لم يظهر أليشاع، في مدّة الاثنتي عشرة سنة التي قضاها في خدمة إيليا، إلاّ يوم دعوته[1] ويوم اختطاف إيليا[2]، وبعد ذلك انفرد أليشاع وقد نال سهمي النعمة من روح إيليا، وأصبح وحده موضع إيليا[3]، فاجتمع إليه بنو الأنبياء، إذ عرفوا أنّه نال من النعمة ما كان لإيليا، وطلبوا إليه التفتيش عن إيليا، فلم يرّد ذلك، لأنّه أدرك أنّ إيليا قد انتقل إلى رحمته تعالى في العاصفة[4]، لكنهم أصرّوا على ذلك، فتركهم وشأنهم، فسار منهم خمسون رجلاً ففتشوا ثلاثة أيام[5]، وراحت نبوءة أليشاع تسير وتنمو، ثمّ أخذ أليشاع يوبّخ يورام بن أحاب على شروره[6]. كما راح المعمدان يوبّخ هيرودس على شروره[7]. 7 . العجائب التي تمّت على يدي أليشاع ورموزها في عهد النعمة
أجرى الله على يدي أليشاع النبي أعاجيب أكثر ممّا أجرى على يدي إيليا، وهذه الأعاجيب أن دلّت على شيء فعلى ما سوف يعمله الربّ يسوع في زمن بشريّته[8]، وإنّ بعضًا من هذه الأعاجيب والأعمال كانت قصاصًا لبني إسرائيل لأجل شرورهم وفسادهم، وقد جاء قوله لإيليا: "... أمضِ فارجع في طريقك نحو بريّة دمشق فإذا وصلت فامسح حزّائيل ملكًا على أرام، وامسح ياهو بن نمشي ملكًا على إسرائيل، وامسح أليشاع بن شافاط من إبل محولة نبيًا بدلاً منك، فيكون أنّ من أفلت من سيف حزائيل يقتله ياهو، ومن أفلت من سيف ياهو يقتله أليشاع"[9]. فكان أوّل عمل قام به أليشاع أن أصلح مياه المدينة إذ وضع فيها ملحًا (والملح هو لإصلاح الطعام)[10]، وبولس ينصح بالقول اللطيف فهو كالملح[11]. أمّا الأعجوبة الثّانية فتدلّ على غضب الله على الذين لا يحترمون الله ولا أنبياءه أو من يمثّلونه تعالى، وعلى الذين يقدّمون له أوراق الطقوس العارية من كلّ ثمرة، وعلى الذين يهملون تربية أولادهم، إذ عندما كان أليشع صاعدًا إلى بيت إيل[12]، إذ بصبيان راحو يهزأن به ويقولون له: "أجلح، أجلح، فالتفت إلى ورائهم (إلى مربيهم) ولعنهم باسم الربّ، فخرج دبتان من الغاب وافترستا منهم اثنين وأربعين صبيًا"[13]، قابل مع قوله: "لا يكن فيك ثمر إلى الأبد"[14]، وقابل قول بولس: "على الأسقف أن يحسن تدبير رعيّته ويجعل أولاده يطيعونه ويحترمونه"[15]، وقابل قصاص الله لعالي الكاهن[16]، وقابلها مع قوله تعالى: "من أكرمكم أكرمني ومن قبل الذين أرسلهم فقبلني ومن قبلني قبل الذي أرسلني"[17].
أنبأ بنجاح حملة يوشافاط على موآب[18]، وأفاض على أرملة إحدى الأنبياء الزيت لتفي دينها، فلا يستعبد غريم الدين ولديها[19]، ونرى هنا أنّ الربّ يسوع قد أفاض علينا نعمته، ومسحنا بزيت قداسته وافتدانا من استعباد الشيطان لنا[20].
أقام ابن الأرملة الشونمية، التي أضافته في بيتها، من الموت[21]، وهذا ما فعله الربّ يسوع إذ أقام ابن الأرملة في نائين[22]، وإقامة ابنة يائيروس[23]. أصلح طعام الحنظل بالدقيق[24]، وكثّر الخبزات العشرين وأطعم بها مائة رجل وفضّل عنهم كثيرًا[25]، والسيد له المجد قد أكثر الخبز مرتين وأطعم الآلاف[26].
أبرأ أليشع نعمان السرياني من البرص[27]، والسيّد قد أبرأ كثيرًا من البرص[28]. وطمع جيحزى غلام أليشاع بالمال، فنقل أليشاع البرص إليه[29]، وهذا مثال للاسخريوطي الذي باع معلمه طمعًا بالمال[30]، فكان أن يئس فشنق نفسه[31]...
كان بنو الأنبياء يقطعون حطبًا فسقطت فأس أحدهم في البئر، فوضع أليشاع عود حطب في الماء فطفا الحديد[32]، وهذا يدلّنا على انتشال يسوع أبانا آدم من أعماق الهاوية[33]. ثمّ عفا أليشاع عن الأسرى الآراميين وأطعمهم[34]، وهكذا يسوع عفا عنّا وغفر خطايانا[35]...
ثم أمر أليشاع المرأة الشونمية أن تترك مع ابنها بيتها وأرض عشيرتها وتذهب إلى موضع آخر هربًا من الجوع الذي دام سبع سنين[36]. قابله مع متّى، عندما جاء ملاك الربّ إلى يوسف وقال له: اذهب بالصبي وأمّه إلى مصر[37]. بكى أليشع إذ عرف ما سيصنع حزائيل ببني إسرائيل[38]. وبكى يسوع على أورشليم إذ رأى ماذا سيصنع بها الأمم[39]...
مات أليشاع سنة 747 ق.م. ودفن. وبعد ذلك جاء أناس ليدفنوا رجلاً هناك، فلمّا رأوا الغزاة خافوا وألقوا الميّت في قبر أليشاع، فلمّا مست جثة الميت عظام أليشاع عاش وقام على قدميه[40]. وهذا يدلّنا على كرامة القدّيسين وذخائرهم وشفاعتهم لدى الربّ[41]، الناس يأخذون ما لامس جسم بولس من مآزر ومناديل إلى المرضى فيشفوا...
رأينا في سيرة أليشاع رمز وصورة الخلاص، وكلّ ما عمله أليشاع من أعاجيب كان يرمز إلى المسيح وعمله الخلاصي. جعلنا الله ننتفع بقداسة وشفاعة هذا النبي، ونسير وراء المسيح كما يجب ويليق بالمسيحي الحقيقي...
[1] 3 أو 1 ملوك 19/16.
[2] 4 أو 2 ملوك 2/1-13.
[3] 4 أو 2 ملوك 2/14.
[4] 4 أو 2 ملوك 2/11.
[5] قابل مع لوقا 2/41-52 و4 أو 2 ملوك 2/17-18.
[6] 4 أو 2 ملوك 6/32 و7/1-2.
[7] راجع متّى 3/1-12 ومتّى 14/3-12.
[8] عبرانيّين 5/7.
[9] 3 أو 1 ملوك 19/15-17.
[10] راجع متّى 5/13 مرقس 9/50 لوقا 14/34 وراجع 4 أو 2 ملوك 2/19-21.
[11] قولوسي 4/6.
[12] تكوين 28/19.
[13] 4 أو 2 ملوك 2/23-24.
[14] متّى 21/19 ومرقس 11/12-14.
[15] 1 تيموثاوس 3/4 وتيطس 1/5-9.
[16] 1 ملوك أو 1 صموئيل 2/22-36 ومع 1 ملوك أو 1 صموئيل 4/11.
[17] يوحنّا 13/20.
[18] 4 أو 2 ملوك 3/11-27.
[19] 4 أو 2 ملوك 4/7.
[20] راجع مرقس 6/13 يعقوب 5/14 مسحة الزيت وراجع كولوسي 1/21-22 وأعمال 26/17.
[21] 4 أو 2 ملوك 4/8-37.
[22] لوقا 7/11-16.
[23] متّى 9/18-26.
[24] 4 أو 2 ملوك 4/38-41.
[25] 4 أو 2 ملوك 4/42-44.
[26] متّى 14/15-21 ومتّى 15/22-39.
[27] 4 أو 2 ملوك 5/1-19.
[28] متّى 8/1-4 لوقا 17/11-19.
[29] 4 أو 2 ملوك 5/20-27.
[30] راجع متىّ 26/14-16 ومرقس 14/10-11 ولوقا 22/1-6.
[31] أعمال 1/18-19 ومتّى 27/3-5.
[32] 4 أو 2 ملوك 6/4-7.
[33] 1 بطرس 3/19.
[34] 4 أو 2 ملوك 6/22-23.
[35] 1 يوحنّا 1/9.
[36] 4 أو 2 ملوك 8/1-6.
[37] متّى 2/13-21.
[38] 4 أو 2 ملوك 8/11.
[39] لوقا 19/41-44.
[40] 4 أو 2 ملوك 13/21.
[41] قابل أعمال 5/15: ظلّ بطرس يشفي المرضى، وأعمال 19/11-12.
المفضلات