مع اقتراب عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح يقصر انتظار الأطفال لرجلٍ ينتظرونه عامًا تلو آخر، فيصبحون مطيعين أكثر لوالديهم طمعًا بالهدايا التي سيأتيهم بها "رجل العيد" أو ما يسمّى بـ"بابا نويل".
في السادس من كانون الأوّل نقيم تذكار أبينا القدّيس نيقولاوس العجائبي رئيس أساقفة ميراليكية، هذا القدّيس الذي امتزجت شهرته بشهرة شخصيّة "بابا نويل" التي دخلت على ثقافتنا من الغرب. هذه الشّخصيّة ابتكرتها إحدى الشّركات العالميّة كعلامة تجاريّة لها، ومن خلال الإعلانات ووسائل الإعلام نالت شخصيّة "بابا نويل" الشّهرة العالميّة وبخاصّة لدى الأطفال. أصبح هذا الرّجل الملتحي والمتّشح بالثياب الحمراء والبيضاء رمزًا لعيد الميلاد مساهمًا في إبعاد الناس عمومًا والمسيحيّين خصوصًا عن معنى العيد الأساسي وصاحبه الحقيقي أي الربّ يسوع.
من المرجّح أن يكون الخلط بين الرّجلَين تمّ بسبب الشّهرة الواسعة لهما إذ إنّ القدّيس نيقولاوس يمتلك شهرةً واسعة لدى فئاتٍ كثيرة من النّاس كالتلامذة والبحّارة والصيّادين والتجّار والمسافرين والمظلومين وبخاصّة لدى الفتيات اللواتي لا مَهر لهنّ. فيُذكَر في سيرة حياة القدّيس أنّه عرف مرّةً بأنّ أحد الرّجال الأغنياء الذي كان قد خسر أمواله أراد أن يزوّج بناته الثلاث، إلاّ أنّه لم يكن يملك المال لذلك، فعرض عليه إبليس فكرة أن يدفع ببناته إلى تعاطي تجارة الزّنى، لكنّ القدّيس نيقولاوس ما أن عرف بالأمر جاءه ليلاً ورمى كيسًا من المال إلى بيت الرّجل من إحدى نوافذ منزله مرّةً وثانية وثالثة مساعدًا الرّجل في تزويج بناته. هذه الحادثة جعلت النّاس يخلطون بين القدّيس و"بابا نويل" الذي يأتي ليلاً من دون أن يراه أحد ويضع الهدايا للأولاد ويرحل.
نحن نربّي أبناءَنا منذ نعومة أظفارهم على وهمٍ، على شخصيّة خياليّة، ونقول: "يجب أن ندعهم يعيشون طفولتهم ويفرحون من دون أن نصدمهم بخبر عدم وجود بابا نويل". بطريقة من الطرق يقع اللوم على الأهل الذين يساهمون بإبعاد أطفالهم عن المسيح "رجل العيد" الحقيقي، جاعلين إيّاهم يعيشون وهم "رجل العيد" الذي يأتيهم بالهدايا مرّةً واحدةً سنويًّا. الأهل الصّالحون لا يربّون أبناءَهم على الكَذب، إنّما على الحقيقة، ويفرحون عندما يشاركون أبناءهم حياةً مبنيّةً على حقيقةٍ لا على خيال. فما المانع من إخبار الأطفال عن يسوع المسيح الذي وُلِدَ في مغارة وجلبَ لنا الهديّة الأهمّ أي الخلاص؟ هذا الإله الذي يهدينا في كلّ قدّاس هديّة ثمينة هي جسده ودمه الكريمَين. لِماذا نخجل من الكلام مع أبنائنا على الإله الذي تنازل ليولد في مذودٍ للبهائم من أجل أن يرفَعنا من ظلام الخطايا، ولا نخجل من تربية أولادنا على عيش أوهامٍ وأساطير تأسرنا عندما نريد إخبارهم الحقيقة، فنخاف عندما تأتي ساعة مواجهتهم بحقيقة عدم وجود "بابا نويل"، فلماذا الكذب من البداية إذا كنّا نعرف أنّنا سنواجه ساعة الحقيقة في يوم من الأيّام؟
إحدى البراهين البسيطة على أنّ "بابا نويل" ليس القدّيس نيقولاوس هو أنّ بعض البلدان تعتبره القدّيس باسيليوس الكبير مثلاً وذلك في اليونان حيث يأتي في الأوّل من كانون الثاني متّشحًا بالبياض ويوزّع الحلوى والهدايا للأطفال. إنّ القدّيسَين نيقولاوس وباسيليوس اشتهرا بعملهما الرّعائي بامتياز فكانا بحقّ "قانونًا للإيمان وصورةً للوداعة ومعلّمَين للإمساك"، وبسبب سيرتهما المليئة بالعطاء ومحبّة الشّعوب لهما حصل هذا الخلط مع شخصيّة "بابا نويل".
إنّ معنى اسم القدّيس نيقولاوس هو "الشّعب الظّافر"، وقد عَمِلَ هذا القدّيس طيلة حياته على أن تكون رعيّته قريبةً من "المسيح الظّافر" (هذا لقب المسيح الذي نجده مطبوعًا على جزء القربانة المسمّى "الحمل" والذي نتناوله في كلّ قدّاس). فالمسيح غلب الموت والخطيئة ورعيّته – كنيسته هي ظافرة على شبهه. المسيح وُلِدَ ومات وقام حقًّا لا بالوهم والخيال، لذلك علينا أن نتربّى على الحقيقة ونربّي أبناءنا عليها لكون شهودًا للحقّ، والحقّ يحرّرنا ويجعلنا أبناء حقيقيين لله وليس عبيدًا لأمور نحسبها مهمّة وهي في الحقيقة غير نافعة وزائلة.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
عظمي يانفسي الإله الذي ولد بالجسد من البتول
المفضلات