وعلى لباسي اقترعوا ( متى27: 35 ، مزمور21: 19 )
بعد أن غسل أرجل تلاميذه وناولهم عبر يسوع المسيح نهر قدرون ودخل مع تلاميذه إلى بستانٍ . وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنَّا وابتعد عن التلاميذ الآخرين وقال : " ابقوا هنا يقظين " وبعدما ابتعد عنهم قليلاً سجد وصلى لله الآب وكان يقول : " يا أبتاه لو كان من الممكن أن يخلص الجنس البشري بدون موتي فأسألك ألا أُسلَم . ولكن ليحدث كما تريد مشيئتك ." ورجع من هناك إلى الرسل فوجدهم نائمين وقال :" ألم تستطيعوا أن تبقوا يقظين ولو لساعةِ زمانٍ؟ كونوا يقظين وصلوا لئلا ينتصر عليكم الشيطان . فإنَّ الروح يقظ وأما الجسد فضعيفٌ ويحتاجُ إلى عونٍ من الله ." ( قارن مع متى26: 40-41 ) . وبعد أن صلى هكذا ثلاث مرَّاتٍ أسلم ذاته للمشيئة الإلهية وبدأ يُصلِّي فحسب باجتهادٍ كبيرٍ حتى أنه قد تقاطر منه عرقٌ أحمر كالدم ( انظر لوقا22: 44 ). حينئذ ظهر ملاك الله وكان يقول له ألا يخاف من الموت :" لأنَّه هكذا يريد الله أن تُهرق دمك وتفدي جبلتك ."
بعد ذلك عندما ذهب المسيح إلى الرسل ووجدهم نائمين قال لهم :" ناموا إذن واستريحوا ! لأنَّ يهوذا يقترب ليسلمني ! وبينما هو بعد يتكلَّم جاء يهوذا ومعه جنودٌ أُعطوا له من قبل بيلاطس ومع جمعٍ غفيرٍ من الناس من جهة رؤساء الكهنة الّذين كان قد قال لهم :" الّذي أُقبِّله هو يسوع فامسكوه . فاقترب يهوذا من يسوع وقال له :" افرح يا رابي ! وقبَّله . وأمَّا يسوع فقال له :" يا رفيقي إن كنت أتيت إليَّ كصديقٍ فلماذا أحضرت معك كلَّ هذا القدر من الجنود ؟ وإن كنت قد أتيت إليَّ كعدوٍّ فلِمَ تُقبِّلُني ؟" ( متى26: 48-50 ). يا لوداعة المسيح العظيمة ! وكيف إنَّه لم يُسقط برقاً من السماء ليحرق الجميع بل قال للجنود بوداعة :" من تريدون؟ " وحينما أجابوه :" يسوع الناصري " فإنَّه قال لهم :" أنا هو " ( يوحنَّا18: 4-5 ) . حينئذٍ خزي الجند ووقعوا على عيونهم . لكنَّ يسوع قال لهم مجدداً :" إن كنتم تبحثون عن يسوع فها أنا ذا امسكوا بي وأما تلاميذي فاتركوهم ." حينئذ امسك به الجنود وخدَّام رؤساء الكهنة وابتدأوا يضربونه ويصرُّون بأسنانهم وربطوه كلصٍّ . عندما رأى الرَّسول بطرس هذه اللا إنسانية أخرج خنجراً وضرب به مالخ خادم رئيس الكهنة وقطع أذنه اليمنى . حينئذٍ قال له يسوع :" أعد خنجرك إلى غمده يا بطرس . فإنه من يسحب خنجراً فإنه بالخنجر يُمات." وأما الجند فأمسكوا بيسوع من هنالك وأخذوه إلى حضرة رئيس الكهنة حنان إلى حيثما أتى بطرس أيضاً والّذي قد أنكر ثلاث مرَّاتٍ بأنه ليس تلميذاً للمسيح ، لكنه ما إن صاح الديك حتى تذكر قول المسيح فخرج إلى خارج وبكى كثيراً . سأل حنان هنالك يسوع ما هو تعليمه . فقال له يسوع :" لمَ تسألني ؟ اسأل الناس الّذي استمعوا إليَّ وهم فليقولوا لك ما هو تعليمي أهو جيِّدٌ أم رديءٌ ." حينئذ لطم أحد الخدَّام يسوع على وجهه وقال :" أهكذا يُكلَّم رئيس الكهنة؟!" فقال له يسوع :" إن كنت تكلَّمت بالسوء فاثبت الشرَّ في كلامي وإن كنت قد نطقت خيراً فلماذا تضربني؟" ( يوحنَّا18: 19-23 ). ومن هناك أخذوا يسوع إلى قيافا الّذي كان خلال هذه السنة رئيساً للكهنة حيثما كان قد اجتمع الكهنة وشيوخ العبرانيين وتآمروا عليه ليقتلوه . فقد أتى إلى هنالك شاهدا زور أيضاً اللّذان قال :" لقد سمعنا من فمه القول بأنه ابن الله ." حينئذ قال له قيافا :" أتسمع ما يقوله هذان عنك؟ لماذا لا تجيب؟" لكنَّ يسوع بقي صامتاً . وأما قيافا فقال له:" استحلفك بالله أن تقول هل أنت المسيا؟" حينئذ قال له يسوع:" أنت تقول أني أنا لكني أقول لكم :" من الآن فصاعداً ستبصرونني من عن يمين جهة الله الآب في اليوم الأخير حينما سآتي لأدين الأحياء والأموات . ( سترونني ) على السحب بمجدٍ عظيمٍ ." حينما سمع قيافا ذلك مزَّق ثوبه وقال :" أتسمعون أية كفرٍ يتفوه به؟ ما الّذي يستحقه؟" وأما هم فقالوا :" إنه يستحقُّ الموت !" حينئذٍ غطوا وجهه بمنديلٍ وكانوا يضربونه ويقولون :" قل أيُّها المسيا الدَّجال من ضربك ؟!" وبصقوا عليه . وقام من هنالك جميع رؤساء الكهنة والشيوخ وأخذ يسوع إلى بيلاطس وأما بيلاطس فعندما رآهم خرج إلى الخارج وسألهم:" أيُّ شرٍّ صنعه هذا الإنسان حتى تأخذونه إلى ههنا مربوطاً؟" فقالوا له :" إن لم يكن قد صنع شرَّاً فلم نكن لنأخذه إلى هنا لتقتله ." فقال بيلاطس :" إلى أن أفحص جريمته بالتفصيل فإنَّني لا آذُن لكم بقتله ." فقالوا له :" وأيَّة جريمة ترغب أكثر من هذه ؟ إنه يخالف شريعتنا . ويقول بأنَّه ملك اليهود وأنَّه ابن لله ويُعلِّم الناس ألا يدفعوا جزيةً للقيصر ." حينئذ قال لهم بيلاطس :" خذوه واحكموا عليه بحسب ناموسكم ." وأما هم فقالوا :" إنه ليس مسموحاً لنا بقتل أحد." ( يوحنَّا18: 31 ). حينئذ دخل بيلاطس إلى الداخل ، دعا يسوع وقال له :" هل أنت ملك اليهود ؟ ها أنَّ جماعتك الشرِّيرة تسلمك إليَّ كشرِّيرٍ ويطلبون موتك . قل ما الّذي فعلته ؟" حينئذٍ قال يسوع :" آهٍ يا بيلاطس ! لو كانت مملكتي ههنا على الأرض لكان لي جيشٌ وما كنت لأُسلم في يديك لكن أعلم بأنَّ مملكتي ليست من هذا العالم وبسبب ذلك لست عدوَّاً لقيصر ." حينئذ خرج بيلاطس خارجاً وقال للعبرانيين :" إنَّ هذا الإنسان لم يقترف أية جريمة تستحقُّ الموت . إنَّكم من شدَّة حسدكم له تريدون قتله . ولكنَّكم بذلك ستقترفون خطيئةً عظيمةً ." وأما العبرانيون فكانوا يصرخون :" أصغيرٌ هو هذا الجرم أنَّه أثار جميع السكان من الجليل إلى أورشليم؟" لدى سماعه بأنَّ يسوع هو من الجليل الّتي كانت تحت حكم هيرودُسَ الّذي كان قد جاء إلى أورشليم أرسله بيلاطس إلى هيرودُسَ الّذي استجوب يسوع كثيراً لكنَّه لم يجبه بشيءٍ لأنه كان يعلم بأنَّ هيرودُسَ لن يصدِّقه . حينئذٍ غضب هيرودُسُ على يسوع وألبسه ثوباً أبيضَ وأرسله مجدداً إلى بيلاطس ، وأما بيلاطس فدعا اليهود وقال لهم :" لا أنا ولا هيرودُسُ قد وجدنا في هذا الإنسان ذنباً ما لجريمةٍ تستحقُّ الموت . لكن بما أنه لديكم عادةٌ أن أخليَ لكم سجيناً واحداً للعيد فسأخلي لكم يسوع ." وأما هم فكانوا يصرخون بصوتٍ واحدٍ :" اخلي لنا براباس اللص وأما يسوع فاصلبه ." حينئذ بيلاطس لكي يهدِّئ غضب اليهود أمر بأن يربطوا يسوع بعامود فضربوا كثيراً حتى أنه سالت من جسده دماءٌ كالنهر بعد ذلك حلُّوه والبسوه ثوباً أرجوانياً ووضعوا على رأسه إكليل شوكٍ ووضعوا في يده قصبةً بدل الصولجان وسجدوا له كما للملك وبصقوا في وجهه وكانوا يضربونه على رأسه . وبعد أن سبَّبوا له كلَّ هذا العار قال بيلاطس لليهود :" ها أنا ذا قد عاقبته حسب ذنبه من أجل أنه قال أنَّه ملك اليهود لكنِّي لم أجد فيه علَّة لجريمةٍ تستحقُّ الموت ." ولكنَّ اليهود كانوا يصرخون :" إنَّه بحسب شريعتنا يتوجب عليه أن يموت لأنه جعل نفسه ابناً لله ." حينئذٍ دخل بيلاطس مجدداً إلى البلاط وقال ليسوع :" من أين أنت ؟" وبعد أن لم يجبه يسوع بشيءٍ قال له بيلاطس :" ألن تجيبني أنا؟ ألا تعلم أنَّ لي سلطاناً أن أصلبك ولي سلطاناً أن أطلقك ؟ " وأما يسوع فقال له :" أنت لا تمتلك أيَّة سلطانٍ عليَّ إن لم تُعطى لك من الله ." ( يوحنَّا19: 11 ) . لدى سماع بيلاطس ذلك كان يبحث عن سببٍ ليطلقه وأما اليهود فكانوا يصرخون :" إن أطلقته فلست صديقاً لقيصر لأنَّ من يجعل نفسه ملكاً هو عدوٌّ لقيصر ." حينئذ في يوم الجمعة وفي الساعة السادسة عندما رأى بيلاطس بأن اليهود لا يصمتون خرج على منبر القضاء حيث جاءوا بيسوع ليحاكموه وقال لليهود :" هوذا ملككم ! فما الّذي ستفعلون به ؟ " وأما هم فكانوا ينعون بصوتٍ واحدٍ ويقولون :" اصلبه ! فإنَّه ليس لنا ملك آخر سوى قيصر ." ( يوحنَّا19: 10-12، 14-15 ). أما بيلاطس فطلب ماءً فغسل يديه وقال :" ليست لي خطيئةٌ ( أنا بريءٌ ) من دم هذا البار ." وأما هم فقالوا له :" ليكن دمه علينا وعلى أولادنا اصلبه فحسب ." ( متى27: 24-25 ). حينئذٍ رأى بيلاطس أنهم لا يريدون أن يهدأوا فأعطى أمراً بأن يُصلب على الصليب . فقادوه مثل الحمل للذبح وحمَّلوه بالصليب لكي يحمله حتى الجلجثة . كما قادوا معه أيضاً لصان آخران وبعدهم كانوا يمشي قائد المئة مع جنوده ورجالٌ ونساءٌ آخرين الّذين كانوا ينوحون . وأمَّا يسوع فقال لهم بعد أن استدار إليهم :" أيتها النساء الأورشليميات لا تنُحنَ عليَّ بل نُحنَ على أنفسكُنَّ وأولادكنَّ لأنه يأتي زمانٌ حينما ستترجون الأموات أن يفتحوا قبورهم لكي تدخلوها أنتنَّ ." ( قارن مع لوقا23: 28-29 ).
في ذلك الحين ما إن سمعت أمُّ المسيح أنَّهم يقودون ابنها الحبيب لكي يصلبوه ركضت إلى الطريق الّذي كان ينبغي أن يمرَّ فيه يسوع وحينما رأته لم تقدر أن تعرفه إذ أنه كان غارقاً بالدماءِ من كثرة الضرب . أما هو فعندما رأى أمه أغمي عليه وسقط على الأرض بصليبه . وعندما رأى قائد المئة ذلك خاف ألا يموت يسوع في الطريق ولذلك ذهبوا إلى المكان حيث كانوا مزمعون أن يصلبوا يسوع فخلع الجنود الأربعة الّذين كانوا يحرسونه ثيابه وقسَّموها فيما بينهم . بعد ذلك وضعوا الصليب على الأرض وصلبوا يسوع عليه فسمَّروا يديه ورجليه ورفعوه بين لصين وكتبوا على الصليب :" هذا هو يسوع الناصري ملك اليهود " كي يقرأه الناس فيعرفون لمَ صُلِبَ . حينئذٍ عندما رأى يهوذا بأنهم قد صلبوا يسوع ندم وأعاد المال للشيوخ وذهب فخنق نفسه . أمَّا الشيوخ فاشتروا بهذا المال حقل الفخار لكي يقبروا الغرباء فيها . يا لشرِّ يهوذا ويا للا إنسانية الناس ! لقد صنع لهم يسوع كلَّ هذه الخيرات أمَّا هم فقد صلبوه على الصليب وجدَّفوا عليه وقالوا :" أيُّها المسيا الجدَّال إنك كنت تقول بأنك سوف تهدم هيكل الله لثلاثة أيامٍ وتبنيه . هيا انزل الآن عن الصليب لكي نصدِّقك ." هكذا كان يهزأ به أحد اللصين وأما الآخر فكان يقول له :" اذكرني يا ربُّ متى أتيت في ملكوتك ." الّذي من أجله أجابه يسوع :" اليوم ستكون معي في الفردوس ." ( لوقا23: 42-43 ).
هنالك حول الصليب كانوا واقفين يوحنَّا اللاهوتي وأمُّ يسوع التي كانت تبكي وتملي :" يا ابني الحبيب إلى أين أنت ذاهبٌ ولمن تترك أمَّك الفائقة الحزن ؟ كيف لي أن أعيش بدونك؟" حينئذٍ أشار يسوع بنظره إلى يوحنَّا اللاهوتي وقال :" يا امرأة هوذا ابنكِ !" وأما له فقد قال :" هوذا أمَّك إنَّني استودعها لك !" ( يوحنَّا19: 27-28 ) . حينئذٍ قال يسوع :" لقد عطشت ." حينئذ أنَّ اليهود الأشرار الّذين كانوا قد حضَّروا في وعاءٍ مرارةً ممزوجةً بخلٍّ قد غمسوا ( في المزيج ) إسفنجةً على قصبة زوفى ورفعوها إلى فمه فشرب يسوع وقال :" قد تمَّ ." وبعد أن صرخ :" يا أبتاه ! في يديك استودع روحي ." ( لوقا23: 46 ) أحنى رأسه وأسلم الروح في يوم الجمعة في الساعة السادسة . حينئذ أظلمت الشمس في أرجاء كلِّ الأرض حتى الساعة التاسعة وانشقَّ حجاب الهيكل واهتزَّت الأرض والصخور تشقَّقت فقام الكثيرون من الأموات . أما قائد المئة فلمَّا رأى ذلك قال :" بالحقيقة كان هذا ابناً لله ." وأما بعد الساعة التاسعة سأل اليهود بيلاطس أن يرسل جنوداً لكي يكسروا سوق المصلوبين لكي يموت بشكل أسرع ولكيلا يبقوا على الصلبان في يوم السبت . حينئذ كسر الجنود سيقان اللصين وأما يسوع فلأنه كان قد مات لم يكسروا ساقيه . لكنَّ أحد الجنود واسمه لونجينوس فطعنه في جنبه من حيث سال دم وماء : فالدم للمناولة والماء للعماد .
تأملوا في حكم بيلاطس ، فإنَّ بيلاطس قد قال بنفسه بأنَّ يسوع ليس مذنباً ليستحق الموت وأما بعد ذلك فإنه قد أصدر قراراً بقتله . لقد غسل يديه أمام الشعب وأما بعد ذلك فوقع على قتل المسيح . كما كان اليهود يظنون بأنَّ موت الصليب هو الأكثر عاراً ، ولكنَّ الله قد مجد هذا الصليب في السماء وعلى الأرض وأما اليهود فجعلهم مسخرة ولوم للعالم كله . لقد احتمل المسيح كلَّ ذلك العذاب والتجاديف فقط من أجل أن يحرِّرنا ويمجِّدنا .
أيُّها المسيح المحب البشر تقبَّل توبتنا واذكرنا في الملكوت السماوي كما ذكرت اللص الصالح ، وارحمنا برحمتك العظيمة وهبنا إرادةً لكي نسجد لصليبك الكريم ونقبِّل قدميك الكليتي الطهارة لمغفرة خطايانا ومن أجل مجد اسمك الكلي الكرامة الآن وكلَّ أوانٍ وإلى أبد الدهور . آمين .
من كتاب " الآحاد للقدِّيس صفرونيوس البلغاري
فيكتور دره 13 / 4 / 2012
المفضلات