" حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ . وَلَكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً : " أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ ! " . فَقَالَ يَسُوعُ لَهُ : " اسْمَحِ الآنَ لأَنَّهُ هَكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ " . حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ " ( متى 3 : 13 ـ 15 ) ؛ ( مرقس 1 : 9 ) ؛ ( لوقا 3 : 21 ) .
جاء من الجليل أى من ناصرة الجليل حيث تربى وكان يعيش ( لوقا 1 : 26 ، 27 ) ؛ ( متى 2 : 23 ) . وتم هذا قبل أن يباشر رب المجد خدمته ، أى عندما كان فى الثلاثين من عمره ، وكان هذا بعد مرور ستة أشهر على بداية خدمة القديس يوحنا المعمدان [ الفارق الزمنى فى وقت ولادتهما الذى هو الفارق الزمنى فى البشارة بمولد كل منهما : "وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ ( بدءًا من البشارة بميلاد القديس يوحنا المعمدان ) أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ ... " ( لوقا 1 : 26 ) ] .
كلمة " ليعتمد " تظهر أن هذا هو الغرض من مجيئه ، الذى :
" أُحْصِىَ مَعَ أَثَمَةٍ " ( إشعياء 53 : 12 ) .
" جُعل خطية لأجلنا " ( 2 كورنثوس 5 : 21 ) .
وأخذ صورة العبد الخاطئ : " أَخْلَى نَفْسَهُ ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ ، صَائِراً فِى شِبْهِ النَّاسِ " ( فيليبى 2 : 7 ) .
اقتضى أن يمارس الرسوم والتطهيرات المكلف بها الإنسان .
جاء الشعب إلى يوحنا المعمدان معترفين بخطاياهم وتائبين عنها ومعتمدين منه فى نهر الأردن ، لكن حين يأتى الرب يسوع إلى يوحنا هل يأتى كتائب عن خطاياه ومعترفاً بها ؟ أنه بلا خطايا يعترف بها وقدوس كلى القداسة ، واعترف الجميع بذلك وأقروا به :
1ـ الملاك حين بشر السيدة العذراء بولادته ( لوقا 1 : 35 ) .
2ـ الأرواح الشريرة حين كان يطردها ( مرقس 1 : 24 ) ؛ ( لوقا 4 : 34 ) .
3 ـ حتى يهوذا الإسخريوطى الذى أسلمه ، وكان يهمه بالقطع تبرير نفسه إلا أننا نجده يُقر ويقول : " قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً "( متى 27 : 4 ) .
4ـ الآباء الرسل فى كرازتهم ( أعمال 3 : 14 ؛ 4 : 27 ؛ 4 : 30 ) ؛ ( عبرانيين 7 : 26 ) ؛ ( 1 ـ بطرس 1 : 15 )
5ـ وورد فى سفر الرؤيا عن الله الكلمة المتجسد ( رؤيا 3 : 7 ؛ 4 : 8 ؛ 6 : 10 ؛ 15 : 4 ) .
تحدى كل الذين كانوا يحاولون أن يتصيدوا عليه أى خطأ : " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ ؟ " ( يوحنا 8 : 46 ) .
6ـ كان باراً وبلا خطيئة :
" الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً ، وَلاَ وُجِدَ فِى فَمِهِ مَكْرٌ . الَّذِى إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِى بِعَدْلٍ " ( 1 ـ بطرس 2 : 22 ، 23 ) .
لهذا عندما أتى إلى القديس يوحنا ليعتمد منه ، فإن يوحنا بحسه النبوى شعر بان الشخص الواقف أمامه لا يحتاج إلى إغتسال ، ومن أى شىء يغتسل ؟ . وهل يحتاج إلى تطهير ؟ . ومن أى شىء يتطهر ؟ . وهو الذى قيل عنه : " يَسُوعَ الْمَسِيحِ الشَّاهِدِ الأَمِينِ ، الْبِكْرِ مِنَ الأَمْوَاتِ ، وَرَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ . الَّذِي أَحَبَّنَا ، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ " ( رؤيا 1 : 5 ) . فهو القدوس بلا عيب ، قادر أن يُطهر الجميع ويغسّلهم من خطاياهم بدمه ، لماذا يأتى إلى يوحنا كسائر الناس ؟ . أدرك يوحنا أن الذى أمامه يفوقه بما لا يُقاس فى القداسة والطهارة ، وأنه ( أى يوحنا ) إنسان خاطئ ، " لأن الحى الدائم خلق جميع الأشياء عامة الرب وحده يتزكى " ( سيراخ 18 : 1 ) ، وأنه هو المحتاج إلى أن يُقدم توبة للشخص الماثل أمامه ويغتسل منه ( يقبل منه المعمودية ) .
هو لم يعرفه ، ولكنه أدرك أنه واقف أمام شخص فائق القداسة ، هو حتى هذه اللحظة لم يعرف شخصيته ، ولكن إشعاعات الطهارة والقداسة والبر الصادرة من رب المجد ، لا شك أن القديس يوحنا أحس بها وادركها .
معمودية الرب يسوع كانت أهم وأعظم شىء فى خدمة المعمدان وأعماله ، ( وقد لُقب بالمعمدان لأنه عمد رب المجد ، والصورة الطقسية له فى الكنيسة تصوره وهو يُعمد الرب يسوع ) . تعمد الرب يسوع ليُظهر خضوعه التام للشريعة . وليكرم القديس يوحنا كنبى وكسابق له . ويبين أنه مشترك مع شعبه فى كل شىء فى معموديته كما فى موته .
" وَلَكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً : " أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ ! " .
هذا يُظهر أن الرب يسوع كان بلا خطيئة ، وبالتالى فلا يحتاج إلى المعمودية التى هى علامة التوبة عن الخطيئة والتطهر منها . ولهذا يقول له القديس يوحنا " أنا مُحتاج " لأنه عرف أنه دون الشخص الواقف أمامه مقاماً فرأى إحتياجه إلى أن يعتمد منه ، ولأنه رأى نفسه أنه خاطئ ويحتاج إلى غفران من " حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ " ( يوحنا 1 : 29 ، 36 ) .
" وأنت تأتى إلىّ ؟ ! " .
سؤاله يُظهر التعجب من مجيئه ، فكأنه يقول : أيأتى الذهب إلى الطين ليكتسب بهاءً ؟ . أم الشمس تأتى إلى السراج لتقتبس نوراً . أم يأتى البار إلى الأثيم ليكتسب براً ؟ .
" فَقَالَ يَسُوعُ لَهُ : " اسْمَحِ الآنَ لأَنَّهُ هَكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ " . حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ " .
هنا أدب الحوار ، هو يُسلم بما قاله يوحنا ، ولم يُشر إلى أن يوحنا هو الذى يحتاج إلى أن يعتمد منه ، ولا إلى أن تمنـُُّع يوحنا بلا سبب كاف ، ولكن الرب يسوع بين له أنه يجب أن يُسلم بطلبه ولو كان هذا غريباً وفوق ادراكه .
وقوله " الآن " تُظهر أن السبب وقتى وذلك بالنظر إلى مقتضى الحال وهو إتضاع الرب بدلاً من البشر .
" هكذا يليق بنا " أى بالرب يسوع وبيوحنا وذلك بناء على النسبة بينهما وبين الله ، أى يليق بيسوع المسيح نائباً عن الخطاة وبيوحنا سابقاً للمسيح لكى يُتمما ما يطلبه الله .
" أن نكمل كل بر " أى كل مطالب الشريعة التى تكفل بإختياره أن يُكملها . وذلك أمر لو امتنع عن فعله ، لعُد هذا نقصاناً فيما يجب عمله . فأراد الرب أن يكرم الشريعة ورسومها بقبوله إياها . وكلمة بر مأخوذة بمعناها فى الآية : " وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ " ( رومية 3 : 21 ) حيث تُشير إلى ( الترتيب الذى نظمه الله ) ، وهو الذى حفظ كل الترتيبات وأطاعها أختتن ، قام بواجباته فى الهيكل والمجمع وفى حفظ عيد الفصح وبقية الأعياد فعلـَّمنا أن الكمال هو فى الطاعة الكاملة للترتيبات الإلهية ..
" حينئذ سمح له " يعنى هذا أنه ليس فقط عمده ، بل أطاع أمره وإمتثل لسلطانه ، غـَطَسَهُ فى الماء ووضع يده على رأسه كأى إنسان آخر ، فهو رغم أنه أحس بحسه الروحى الفائق والنبوى ، أنه أمام شخص فائق القداسة وليس لديه خطيئة من أى نوع يتوب عنها ، [ فهو الذى قال فيما بعد : " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ ؟ " ( يوحنا 8 : 46 ) ] ، إلا أنه لم يكن يعرفه ، وطبعاً واضح جداً أنه حتى لحظة نزول الروح القدس لم يكن يُدرك أنه أمام " الله الكلمة المتجسد " ، " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي : الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ " ( يوحنا 1 : 33 ) ، وصَدّقَ القديس يوحنا ما قاله الرب بوجوب إجراء العمل برضاه . فالتواضع والشعور بعدم الإستحقاق لا يمنعان من إتمام الواجبات بشرط أن أتأكد من رضاء الله الكامل عن الواجب الذى أنوى أن أتمه . وهذا مبدأ مسيحى روحى هام ، فلا يتعلل أحد بعدم إستحقاقه ، ويمتنع عن أداء الخدمة التى يُكلف بها ويعتذر عن أدائها بأسباب متنوعة حتى لو كانت هذه الأسباب حقيقية ، هذا إذا كانت الخدمة المطلوبة لا تحتاج إلى دعوة شخصية خاصة من الله .
اعتمد الرب يسوع للأغراض التالية :
- إعطاء الإعتبار ليوحنا المعمدان وخدمته .
- بيان نسبة يوحنا المعمدان إلى المسيح بأن الأول سابق والثانى هو الأصل .
- جعل المسيح نفسه كواحد من الناس .
- إتضاع المسيح وخضوعه للشريعة .
- فرصة للإعلان السماوى ليوحنا المعمدان بأن يسوع الناصرى هو الله الكلمة المتجسد ، هو " ابن الله " .
h h h
" فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ " ( متى 3 : 16 ) ؛ ( مرقس 1 : 10 ) ؛ ( لوقا 3 : 21 ، 22 ) .
واضحٌ من قول القديس متى بأن المسيح صعد من الماء أن العماد قد تمَّ بالتغطيس ، فالصعود من الماء يعنى صعود الجسم كله وليس الخروج برجليه . فالصعود من الماء يشير إلى حالة دفن فى الماء كما ينص الطقس القبطى ، ليكون الخروج أو الصعود تعبيراً عن القيامة أو تعبيراً عن حدوث تغيير من حال تحت الماء إلى حال جديد بعد الخروج الذي يقوم عليه معنى العماد . فكلمة إعتمد تعنى غطس أو انصبغ كليًّاً ، بمعنى أخذ شكلاً جديداً أو لوناً جديداً . وصعوده فى الحال من الماء كان لتكميل فعل العماد باستعلان الروح القدس .
لماذا حل الروح القدس على السيد المسيح ، وهو واحد مع الروح القدس كما أنه واحد مع الآب فى الجوهر ؟ .
حل الروح القدس على السيد المسيح لكيما يُمسح بصفته الناسوتية بالمسحة المقدسة .
من الناحية اللاهوتية نستطيع أن نقول أن حلول الروح القدس على المسيح لم يكن حلولاً جوهرياً لأن المسيح لم يكن قط بدون الروح القدس منذ حُبل به في البطن . بل هو حلول ما للابن على الابن المتجسِّد ، فالذي له حلَّ عليه للاستعلان فقط كما جاء بصوت الآب : " هذا هو ابني الحبيب " . وقول القديس لوقا : " أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ ... " ( لوقا 4 : 1 ) فكلمة ممتلئ هذه لم ترد فى الأناجيل الأخرى ولكن جاءت هنا كحال " رجع ممتلئاً " والمسيح لم يكن قط غير ممتلئ بالروح القدس .
بهذا نستطيع أن نفهم نبوءة إشعياء النبى التى قرأها الرب فى المجمع فى الناصرة والتى تتكلم عن حلول رب الرب عليه :
" وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى . وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ . فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ . وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوباً فِيهِ : " رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ . وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ " ( لوقا 4 : 16 ـ 19 ) ، ( إشعياء 61 : 1 ، 2 ) .
ويقول القديس لوقا أن الروح القدس نزل " بهيئة جسمية ـ فى صورة جسم يشبه حمامة " swmatikw/| ei;dei " ، ليس هذا هو الروح القدس ، ولكن هذه الهيئة الجسمية حقَّقت للرائين كيف نزل الروح القدس كفعل حقيقى منظور للتأكيد والشهادة . فالمظهر الخارجى بالنسبة للإلهيات يخص العين البشرية الكليلة التى لا ترى إلاَّ الأجسام والهيئات ، أمَّا جوهر الإلهيات فلا يُرى بالحواس البشرية قط ! ولكن قد تكون الهيئة الظاهرة الجسمية المنظورة ذات علاقة بالفعل الذي يأتيه ، كعلامة ألسنة النار التى حلَّت على رؤوس التلاميذ يوم الخمسين تعميقاً لمعنى فعل الروح القدس فى النطق الإلهى وفى التطهير النارى . أمَّا الحمامة هنا كهيئة جسمية فواضح أنها تعميق لإستعلان وداعة المسيح وحلمه كمسيَّا المخلِّص الفادى ، ولكن من رؤية بعيدة تمثل الحمامة روح الله الذي كان يرف على وجه المياه فى بدء الخلقة ، حيث يبدو التماثل شديد العمق ، لأن بالروح الذى رفَّ على وجه الماء فى البدء المخلوق أرضياً ، يأتي المثيل هنا بالروح الذي رفَّ على هامة المسيح للخلق السماوى ، لأن المعروف والمحقق لاهوتياً " مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ " ( أفسس 2 : 10 ) ، فالبشرية خُلقت ثانية خلقة روحية سماوية من جسد المسيح القائم من الأموات .
كما ينقلنا منظر الحمامة بهيئتها الجسمية وهى نازلة على المسيح إلى منظر الحمامة التى أطلقها نوح من الفلك لتأتى ببشرى إنحسار فيضان غضب الله للهلاك الذي دمَّر الخليقة ، وفى فمها غصن زيتون . أفليس هنا أيضاً بشارة من نفس الحمامة أنه قد إنقضت أزمنة الغضب الإلهي وكفَّ هلاك الخطية الذى دمَّر وجه الأرض وجاء غصن البر ينادي بالحياة الأبدية للإنسان الذي أشقاه غضب الله ؟ .
لم يُعطَ رب المجد الروح القدس كهدية ، ولكن نزل الروح نزول المثيل على المثيل ، فلم يزد شيئاً ، ولكن استعلن ما له أصلاً . يسوع المسيح هو فى مفهومنا المسيحى هو الإله المتأنس ، هو الله الظاهر فى الجسد ، هو الله وقد اتخذ ناسوتاً ظهر فيه أى أنه إنسان تام الإنسانية فى نفس الوقت الذى هو فيه إله تام الالوهية ، ويُعبر عن عقيدتنا فى ذلك العبارة الشهيرة للقديس كيرلس الكبير وعمود الدين :
" طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد "
ولكن هذه الطبيعة الواحدة لم تختلط فيها الطبيعة الإلهية بالطبيعة الناسوتية ، بل ظل لكل منها خواصه ، فنجده فى الوقت الذى هو فيه فى السماء يُدبر أمور الخليقة كلها ، نجده فى أحشاء أمنا السيدة العذراء القديسة مريم يسجد له القديس يوحنا ويتهلل فرحاً وهو ما زال فى أحشاء أمه القديسة أليصابات ، كما نجده يرضع من السيدة العذراء وهو الذى يقوت كل الخليقة ويهتم بها ، يجوع ويعطش ، يتعب ويكتئب روحياً وهو مُريح الجميع الذى قال : " تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ " . ( متى 11 : 28 ) ، ويبتهج روحياً " وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ ... " ( لوقا 10 : 21 ) ، وفى الوقت ذاته يسجد له الملائكة . ولكننا كما قال القديس كيرلس الكبير " نحن نستطيع أن نفصل ذهنياً فقط ، وليس من جهة الواقع بين اللاهوت والناسوت فى السيد المسيح " .
حل الروح القدس عليه ليُظهر بعلامة منظورة أنه هو المسيح ، وقد ذكر القديس لوقا : " وفيما كان يُصلى انفتحت السماء " وهذا يُعلمنا الصلاة قبل أن نتأهل لأى موهبة سماوية .
الرب يسوع كإنسان ينبغى أن يُمسح بالمسحة المقدسة قبل أن يبدأ خدمته ، يُمسح للوظائف التى سيمارسها قبل أن يبدأها . مُسح بالمسحة المثلثة : كملك وكنبى وككاهن ، ونحن نجد فى العهد القديم أمثلة للمسحة سواء للنبى أو الملك أو الكاهن . وكان أى شخص يُمسح بالمسحة لوظيفة واحدة أو إثنتان من الوظائف . ولكن أن يُمسح شخص واحد للثلاثة وظائف فهذا الأمر لم يتم إلا مع السيد المسيح .
كما أن وظيفة الكهنوت كانت قاصرة على بنى هارون الذى هو من سبط لاوى ، أما أن يُمسح واحد من سبط آخر للكهنوت فهذا شىء فوق العادة ، فالرب يسوع حسب الجسد هو من سبط يهوذا الذى ليس له نصيب فى الكهنوت ، ورغم هذا نراه يُمسح ككاهن :
" فَإِنَّهُ وَاضِحٌ أَنَّ رَبَّنَا قَدْ طَلَعَ مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا ، الَّذِي لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْهُ مُوسَى شَيْئاً مِنْ جِهَةِ الْكَهَنُوتِ " ( العبرانيين 7 : 14 ) .
لهذا تنبأ عنه الوحى الإلهى :
" مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ " ( مزمور 45 : 7 ) .
" يَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ " ( إشعياء 11 : 2 ) .
" هُوَذَا عَبْدِى الَّذِى أَعْضُدُهُ مُخْتَارِى الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِى . وَضَعْتُ رُوحِى عَلَيْهِ فَيُخْرِجُ الْحَقَّ لِلأُمَمِ " ( إشعياء 42 : 1 ) .
هو لاهوتياً لا يحتاج إلى المسحة ، بل هو مانح المواهب ، ولكن ناسوتياً كان لا بد أن يُمسح . هذا من الجهة الذهنية فقط ولكن من الجهة الواقعية فإننا لا نستطيع أن نفصل بين الناسوت واللاهوت من بعد الإتحاد وذلك كما قال القديس كيرلس عمود الدين .
من أجل هذا فسر لنا الكتاب المُقدّس هذا الأمر فنجد فى العهد القديم طقس " تقدمة الدقيق " ( لاويين 2 ) ؛ ( لاويين 6 : 14 ـ 18 ) ، وهى ترمز إلى السيد المسيح فنجد أنها " ملتوتة بزيت ومدهونة بزيت " والزيت فى الكتاب المُقدّس يرمز إلى الروح القدس ، فالتقدمة ملتوتة بزيت فهى بهذا تمثل علاقة السيد المسيح بالروح القدس ، كأقنوم هو ثابت فى الروح القدس والروح القدس ثابت فيه ، ورغم هذا ورغم أنهما واحد من الناحية اللاهوتية ، إلا أننا نجده قد مُسح كإنسان بالروح القدس ، وهذا ما تُعبر عنه تقدمة الدقيق الملتوتة بزيت أى كل جزء منها هو واحد مع الزيت ، ومدهونة بزيت ! ( وطبعاً كل تشبيه هو صالح من بعض الوجوه وليس من كل الوجوه ) .
" رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَىَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِى لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِى لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِى الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ " ( إشعياء 61 : 1 ) ؛ ( لوقا 4 : 18 ) .
+ يقول القديس هيلارى أسقف بواتييه : تلك المسحة لا ترفع من شأن الابن الوحيد الجنس الطوباوى غير الفاسد ، ذلك الذى يقطن فى طبيعة الله ، إنما ثبتت سر جسده وقدست الناسوت الذى أخذه .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات