فلابيانوس: ليمضيا إلى عند القس أوطيخا المكرم القسان ممنوب حارس الأواني المقدسة وابيفانيوس المكرميّن وصحبتهما الشماس جرمانوس ولينهوا له كتاب المجمع المقدس ويدعوه مرة ثالثة من قبلنا ليأتي ويحتج عن نفسه بما قزفوه به.
وهذا هو نص الرسالة التي أرسلها المجمع إلى القس أوطاخي الأرشمندريت:
من المجمع المقدس العظيم المجتمع بنعمة الله في القسطنطينية المدينة المعروفة برومية الجديدة إلى القس أوطيخا الارشمندريت الموقر.
وبعده، فإنك لم تجهل ما هو محدداً في القوانين المقدسة على أولئك الذين لم يطيعوا ولم ياثروا إلى أنهم يردوا جواباً بعد ما أنهم دعوا ثلاثة مرات. فالآن لئلا توجب على نفسك ما قد حكم به حقاً حين ندوك الآن دعوة ثالثة بواسطة القسين ممنون حارس الأواني المقدسة وابيفانيوس وبواسطة الشماس جرمانوس المكرم. فطاوعنا واحضر في المجمع المقدس في النهار الآتي من غير عاقة أعني في يوم الأربعاء في سابع [والصحيح هو السابع عشر، لأن المجمع عقد يوم الاثنين الخامس عشر] يوم في تشرين الأول [والصحيح هو تشرين الثاني].
-
مجمع القسطنطينية - الجلسة الرابعة
مجمع القسطنطينية - الجلسة الرابعة
الباب العاشر - ص 1-2، أو، ص 39-40 بحسب ترتيب pdf:
في يوم الثلاثاء، سادس عشر يوم من تشرين الثاني اجتمع المجمع. وفيما كان يشرح لهم التعاليم الإلهية، قال الشماس سقلبس الكاتب: حضر الآن هاهنا بعض رهبان مرسلين من القس أوطيخا وصحبتهم القس ابراهيم الإرشمندريت المكرم قاصدين الدخول.
فقال فلابيانوس: ليدخلوا.
بعد ما دخلوا صحبة القس إبراهيم واوليسين وقسطنطين وقوصتانسيوس شمامسة دير القس أوطيخا، قال لهم فلابيانوس: من أرسلكم؟
فأجاب القس ابراهيم: الأرشمندريت.
فقال فلابيانوس: أي ارشمندريت؟
أجاب القس ابراهيم الأرشمندريت: أوطيخا.
فقال الاسقف فلابيانوس: لماذا أرسلكم إلى هنا؟
فأجاب القس المذكور: قد ارسلنا لأنه كان ضعيفاً وصلاتك أنه لم يقدر أن ينام طوال الليل حيث يبكي وينوح. وأنا لم أغمض عيناي حيث كان يبكي لأنه من المساء صاح لي لأجل ذلك وقال لي إن أنهي لقدسكم بعض الأمور.
فقال الأسقف فلابيانوس: وأما نحن نصفح ولم نُضيّق على أحد. فمن الله وحده العافية ويوجب لنا أن ننتظر الخلاص منه. فأما نحن لا نقصد الهلاك بل نرغب خلاص الجميع. فإن الله لم يشاء في هلاك الأحياء ونحن لسنا من بني القساوة بل من خصاة الحنيّة الإلهية. فإذا كان جعل نفسه مسكيناً الغنى، فيجب لنا ايضاً أن نقتدي بمسكنته الشريفة لأنه كوننا لأجل فعل الرحمة.
فأجاب القس ابراهيم: وأقدامكم إن أوطيخا المذكور أمرني أن أنهي لكم من قبله بعض الأمور. فإن سالتم مني، فأظهره لكم.
فأجاب الاسقف فلابيانوس: كيف يمكن أن يفزفوه ويأتي آخر يجاوب عنه؟ بل الاصلح ان نبيقي الدعوة إلى حين آخر. فإذا جاء أوطيخا إلى هنا فإنما يجيء إلى عند آبائه وإلى عند أخوته لا لعند الغرباء. بل إلى من هو إلى الآن صديقه. وأن اناس كثيرون قد سمعوا بهذا الأمر وشكورا والآن الذي شكاه لم يمل، فبقي الأمر لازماً بأن يحتج عن نفسه. لما كان نسطور يقاوم الحق المذكور دخل [المقصود أوطاخي] يحامي عن الأمانة المستقيمة. فكم بالحري ينبغي له أن يدخل لهاهنا لأجل الحق وتبرئة عرضه فنحن أناس ولسنا ملائكة. وأنا كثيرون وذوي مقامات شريفة صارت لهم عثرةً بذلك وعلى غشمهم وعدم التمييز طغوا يظنون إلى الأن ان اعتقادهم مستقيماًز فالندامة لا تخجل أحداً بل الثبات في الخطيئة هو معيار. فإنه كما أن السوس ينخر الخشب الذي يولد منه، هكذا ايضاً الخطيئة الثاتبة في فاعلها. ولكن بالحري أن يأتي وإذا قرّ في ذنبه وحرم سوء اعتقاده نصفح له فيما مضى ويعدنا والمجمع المقدس أنه سيتسمك بما فسروا الآباء ولا يعلم بخلاف قولهم شيئاً لأحد ولا يجادل أمام أحد، هكذا يقتضي الحق لأني عارفه قبل منك وهو عرفني قبل أن يعرفك.
فاجاب القس ابراهيم: وحق أقدامك هكذا صار.
وبعدما قام الجالسون في المجمع، قال فلابيانوس: أنتم تعلمون غيرة المشتكى أن النار تبان له باردة لموضع غيرته لحفظ التقوى والأمانة، والله أعلم اني نصحته وتضرعت إليه قائلاً له بالله لا تفعل يقنع ولم ماذا كنت أفعل أنا لعلي طالباً تشتيتكم معاذ الله من ذلك ولا بالحري اني أجمعكم فالأعداء يبددون والآباء يجمعون.
أرسل اوطاخي الأرشمندريت ابراهيم، ليستفسر ويجيب عنه. وابدى فلابيانوس عطفاً ابوياً رائعاً. إذا قال لابراهيم أنه يريده أن يأتي ويندم ويتوب ولا يسره ان يحرمه.
-
مجمع القسطنطينية - الجلسة الخامسة
مجمع القسطنطينية - الجلسة الخامسة
الباب الحادي عشر - ص 40-43 بحسب ترتيب pdf:
في اليوم السابع عشر من تشرين الثاني، اجتمع المجمع ثم قال أتيوس الكاتب: المرسلون الذين وجهتوهم في النهار الذي مضى وهو السادس عشر من تشرين الثاني إلى عند أوطيخا الأرشمندريت ليدعوه مرة ثالثة. قد جاءوا وهم حاضرين... إلخ
فقال الاسقف فلابيانوس: ليقل أولاً القس ممنون ماكان جواب أوطيخا؟
فأجاب ممنون: فعلنا بما رسم قدسكم وعندما دخلنا لعنده دفعنا له كتاب المجمع فقبله وقرأه وبعد ذلك قال لنا: قد أرسلت القس ابراهيم الارشمندريت إلى عند قدس مطراننا وإلى المجمع لينهي لهم من قبلي ويبلّغهم اعترافي واني معتقداً بكل ما قال الآباء القديسون الذين اجتمعوا في نيقية وفي افسس. وبكل ما قال كيرلس الطوباوي.
وبينما كان القس ممنون يتكلم، قال الاسقف أوسابيوس: [من الواضح] أنه الآن قد رجع إلى الأمانة المستقيمة. ولكن أنا لم أدعي عليه إلا بما مضى منه، فإذا إن ابرز له أحداً تفسيراً وقال الآن اقبله لأجل الضرورة وثبته بخط يدك ، هل أنه لأجل ذلك أنا كاذباً ومغلوماً.
فأجاب فلابيانوس: لا أحد يأذن لك بالرجوع عن الدعوة ولا يسمح لذاك ألا يرد الجواب على ما حدث منه سابقاً.
فأجاب أوسابيوس: قد تضرعت إليكم أن هذه الكلمة لا توجب علي ضرراً فإني مستعداً أحقق بشهود صادقين أنه علّم الناس بتعليم فادس وأنه رمى فتن كثيرة وسجساً عظيماً في البيعة. وقد بكته مراراً كثيرة ليعترف بالأمانة المستقيمة فلم يمل إلى كلامي. ومن غير ذلك إن قلنا للمسجونين ألا تسرقوا من الآن، فيقولون نعم.
حينئذ قال فلابيانوس: وإن كان ايضاً القس أوطيخا يعدنا ألف ميعاد أنه سيقبل بخط يده سنن الآباء الأطهار وتعليمهم لم يجب عليك بذلك أذاء فإن يلزمه كما ذكرنا أنه يرد الجواب على كل ما أنت ادعيت به عليه.
حينئذ أجاب ممنون حارس الأواني قائلاً: إن أوطيخا كان قال لي إني ضعيفاً وارسلت لأجل ذلك القس ابراهيم للمجمع، فلما قلت له لا بل ينبغي أن تحضر أنت في المجمع وتحتجة عما قزفوك به، فأجابني قائلاً: إني أنتظر الآن أنباء ابراهيم لعله يكون أرضى قدس الأسقف والمجمع. فقلت له: وما يصير؟ هل قصدت اننا نمكث هنا فقلت له: وما يصير؟ هل قصدت اننا نمكث هنا إلى حين مجيئه؟ فقال: لا بل أتضرع إليك بأنك تعرض للاسقف بأنهم يمهلوا في دعوتتي هذه السبت ونهار الإثنين إن شاء الله أتوجه إلى عندكم وأرد الجواب لقدس الاسقف والمجمع المقدس.
فأجاب فلابيانوس قائلاً: فليقل لنا الآن القس ابيفانيوس ما الذي سمع من أوطيخا الارشمندريت؟
فأجاب ابيفانوي: ذهبت صحبة القس ممنون والشماس جرمانوس بما رسم قدسكم وأعطينا القس اوطيخا الكتاب المرسل إليه من قدسكم لياتي ويحضر في المجمع، وبعد ما قرأه قال ما أنهى لكم بتمامه القس ممنون.
فقال فلابيانوس الاسقف: ليقل الآن الشماس جرمانوس ما سمع من فم أوطيخا؟
فأجاب جرمانوس الشماس: فنحن كما رسم قدسكم والمجمع المقدس مضينا إلى القس أوطيخا وقال لنا ما أنهيا سابقاً لقدسكم القسان المكرمان، أعني ممنون وأبيفانيوس.
حينئذ أجاب أوسابيوس الاسقف: قد أخبرت قدسكم أولاً أن أوطيخا الأرشمندريت اقبل يرمي فتن ويسجس في الأديار حيث أنفذ لهم كتاباً قاصداً منهم تثبيته بوضع خطوط ايديهم. ولذلك توسلت إلى قدسكم أن توجهوا أناس إلى الأديار وتسقصوا عن هذا. وعند ذلك ارسلتم بعض قسوس وشمامسة، فأسألكم الآن أنكم تأمروا باحضار قصّادكم ليظهروا لكم ما قد سمعوه من الرهبان.
فأجاب الاسقف فلابيانوس: فليعلمونا الكتبة من هم القصاد؟
فأجاب الكتبة: المرسلان هما القس بطرس والشماس بطريق وهما حاضران.
فأجاب فلابيانوس الأسقف: ليقولا الآن ما الذي سمعاه من فم روؤسا الرهبان.
فأجب القس بطرس: إن قد ذهبت كما رسم قدسكم وامر المجمع صحبة الشماس بطرس إلى ديس القس مرتينوس الارشمندريت فسالناه عن أمر أوطيخا وإن كان المذكور أرسل له كتاباً أم لا. فأجاب قائلاً: "أن في يوم الجمعة أي في اليوم الثاني عشر من شهر تشرين الثاني، انفذ إلي كتاباً مع الشماس قسطنطين طالباً مني أثبته بخط يدي. فأنكرت ذلك وقلت له إن تثبيت الأمانة إنما يخص الأساقفة فقط. فأرسل يقول لي ايضاً إن كان أنم الآن لا تتفقوا معي والأسقف يهينني، فهو بعد ذلك يعد بكم أنتم ايضاً". وهذا هو ما قاله لي القس مرتيتوس المذكور. فبعد ذلك انتقلنا إلى دير القس فاوستوس الأرشمندريت.
حينئذ قال فلابيانوس الأسقف: وماذا قال القس مرتينوس الارشمندريت في مضمون الكتاب الذي لم يريد تثبيته بخط يده؟
فأجاب القس بطرس: إن الارشمندريت المذكور ذكر لنا أن مضمون الكتاب كان يشتمل على ما صار في مجمع افسس.
فأجاب الأسقف فلابيانوس: هل وقف عليه القس المذكور وفهم معناه؟ أم سمع ذلك من أحد؟
أجاب القس بطرس: لم يقف عليه بل سمع أن مضمونه هي أقوال كيرلس وأعمال المجمع الافسسي وان الكتاب محرر ولكن التحرير كان محجوباً وكذلك ايضاً يقول القس الموقر الارشمندريت فاستوس، بأنه: "قد أُرسلت له صحيفة على يدي قسطنطينوس واولسينوس، قاصداً منه بأن يضع خط يده مثبتاً له. ثم أنه كان يقتضي منه [معرفة] معنى وقضية الصحيفة. اما اولئك فكانوا يقولون بأن الصحيفة تشمل على شرح الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر وشرح الآباء القديسين المجتمعين في افسس. ثم إني جاوبتهم وقلت لهم توجد نسخة من تلك القوانين محفوظة عندنا فأعطونا إياه لننظرها لعل يوجد فيها زيادة. فلم يطاوعون، ولكنهم قالوا أما نحن، فنحن أولاد الكنيسة. ثم لنا اب واحد بعد الله ومطران واحد". ثم ان أنبا ايوب قال لم يرسل إليه كتاباً، وأنه كان يقال أن في هذه الايام سيرسل المطران كتاباً لكيما تضع فيه خط يدك، وإياك أن تقبل كلامه. فقصدنا عمانوئيل وقال بأنه لم يرسل إليه كتاب، فقصدنا ابراهيم وكان يقول بأنه لم يرسل له كتاب ولا قاصد.
فقال فلابيانوس الاسقف: فليقل الشماس بطريق أي كلام قد سمع من القسوس وروؤساء الأديار الموقرين.
فقال الشماس بطريق: قد ارسلت من قدسكم والمجمع المقدس صحبة القس بطرس وسمعت تلك الأمور التي أقر بها القس الموقر بطرس.
حينئذ قال أوسابيوس الاسقف: فلتنظر جيداً قداستكم الأمور التي قد ارتكبها وفعلها أوطيخا وبأنه هو يقر ويعترف بأمور متباعدة عن الإيمان القويم. ثم أن وأمور تشابه هذه قد قصها وحكاها القس الحارس يوحنا الموقر الذي قد أرسل والشماس أندراوسواثناسيوس شماس باسيليوس الاسقف والذي أعلنوا لقداستكم الآن الأرشمندريتيون الموقرون على ايادي الشمامسة العابدين المرسلين. فلم يبقَ له الآن عذراً. فلأجل ذلك أتضرع إليكم تعملوا بمقتضى القوانين المقدسة فيما يخص دعوته. فإن الذي يرمي الفتن ويعتقد اعتقاداً حائداً عن الأمانة المستقيمة على أي وجه من الوجوه لا يستحق مقاماً بين كهنة الله وروؤساء الأديار وتأملوا ايضاً أنه قد ظهر كاذباً في إيمانه. فإن الذي قال إني جزمت على نفسي أن لا اخرج من مكان وأن الدير قبري، يقول الآن ويعدنا بالمسير إلى المجمع قصاداً أن يؤخر دعوته وطالباً أشياء خبيثة لكيما يحرف عن ما يظهر عليه من النفاق والاثم ويهرب بهذا السبيل من المجمع.
فقال المطران فلابيانوس: يكفي ما قيل بأمر القس أوطيخا لنتيقن بأنه حائداً عن الدين القويم وقاصداً يسجس الكنيسة وأنه قد وجبت عليه العقوبة المفروضة في القوانين وأنه كان ينبغي عزله من الكهنة ومن رئاسة الدير التي هو فيها ولكن لكيما يصير بذلك فحصاً بالغاً قد أمهلنا بأمره كما طلب الآن، لأن هكذا إذا حضر يُدان من كلامه وإن كان القس أوطيخا الأرشمندريت لم يحضر يوم الاثنين المزمعة كما وعدنا، أعني يوم الثاني والعشرون من شهر تشرين الثاني، سيعدم على كل حال من درجة الكهنوت وسيعزل من رئاسة الدير.
-
مجمع القسطنطينية - الجلسة السادسة
مجمع القسطنطينية - الجلسة السادسة
الباب الثاني عشر - ص 44-46 بحسب ترتيب pdf:
في يوم السبت في عشرين من شهر تشرين الثاني، اجتمع المجمع ثم قام أوسابيوس الاسقف وقال: أطلب أن يحضروا أصحاب أوطاخي وهم "القس نرسيس الساكن في ديره" و"مكسيموس الأرشمندريت صاحبه" و"الشماس قسطنطينوس" و"ايلوسينوس شماس ديره" لكي يتم فحص أمره أمامهم، ويظهر حق الدعوة.
فوافق فلابيانوس وقال: ليصير كما طلب الأسقف أوسابييوس المكرم ليدعوا المذكورين ليحضروا في اليوم المرسوم. [أي في يوم الاثنين، 24 تشرين الثاني مع أوطيخا]
فقال أوسابيوس: قد بلغني أن في الجلسة الثانية سمع القسان المرسلان بعض كلام من القس أوطيخا، ولم يقرأوها لما سألتموهما سابقاً في المجمع وإن أظهروها يكشف لنا اعتقاد المذكور. واتضرع أن تدعوا القسين ماما وثيوفيلوس ليقولوا ما الذي سمعاه من اوطيخا على الأناجيل المقدسة.
فأجاب المطران فلابيانوس: يقول الآن الكتبة إن كان القسين حاضرين أم لا.
فأجاب الكتبة: القس ثيوفيلوس حاضراً أما القس ماما فهو غائباً.
فقال المطران فلابيانوس: قد سمعت ما قاله الأسقف أوسابيوس، فلأجل ذلك اجعل أمامك خوف الله وقرّ بالحق بما سمعت من القس أوطيخا لما أُرسلت لعنده لتدعوه.
فأجاب القس ثيوفيلوس قائلاً: وصلنا إلى دير القس أوطيخا الارشمندريت ومنحنا له صحيفة الدعوة المرسلة وأقبل يجادلنا فقال له القس ماما: لم نأتي لنجادلك بل لندعوك للحضور في المجمع. فطفق القس أوطيخا أمام القس نرسيس ومكسيموس الأرشمندريت يقول: في أي كتاب تجد طبيعتين وبعد ذلك أي من الآباء القديسين قال أن الله الكلمة له طبيعتان؟ فأجبناه قايلين له وانت ايضاً بين لنا بأي كتاب وجدت مكتوب المساوي بالجوهر فأي كتاب من الكتب المنزلة يقول ذلك؟ فأجاب اوطيخا وقال تلك الكلمة لم توجد في الأسفار المقدسة ولكن انوضعت في تفسير الآباء القديسين. فأجاب القس ماما وقال أن تلك الكلمة لم تجد في الكتب المنزلة بل تفسرت من الآباء القديسين. كذلك ايضاً مقالة الطبيعتين هي ظاهرة في تفاسير الآباء الكلي قدسهم. فأجبته أنا ايضاً -الكلام مازال على لسان الأب ثيوفيلوس- على ذلك هل الكلمة هو إله تام أم لا؟ فأجاب القس المذكور وقال نعم هو إله تام فقلت له أنا هل هو إنسان تام بعد ما تجسد؟ فأجاب القس المذكور وقال نعم هو إنسان تام! فقلت له إذاً إن كان الله الكلمة هو إله تام وإنسان تام هذان الاسمان يجعلان ابناً واحداً فأما من هو الذي يمنعنا عن القول أن الابن الوحيد هو من طبيعتين فأجابنا على ذلك أوطيخا المذكور معاذ الله من ذلك ان اقول أن المسيح من طبيعتين أم أتكلم أم أفحص في طبيعة إلهي. فإذاً إن قصدوا يسقطوني من درجتي أم إن كان يطلبون يفعلوا بي شي فليصنعوا فإرادة الله تكون فإني انا ثابتاً في الأمانة التي تسلمتها ثم وارغب أموت فيها. هذا الذي سمعته منه.
فهنا اعترض فلابيانوس وسأل ثيوفيلوس: قل لنا لأي سبب لما وصلت اولاً اخفيت ما قلته الآن؟
فأجاب ثيوفيلوس: لأنكم لم ترسلونا لهذا، ولم تسألونا عن الحديث الذي دار، ولأن الحديث هذا كان فضولاً منا ولم نؤمر به.
وهنا قال الكتبة أن الاب ماما قد وصل. فطلب فلابيانوس أن تقرأ شهادة ثيوفيلوس على ماما،
فقال القس ماما بعد قراءتها: لو أن القضية كانت تخص أحد الناس ما كنت لأكذب لأني كاهناً. فكم بالأحرى وبالزيادة لا أستطيع أن أكذب في هذا الأمر، هو أمر الدين. معاذ الله من أني أجحد شيئاً أم أكذب إننا لم أُرسلنا من المجمع إلى أوطيخا لم يأمرنا المجمع إلا أن نورد له كتاب الدعوة ونسمع جوابه إن كان ياتي أم لا. لأجل ذلك في الشهادة الأولى لم نذكر ماتكلم به المذكور معنا حيث زعمت أن ذلك كان فضولاً مننا ولكن بسبب أن الاسقف اوسابيس وقصدنا نقرأ بما نهينا لقدسكم سابقاً فأنا أشهد بكل ما قاله الآن القس ثيوفيلوس، حيث كنا صامتين ولم نشاء أن نكلمه بشيء طفق يجادلنا متكلماً فيما يخص الأمانة حسب اعتقاده. فاقبلنا نبكته بلطف لأنه كان يقول أن الله الكلمة تجسد وجاء ينهض الطبيعة البشرية. فأجبته وماهي الطبيعة التي جاء يقيمها؟ فأجاب إن تلك كانت الطبيعة البشرية. فقلت له اذكر ما قلت الآن في الطبيعة البشرية فقل لنا الآن وما هي الطبيعة التي أخذت هذه الطبيعة البشرية؟ فطفق يقول إني لم أتعلم من الكتاب المقدس عن الطبيعتين. فقلت له: ولم نتعلم أيضأً من الأسفار الإلهية المساوياً بالجوهر بل من الآباء القديسين الذين بالتقوى فهموا معاني الكتب الإلهية وفسروها تفسيراً صادقاً. فهكذا بلغنا أمر المساوي بالجوهر وأن المسيح ابن الله هو من طبيعتين. فأجابنا على ذلك قائلاً: اما أنا فلا افحص الآن في طبيعة اللاهوت ولا اقول طبيعتين معاذ الله من ذلك وأنا هنا وإن حكموا علي اساقفة المجمع فالدير يكون لي قبراً وإن قدر الله علي شيئاً احتمله بغير منع. فأما أنا فلا أعتقد بطبيعتين. هذا الذي ذكر لنا أوطيخا لكن بسبب ما ذكرت أننا لم نرسل لنفحص اعتقاده بل أن نعطيه خطاباً ونسمع جوابه. فلأجل ذلك ما ذكرنا سابقاً شيء من هذا القول.
-
مجمع القسطنطينية 448 - الجلسة السابعة
مجمع القسطنطينية 448 - الجلسة السابعة
الباب الثالث عشر - ص 44-51 بحسب ترتيب pdf:
جاء اليوم المعود، 22 تشرين الثاني يوم الاثنين. فطلب فلابيانوس أن يتم استدعاء اوطيخا إن كان في الدار البطريركية. فجاءه الجواب بعدم وجوده ولا وجود أحد من خاصته. فطلب البحث عنه وأرسل الشماسان فيلادلفوس وكيرلس، فجاءه جواباً يقول أنهما سمعا أن أوطيخا اتياً بعسكر عظيم وجمع من الرهبان وناس من طايفة الحاكم وشرطة كثيرين. وما كادوا ينتهون حتى أقبل القس يوحنا وكيل الكنيسة أن أوطيخا قد أقبل وصحبته عسكر عظيم وقوم من الرهبان والشرطة وطايفة كبير الديوان، انهم لم يأذنوا لأوطيخا الدخول إلى مجمعكم إلا توعدوهم تردوه لهم قم قد أتى صحبته كبير حراس دار الملك وهو واقفاً خارج الدار يطلب اجازة الدخول قائلاً انه مرسل من ملكنا. فسمح فلابيانوس بدخولهم.
ولما دخلوا قرأ كبير الحراس رسالة الملك بحفظ الإيمان وتعليم المجامع.
وبعدها أخذ وشد وقراءة رسائل كيرلس الكبير، وابتدأ اوسابيوس يوجه اسئلة لاوطيخا:
أوسابيوس: هل القس أوطيخا يقبل ما قرئ الآن من قول كيرلس ذو الذكر الصالح وثيبت أن صار اتحاد الطبيعتين في اقنوم واحد وفرصوف واحد أم لا؟
أوطيخا: نعم صار اتحاد الطبيعتين.
اوسابيوس: اتعتقد بطبيعتين ايها الارشمندريت بعد التجسد وأن المسيح مساوياً لنا في الجسد أم لا؟
أوطيخا: أنا ليس أتيت لأجاه لكم بل لأعرض على قدسكم اعتقادي وأمانتي مرقومة في هذا القرطاس أمروا بقرائتها.
فلابيانوس: اقرأها أنت
أوطيخا: ليس لي استطاعة على ذلك.
فلابيانوس: لأي سبب لم تستطيع تقرأها هل هو شرحك أم شرح غيرك؟ فإن الشرح شرحك اقرأه أنت بمفك
أوطيخا: أما الشرح شرحي وهو موافق لما قد شرحوا الآباء القديسين.
فلابيانوس: ومن هم هؤلاء الآباء؟ قل بفمك ما هي حاجتك للقرطاس؟
أوطيخا: هذه هي صورة اعتقادي أسجد للآب مع الابن وللابن مع الآبولروح القدس مع الآب والابن ثم أعتقد بأنه ظهر لنا في الجسد من جسد العذراء الطاهرة وصار إنساناً كاملاً لأجل خلاصنا كذلك أعترف الآن أمام الآب والابن وروح القدس.
فلابيانوس: أتعتقد بأن المسيح هو مساوي للآب في اللاهوت ومساوي لنا في الناسوت وأنه هو بعينه ابن واحد ورب واحد الذي هو يسوع المسيح؟
أوطيخا: لأني جعلت نفسي بين يدي قدسكم قد أعرضت عليكم اعتقادي بالآب والابن ورح القدس فلا تسألوني عن غير ذلك البتة.
فلابيانوس: هل ما تعتقد بالمسيح طبيعتين؟
اوطيخا: لأني معتقد بإلهي رب السماء والارض فما ظننت إلى الآن أني أجادل في هيئة طبيعته أما اعترف الآن أني ليست قط أبداً أنه مساوياً لنا في الجوهر.
فلابيانوس: هل ما قلت عن المسيح أنه مساوي للآب في اللاهوت ومساوي لنا في الناسوت:
أوطيخا: إلى هذا الحين لم أقل أن جسد ربنا وإلهنا هو مساوي لنا في الجوهر وإنما أعترف أن العذرى هي مساوية لنا في الجوهر وأن إلهنا قد تجسد منها.
فلابيانوس: فإذاً تقول أن البتول هي مساوية لنا في الجوهر وأن منها قد تجسد المسيح ربنا
أوطيخا: نعم قد قلت ان البتول هي مساوية لنا بالجوهر.
باسيليوس: فإن كان الأم مساوية لنا في الجوهر وهو كذلك لأنه تكنى ابن الإنسان فإذاً إن كان والدته هي مساوية لنا بالجوهر المسيح أيضاً هو مساوياً لنا بالجسد
أوطيخا: فلأنكم الآن تقولون هذا فأنا قد قبلت قولكم.
البطريق فلورنسيوس: حيث والدة المسيح هي مساوية لنا في الجوهر من غير شك أن الابن ايضاً مساوياً لنا في الجوهر.
أوطيخا: إلى الآن ليس قلت بذلك أني أعترف ان ذلك الجسد هو جسد الله افهم اني ما قلت أن جسد الإنسان هو جسد الله بل قلت ان جسده هو جسد بشري وأن الرب تجسد من البتول فإن كان يلزم أن اقول أن جسد المسيح من البتول وأنه مساوياً بالجوره لأجسادنا فليس أخالفك ولكن أعترف أن ابن الله الوحيد هو رب السماءء والأرض ومساوي للآب في السلطان والولاية وهو جالساً عن يمينه ويرفع له وللآب معاً الشكر والتمجيد، إني ليس اقول انه مساوياً لنا بالجوهر ولا أجحد أنه ابن الله ثم سابقاً قلت ذلك والآن اقول لك ما هو في رأي وفي البدء ليس قلت ذلك ولكن الآن لأن قدسكم هكذا يقول أنا ايضاُ قد قبلت هذا المقال.
فلابيانوس: إذاً تعترف الآن بالإيمان القويم ليس من تلقاء نفسك بل رغماً عنك ولأجل الضرورة الداعية.
أوطيخا: هكذا اقول الآن فإلى هذا الحين كنت خايفاً اتكلم بذلك ولكن لأني عالماً بحقائق ربنا وإلهنا ليس خطر قط في بالي اني افحص عن طبيعته ولكن بسبب أن الآن قدسكم تأذنولي وتعلموني فالآن أتكلم.
فلابيانوس: قل ونحن ليس ندخل في الأمانة بديعة بل إنما نقول فقط ما فسروا آباؤنا وكما تفسرت منهم الأمانة هكذا تمسكنا بها اعتقاداً وقصدنا نثبت فيها ولا أننا نبدع فيها شيئاً.
البطريق فلورنسيوس: أتقر أنت بأن ربنا وسيدنا يسوع المسيح المولود من البتول هو مساوياً لنا في الجوهر وقائماً من بعد التجسد في طبيعتين أم لا؟
أوطيخا: أما أنا أعترف الآن أن سيدنا يسوع المسيح كان من قبل الاتحاد من طبيعتين أما من بعد الاتحاد أعترف به طبيعة واحدة فقط.
المجمع: ينبغي لك يا أوطيخا أنك تعترف اعترافاً واضحاً وتلعن كل تعليماً مضداً لما قرئ الآن.
أوطيخا: قد قلت سابقاً لقدسكم اني من قبل الآن ليست كنت اقول هكذا لكن إن هكذا رسم قدسكم أعترف بهذا الاعتقاد وأقتدي بما قالوا الآباء لأني ما وجدت موضوع هذا المقال في الأسفار المقدسة ولا كل الآباء قالوا بهذه المقالة أما إن لعنت اعتقادي الويل لي لأني ألعن بذلك آباني.
المجمع: ستكون أنت محروماً
فلابيانوس: ماذا يستحق هذا الرجل الذي لم يعترف اعترافاً واضحاً بالاعتقاد المستقيم ولم يريد يقبل اعتقاد هذا المجمع ورفض مقاله مستمراً على مكره.
بعض الحاضرين: الحرمان
اوطيخا: إنما اقول ذلك المقال لأن هكذا رسمتم الآن فلكن ليس العن مذهبي لأن الذي أقوله هو حقاً.
البطريق فلورنسيوس: إنك تقول طبيعتين فقل ايضاً أن المسيح كان مساوياً لنا بالجوهر.
أوطيخا: قد قرئت كتب القديس كيرلس والآباء القديسين وكتب القديس اثناسيوس وقد وجدت أنهم قالو في المسيح طبيعتين من قبل الاتحاد أما بعد الاتحاد والتجسد ليس قالوا به طبيعتين بل طبيعة واحدة.
البطريق فلورنسيوس: أتعترف في المسيح طبيعتين من بعد الاتحاد؟ فقل لنا إن كان لم تقول صرت مدان ساقط من درجتك.
أوطيخا: أقرأوا كتب القديس اثناسيوس لتعلموا أنه قط لم يذكر بمثل هذا التعليم.
باسيليوس: إن لم تقول طبيعتين في المسيح بعد الاتحاد أدخلت بينهما امتزاجاً واختلاطاً.
البطريق فلورنسيوس: فمن لم يقول ان المسيح هو من طبيعتين وأن له طبيعتان فهو حايد عن الأمانة المستقيمة.
المجمع: من يعترف بالاعتقاد القويم رغماً عنه ليس ذلك مؤمن.
البطريق فلورنسيوس: إن إيماننا هو منتصراً في كل حين.
المجمع: أما أوطيخا قد لم يجنح لقولك لماذا تنصحه؟
فلابيانوس: قد وكدنا من ساير الوجود ومن ما صار سابقاً ومن تقريره أن أوطيخا الذي كان سابقاً قس ورئيس دير قد سقط في بدع افوليناريوس وبالنتين وأنه قد اقتدى بتجديفهما وأنه حيث لم يذعن لاقوالنا أنكر قبول التعليم المستقيم فلأجل ذلك نحن في البكاء والنوح على هلاكه حكمنا باسم ربنا يسوع الذي جدف عليه أوطيخا بأنه الراهب المذكور يكون ساقطاً مفرزواً عن ساير خدم الكهنوت ومعتزلاً عن شركتنا ومن رياسة الدير ثم نعلم الجيمع أن كل من فيما بعد يخاطبه أم يذهب إليه سيكون محروماً لأنه ليس تجنب صحبته وخطاباً وأنا فلابيانوس اسقف القسطنطينية المعروفة برومية الجديدة حكمت بهذه القضية على المذكور أعلاه وثبتها بخط يدي وأنا ساطرنينوس أسقف مدينة مرقيانبلس ثبت هذه القضية بخط يدي.
وهكذا حكموا وكتبو بقية الاساقفة الحاضرين، كانوا بالعدد 31 أسقفاً من جهات مختلفة و20 رئيس دير.
وبعد أن اسقط من درجته عرض حاله للملك وادعى على فلابيانوس ومجمعه بأنهم اسقطه جوراً وطلب منه يأمر أن يصير مجمع آخر في دعوته فاستجابه الملك وأمر أن يجتمعوا دفعة أخرى الأساقفة يفحصون عن امره كما هو باين من الباب الرابع والعشرين. ثم من بعد ما تحقق في هذا المجمع أيضاً كفر أوطيخا اقبل بتضرع إلى الملك بأنه يأمر بمحضر آخر ويفصل به تلك المنازعة وفي هذا المحضر قرين اعمال مجمع قسطنطينية وفحصوا عنها فوجودها صحيحة صادقة حينيذ أبقوا أمر أوطيخا إلى مجمع افسس العام وهو الافسسي الثاني الزور وقد شرحنا ذلك في الباب الخامس والعشرين.
وهكذا انتهت أعمال مجمع القسطنطينية المكاني 448، ولكننا سنعود إليه فيما بعد. وكما وجدنا، أن أوطيخا لم ينكر التجسد، وأن في المسيح طبيعة بشرية. ولكنه اعتمد تعليم المجمع المسكوني الأول القائل بأن طبيعة الابن هي عينها طبيعة الآب، واعتمد تأكيد القديس كيرلس والمجمع المسكوني الثالث، بأن المسيح له طبيعة واحدة متجسدة.
فهي إذاً طبيعة إلهية واحدة، متجسدة.
وننتقل الآن إلى أعمال المجمع الأفسسي اللصوصي 449....
-
المجمع الأفسسي اللصوصي - أحكام الرسائل المتقدمة للمجمع الافسسي الثاني المسقوط من عدد المجامع.
أحكام الرسائل المتقدمة للمجمع الافسسي الثاني المسقوط من عدد المجامع.
الباب الرابع عشر - ص 51-62 بحسب ترتيب pdf:
وهم: رسالة البابا لاون إلى أوطيخا الذي يدافع فيها عن أوطيخا ويصفه بالـ "ابن"، لأنه قد أرسل رسالة إلى لاون يخبره بنسطورية فلابيانوس.
فرسالة من البابا لاون إلى الأمبراطور ثيودوسيوس يعلمه بسماعه لما جرى، وأنه أرسل رسالة إلى فلابيانوس يستقصي فيها ما حدث في المجمع المذكور.
فرسالة البابا لاون إلى البطريرك فلابيانوس، يوبخ فيها البطريرك فلابيانوس لأنه لم يعلم البابا لاون بأعمال المجمع، وإنما سمع عن أمور الكنيسة من أشخاص آخرين، ثم يذكر بأنه لا يرَ سبب لقطع أوطيخا من الشركة، وأنه لن يقوم بأي خطوة قبل أن يُرسل فلابيانوس رسالة أو مندوب يعلمه فيها ما جرى.
فرسالتي البطريرك فلابيانوس يُعلم بما البابا لاون ماجرى في المجمع وماهي بدعة أوطيخا.
فرسالة البابا لاون إلى البطريرك فلابيانوس، وهي الرسالة المعروفة بـ "طومس لاون".
فنلاحظ هنا أن بداية الأمر، قد تشكك البابا لاون في سلامة إيمان فلابيانوس، ومال لجهة أوطيخا بسبب شكوة الأخير بأن فلابيانوس نسطوري، ولكن بعد أن فهم ما يدعو إليه أوطيخا، ارسل طومسه المعروف وفيها شرحه للإيمان الأرثوذكسي في طبيعتي المسيح.
فرسالة من البابا لاون إلى الأسقف يوليانوس (أسق قوّة) يعلمه فيها عن بدعة أوطيخا، ويطلب إليه الذهاب إلى المجمع الذي عقده الأمبراطور، بطلب من أوطيخا وصحبه في أفسس.
فرسالة إلى الأمبراطور ثيودوسيوس يعلمه فيها البابا لاون، من سيكون نوابه في المجمع المذكور.
فرسالة البابا لاون، إلى مجمع أفسس اللصوصي، ونرى هنا أنه من الجيد ذكرها:
من لاون الأسقف إلى المجمع المقدس المجتمع في أفسس،
فكون الملك الحليم لموضع أمانته المستقيمة وعلمه بأن عزه وارتفاع شأنه موقوفاً على نقض البدع والطغيان من البيعة الجامعة، قد أدى الطاعة للقوانين الإلهية فيما أراد أن صاحب الكرسي الرسولي يصلح هذه الأمور وهذا الريب الذي حدث الآن قاصداً من بطرس الرسول شرح ذلك الاعتقاد الذي قد نشد في اعترافه حيث لما قال الرب ماذا يقولون الناس في ابن البشر فذكروا التلاميذ آراء كثيرة مختلفة أما لما سألهم عن اعتقادهم، هامة الرسل بطرس الرسول حصر بمقال مختصر كمال الأمانة قائلاً: أنت هو المسيح ابن الله الحي أعني أنت بالحقيقة ابن البشر وأنت بعينك ابن الله الحي وأنت حقيقي في اللاهوت وحق في الجسد، ومكثت بك سالمة خاصة الطبيعتين وأنت واحد في الاثنتين فلو أن أوطيخا يعتقد بفهم وغيرة بهذا المقال لعمري أنه ما كان حاد عن صراط هذه الأمانة ثم لأجلها قد جاوبه الرب طوباك يا سمعان ابن يونا لأن ليس اللحم ولا الدم أوحيا لك هذا بل أبي الذي في السموات، أقول لك أنك أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة ابني بيعتي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها فصار متباعداً جداً من نظام هذا البيان الذي لا يفهم اعتقاد بطرس المغبوط ويجحد إنجيل المسيح فاستبان أنه قد لم يعتني ليبلغ الحق وظهر غير مستحقاً الكرامة والتوقير حيث عدم في هرمه الذكاء والفطنة ولكن لأن ليس بواجب منا أن نهمل معالجة هؤلاء السقماء ثم لأن الملك المسيحي قد رسم في سبيل التقوى والعبادة باجتماع مجمع الأساقفة لكيما ينقض الطغيان بحكم كامل فقد وجهت من قبل إخوتنا الأسقف يوليانوس وريناد القس وابني ايلاروس الشماس وصحبتهم دولشيسيوس الكاتب ذا السيرة الحميدة والأمانة الصحيحة بمقامي يحضرون في مجمع المقدس وحكموا برأي متفق معكم بما يرضي الله أعني أنهم ينفقوا أولاً الطغيان ويفصحوا عن توبة ورجوع الذي أخطاء بغشمه إن كان يرجع إلى تعليم الحق وينفي اختراعات الملحدين بالكمال وعلانية من فمه وبخط يده تائباً عن الاعتقاد الفاسد الذي كان سقط فيه وذلك مما استقر لنا في العرض حال الذي أنفذه إلينا حيث وعدنا أنه سيتبع في كل شيء رأينا فأما من بعدما وقفنا على رسائل أخينا فلابيانوس قد كتبنا له بشرحاً طويلاً عما كان فوضه إلينا لكيما من بعد نقض هذا الرأي الفاسد الذي وقع به أوطيخا المذكور تحصل وتكرم في سائر آفاقات المسكونة مجداً لله جل ذكره أمانة واحدة واعتقاد واحد وباسم يسوع تجثو كل ركبة مما في السماء ومما في الأرض ومما في أسافلها ولك لسان يعترف أن الرب يسوع المسيح هو في مجد الله الآب، آمين. حرر في منتصف حزيران... إلخ
-
رد: المجمع الأفسسي اللصوصي - أحكام الرسائل المتقدمة للمجمع الافسسي الثاني المسقوط من عدد المجامع.
أخي الحبيب في الرب ألكسي،
أشكرك على هذا المجهود الجبار، وربنا يزيدك من نعمه دائماً.
لاحظت في المشاركات الأخيرة، أقصد المشاركات التي وضعتها في الأمس، أنها لا تخلو من الأخطاء الإملائية، التي كثيراً ما تعثر فهم القاريء، على الأقل أنا شخصياً، فهناك جمل لم تكن تعطي معنى منطقياً وتركيب الجمل فيها غير منطقي.
صلواتك
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
أخي يوحنا، كما قلتُ في المشاركة الأولى بأنني أحياناً كنت أقتبس حرفياً وذلك للأمانة واحياناً أقوم بتعديل النص... وأن الكتاب لغته العربية ركيكة جداً، فلذلك استميحك عذراً وهذا الخطأ من المصدر ومني أحياناً، عندما يكون الخطأ إملائي بسبب السرعة في الكتابة. فالكتاب يقع في 260 صفحة، نقلت منها ما يقارب الـ 210-230 صفحة، خلال بضعة ايام بسبب ضيق الوقت. فأرجو أن تسامحني.
فالجزء الأولى، أي ما قبل وضع أعمال المجامع، كان كتابتي وليس نقلاً، أما الجزء الثاني وهو المجامع، فهو نقلاً، ولذلك وقعت في كثير من الأخطاء الإملائية، بالاضافة إلى ركاكة النص أحياناً كثيرة، وحينها أقع بين خيارين، الحفاظ على النص الأصلي، أو التعديل.. وهنا لا توجد قاعدة اتبعتها في تعديل النص الأصلي ولكن كان هذا الأمر مرهون بمزاجية بحتة دون أي تدبير مسبق.
ولذلك قلتُ في البداية، لا اسمح لأحد أن يقتبس مما سيأتي وكانه ينقل حرفياً، لأني لم اعتمد الحرفية دائماً، بل عليه أن ينتظر إلى أن أضع الكتاب الأصلي وحينها ينقل من الكتاب ما يشاء.
صلواتك أخي الحبيب
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
فالجزء الأولى، أي ما قبل وضع أعمال المجامع، كان كتابتي وليس نقلاً، أما الجزء الثاني وهو المجامع، فهو نقلاً، ولذلك وقعت في كثير من الأخطاء الإملائية، بالاضافة إلى ركاكة النص أحياناً كثيرة
الجزء الأول، حسب تعريفك، كان جيداً ومفهوماً إلى حد كبير جداً، حتى يكاد يخلو من الأخطاء الإملائية. وهذا يؤكد ركاكة اللغة العربية من الكتاب الذي تنقل منه إلى حد عدم فهم المغزى من الجملة في بعض الأحيان. على كل حال، متابعين في انتظار التكملة.
صلوات والدة الإله وجميع القديسين والقديسات لتكن معك. آمين
-
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
أخي يوحنا، كما قلتُ في المشاركة الأولى بأنني أحياناً كنت أقتبس حرفياً وذلك للأمانة واحياناً أقوم بتعديل النص... وأن الكتاب لغته العربية ركيكة جداً، فلذلك استميحك عذراً وهذا الخطأ من المصدر ومني أحياناً، عندما يكون الخطأ إملائي بسبب السرعة في الكتابة. فالكتاب يقع في 260 صفحة، نقلت منها ما يقارب الـ 210-230 صفحة، خلال بضعة ايام بسبب ضيق الوقت. فأرجو أن تسامحني.
شكراً إلك حبيبنا ألكسيوس
http://www.orthodoxonline.org/files/.../smaylat/1.jpg
بالحقيقة موضوع قيم جداً .. و واضح إنو أكل معك شغل كبييييييييييييير
s-ool-473
-
المجمع الأفسسي المزور (اللصوصي) - أعماله - ج1
المجمع الأفسسي المزور (اللصوصي) - أعماله - ج1
الباب الخامس عشر - ص 62-67 بحسب ترتيب pdf:
عُلِم خبر المجمع الثاني المجتمع في مدينة افسس بأمر الملك ثيودوسيوس في اليوم العاشر من شهر آب سنة 449 لتجسد الرب، وكان عدة المجتمعين فيه مائة وثلاثين وكان المدبر فيهم بأمر الملك المذكور ديسقوورس بطرك الإسكندرية وعُطِّلَ ذكر ذلك المجمع في المجمع العظيم الخلقيدوني المقدس المجتمع لأجل أمر أوطيخا المُخالف.
في عهد... في ثامن يوم من شهر آب الواقع في الخامس عشر من شهر أمشير... اجتمع بأمر الملوك المسيحيين اجتمع في المجمع المنعقد في افسس في كنيسة مريم وجلس فيه ديسقوروس أسقف الإسكندرية، ويوليانوس الأسقف نائب لاون بابا روما، ويوناليوس أسقف أورشليم ودومنوس اسقف أنطاكية، وفلابيانوس أسقف القسطنطينية، واستفانوس أسقف أفسس، وطالاسيوس أسقف قيصرية الكبادوك، وبقية الأساقفة المدعوين وهيلاريوس شماس كنيسة رومية، ودولسيسوس الكاتب الروماني.
قال القس يوحنا كبير الكتبة: قد رسموا ملوكنا المسيحيين العابدين باجتماع مجمعكم العظيم المقدس لكيما تفحصوا جيداً بما حدث من مدة يسيرة بما يخص الأمانة [الأمانة تعني الإيمان حيثما جاءت في النص، إلا لو دلّ السياق على غير ذلك] المستقيمة الطاهرة وتستأصلوه لئلا يسقطوا الجهال في هوة الكفر والطغيان لأجل الاختلاف، فلهذا السبب إن المذكورين من كثرة عنايتهم وغيرتهم في أن تُحفظ قواعد ديانتنا بغير ريب ودنس، التي سابقاً فسرت من الآباء المغبوطين المجتمعين في نيقية وقد ثبتت من الآباء الذين اجتمعوا في هذه المدينة [194]، واتفقوا بعضهم بعضاً حتى أنهم لم يذهبوا ولم يضعوا تحديداً أو مذهباً مختلفاً البتة، وبين يدينا نجد الرسائل للملوك، وهذا نقوله عم يرضي خاطر قدسكم.
فأجاب ديسقوروس الإسكندرية، وقال: لتقرأ أوامر الملوك المسيحيين الممتلئة عبادة وتقوى المرسلة لكل واحد من المطارنة وتذكر في سلسلة الأعمال.
عند ذلك قرأ القس يوحنا كبير الكتبة، أولاً الرسالة المرسلة إلى ديسقوروس، وهي موجودة في الباب الثامن عشر. ثم قام يوليانوس نائب بابا روما، وقال: لتيرجم كلامه فلورنسيوس أسقف لد، فقال على هذا المعنى أيضاً كتبوا الملكين إلى لاون الأقدس أسقف كنيسة رومية ودعاه إلى هذا المجمع. ثم قال هيلاريوس شماس كنيسة رومية وترجم اقواله فلورنسيوس أسقف لد: قد ارسلوا الملوك المسيحيين المجيدين لموضع غيرتهم في الأمانة الكاثوليكية رسائل وردت إلى لاون اسقفنا المغبوط متضرعين إليه ان يحضر في هذا المجمع المكرّم المقدس، وكان فعل ذلك، لو وجد مثالاً سابقاً بهذا الأمر. ولا يخفى قط عن علم قدسكم أن بابا الكرسي المقدس لم يحضر قط أبداً في النيقاوي ولا في الأفسسي ولا في أحد من المجامع المقدسة، فلأجل ذلك اقتدى بتلك العادة ووجهنا إلى هنا، فإنه لا يشك أنه حاضراً في المجمع بواسطتنا عالماً بأننا نفعل كلما ينبغي لصحة الإيمان الكاثوليكي وتوقير مار بطرس الرسول الذي قد وجه أيضاً معنا إلى سعادتكم رسائل موافقة لمجمع الأباء الأطهار فأمروا بقبولها وقرائتها.
فأجاب ديسقوروس الإسكندرية: يقبل ما كتب قدس أخينا لاون ورفيقنا في درجة الأسقفية إلى هذا المجمع.
فقدمت الرسالة، فأجاب يوحنا كبير الكتبة، وقال: عندنا رسائل أُخرى مرسلة من الملك إلى أسقفنا ديسقوروس، فأمروا بما تشأوا.
فقال يوناليوس أسقف أورشليم: تقرأ وتحفظ بين الأعمال[195].
حينئذ قرأ يوحنا رسائل الملك إلى ديسقوروس بحضور برصوم إلى المجمع، وهي موجودة في الباب الثامن عشر من الكتاب.
ثم قال يوناليوس أسقف أورشليم: كذلك أيضاً كتبوا إليّ الملوك المتقيين بما يخص القس برصوم الأرشمندريت وبذلك حضوره في المجمع واجباً.
فقال ديسقوروس أسقف الإسكندرية: يخبرنا الآن البيديوس المقدم المكرم وأولاديوس القائد وكاتب الذي قبلوا الأمر إن كان معهم شيء يعرفونا به من خصوص هذه القضية.
فقال البيديوس: لم يزل الشيطان أبو الشرور يحرك على الدوام الحرب والخصومات ضد البيعة المقدسة، ولهذا العدو الذي يقاتلنا جوراً يصادمه الملك المتقي في كل حين متأملاً تأملاً مستقيماً أن الله جل جلاله يصون دولته.... ولأجل ذلك قد أوجب معكم قضية واحدة على افترأ نسطور لأنه إذ كان منساماً لخدمة الله صار اباً ومعلماً لتعليم فاسد أثيماً كأنه قد قبل الكهنوت لإبليس اللعين، لا لأجل عبادة الله. وأما ذاك فقد نُفيَّ الآن إلى مكان يستحقه بل وفي الدهر الآتي يُعد له عذاباً لا يفلت منه... أما الشك الذي وقع الآن قد رفعه الملك التقي إليكم، انكم آباء وقضاة، يلتمس منكم جواب هذا السؤال الذي وقع متيقناً إن ذلك يكون لنفسه ولرعيته حاية فأما الأمور التي أمر بها الملك بها وتفضل بتحريرها إليكم، أظهرها لكم بسرعة... فإن وجد البعض نافيين صحة الإيمان من قلوبهم ورامين بكلامهم عقائد الدين تحت الشك، بخلاف ما فسروا الآباء الأطهار فالويل لأولئك من حكم الله ومن حكم الملك... هذا ما أمرنا به الملك... حينئذ قرأ الأنذار الذي سلمه إياه الملك ولأولوجيوس وهو وارد في الباب الثامن عشر من الكتاب.
وبعد أن قرأ الكتاب، قال: فأمروا الآن بقبول وقراءة كتاب الملك المرسل إليكم.
فأجاب ديسقوروس أسقف الإسكندرية: يُقبل كتاب الملوك المسيحيين الوارد إلى المجمع المقدس، ويُقرأ.
حينئذ قرأ القس يوحنا كبير الكتبة وكان كتاباً وجهه الملك في فلابيانوس ذي الذكر الصالح، كأنه قد جدد شيئاً في الإيمان ضد أوطيخا، وهو موجود في الباب الثامن عشر من الكتاب.
وبعد قراءة الكتاب، قال طالاسيوس أسقف قيصرية الكبادوك: بحيث ما أن ملكنا المسيحي الصادق قصد بأن أمانتنا التي هي إلى الآن باقية، تكون ثابتة بغير فساد. آمر أن لا يقال ولا يعمل شيئاً في الحكم المقدس قبل أن يتم تثبيت ما يخص الإيمان، ولأجل ذلك تبطل سائر الأمور وسيأتي بما يخص الديانة.
فأجاب يوليانوس نائب القدس لاون، وترجم اقواله فلورنسيوس أسقف لد: لم يكن الأمر إلا كذلك.
فقال البيديوس المقدم المكرم: فإذن إن هذا الاعتقاد هو قاعدة الدين الذي من اجله اجتمعتم أيضاً، فإن رسمتم حددوا بتوفيق الله ما يخص الأمانة.
ثم في ما بعد يقرأ بحسب ترتيب الزمان ما صار في مدينة الملك ضد أوطيخا الارشمندريت.
فقال ديسقوروس اسقف الإسكندرية: قد ظهر لنا مضمون رسائل ملوكنا المسيحيين بأنهم قد امروا باجتماع هذا المجمع بسبب الخصومة التي حدثت في القسطنطينية. فإذن يُكشف أولاً ما صار، ثم بعد ذلك ينبغين ذكر ما صار بعدل في المجامع المقدسة فيما مضى من الزمان. فهي أمور واضحة التي فرضوها المجامع ومشهورة هي حدود القوانين، ولا يليق بنا أن نتجاوزها. وأن ملكنا المسيحي إنما امر باجتماع هذا المجمع من أجل بعض أمور حدثت سابقاً لا حتى نفسر اعتقادنا الذي قد فسّروه آباؤنا بل لنفحص إن كانت الأمور التي حدثت توافق فرائض آبائنا القديسين أم لا؟ فإذن هو أمر واحب بأن نفحص أولاً الأمور التي وقعت ونمتحن إن كانت هي موافقة لما شرع به الآباء القديسون أم لعلكم ترديون أن تجددوا في اعتقاد الآباء الأطهار؟[196]
فقال المجمع: هذا يخلص العلم، هذا يثبت الإيمان.
فأجاب ديسقوروس اسقف الإسكندرية: فإن قلتم مجمعان، لكن الإثنان يخصا أمانة واحدة.
فأجاب المجمع: الآباء فرضوا كل شيء بغاية الكمال، ومن تجاوز على ذلك فليكن محروماً. ولا احد ينقص ولا أحد يزيد في شيء من ذلك[197].
فقال ديسقوروس: الله يقبل أصواتكم وأنتم رسمتم أنها تكون ثابتة ومرضية، فإن أحد فحص، أم طلب، أم أنكر بخلاف ما قد صُنع أو بخلاف ما ارتضوا به الآباء الذين اجتمعوا في نيقية والذين اجتمعوا هنا في أفسس، ليكن محروماً [198].
فقال المجمع: ديسقوروس رأس الأساقفة، يحفظ الإيمان[199].
فقال ديسقوروس أسقف الإسكندرية: فمن قال غير ذلك خوفاً ورعبةً، قيل إن أخطأ رجل إلى الله يستغفرون له من الله، فإن أخطأ إلى الرب فمن يطلب من أجله؟ فإذن إن كان روح القدس جالساً بين الآباء كما هو واضحاً أنه جلس معهم، وأمر ما فُرض منهم، فمن أنكر ذلك فقد بطل نعمة روح القدس.[200]
فقال المجمع: نحن كلنا نقول ذلك، ليكن محروماً الجاحج، ينفى المنازع.
فقال ديسقوروس: لا أحد يزيد على ما كان (...)
حنيئذ أجاب المقدم المكرم البيديوس، وقال: قد بقي مشهور ما رسمتم بخصوص الإيمان المقدس، فيما أن أصوات المجمع يذعنوا لمرسومكم ويحمده أيها المتوليين فأمروا بإحضار الارشمندريت أوطيخا العابد على الأمور التي حكمتم من أجله بما حُكم به، والذي هو سبب كل الأعمال، والذي من أجله خاصةً وردت لكم رسائل الملك ينهي لقدسكم ما أراد.[201]
فأجاب المجمع وقال:: واجب ذلك.
فقال يوناليوس اسقف بيت المقدس: هو واجب أن يحضر أوطيخا الأرشمندريت العابد ويحتج عن نفسه.
ولما دخل أوطيخا قال طالاسيوس أسقف قيصرية الكبادوك: لينهي أوطيخا الأرشمندريت لهذا المجمع العظيم المقدس احتجاجه.
حينئذ قال أوطيخا: إن استودعت نفسي للآب والابن والروح القدس، ولقول عدلكم الصادق. وأنتم شهوداً على اعتقادي الذي من اجله جاهدت صحبتكم وصحبة المجمع المقدس الذي قبلكم انعقد في هذا المكان [202] وقدسكم يشهد بذلك. فمعي كتاب اعتقادي أمروا بقرائته وقراءة اعتراف الإيمان المرقوم به.
عند ذلك قال اسطفانوس أسقف افسس: هو لائقاً أن يقبل كتاب واعتراف أوطيخا الارشمندريت المكرم، ويتحرر فيما بين دفاتر المجمع.
حينئذ قبله القس يوحنا كبير الكتبة، وقرأه:
وأما بعد، إني في كل شيء أحمد الله القدوس في هذا النهار الذي به بواسطتكم تقّوت الأمانة وأنهي لمجمعكم المقدس ما قد صنع ضدي بل وبالأزيد ضد الأمانة المستقيمة وإني قصدت من صغري أن ألزم السكون إلى الكهولية معتزلاً عن سائر الانشغالات متجنباً كل سجّساً وقلقاً، فلم يدعوني أن استمر على ما قصدت بل أحاطت بي حيل الناس الأشرار لأني مقتدياً بما حدد المجمع الذي اجتمع سابقاً في هذا المكان [يقصد افسس] آبيت أن أنكر ذلك الاعتقاد الذي فسروه الآباء الأطهار في نيقية. فأما قبل أن أعرض لكم ما فعل بي أظن بالواجب مني أن أجهر صورة اعترافي من خصوص التعليم المقدس احتجاجاً عني ليديكم والشاهد علي هو الله وقدسكم الذين صحبتكم أنا في كل حين على قدر قوتي قاومت الهراطقة حباً للأمانة الكاثوليكية.
شرح أمانة أوطيخا:
أؤمن بالله واحد آب ضابط الكل خالق كلما يرى وما لا يرى وفي رب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد مولود من الآب أعني من جوهر الآب إله من إله نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق متساوي للآب في الجوهر أعني ذات واحد مع الآب الذي به صار كل شيء ما في السماء وما في الأرض الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وصار إنساناً[203] وتألم وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء ومن هناك سيأتي ليدين الأحياء والاموات وفي روح القدس. أما أولايك الذين يقولون أنه كان حين لم يكن وقبل ما يولد لم يكن وأنه صار من العدم أم من أقنوم آخر ذات آخر أم أنه قبل الاستحال أم التغيير لهولاء تحرمهم الكنيسة الكاثوليكية الرسولية.[204] فهذا هو الاعتقاد الذي قبلته من الدء من أيامي وأنا معتقداً به سابقاً وفي هذا الحين وفي هذا الأيمان ولدت ومن الحين قد مت لله ورحمته قبلتني وفيها انصعت ورسمت وعشت إلى هذا اليوم واريد اموت فيها ولهذا الاعتقاد ثبت المجمع المقدس العام المذكور الي كان سابقاً والذي تولى عليه أبونا كيرلس الأسقف ذو الذكر الصالح السعيد وحدد أن الذي يخالفها وزاد شيئاً أو انقص منها شيئاً أو علم بخلافها تحت القوانيي التي تحررت في ذلك الحين[205] ونسخة القوانين قد وجهها إليّ في مجلد أبونا المذكور الأسقف كيرلس وهي معي فإذن وأنا خاضعاً لذلك المجمع المقدس حفظت إلى الآن تحديده ثم وكان يقيني كما هو أيضاً يقين قدسكم بأن جميع الآباء الأطهار هم كاثوليكيين مؤمنين وقد جعلتهم لي معلمين فإني أحرم ماني وبالنثينوس وأفوليناريوس ونسطور وسائر الهراطقة حتى لسمعان الساحر وأولائك الذين يقولون أن جسد ربنا وإلهنا يسوع المسيح نزل من السماء. وبينما كنت أنا عائشاً في هذه الأمانة ومستمراً بتلاوة الصلوات حينئذ أوسابيوس أسقف دوريليا سعى بي بمكر وقدم عليّ عرض حال إلى فلابيانوس الأسقف المكرم ولأساقفة آخرين من جهات مختلفة الذين في ذلك الزمان كانوا يترددوا في مدينة الملك لأشغال خصوصية قائلاً جوراً منه أني هرطوقياً ولم يوضع به نوعاً من أنواع الهرطقة حتى أني في الحين في منازعتي المجادلات كجاري العادة من السجس وبديعة الكلام يزهق لساني إثماً واصطادني في الكلام. أما الأسقف المكرم المذكور كان يأمرني بالجواب والاحتجاج لذلك العرض حال الذي به كانوا يقرفوني أما هو بأغلب الأوقات كان يتردد مع أوسابيوس المشتكي ولم يفارقه فيما كان يظن أني كجارى عادتي استمر في الدير مقيمتاً ولم أحضر وبذلك يسقطني من درجتي على أني ما حضرت ولكن في الحين لما انتهيت من ديري إلى مدينة الملك علمت من كبير حراس ديوان الملك رجلاً حميداً الذي كان وجهه ملكنا المؤمن الحليم ليدفع عني الضرر وخطر الموت مما كان تهددوا عليّ وقال لي أن باطلاً كان من ذلك الحين حضوري فإني سابقاً وقبل أن يفحصوا بأمري قد كانوا أوجبوا على القضية كما يخبر الخطاب الذي صار فيما بعد ولكن بسبب أن هكذا أيضاً اقبلت إلى الشرع لأعطي الجواب، فالمذكور لم يكن يأذن بقرائته ولا كان يرضى أن يقبل التعليم الذي ألفته وصنفته به بخط يدي في المذهب الإلهي بما فسروا الآباء الأطهار الذين اجتمعوا في نيقية وكحسب الأمانة التي ثبتها المجمع المقدس الافسسي الذي صار سابقاً وقد امتلأ سجساً واضطراباً ديوان الشرع حيث اقبلوا كثيرون من غير أن أحد يدعيهم وأقلقوني من كل جانب كما تعني اقوال القضاء المحررة بخصوص ذلك السجس الذي صار وحيث أمروني بقول اعتراف الأمانة بفمي وقلت أني كنت معتقداً بحسب ما رسموا الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر الذين اجتمعوا في نيقية وبما ثبت مجمع أفسس المقدس كان يقتضي مني أقول بعض أمور أخرى دون الأشياء التي تفسرت في نيقية وفي افسس سابقاً فلما أنا خائفاً ألا أتعدى على التحديد المورود في المجمع المقدس الذي سابقاً بمشيئة الله انعقد في هذا المكان وما كان سننوا في الأمانة للآباء الأطهار الذين اجتمعوا في نيقية كنت أتضرع بأن ينهي ذلك لمجمعكم المقدس لكيما أقبل ما كان ارتضيتم به مستعداً للثبات فيه وبينما كنت في هذا الحديث في الحين أقبل يقرأ القضية ضدي كانت تحررت من مدة زمان سابقاً بما (اشا) ثم بعد ذلك افسدوا سراً كتاب أعمال المجمع وغيروا البعض منها من أقوالهم وأقوالي وشهادات أخرى وخاصة ذلك الكلام الذي اعترفت به أنا بإني معتقداً بحسب قول الآباء الأطهار الذين اجتمعوا في نيقية والآباء الذين فيما بعد اجتمعوا في افسس كما هو باين من كتاب الأعمال الذي كتب بأمر الملك المؤمن الحليم بما كنت تضرعت إليه حيث لم يذكر فلابيانوس الأسقف المكرم بأني استغيت بقدسكم ولم يخجل من شيبتي وتعبي لأجل الاعتقاد المستقيم إذ كنت أنازع الهراطقة ولكن كأنه كان متسلطاً علي بأن هو وحده يقضى بما يخص الأمانة ولم يبق شيئاً لقدسكم لتنظروا في عدل ذلك الحكم علي وطردني من الكنيسة مما كان يظن وأسقطني من الكهنوت كما زعم ومنعني من شركة الأسرار الإلهية وعزلني من رياسة الدير وسلمني للقوم المستعد من قبله لكيما يطوفوني في دار الأسقف وفي الشوارع كواحد من الهراطقة المجدفين وأخذ أتباع ماني ويقتلوني إلا أن عناية الله حفظتني إلى هذا اليوم وحرستني لقدسكم بل وفي كناييس مختلفة وهياكل القديسين. دع أن تقرأ تلك القضية بعدما استعيت بكم وكان يلعني ويحرم الذين كانوا يوافوا إلي ويخاطبوني ويمنعهم عن القربان المقدس حيث لم ينتظر حكم قدسكم بل كان يلزم الديور أن يثبتوا بخطوطهم القضية الموجبة علي حيث قط لم تجري عادةً كما يعلم قدسكم ايضاً أن يفعل ذلك ضد الهراطقة المشهورين ووجه مكاتيب إلى الشرق وإلى جهات أخرى لكيما تنوضع بها خطوطهم من بقية الأساقفة المتفيين والرهبان والذين لم يكونوا قد حكموا بذلك حيث كان بالأوجب أن يكاتبوا ساير الأحبار الذين كنت استعيت بهم فإذن في ذلك الحين نجيت منهم وفي عرض حال نهيت لقدسكم ما حدث فيما بعد تضرعت للملك الحليم المؤمن لكيما يجعلكم أنتم أيها القديسين المتوشحين بالله وبوباغضين كل جوراً ومراياة قضاء في تلك الأمور التي حكموا بها فأما أنا ابتهل إلى قدسكم الآن لتتأملوا في المكر والتبريع التي القوها علي والسجس الذي صار لهذا السبب في كل مكان في الكنائس المقدسة والريب والشك الذي صدر لكثيرين بواسطة حكمتكم اجعلوا تحت قوانين البيعة أولائك الذين كانوا سبب هذا الشر واقطعوا كل أصل التجديف والنفاق فإني من الآن استدعيت لحكم قدسكم وأشهد ثانية أمام يسوع المسيح الذي شهد قدام بيلاطس البنطي اعترافاً صالحاً أني هكذا أعتقد وافتكر وافهم كما قلّدوا لنا الأمانة الآباء الأطهار المجتمعين في نيقية التي ثبتوها الآباء القديسين في المجمع الافسسي الذي اتبع وأن أحد مجّد بخلاف هذا الإيمان قد حرمته بحسب تحديده أنا أوطيخا الأرشمندريت هكذا أؤمن كما هو محرر أعلاه وقد وضعت خط يدي وقدمت العرض.
فقال هنا فلابيانوس: إن اوسابيوس كان مدعياً عليه فامروا باحضاره.
فرد عليه البيديوس وقال: إن الملك الجليل متمماً بنفسه قبل الجميع نظام الشرايع التي هو يبدعها ويحرسها أمر أن الذين كانوا سابقاً قضاء يكونوا الآن بمقام الذين يدانوا ولا تعطى لهم فرصة ليتكلموا وألا تعطى لهم منكم إجازة[206] أما من خصوص ما قال الآن فلابيانوس أنهي لكم ايضاً بما أن المشتكي تمم شكاوته ومما أظن أنه غلب[207] والقاضي قد نسب دعوة المشتكي لنفسه كما يحفظ في الشرائع العامة فإذن أنتم الآن قد اجتمعتم لتدينوا الذين قد دانوا[208] لا حتى تقبلوا ثانياً شخص المشتكي ويصدر من ذلك سجساً ثانياً فامروا الآن إن رسمتم بقراءة بقية الأعمال بالتدريج على ما تحسن برأيكم.
فأجاب ديسقورس قائلاً: قد نصف المقدم البيديوس[209] المكرم فاذن بعد قراءة الكتاب الذي انعرض بقضاء الأعمال التي صارت في مدينة الملك من خصوص هذه الدعوة التي صارت عليها المنازعة فيقولوا أيضاً الاساقفة المكرمين الحاضرين إن كان يرتضوا بذلك.
فأجاب يوناليوس اسقف القدس وقال: واجبة هي قضية قدسكم فإذن هو بلائق أن تقرأ الأعمال.
فقال اسطفانوس أسقف افسس: مستوصياً لخطاب ابينا ديسقوروس اقول أيضاً أن يعمل بذلك.
فقال كيروس أسقف أنفر ودسيه ينبعي أن تقرأ تلك الأعمال التي صارت في مدينة الملك كما قال ديسقورس.
فأجاب طالاسيوس اسقف قيصرية الكبادوك وقال: امراً واجباً هو أن يصير كما قال قدسك المكرم فمن أجل ذلك ينبعي أن تحضر هنا صنيعة الأعمال.
فقال أوسابيوس اسقف انقيرة غلاطيا وقال: يعجبني أن تقرأ بقية الأعمال كما قالوا الآباء
فقال ديوجنس أسقف شيزيكو وقال: فإني متفق بقضية المجمع المقدس لتقرأ صنيعة الأعمال التي صارت في مدينة الملك.
ثم اجابوا جميع الآباء وقالوا كلنا نرضى بقراءة الأعمال فتقرأ الآن تلك الأعمال.
فأجاب ديسقوروس وقال: الآن الطوباوي يوليانوس الأسقف نايب قدس لاون اسقف رومية إن كان ينبغي للمجمع تلك القراءة وإن كانو هو يرتضي بها.
أجاب يوليانوس وقال بواسطة فلورنسيوس اسقف لد الذي ترجم له: إني ارتضي بتلك القراية لو قريت أولاً رسالة البابا لاون.
ثم أجاب هيلاروس شماس الكنيسة الرومانية وبواسطة المترجم أعلاه (فلورانسيوس) وقال: إن قدس الأسقف الروماني فهو قد قبل كتاب الأعمال وتأمل في مضمونه وعرف رموزه وبذلك السبب هو ارسل إليكم رسالته فامروا الآن بقراءتها.[210]
حينئذ أجاب أوطاخي القس وقال اعلموا ايها الآباء أني مشككاً بالرجال المرسلين إلى هذا المجمع المقدس من عند قدس لاون اسقف الكنيسة الرومانية ليحكموا في مكانه لأنهم حيث بلغوا إلى هذه المدينة نزلوا منزل الأسقف فلابيانوس وهو عزمهم فأعد لهم وليمة منهحهم هذا إياه ومواهب وكرمهم إلى الغاية فلأجل ذلك ان اتضرع إلى قدس ابويتكم أن تنظروا إلي لكيلا يقضوا علي بشيء لا يليق وبغير الصواب ليصير لي فيما بعد ضرر.[211]
فأجاب ديسقوروس: وقال ينبغي لنا أولاً أن نقرأ الأعمال التي صارت لأجل ذلك الأمر السابق ذكره وبعد ذلك ستقرأ رسالة قدس لاون المطران الروماني. فأما نقرأ الآن تلك الأعمال كأمر المجمع المقدس.[212]
فأجاب يوحنا القس كبير الكتبة وقال فقد أمر قدس مجمعكم العظيم أن تقرأ الأعمال التي صارت في مدينة الملك لأجل الأمر الحاضر ولكن دفتر تلك الأعمال قدمة فلابيانوس ثم ايضاً أوطيخا قد دفتر آخر فنحن نقرأ فيمهم كما أمر قدس أبويتكم.
---------
الهوامش
---------
[194] كما نلاحظ هنا، أن مجمع القسطنطينية الأول –المجمع المسكوني الثاني-، لم يتم ذكره، ولم يعتبر من ضمن المجامع. وهو محوري في عقيدة التجسد الإلهي.
[195] هنا نجد أول تهرب من قراءة طومس القديس لاون، فيوناليوس (جوفينال) نستطيع أن نقول أنه ذراع ديسقوروس الأيمن. وهو الرجل الثاني في هذا المجمع.
[196] وكأنه هنا يقول لمن يُفكر بمخالفة رأيه: من سيخالف ما أقوله، ستتم هرطقته، وبالتالي يقع عليه ما يقع من الملوك على الهراطقة، وهذا ما فهمه الجميع.
[197] وهذا ما اراده ديسقوروس، فكما رأينا أن المجمعين نيقيا وافسس، يدعمان بقوة عقيدة أوطيا وديسقوروس القائلة بالطبيعة الواحدة الإلهية المتجسدة.
[198] نجد هنا ديسقوروس يمنع فحص الإيمان، ويهدد صراحة بأنه سيضرب بيدٍ من حديد من يخالفه الرأي، فالفحص ممنوع. ولنتذكر هذه المقالة بأنه منع أن يفحص... لأننا سنستخدمها فيما بعد. ولكن من هنا نفهم منع قراءة طومس لاون، لأنه لا يريد الدخول في مناقشات عقائدية بل يريد تثبيت عقيدته وتبرئة أوطيخا والإطاحة ببطريرك القسطنطينية.
[199] هنا بدأت تتوضح معالم أطماع ديسقوروس. والأساقفة المجتمعين فهموا ما هو مراده. ولذلك تقول كتب التاريخ، بأن آباء المجمع، شعروا من البداية لم يأتوا ليتناقشوا، بل ليدينوا فلابيانوس وتتم بالمقابل تبرئة أوطيخا الهرطوقي.
[200] من الواضح، أن الآباء في المجمع الذين كانوا على الحياد، كانوا خائفين، فها هو ديسقوروس يبرر ما فعله حقاً. ويتابع تهديدهم ايضاً بالهرطقة... وسنكتشف بعد ذلك أثناء عرض جلسات المجمع الخلقيدوني، كثيراً من الأمور لم يأتِ الكاتب على ذكرها أثناء العرض هنا، بل تركها لمكانها أثناء قراءة جلسات هذا المجمع في المجمع الخلقيدوني.
[201] من هنا نجد قوة أوطيخا، وسلطته في القصر.
[202] أوطيخا، واوسابيوس، كانوا من اصدقاء القديس كيرلس الكبير، ومن شركائه في محاربة الهرطقة النسطورية. وأوسابيوس هو أول من جاهر بإدنة نسطوريوس.
[203] لا يوجد عند أوطيخا أي مشكلة في التجسد الإلهي من كون المسيح إنسان تام. ولكنه يرفض الاعتراف بالطبيعة البشرية كحقيقة. فهو يجعل الطبيعة معيبة، ولكنه لا ينكر أن الكلمة تجسد. وهذا هو اعتقاد كل الذين تبعوه إلى حين.
[204] ما قرأه الآن، هو دستور نيقية. وكما قلنا أن هذا الدستور كان يدعمه، وهو كان وفياً له لكن على طريقة الهراطقة.
[205] أوطيخا، ومن جرى مجراه. نراهم يقفون عند المجمع المسكوني الثالث، ولا تراهم يتحدثون عن المصالحة بين القديس كيرلس وأنطاكية، وإن تحدثوا عنها استماتوا بالقول، وقد بان كذبهم وخطأ قولهم فيما سبق، أنه لا يعتد بهذه المصالحة لأن لها ظروف خاصة خضعت لها. وأن القديس كيرلس صالح، من أجل وحدة الكنيسة.
[206] كل الآباء الذين كانوا في صف الشهيد فلابيانوس، وضد أوطيخا لم يُسمح لهم لا بالكلام ولا حتى بالتصويت. وكان هم الأكثرية. وأما الاقلية الباقية، فكان الكثير منها من اتباع ديسقوروس أو الذين يخشونه. واما القلة القليلة، سنعرف فيما بعد لماذا فضلت السكوت. على تجاوزت ديسقوروس في هذا المجمع.
[207] أي أن أوطيخا قد انتصر على فلابيانوس.
[208] نعم هذا هو سبب انعقاد المجمع، وهو إدانة فلابيانوس وتبرئة أوطيخا، وبالتالي ادخال البدع إلى الإيمان القويم الذي ثُبت في نص المصالحة بين كيرلس ويوحنا. ولذلك تم اختيار ديسقوروس لهذه المهمة حتى يرأس المجمع. فقد وجدنا سابقاً أن لكيرلس كان هناك أعداء من الإسكندرية نفسها اتهموه بالهرطقة بسبب نص المصالحة، وأيضاً هناك الحقد القديم على بطريرك القسطنطينية بسبب تقدمه في الكرامة على أساقفة الشرق، ولذلك اجتمع في ديسقوروس الأمرين معاً.
[209] يؤكد هنا ديسقوروس أن هذه هي المهمة التي جاء من أجلها، والتي سيحققها ولكن ليس لوقت طويل.
وسنرى بعد ذلك أن القديس لاون، لم يكن مستعجلاً انعقاد خلقيدونية، لأنه لم يرَ سبباً في انعقاده لأن أناتوليوس وغالبية الآباء المجتمعين كانوا قد رفضوا بدعة الطبيعة الواحدة، وهذا يؤكد أن المجمع عقد والسيف مسلط على رقاب من سيرفض ما سيجيء به.
[210] هذه ثالث مرة يطلب فيها قراءة الطومس، ولكن كما وجدنا أن ديسقوروس قد حرم وعمل على منع الدخول في مناقشة حول الإيمان الأرثوذكسي. فلذلك كان مهتماً ألا تُقرأ هذه الرسالة.
[211] يحاول أوطيخا المعلم، أن يمنع قراءة طومس لاون.
[212] وهنا أيضاً ديسقوروس يمتنع عن قراءة الطومس.. ويذهب بعيداً بفكر المجتمعين لئلا يسال أحدهم عن الطومس.
-
المجمع الأفسسي اللصوصي - أعماله – ج2
المجمع الأفسسي اللصوصي - أعماله – ج2
الباب السادس عشر - ص 70-79 بحسب ترتيب pdf:
إن أعمال المجمع موجودة في الباب الخامس من هذا الكتاب، وقد جاءت أعلاه. ويوجد أيضاً في نفس الباب الدعوة التي قدمها أوسابيوس ضد أوطيخا.
بدأت قراءة أعمال المجمع.. وبعد أن قرأوا تلك الدعوة المذكورة آنفاً، ولما وصلوا إلى تذكار تعليم العظيم كيرلس الطوباوي فحينئذ هتف المجمع المقدس قائلاً: ذكر كيرلس في كل حين. ديسقوروس ستر للآباء (جيله) أوطيخا المخالف هكذا يعتقد كل المجمع لكيرلس ذكراً دائماً إن أحد جحد يكون محروماً إن أحد فحص بذلك يكون محروماً ملعون من زاد ملعون من نقص ملعون من أحدث وأصواتنا لجناب الملك.
حينها أجاب يوليانوس نائب لاون وترجم كلامه فلورنسيوس أسقف لد قائلاً: الكرسي الرسولي هكذا يؤمن.
قرأ بقية العمل الأول وبعض شيء من العمل الثاني الموجود في الباب الثامن من هذا الكتاب.
ثم قرأت أيضاً رسالتي العظيم كيرلس الموجودة في الباب العشرين من هذا الكتاب في ذكر المجمع الخلقيدوني.[213]
وحينئذ أجاب أوسطاطيوس أسقف بيروت قائلاً: بعد ما قرأت الرسائل المذكورة هو بالواجب مني أخبر قدسكم أن الله جل جلاله وهب لأبينا كيرلس الطوباوي أسقف الاسكندرية ذي الذكر الصالح أن أولائك الذين لا يفهمون فهماً مستقيماً للاقوال الصحيحة شككوا في بعض ما كتب لكيما المذكور في فصاحته يظهر معانيه لأولائك الذين قصدوا فساد التصينفات الصحيحة ولا زال بهم خطاباً حتى مالوا الجميع إلى أن يتبعوا المذهب المستقيم بل حين انتبهوا آخرون يرموا تحت الشك معنى الرسائل التي الآن قرأت قد دعته الضرورة ليفعل كما ذكرنا ويعتني بتفسير اقواله فإنما قضى كل زمانه في تفسير اقواله وبيان مقصوده وليبرهم للجميع فيما كتب إلى الأساقفة أكاكيوس أسقف ميليطين وبالريان اسقف فوتيه وسوشنسيوس أسقف ديقيسايه في كورة الأيسورية[214] على أن معنى يجب فهم الرسايل التي وبأي نوع ينبغي لنا السجود "لمجمى" مخلصنا فإنه موجود أيضاً في تلك الرسائل التي أنفذها إلى أولائك الأساقفة الطوبانيين هذا القول ليس ينبغي لنا إذن ان نفهم طبيعتين بل طبيعة واحدة متجسدة في الله الكلمة[215]، وقد ثبت هذا القول بشهادة أثناسيوس الاب الطوباوي.
ثم أجاب المجمع قائلاً: ليس أحد يقول أن المسيح اثنين بعد الاتحاد ولا يفصل الغير منفصل هذا كان اعتقاد نسطوريوس.
فقال ديسقوروس: انصتوا قليلاً لنسمع تجديف آخر لماذا نذم نسطور وحده فكثيرون هم بمقام نسطور.
اجاب القس يوحنا كبير الكتبة: مما قرأ قد نتجنا أن الذين نطقوا هذا الكلام قد أظهروا اعتقاداً مختلفاً عم فسر الآباء في نيقية وثبته سابقاً المجمع الذي اجتمع في هذه المدينة [أفسس].
وقال: لوليمبيوس أسقف حوزة: إن كان الاعتقاد ابتدأ من الأعمال ليكونوا محرومين الذين ابتدعوها.
اجاب أثريق أسقف أزمير: أنا ما قلت هذا الكلام.
ديسوقورس: ما يقول؟[216]
أجاب يوحنا كبير الكتبة: قد ادعى التزوير في الدفاتر.
فقال ديسقوروس: فيعلمنا الأسقف اثريق المكرم بما يشاء.
اجاب اثريق: من الحين دخلت إلى القسطنطينية أثروا إلي الوكلاء وصحبتهم الراهب المذكور الذي قال لي يا سيدنا أوضع خد يدك في هذه الورقة. فأجبته وقلت له دعنا الآن ننظر إن كان الاشياء التي سمعنا عنك هي حق أم لا. فحينئذ قال لي اشرح لنا اعتقادك فأجبته قائلاً: ليس استطيع أفعل ذلك والحق أني عارفاً هذه القضية لكن لم أقدر أتكلم بل اقول من يعتقد لا بموجب أقوال الآباء الثملاثمئة وثمانية عشر وبما فرضوا الآباء الذين اجتمعوا في افسس ليكن محروماً في هذا العالم وفي الدهر الآتي.
فقال ديسقوروس: فإذن وما قرئ هل هو كذباً؟
اجاب أثريق: أنا لم أدري. [أي لم يعرف عن هذا الكلام سابقاً]
فقال ديسقوروس: ألم تقل أكثر من ذلك؟
أجاب أثريق: لا.
قال ديسقوروس: أسمت أنت ما قلت في تلك الساعة؟
اجاب اثريق: نعم سمعته.
قال ديسقورس: هل أنت قلتها؟
اجاب اتريق: لا.
قال ديسوقورس: فهي واضحة الأمور التي شهد بها هذا الرجل فالآن تقرأ بقية الأعمال.
ولما وصل القارئ إلى ذلك الفصل: "فقال الأسقف أوسابيوس أتعتقد بطبيعتين أيها الأرشمندريت بعد التجسد وأن المسيح متساوياً لنا في الجسد أم لا؟". فحينئذ قال المجمع: ارفعه احرق اوسابيوس هذا يحرق بالحياة هذا يشقوه اثنين كما قسم المسيح هكذا ينقسم.
قال ديسوقورس: هل تطيقوا هذا القول أن تجد في المسيح طبيعتان بعد التجسد؟[217]
أجاب المجمع: محروماً القائل بذلك.
قال ديسقوروس: لأني محتاجاً أصواتكم ويديكم والذي ما يقدر يصيح يرفع يديه.[218]
قال المجمع: القائل باثنين يكن محروماً.
ثم قرأ بعضا من أعمال مجمع القسطنطينية وقال يوحنا أسقف هابست: لما كان غايباً ويأسوا من مسيره إلى المجمع حينئذ كانو يوعروه بالشفقة واللطف أما بعد ما حضر فعاملوه بكل قساوة ثم قرأ بعض من كلام المجمع القسطنطيني.
فقال ديسقوروس: قد قبلنا هذا الكلام.
فقال المجمع: هذا هو اعتقاد الآباء.
وعلى ذلك أجاب ديسقوروس: لأن قدسكم قلتم أن هذا هو اعتقاد الآباء فقولوا لنا ما هو هذا الاعتقاد ومن شرحه؟
فأجاب المجمع: أما الذي شرحه هو أوطيخا لأن أوسابيوس منافقاً.[219]
قال ديسقوروس: قد سمعتم أمانة أوطيخا واطلعتم كلكم على نيّته.[220]
حينئذ القس يوحنا كبير الكتبة قرأ ما سيأتي من المجمع القسطنطيني، أي: "حينئذ قال له المطران فلابيانوس المكرم أتعتقد بأن المسيح مساوياً للآب في اللاهوت ومساوياً لنا في الناسوت"... إلى جواب أوطيخا القائل: "اعترف به بطبيعة واحدة فقط".
فقال ديسقوروس: قد قبلنا جميعاً هذا القول.
[نرى هنا من الضروري أن نعرض القول الذي وافق عليه ديسقوروس، ومجمع اللصوصي[221]:
فلابيانوس: أتعتقد بأن المسيح هو مساوي للآب في اللاهوت ومساوي لنا في الناسوت وأنه هو بعينه ابن واحد ورب واحد الذي هو يسوع المسيح؟
أوطيخا: لأني جعلت نفسي بين يدي قدسكم قد أعرضت عليكم اعتقادي بالآب والابن ورح القدس فلا تسألوني عن غير ذلك البتة.
فلابيانوس: هل ما تعتقد بالمسيح طبيعتين؟
اوطيخا: لأني معتقد بإلهي رب السماء والارض فما ظننت إلى الآن أني أجادل في هيئة طبيعته أما اعترف الآن أني ليست قط أبداً أنه مساوياً لنا في الجوهر. (هنا ينكر مساواة المسيح لنا في الجوهر)
فلابيانوس: هل ما قلت عن المسيح أنه مساوي للآب في اللاهوت ومساوي لنا في الناسوت:
أوطيخا: إلى هذا الحين لم أقل أن جسد ربنا وإلهنا هو مساوي لنا في الجوهر وإنما أعترف أن العذرى هي مساوية لنا في الجوهر وأن إلهنا قد تجسد منها.
فلابيانوس: فإذاً تقول أن البتول هي مساوية لنا في الجوهر وأن منها قد تجسد المسيح ربنا
أوطيخا: نعم قد قلت ان البتول هي مساوية لنا بالجوهر.
باسيليوس: فإن كان الأم مساوية لنا في الجوهر وهو كذلك لأنه تكنى ابن الإنسان فإذاً إن كان والدته هي مساوية لنا بالجوهر المسيح أيضاً هو مساوياً لنا بالجسد.
أوطيخا: فلأنكم الآن تقولون هذا فأنا قد قبلت قولكم.
البطريق فلورنسيوس: حيث والدة المسيح هي مساوية لنا في الجوهر من غير شك أن الابن ايضاً مساوياً لنا في الجوهر.
أوطيخا: إلى الآن ليس قلت بذلك أني أعترف ان ذلك الجسد هو جسد الله افهم اني ما قلت أن جسد الإنسان هو جسد الله بل قلت ان جسده هو جسد بشري وأن الرب تجسد من البتول فإن كان يلزم أن اقول أن جسد المسيح من البتول وأنه مساوياً بالجوره لأجسادنا فليس أخالفك ولكن أعترف أن ابن الله الوحيد هو رب السماءء والأرض ومساوي للآب في السلطان والولاية وهو جالساً عن يمينه ويرفع له وللآب معاً الشكر والتمجيد، إني ليس اقول انه مساوياً لنا بالجوهر ولا أجحد أنه ابن الله ثم سابقاً قلت ذلك والآن اقول لك ما هو في رأي وفي البدء ليس قلت ذلك ولكن الآن لأن قدسكم هكذا يقول أنا ايضاُ قد قبلت هذا المقال.
فلابيانوس: إذاً تعترف الآن بالإيمان القويم ليس من تلقاء نفسك بل رغماً عنك ولأجل الضرورة الداعية.
أوطيخا: هكذا اقول الآن فإلى هذا الحين كنت خايفاً اتكلم بذلك ولكن لأني عالماً بحقائق ربنا وإلهنا ليس خطر قط في بالي اني افحص عن طبيعته ولكن بسبب أن الآن قدسكم تأذنولي وتعلموني فالآن أتكلم.
فلابيانوس: قل ونحن ليس ندخل في الأمانة بديعة بل إنما نقول فقط ما فسروا آباؤنا وكما تفسرت منهم الأمانة هكذا تمسكنا بها اعتقاداً وقصدنا نثبت فيها ولا أننا نبدع فيها شيئاً.
البطريق فلورنسيوس: أتقر أنت بأن ربنا وسيدنا يسوع المسيح المولود من البتول هو مساوياً لنا في الجوهر وقائماً من بعد التجسد في طبيعتين أم لا؟
أوطيخا: أما أنا أعترف الآن أن سيدنا يسوع المسيح كان من قبل الاتحاد من طبيعتين أما من بعد الاتحاد أعترف به طبيعة واحدة فقط.[222]]. [نعود لأعمال المجمع الأفسسي اللصوصي]
أجاب المجمع: ونحن ايضاً نعترف بذلك.
ثم قرأ من المجمع المذكور أيضاً بعضاً منه، أي: ينبغي لك يا أوطيخا أنك تعترف اعترافاً واضحاً إلى حد كلام باسيليوس الاسقف القائل لأوطيخا إن لم تقول طبيعتين في المسيح بعد الاتحاد قد أدخلت بينهما امتزاجاً واختلاطاً.
وبعد تلك القراءة نهض الأسقف باسيليوس وقال: هذا القول الذي يذكروه عني ليس صدر مني بهذه الصيغة وليس أعلم بأني نطقت بهذا الكلام أما حيث قال الراهب إني أعترف بأن ربنا يسوع المسيح هو من طبيعتين قبل الاتحاد أما من بعد الاتحاد أقول فيه طبيعة واحدة وحيث لم يريد أن يقول أن تلك الطبيعة كانت متجسدة ومتأنسة اذكر أني قلت فإن كان تقول أن المسيح هو من طبيعتين من قبل الاتحاد أما من بعد الاتحاد طبيعة واحدة ولم تزد على قولك طبيعة واحدة أن هذه الطبيعة بعينها متجسدة ومتأنسة. فيظنوا فيك أنك قد أدخلت في المسيح اختلاطاً وامتزاجاً فإذا قلت أنها متجسدة ومتأنسة أنت تقول ما قالوا آباؤنا لأنه واضحاً على موجب تفسير الآباء أن شيئاً آخر هو اللاهوت وآخر هو الجسد الذي من العذراء الطاهرة في الرب الواحد يسوع المسيح.[223]
فأجاب يوناليوس أسقف القدس: لعل هذا القول مفسوداً.
أجاب باسيليوس: لست متذكراً ولا أعلم أني قلت ذلك.
ثم قرأ بقية الجلسة السابعة للمجمع القسطنطيني وبعد تمام ذلك قرأت القضية الموجبة على أوطيخا.
فأجاب اوطيخا وقال: قد فسدوا البعض بما قرأ ولأن ذلك يخص هذه الدعوة أسالكم ان تأمروا بقرأته.
اجاب يوناليوس اسقف القدس ليقبل الدفتر ويقرأ ويكتب ما قرأ في دفاتر المجمع.
حينئذ قرأ يوحنا كبير الكتبة نسخة من اعمال المجمع القسطنطيني الخصوصي: في عهد فلابيوس القنصل بردجين والذي سوف يشهر قنصلاً اجتمع في دهليز الكنيسة الكبير بامر الملك المجمع المقدس ثم جلسوا ثلاثة وثلاثون اسقفاً من مدن وجهات مختلفة وبينم كان فلابيانوس المكرم أسقف هذه المدينة المشهورة. حينئذ قال مقدونيوس القائد المكرم كبير الكتبة ومبلغ الملك. وباقي هذا العمل القسطنطيني صار تمام المجمع بمكر اوطيخا وهو محرر في الباب الرابع والعشرين للمجمع الخلقيدوني المقدس.
حينئذ أجاب باسيليوس أسقف سالق في معاملة الايسورية وقال: اني اعتقد باعتقاد الآباء القديسين المجتمعين في نيقية المثبت في افسس ثم اضاد كل من يفهم بخلاف ما ثبتوا الآباء في نقية وفي افسس والعن كل من يقسم المسيح الواحد إلى طبيعتين ام جوهرين أم اقنومين بعد الاتحاد ثم أندم على قولي واعترف في الذي تظاهرت به في القسطنطينية[224] وأسجد لطبيعة واحدة هو لاهوت الابن الوحيد المتجسد المتأنس.[225]
فأجاب سالوقوس الأسقف: قد تمسكت باعتقاد الآباء القديسين المجتمعين في نيقية الذي ثبته المجمع الافسسي ورزلت كلامي وما نطقت به في القسطنطينية قائلاً: أنه يجب أننا نقول بربنا يسوع المسيح طبيعتين من بعد الاتحاد ثم أحرم كل من يقسم المسيح إلى طبيعتين من بعد ما اتحد اللاهوت والناسوت أم يفصله لجوهرين أم لاقنومين قد احسبت هؤلاء المتمسكين بهذا المذهب مفرزوين من شركة القديسين.
وحينئذ قال أوطيخا: قد علمتم من قراءة الأعمال الثانية أن الأعمال الأولى كانت مفسودة فعندنا الآن ايضاً شهادة كبير حراس ديوان الملك التي شهدها تحت نقيب الوظايف الملوكية فأسلكم أن تأمروا بقرأتها.
اجاب فلابيانوس: إن تلك الشهادة كانت زوراً.[226]
اجاب ديسقوروس: إن كان فلابيانوس الاسقف المعز لله اطلع على شيء موافقاً ومؤكداً لقوله فينبئنا به بكتاب.[227]
فأجاب فلابيانوس: قد قطعت لنفسي السبيل لايراد كل احتجاج ولو أنه حقاً.
اجاب ديسقوروس: المجمع المقدس يعلم إن كان أنا منعتك عن شيء فالآن أتكلم في أمرك. إن كان معك شيء تحتج به.
اجاب فلابيانوس: اذن لي بالحديث.
قال ديسقوروس: ليس أحد منعك عن ذلك وهذا المجمع المقدس أخبر بما ذكرته.
قال فلابيانوس: الأعمال الثانية هي صحيحة ولا زور فيها ولا بهتان. ويعلمك بذلك الأسقف طالاسيوس والاسقف اوساديوس.
اجاب طالاسيوس اسقف قيصرية: ليس أحد منعك عن الخطاب فإن كان تعلم شيئاً موافقاً لدعوتك فتكلم الآن.
قال ديسقوروس: يقل الآن اوسابيوس إن كان منعته وأمرته بالسكوت.
أجاب اسقف انكرا في غلاطية: الله مشترف علينا فإننا مشتهيين خطابك.
قال يوناليوس اسقف القدس: ليتكلم الآن بما يعجبه.
اجاب فلابيانوس: أما الأعمال الثانية[228] صارت بحضرة الأسقف طالاسيوس والاسقف اوسابيوس ثم أمام كبير حراس ديوان الملك وقد فحصوا عن دفاترها ولم يجدوا بها زوراً كما يذكروا الآن. ثم جميع الاساقفة الذين كانوا حاضرين في ذلك المحفل شهدوا قدام الله بكلما قرأ لهم من الدفاتر ولم يذكروا بها فساداً البتة.
قال ديسقوروس: يقل الآن اسطفانوس أسقف افسس إن كان أنا أمرته بالسكوت أم لا.
أجاب اسطفانوس: يقل هو بنفسه إن كانت أمرته بذلك أم لا.
قال ديسقوروس للمجمع: قولوا أنتم بأجمعكم أيها الأساقفة الحاضرين إن كان صدر مني ذلك.
اجاب المجمع: أما نحن لم نمنعه. [229]
اجاب فلابيانوس: من كل ما فعلته انا في ذلك المجمع لستُ خائفاً بوجه من الوجوه بعناية الله تعالى لأني لم أتمسك باعتقاد غريب أو في وقت من الأوقات مذهباً حائداً عما اعتقد به في ذلك المحفل. وابداً لم ابدل اعتقادي باعتقاداً ىخر.
فقال ديسوقورس للمجمع: قد سمعتم ما قرأ من دفاتر ذلك المجمع وعرفتم علانية مضمونها فقولوا الآن ما ظهر لكم في أمانة أوطيخا وما هو مرادكم وحكمكم في دعوته.
أجاب يوناليوس القدس: لأنه قد اعترف واقتدى باعتقاد مجمع نيقية وبما ثبتوا الآباء في المجمع العظيم الذي اجتمع سابقاً في هذه المدينة قد ظهر لي ارثوذكسياً من اقواله. فمن أجل ذلك قد حكمت بأنه يثبت في درجته وفي ديره.
اجاب المجمع: حق وعدل هذا الكلام.[230]
ففقال دومنوس أنطاكية: قد كنت سابقاً ثبت القضية التي أوجبها فلابيانوس على أوطيخا لأجل الرسالة التي وجهوها لي في هذا الأمر. لكن الآن قد ظهر لي المذكور ارثوذكسياً من الكتاب الذي قدمه لهذا المجمع حيث يعترف به أنه متمسكاً باعتقاد الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر الذين اجتمعوا في نيقية وبأمانة الآباء الذين اجتمعوا في هذه المدينة فلأجل ذلك قد اقتديت برأيكم وحكمت بأنه مستحق درجة الكهنوت والرياسة على رهبان ديره.
ثم ثال اسطفانوس افسس: قد ظهر لي من قراءة دفاتر ذلك المجمع ومن الكتاب الذي قدمه أوطيخا الارشمندريت أنه ارثوذكسياً متمسكاً باعتقاد الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر ولأجل ذلك قد حكمت بأنه يستحق الكهنوت والرياسة.
فقال طلاسيوس قيصرية الكبادوك: لأن القس أوطيخا ليس افسد في شيء البتة تفسير الآباء قد رسمت أنه مستحق درجة الكهنوت.
وعلى هذه الصفة قالوا جميع الآباء الذين كانوا مجتمعين في ذلك المجمع الذي صار في افسس وبرروا أوطيخا من كل هرطقة واعتقاد فاسد وعددهم دون المذكورين مائة وسبعة من جهات وأقاليم مختلفة.
فحينئذ قال ديسقوروس: قد أثبت أنا ايضاً حكم هذا المجمع المقدس وحكمت على أوطيخا يحصى في عدد الكهنة ويتولى ديره كما كان سابقاً.
فقال كبير الكتبة: إن رهبان القس أوطيخا قد قدموا لمجمعكم كتاب فإن رسمتم نقرأه.
فأجاب اوسابيوس أنقرة غلاطية: ليقرأ.
فقرأه كبير الكتبة:
وفيها يتكلمون أنهم قد زهدوا وتركوا الدينا وان عددهم ثلاثمائة راهب.. منهم من له أكثر من ثلاثين عاماً في الدير.. حتى وصلوا إلى: أما فلابيانوس المكرم أسقف القسطنطينية مدينة الملك إذ كان واجباً عليه أن يحمد أفعالنا وسيرتنا ويحثنا على (...) في الأفعال الفاضلة ويسوسنا نحن الذين زهدنا في الأمور الزائلة ومسكنا (...) الله ويعتني بنا بكافة العناية قد فعل بخلاف ما كان يليق منه حيث أحاط راعينا بالتجني والتجديف وأبدع عليه بوجه العبادة سبباً باطلاً حتى يعزله من درجته كونه لم يكن يجدف معه تجديفاً فاسداً بخلاف ما فسر المجمع المقدس النيقاوي وثبت المجمع الذي سابقاً انعقد في هذه المدينة فوجه الينا ثيودوتوس القس وأمرنا بواسطته أمام جملة شمامسة اننا نعترل عن راعينا ولا نعود من بعد ذلك نخاطبه بل أن نضبط حوائح الدير رغماً عنه وذكر أنه كان يفعل ذلك لأجل الفقراء وإذا ما علمنا بأمره رسم أننا نحن مع معلمنا نعدم شركة الأسرار المقدسة والقدوم إلى المذبح المقدس حيث كان هون بنفسه قبل ستة أشهر ومن قبل ما يمكن علينا هذا الكمين كرز المذبح المذكور حينئذ عدمنا التقدمة الإلهية ومكتنا إلى اجتماع هذا المجمع المقدس مربوطين بحكمه الجائر وإن بعض من اخوتنا قد توفوا في ذلك الحرم وفي هذه البلوة بلغنا يوم ميلاد مخلصنا وإلهنا وربنا يسوع المسيح في البكاء والنحيب حتى أننا قضينا في البكاء والنوح ذلك العيد الذي فرح جميع المسيحيين حيث عوض صلوات الخدمة الإلهية طفقنا نصيح بالمراث وبهذا الحال اقبلنا إلى يوم الغطاس المقدس بشهب الذين اشرفوا على الموت فيندبون وفاتهم وهكذا نحن باكيون لعدم الخدمة المقدسة أشرفنا أيضاً على نهار آلام الملخص وبلغنا الليلة المقدسة وعيد القيامة الذي به الآباء الأطهار معتادون أن يسامحوا الخطأة بالقوانين المفروضة عليهم بل والملوك تخرج المدنيين من القيود والبيوت والشوارع تمتلئ فرحاً أما نحن فيما كنا ملقيين في قيود تلك القضية الخارجة عن حد العدل فليس رأينا شفقة في الذي كان حكم علينا بل مكث إلى الآن ثابتاً على ما حكم به من بعد تسعة اشهر فقد أوجب على ذاته دينونة من قبلكم بمثل التي أوجبها علينا حتى يجد ذلك ثمرة أحكامه في القضية التي أنتم مزمعون توجبوها عليه وكقول الكتب المقدسة يدان كما دان ويسقط في الحفرة التي وضعها لغيره فلأجل ذلك نتضرع لمجمعكم المقدس أنكم تشفقوا علينا لأجل هذا العذاب الذي قاسيناه لأجل الأمانة من هذا الكاهن وتردونا إلى شركة الاسرار المقدسة التي منعنا منها إما ولذلك الذي فعل هذه الأمور بتجاوزه جزاء جوره أنا نرسيس القس قد ثبت هذا الكتاب بخط يدي وأنا تيماتاوس الشماس ثبت هذا الكتاب بخط يدي وهكذا كتبوا بقية الرهبان وعدتهم خمسة وثلاثون راهباً ودفاتر المجمع تثني عن اساميهم.
حينئذ من بعد قراءة هذه الرسالة قال ديسقوروس: قد قلتم أن فلابيانوس قد حرمكم حيث لم تعلموا السبب فنحن ايضاً قد وهمنا لأجل أي شيء صار لكم ذلك ولكن أجهروا لنا صورة اعتقادكم لن ذلك هو يحلكم من كل حرم.
اجاب الشماس لوسين الراهب وقال: أما اعقادنا هو بموجب ما شرحوا الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر المجتمعون في نيقية وثبتوه الآباء الذين اجتمعوا في هذه المدينة وليس نفهم ولا نعرف مذهب آخر دون ذلك الاعتقاد كما أنهي ايضاً لقدسكم رئيسنا الارشمندريت المتوشح بالله في رسالته.
ثم اجاب ديسقوروس: فقولوا لنا هل تفهموا أنتم وتعترفوا بذات مخلصنا وإلهنا المتجسد كما اعتقد اثناسيوس وكيرلس واغريغوريوس المغبوطين وجميع الاساقفة الارثوذكسيين؟
اجاب لوسين المذكور: كلنا هكذا نفهم وكما علموا الآباء في نيقية وفي هذه المدينة.
اجاب ديسقوروس: اتقبلوا ما كتب أوطاخي في رسالته ومعتقدون بأمانته أم لا؟
احاب لوسين: نم أإن هكذا نعتقد.
قال ديسقوروس: لا تتجاوزوا هذا الاعتقاد؟
اجاب لوسين: لا
فقال ديسقوروس: هذا هو اعتقادكم الذي قد تمسكتوا به وتحرموا كل من يحيد عنه؟
اجاب لوسين: نعم وحق اقدامكم!
فقال يوناليوس القدس: قد صار أمرهم واحب بأنهم حيث قد اعترفوا بالأمانة المستقيمة الذي فسروها الآباء في نيقية وثبتوها في افسس، يحظوا بشركة القديسين وبدرجاتهم.
اجاب المجمع: قد ارتضينا كلنا بذلك وكلنا نحكم بذلك.
قال ديسقوروس: ايعجب لقدسكم أن نضع ايضاً في خطابكم هذا القول أعني اننا قد باركنا أوطيخا والشمامسة الرهبان المقيمين تحت طاعته؟
اجاب المجمع: قد حلّيناهم من كل حرم ومنع.
ثال ديسوقورس: وما تروا هل نشاركهم في الدرجة وبالاسرار الإلهية؟
اجاب المجمع: وذلك ايضاً هو حكماً عادلاً وامراً واجباً.
قال ديسقوروس: فبعد ما كشفنا ما صار في أمر أوطيخا وردّيناه على أري هذا المجمع المقدس لشركة المسيحيين ولدرجة الكهنوت ثم وحلينا الشمامسة والرهبان الذين عنده فينبغي أمراً واجباً أن نفحص عما صار من خصوص الأمانة المقدسة في المجمع المقدس ساباقاً الذي انعقد المدينة المتلمكة. فإن رسم المجمع المقدس يقرأ القس يوحنا دفاتر ذلك المحفل.
أجاب دومنوس أنطاكية: رسم المجمع.
قال طلاسيوس قيصرية الكبادوك: يلزم أن تقرأ لنا أولاً أمانة الآباء القديسين الثلاثمائة وثمانية عشر الذين اجتمعوا في نيقية لنستفيد من قرأتها.
قال اوسابيوس أنكرا: واجبة هي قراءة وتثبيت المجامع المقدسة لأنها بها نجد قواعد أمانتنا الكاثوليكية.
ثم قال اسطفانوس افسس: تقرأ تفاسير الثلاثمائة وثمانية عشر آباء الذين اجتمعوا في نيقية والآباء الذين اجتمعوا في افسس لصيانة الأمانة الكاثوليكية.
قال المجمع: هكذا نريد جميعاً...
فقرأ القس يوحنا ما سيأتي: (من أعمال المجمع الأفسسي (الأول) القانوني المسكوني المقدس الذي انعقد في عهد القديس كيرلس، الذي قُرأ في أفسس الثاني المزور.. وهو موجود في الباب السادس والعشرين من هذا الكتاب).
ثم بعد تلك القراءة اجاب ديسقوروس: أزعم أنه مقبول عند المجمع ما شرحوا الآباء القديسين الذين اجتمعوا في نيقية وأمر يحفظه في المجمع المقدس الذي سابقاً قد اجتمع في هذه المدينة لأنهم شرحوا بما يرضي الله ويكفي جميع الناس لأجل معرفة الحق وقد سمعنا قانونهم فيما أن لا يجوز لأحد يتكلم بخلاف تعليمهم أم يعتقد بخلاف اعتقادهم ثم وأن يفرز وينفى من شركة المسيحيين كل من قصد نقضه ام فحص وشك فيه، ما قولكم بذلك فكل أحد منكم يقل ما في رايه وخاطره لأننا لا نستطيع أن نفحص عن هذه الأمور أم نجتهدها وإن كان أحد بخلاف ما ذكروا الآباء في هذا القانون طلب ازيد مما قيل وفرض ثم وعجب لذلك المجمع المقدس أليس امراً واجباً أنه يعاقب بما حكموا به الآباء فيظهر كل واحد منكم مراده ونيته مما يخص هذا الأمر.[231]
اجاب طلاسيوس قيصرية كبادوك: قد أظهرت نعمة الله الأمانة المستقيمة على افواه الآباء الثلاثمائة وثمانية عشر ثم فيما بعد على يد المجمع المقدس الذي اجتمع في هذه المدينة الجليلة فيجب الآن علينا أننا نحفظها بغير زيادة ولا نقصان كما تأمر القوانين التي سنوها الآباء المتجمعين في نيقية وثبتوها فيما بعد في المجمع الأفسسي المقدس وقد كرهت لأجل ذلك أولائك الذين يتمسكون باعتقاد ينقض اعتقادهم لأنهم فسدوا الأمانة.
فقال صزون أسقف فيليفوس: قد اعتقدت ثم اعتقد الآن بما شرحوا الآباء الذين اجتمعوا في نيقية ثم اقبل اعتقاد المجمع المقدس الذي اجتمع سابقاً في هذه المدينة وقد حسبت كل من يعتقد بخلاف ذلك حايد عن الإمانة الكاثوليكية.
فقال يوحنا اسقف صيباستية مدينة الأرمينية الأولى: بالحقيقة أنه افسد بالأسقام المسكونة من افترى وخلط الكفر بالأمانة المستقيمة لأن الذي يهين الاعتقاد الذي تجلس في الكنيسة لكثرة وزمان وسلطان الآباء الذين ثبتوه فذلك ليس جعل له حداً بل يتغير رايه في كل حين. فلأجل ذلك قد كرهت سائر البدع وتمسكت بهذه الأمانة بمفردها التي تفسرت من الآباء القديسين لأنها سند أمانتا.
ثم قال ثيوسيوس طرسوس: أما أنا قد استرميت على الاعتقاد الذي فسروه الآباء القديسين الذين اجتمعوا في نيقية وفي افسس ثم أعتقد أن الذين حادوا عن هذه الأمانة ليس هم كاثوليكيون.
وعلى هذه الصفحة كتبوا وحكموا سائر الاساقفة الذين كانوا جالسين في ذلك المحفل.
[وهكذا انتهت أعمال المجمع، المدونة في دفاتر المجمع.. وليست الأعمال التي حصلت، والتي سيتم الوقوف عليها في مجمع خلقيدونية.. وهكذا رأينا ان ديسقوروس وصحبه، كانوا في كل مرة يمنعون قراءة طومس لاون.. وكذلك رأينا كيف أن ديسقوروس وافق هرطقة أوطيخا، من خلال اعتراف أوطيخا الذي حصل في القسطنطينية وتمت قراءته في أفسس، ومن خلال ادعاء الأسقف باسيليوس. فلا يأتي أحد ويدعي بأن ديسقوروس في هذا المجمع لم يثبت إيمان أوطيخا الحقيقي أو ضحك عليه أو ما إلى ذلك من ادعاءات واهية. ومن الأمور التي لم أعرف عنها شيئ، هي أن ديسقوروس لم يقم بمراسلة فلابيانوس أبداً عند سماعه لمشكلة أوطيخا. على عكس ما رأيناه من سلفه القديس كيرلس الذي أرسل رسائل لنسطوريوس في الأولى يستوضح منه، في الثانية يقول بأن من يقول قوله هو هرطوقي.. هكذا جرت العادة في الكنيسة، ولكن ديسقوروس كونه ليس من الكنيسة، فلم يعمل بعمل أبناء الكنيسة.]
--------
الهوامش
--------
[213] وقد تم وضعهم سابقاً
[214] نجد هنا أن أقوال المناهضين لنص المصالحة هي واحدة، منذ عهد ديسقوروس حتى اليوم. إن نص المصالحة يبدو أنه قد فعل معهم فعلةً عظيمة.
[215] قد بينا فساد هذا الرأي سابقاً أثناء عرضنا للرسائل المذكورة، فليراجع في مكانه.
[216] عدم سماع ديسقوروس لكلام الأسقف المذكور يعني أمراً من اثنين: إما أن حالة المجمع كانت ضوضاء وأمر يُرثى له، أو أنه نطق هذا الكلام وهو بضمير يؤنبه، فلم يقدر أن يرفع صوته.
[217] الترجمة هنا لا تقول بأن ديسقوروس قال: "هل تطيقوا القول بانفصال الطبيعتين بعد التجسد" بل قال: "أن توجد في المسيح طبيعتين بعد التجسد". وهو كأوطيخا، لم ينكر التجسد. ولتراجع أقواله التي وضعناها سابقاً، والتي هي تشبه اقوال أوطيخا الهرطوقي لحد التطابق.
[218] لا تهمه الطريقة، المهم أن يوافق الجميع على ما سيتم.
[219] أوطيخا في ذلك المجمع قد شرح الإيمان القويم، بحسب ما يؤمن به ديسقوروس.
[220] ويقولون أن أوطيخا قد خدع ديسقوروس. إن ديسقوروس قد تجاوز القانون الكنسي، عندما رفع الحرم عن أوطيخا في مجمع محلي، وها هو الآن يدخل بدعته إلى الكنيسة، ويكون قائداً لها.
[221] وهذه المحادثة، من أعمال الجلسة السابعة للمجمع القسطنطيني 448.
[222] هذا السطر بالذات، اقتبسه ديسقوروس في دفاعه عن إيمانه في خلقيدونية.
وكما رأينا، فإن ديسقوروس قبل الكلام الذي قاله أوطيخا، بأن المسيح غير مساوٍ لنا في الجوهر... ويأتي لاهوتيي كنيستنا المتحذلقين، وينفون الهرطقة عن ديسقوروس.
[223] بغض النظر عما قله الأسقف باسيليوس، لأنه سيعود ويغير كلامه في خلقيدونية، فإننا لا نرى ديسقوروس يطلب التأكد من هذا الموضوع ولا يسأل أوطيخا عن هذا الموضوع. فماذا يوحي هذا؟ إنه الموافقة على ما قلناه سابقاً.
[224] هل كان كلامه تظاهر منه؟ أم تزوير عليه؟
[225] هل هناك أوطاخية أكثر من هذا؟ هل يُقال بعد هذا أن هذا المجمع لم يكن أوطاخياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى؟
[226] هنا خرج فلابيانوس عن صمته، الذي فرض عليه من أصحاب هذا المجمع
[227] وبعد أن انتهت تقريباً كل الأعمال، ولم يبقَ إلا اصدار القرار، وبعد أن تكلم فلابيانوس فطن ديسقوروس لأن يسأله.
[228] وهو المجمع الثاني الذي عُقيد في القسطنطينية بشأن موضوع أوطيخا. وسيتم ذكره لاحقاً.
[229] كل هذا يجب أن يُقرأ ويُفهم على ضوء ما ذكر سابقاً من هذا المجمع اللصوصي. لأنه وجدت أن البعض يقوم بالقراءة المتجزئة. فيفصل كل جزء من هذا البحث، عن باقي الأجزاء.
[230] من أجل الذين ينسون ما ذكر سابقا، أرجو الا ننسى أنه قد تم قراءة إيمان أوطيخا وأنه أنكر مساواة المسيح لنا بالجوهر.
[231] بعد أن ذكرهم بالعقوبة التي تنتظرهم، طلب منهم أن يتكلموا. لئلا يطلبوا أي شرحاً يزيد على ماوضع سابقاً. فهو كان يتهرب من مناقشة الإيمان الأرثوذكسي.
-
المراسلات التي جرت في الفترة الزمنية الواقعة ما بين افسس اللصوصي وخلقيدونية
المراسلات التي جرت في الفترة الزمنية الواقعة ما بين افسس اللصوصي وخلقيدونية
رسالة البابا لاون إلى الملك ثيودوسيوس حول المجمع الأفسسي الثاني المزور.
تشمل على ما حدث به ضد قوانين الكنيسة وكيف بعض من الأساقفة ثبتوا بدعة اوطيخا وفسدوا الاعتقاد المستقيم.
يطلب منه أن ياذن باجتماع آخر في بلاد أيطاليا
الباب السابع عشر – ص 79-80 بحسب ترتيب ملف pdf:
من لاون الأسقف ومن المجمع الروماني إلى ثيودوسيوس الملك
فمن بعد ما وقفنا على رسائل جلالتكم التي وردت قبل هذا الآن إلى كرسي بطرس الرسول عن الأمانة الأرثوذكسية زاد عندنا الأمل في عنايتكم لتلك الغاية حتى رفع عنا كل خوفاً لزعمنا أن في مثل هذه الدعوة الواضحة المثبوتة ليس ممكن يجد شيئاً مما يآسى الأمانة المسيحية ولسيما أننا قد وجهّنا قُصّادنا على مجمع الأساقفة الذي كان انعقد بأمركم في افسس وانفذنا معهم رسائل تثني عن هذا الأمر بتمامه التي لو أن اسقف الاسكندرية كان أذن بقرأتها فكان ارتفع كل ريب وسكن كل اضطراب بايضاح الحق وظهور الاعتقاد الطاهر الموحى لنا ثم وتسلم لنا من آبائنا وهو الآن محفوظ في كنيسة المسيح ولكن لأجل بعض اناس قليلين قد دخل الفساد وفني الحق فقد بلغنا وتحقق عندنا مما ذكر لنا هيلاروس شماسنا الذي بالكاد انهزم من ذلك المحفل لئلا يرغموه في تثبيت أحكامهم الذميمة فانجلى لنا أن اجتمعوا في ذلك المحفل أساقفة كثيرون الذين ما كانوا اقتدوا بالحق وحفظوا صحة الإيمان لو أن الأسقف الذي كان جعل نفسه مدبراً ومقدماً في المجمع يكن ألزم أدبه وضبط نفسه متمسكاً بالقوانين وفي سيرة الكنيسة ويكن آذن للأساقفة حتى كجاري العادة يحكموا بما لاق برأيهم بعد فحص بالغ فحينئذ يثبتوا ما كان يليق بالأمانة المستقيمة ويصلحوا أمورها ويرفعوا السجس الواقع فيها ولكن قد علمنا أن البعض من الأساقفة مكثوا خارج المجلس والبعض أدخلوهم رؤساء المجمع وارغموهم بتثبيت أمور خارجة عن الصواب والاستقامة وأن فيما كان مدبر ذلك المحفل قاصلاً إهلاك رجل واحد آسا الكنيسة بأسرها فأمد هذا الحكيم الدميم هكذا صعب على قصادنا حتى أنهم أنكروا قضية أولئك الأساقفة في نصف المجمع وأمام جميع الحاضرين فيما نادوا باسم الكرسي الرسولي إنما كان من الممكن أن الكرسي المذكور يقبل شيئاً مما كانوا شرعوا به لأن بالحقيقة قد بطل سر أمانة المسيح إن لم ينقض هذا الفعل القبيح الذي فاق غاية القباحة. فأما لأن ابليس اللعين يخدع الساذجين بشبهة الحق نسألكم تنقوا من قبلكم هذا الفكر الذي يتلف الأمانة وينقض قواعد دين المسيح وأنكم تحلموا علينا في أمر الكنيسة بما هو جائز ومثبوت بأمر العالم من شريعة الملوك ألا أحد يفتري على أمور الدين ويفعل ما يشاء قهراً ورغماً عن أهل الحق. فهوذا أنا واخوتي الاساقفة نتضرع إليك أيها الملك العزيز بحق الثالوث الاقدس الذي يحرس دولتكم وبحق ملائكة المسيح بأنكم تردوا كل شيء لحاله الأول لبينما يصير مجمع آخر من سائر افاقات المسكونة. ولا توجبوا عليكم خطايا الناس لأننا نخاف ألا الله يغضب عليكم لإهمالكم بما يخص عبادته وخدمته فانظروا وتأملوا بمجد القديس بطرس الجليل وبأكاليل الرسل وبسعف النخيل الذين في يدي الشهداء واعلموا أن ما احتملوا العقوبات والموت إلا من أجل اعترافهم بحقيقة لاهوت وناسوت المسيح[232] فالآن سائر الكنائس وكافة الأساقفة الذين في هذه الجهات يتضرعون إليكم بالبكاء والخشوع أن كون بعض من الجهال يجحدون باثمهم هذا السر العظيم بأنكم تاذنوا باجتماع مجمع عام في بلد ايطاليا لإزالة الشرور التي صدرت عن المجمع الذي انعقد سابقاً لأن قُصّادنا ليس قبلوه وفلابيانوس الأسقف اندعا من حكمه الخبيث لدى الكرسي الرسولي وقدم بذلك كتاباً لنيابنا فأما أن من بعد ذلك المجمع الفاسد يجب اجتماع مجمع آخر فهو مشهور مما فرضوا آباؤنا الذين اجتمعوا في نيقية حيث يأمروا أن يرفع الأمر كله إلى الكرسي الرسولي لما يحدث أن أحد الخصمين يتدعي إليه فنسالكم الآن بأنكم تناصروا الأمانة الارثوذكسية كجاري عادتكم وعادة أجدادكم وتعتقونا من جور الملحدين لنحامي عن دين المسيح الذي لم يقوى عليه العالم كله ما دامكم سالمين وبينما نحن قائمين بمصالح الكنيسة ساعيين بخلاصكم وهدو ملككم فاحموا أنتم الكنيسة من الهراطقة ليحرس المسيح دولتكم من جميع الأعداء آمين.
حرر في 11 – تشرين الأول – عهد استيربوس وبردجين القنصلين.
رسالة بالنتنيانوس الملك إلى ثيودوسيوس الملك
وكانت بسب طلب لاون إلى الملك، أن يتوسط إلى ثيودوسيوس حتى يعقد مجمعاً آخر ينصر فيه الإيمان الأرثوذكسي... لتراجع في مكانها ص 80- 81
رسالة ثيودوسيوس الملك إلى بالنتينيانوس السلطان
الرد على الرسالة السابقة.... لتراجع في مكانها ص 81-82
من غلا بلاسيديا الملكة إلى حضرة سيدنا ثاودسيوس قيصر ابني الغالب دائماً
نفس الأمر، وهو رجاء لاون لأم ثيودوسيوس من أجل عقد مجمع آخر... لتراجع في مكانها ص 82
مختصر رسالة ثيودوسيوس الملك تضمن الجواب إلى غلا بلاسيديا الملكة
الرد على الرسالة السابقة... لتراجع مكانها ص 82-83
رسالة لسينيه أوديسا الملكة إلى ثيودوسيوس السلطان لأجل السجس المذكور
نفس الأمر... لتراجع في مكانها صحفة 83
حواب ثيودوسيوس الملك إلى لسينيه اوديسا الملكة
الرد على الرسالة السابقة... لتراجع في مكانها ص 83-84.
رسالة مار لاون البابا الروماني إلى كهنة وشعب مدينة القسطنطينية
ص 84- 88 بحسب ترتيب ملف pdf:
........... [ص 86]: ومن أجل ذلك ليس نقول نحن أن المسيح هو إله وحده كما قالت أتباع منقص الهراطقة ولا نقول إنه إنسان وحده كما قالوا أتباع فتيوس الخارجين ولا نقول أنه إنسان ناقص فيما ينبغي لحق طبيعته الناسوتية أعني أم في النفس الناطقة العقلية أم في المشيئة ولا نقول أن الجسد ليس هو مصنوع من امرأة وأن الكلمة تغيرت وتحولت إلى الجسد لكون هؤلاء الاقاويل الثلاثة هي خارجة وباطلة من أتباع أبوليناريوس ولا نقول أن العذراء ولدت إنسان بلا لاهوت وأن ذلك الإنسان خُلق أولاً من الروح القدس وبعد أخذه الكلمة كما قال نسطور الذي اسقطناه نحن كما كان يستحق بل نقول أن المسيح هو ابن الله وإله وحق مولود من الله الآب قبل الأزمنة وإنسان حق مولود في ملء الزمان من أمه التي هي إنسانية وليس نقول أن الطبيعة الناسوتية التي من أجلها الابن هو أصغر من الآب أنها نقصت شيئاً البتة من الطبيعة اللاهوتية التي بها الابن هو مساوي مع الآب بل نقول أن الاثنان متحدتان هما مسيح واحد الذي كونه إله قال أنا والآب واحد (نحن) وكونه إنسان قال الآب أعظم مني. فهذا هو أيها الأحباء الإيمان الحقيقي الذي لا يضمحل وهو وحده يجعل المؤمنين مسيحيين حقيقيين وقد بلغ إلينا المعرفة أن أنتم تحفظوه بمحبة حقيقية ونسك مجتهد وتمسكوه (بمواضيه) وتنصروه (لبيبا) ثم اعلموا أنكم محتاجين أيضاً إلى معونة الملوك الارثوذكسيين ولذلك ينبغي لكم ان تتضرعوا إلى الملك باتضاع وعلم واطلبوا منه أن يرضى باجتماع مجمع كلي كما نرغب نحن كي بتوفيق الله ورحمته تتقوى قوة الثابتيين في الإيمان وتعطى الدواء للسقماء المخالفين إن كان هم يرغبوا ذلك عطيت في اليوم الثالث عشر من شهر تشرين الأول في عهد استريون وابرتجنس أناس أخيار وقناصل.
رسالة مار لاون البابا إلى يوليانوس الاسقف
لتراجع في مكانها ص 89
ثم تأتي رسالة من مركيان إلى لاون البابا، ويرد عليه البابا لاون برسالتين يطلب في الثانية أن يدعو مركيان إلى أن يمنع الهراطقة من التعليم ويقول له ليس من داعٍ لعقد مجمع لأن كثيرين من الاساقفة قد ندموا وعرفوه بالشر الذي حصل وطلبوا الغفران على ما صنعوه[233].
فرد عليه ماركيان وطلب إليه أن يأتي لعنده من اجل عقد مجمع يصلح ما تم افساده، وإن لم يستطيع أن يرسل رسالة بخط يده يبارك فيها المجمع كي يرسل ماركيان إلى الاساقفة ليحضروا المجمع.
وبعد ذلك ترسل له الملكة بوليخارية القديسة رسالة تخبره فيها أن البطريرك اناتوليوس هو أيضاً على الإيمان الارثوذكسي وطرد عنه تلك البدعة وتضرع له وتساله أن يأمر باجتماع جميع اساقفة الشرق بحسب مشيئة الملك. وتخبره بأن جسد القديس فلابيانوس قد نقلوه إلى مدينة القسطنطينية ودفنوه في كنيسة الرسل، حيث دفنوا الاساقفة الذين سبقوه.
فيرسل البابا لاون رسالة إلى الملك يخبره فيها عن نوابه المرسلين لأجل المجمع. ويذكره أنه طلب تأخير المجمع لأجل صلح كنائس الشرق، بسبب ظروف الحروب التي كانت موجودة. ويخبره بأنه سينزل تحت رغبته ويعين نوابه فيها.
ثم يرسل رسالة اخرى إلى بوليخارية، ويذكر فيها كيف طردت من البيعة عدو المذهب المقدس وهرطقته نسطور [234]. ويشكرها لأنها ردت الكهنة المظلومين إلى كنائسهم ودفنت جسد فلابيانوس بكرامة واجبة في كنيسته التي دبرها. ثم يخبرها أنه سمع اخبار اناتوليوس أن بعضاً من الأساقفة الذين ثبتوا الأمور المنافقة أنهم الآن نادمون عن جرمهم ويطلبون الغفران عن زلاتهم ويريدون الاشتراك مع الأرثوذكسيين وأنا رضيت من رغبهم بحسب الشرط أعني واجب أنهم أولاً يعترفوا بخطوتهم ويحرموا ذنبهم ويثبتوا اعتراف أفواهم بخط ايديهم ولهذا فإني قد أعطيت سلطان لنيابي ولا ناتوليوس الأسقف المذكور لكي يحكموا في ذلك الأمر لأجل الصلح.
ويرسل البابا لاون رسالة أخرى إلى الملكة بوليخاريا.
ثم رسالة الملكان بالنتينيان ومركيان إلى أساقفة أقاليم الشرق ليجتمعوا في مدينة نيقية.
ثم رسالة الملكان بالنتينيان ومركيان إلى الأساقفة المجتمعين في نيقية يعتذر فيها عن عدم قدرته على المجيء ويطلب الانتظار ريثما يأتي[235].
ثم يرسلان رسالة أخرى باسميهما أيضاً ويطلبون فيها من الأساقفة المجتمعين أن ينتقلوا إلى مدينة خلقيدونية. لأن مرسلين البابا لاون طلبوا أن يحضر هو بذاته، حتى يحضروا المجمع.
[وبهذا ختم الباب السابع عشر، وانتهى التمهيد للمجمع الخلقيدوني العظيم المقدس.. والآن يبدأ هذا المجمع المقدس العظيم].
---------
الهوامش
---------
[232] من هذه الجملة المقتضبة، نفهم أن نواب البابا لاون، قد فهموا أن هذا المجمع قد أنكر حقيقية ناسوت المسيح، أي مساواته لنا في الجوهر.
[233] وهذه المعلومة التي تخبرنا بها رسالة البابا لاون، هي معلومة جد خطيرة. لأنها تؤكد أن ليس كل الآباء الذين وقعوا الحرم على فلابيانوس وبرأوا أوطيخا، لم يكونوا بالفعل معتقدين بصحة ما يفعلونه. ولذلك وخلال اقل من سنة، ومع أن السلطة تدعم هرطقة ديسقوروس، إلا أن معمهم قد ارتد عن الهرطقة وعاد للإيمان القويم، ومنهم أناتوليوس بطريرك القسطنطينية الذي كان يعتقد به ديسقوروس بأنه سيكون خاتماً في يده. وهذا الرأي ستؤكده القديسة بوليخارية في رسالة أخرى
[234] فالقديسين لاون وبوليخاريا كانا من أشد أعداء نسطوريوس. وقد ساعدت بوليخارية كيرلس في مجمع أفسس كثيراً، لذلك سنرى الأساقفة السكندريين يهتفون بحياتها في مجمع خلقيدونية.
[235] لأنه كان من المقرر للآباء أن يجتمعوا في نيقية. ولكن لظروف الملك، تم نقل المجمع إلى خلقيدونية.