الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: اللقاء مع مجتمع غير أرثوذكسي

العرض المتطور

  1. #1
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي اللقاء مع مجتمع غير أرثوذكسي

    اللقاء مع مجتمع غير أرثوذكسي

    مقال للأب صفروني _ ترجمه عن الأنكليزية الأستاذ علاء حداد



    اثنا عشر رسولاً خرجوا إلى العالم بقوة الروح القدس، رافقتهم مجموعة صغيرة من التلاميذ كان عددهم سبعون رجلاً وامرأة. غيروا العالم عندما بدأوا موجة من الفهم والمعرفة وتجديد الحياة جعلت المسكونة بأسرها مختلفةً عما كانت عليه منذ آلاف السنين. اليوم، وبالرغم من وجود ملايين المسيحيين من مختلف الطوائف، يخفت بريق المسيحية بسببنا نحن المسيحيين.
    نحن نحيا في مجتمع كبير يفكر ويتصرف في عالم لا علاقة له ظاهرياً بالإنجيل. أقول ظاهرياً لأن ذلك ليس دقيقاً تماماً، فحتى المجتمعات غير المؤمنة بنت أغلب مبادئها على أسس مسيحية. جلبت المسيحية للعالم مفهوماً لم يكن معروفاً قبلها: القيمة النهائية والمطلقة لكل إنسان. في الماضي كان هناك أسياد وعبيد، الآن يوجد أشخاص، رجال ونساء وأطفال، ذوو فرادة، لهم قيمة كبيرة في أعين الله وفي عيون مجتمعاتهم. بالرغم من ذلك ولسبب ما، أصبحنا كمسيحيين، غير فعالين. أنا هنا لا أنتقد الكنيسة، لكنني أظن أن هناك مجموعة من الأمور يجب أن نفكر بها وندرسها لكي نتخذ موقفاً حيالها.

    الرحلات التبشيرية:
    المسيحيون من الجيل الأول، أعني بهم الرسل ومن اهتدى على أيديهم، كانوا بعيدين عن أوطانهم. لم يكونوا مقيمين في مكان واحد، إنما انتقلوا من مكانٍ إلى آخر لينقلوا للآخرين نعمة الحياة الجديدة في المسيح، ومع الروح القدس. من جهة أخرى، أولئك الذين استقروا في مكانٍ واحد لم يشكلوا مجتمعاً مغلقاً على نفسه، بل شكلوا مجتمعاً من أناسٍ يبحثون في الخارج عن الحمل الضائع من مملكة الله، هذا شيء فقدناه حالياً. كان لدى جميع الكنائس، بشكلٍ أو بآخر، بعثات تبشيرية. لكن المؤسف أن تلك البعثات خرجت إلى العالم بفوقية متكبرة ومهينة. خرجوا إلى العالم ليبشروه بما لديهم، غير مدركين أن لا شيء لديهم، وأن جلَ ما يمكن أن يفعلوه هو أن يقتدوا بالقديس بولس الرسول حين رأى ضخامة وصعوبة مهمته فتوجه إلى الله يطلب منه القوة، حينها قال له الرب "تكفيك نعمتي فإن قوتي في الضعف تكمن"، وأن يتذكروا أن أوائل الرسل حين خرجوا إلى العالم بأمر من السيد المسيح "اذهبوا وبشروا جميع الأمم.." كانوا يعرفون أنهم ضعفاء وأنه لا يمكن لهم أن يعتمدوا على أي قوة إلا قوة الله. يقول القديس بولس أنه لا يفتخر إلا بضعفه لأن كل ما يحدث معه هو بقوة الله ونعمته.
    لم يكن ذلك، غالباً، موقف البعثات التبشيرية. لم تكن حركتهم حركة أشخاص يعيشون محبة الله مع جيرانهم ويستعدون للتضحية بحياتهم من أجل حياة الآخرين ويخرجون إلى العالم عارفين بضعفهم وعدم وقدرتهم على فعل شيء، في حين أن الله قادر على فعل كل شيء.
    يروى عن القديس استفانوس، أسقف مدينة برم وأحد المبشرين الروس الأوائل، أنه حين عرف بوجود وثنيين في منطقة برم، وكانت لغتهم مختلفة عن اللغة السلافية التي يعرفها، تعلم لغتهم أولاً ثم ذهب إلى منطقتهم وصار يصلي ويبشر في وسطهم. أراد بعض السكان المحليين أن يقتلوه فأرسلوا مجموعة من الرجال المسلحين لاغتياله، عندما عادت المجموعة إلى زعيمهم سألهم الأخير : "هل مات؟" فأجابوه: "لا، لم نستطع قتله، عندما التقينا به وجهاً لوجه رأينا فيه الكثير من المحبة والرقة حتى أننا ركعنا أمامه وطلبنا بركته". هذا هو التبشير.
    بالمقابل، كتب أحد المبشرين الغربيين في الهند إلى رئيسه في إسبانيا : "أرسلوا لنا كهنة، لا يهم مدى سوئهم، أي شيء مناسب لهؤلاء الهمج". لم يرى ذلك المبشر أي شيء من العمق والغنى والجمال الذي كان موجوداً هناك، أي كاهن مناسب! هذا شيء لا نجده في الإنجيل. ما نقله بعض المبشرين لم يكن الإنجيل ولا فرح الحياة الجديدة ولا اللقاء مع الله.
    الشيء الرائع في تبشير الرسل هو ما قاله القديس يوحنا : "نتكلم بما رأته أعيننا وما لمسته أيدينا وما سمعته آذاننا". كانوا باختصار يتكلمون من خلال تجربتهم. يمكن للمرء أن يقول: "كانوا مع يسوع وبالتالي استطاعوا أن يتكلموا بما رأوه فيه"، لكن هذه ليست الحقيقة كاملة، لأن الآلاف التقوا المسيح في الأراضي المقدسة، لكن القليلين رأوه لأن الكثيرين كانوا لكانوا عمياناً. رأوا الشكل الخارجي، سمعوا كلمات غريبة مزلزلة لكنها لم تستطع أن تلمس روحهم وتحولهم إلى أناسٍ جددٍ. عندما تكلم المسيح عن جسده المقدم كخبز للحياة انفضت الجموع من حوله فالتفت إلى تلاميذه وقال:"وأنتم ألا تريدون أن تذهبوا؟" فقال له بطرس: "أين نذهب؟ وعندك كلام الحياة الأبدية"، وإذا تمعنا في الإنجيل نلاحظ أن يسوع لا يصف الحياة الأبدية في أي مقطع من مقاطعه. هناك بعض الإشارات عن هذه الحياة لكن السيد لا يعطي أي صورة مفصّلة عنها كتلك التي نجدها في الأدب الصوفي. ما تعنيه كلمات القديس بطرس أن أي كلمة يقولها يسوع تهز كياننا الداخلي، كالشرارة التي تنتج عن احتكاك حجرين من الصوان. عندما نتغير من الداخل تزهر الحياة الأبدية المستقرة فينا وتشع إلى الخارج. هذا ما فعله الرسل والمسيحيون الأوائل حيث كانت خبرتهم شخصية في اللقاء مع الله وجهاً لوجه. لا أعني بذلك رؤية المسيح بالجسد بل معرفة الله من خلال المسيح والرسل المستنيرين.
    كان القديس بولس يتجلى حين يتكلم عن الله وتقول إحدى المخطوطات القديمة أن القديس بولس كان يبدو دميماً كالشيطان عندما يكون في حالة راحة، لكنه كان يشع نوراً كملاك من الجنة حين يتكلم عن الله.

    لا تخافوا:
    عندما كان الرسل يرتحلون من مكان إلى آخر لم يكن ذلك تغييراً مكانياً فحسب، بل كان نقلاً أيضاً للحياة الجديدة التي اختبروها. ماذا عنا نحن؟ هل ننقل أي شيء للأشخاص الذين نقابلهم وإلى من هم حولنا؟.
    ما حصل، أنه بعد الاعتراف بالمسيحية ديانةً رسمية في عهد الإمبراطور قسطنطين، أصبح المجتمع المسيحي راكداً وآمناً، الأمر الذي كان له أثر سيء. فالأمان يجعلنا لا ندرك خطورة الطرق التي نعبر فيها كما تقول لنا إحدى الرسائل، ولا نعي أننا كالمبحرين في سفينة عبر بحر الحياة إلى الأبدية، وأن كل خطوة تحمل معها الخطر والتحدي، وفي كل خطوة الشر أمامنا والله معنا.
    كثيراً ما ننسى أن قوة الله أكبر بما لا يقاس من قوة الشر. القديس هرماس، وهو واحدٌ من السبعين، يقول في إحدى رسائله : "تذكروا ألا تخافوا من قوة الشر أكثر مما تثقوا بقوة ومحبة الله". هذه الثقة كانت أحد العناصر التي نقلها الرسل إلى المجتمع الوثني الذي عاش فيه أناسٌ يخافون من الشر والقوى الشريرة والشيطان. جاء إليهم الرسل وقالوا لهم: "لا تخافوا، انتصر المسيح والشر قد هُزم. إن كنتم معه لا يمكن لأحد أن يغلبكم"، للأسف، هذه الثقة المطلقة ليست موجودة اليوم.

    الشهادة والأمان:
    يشكل المؤمنون اليوم مجتمعات مغلقة لا ينظرون خارجها، وهم يخافون من الخروج إلى المجهول والالتقاء وجهاً لوجه مع من يرفضهم. نتكلم كثيراً عن معمودية الدم لكن ما أبعدنا عنها وما أسهل الكلام عنها. يقول أحد الوعاظ الفرنسيين: "يعزينا أن نسمع أن الكهنة في كل الكنائس يتكلمون عن الشهادة، لكن حين تكون الشهادة موجودة لا يُحكى عنها وإنما تعاش، حين يكثر الكلام عن الشهادة فهذا يعني أننا، ويا للأسف، نشعر بالأمان".
    إحساسنا بالأمان يؤدي إلى الركود. يشعر الكثير من المؤمنين أن الخدم الليتورجية هي الأساس فيأتون إلى الكنيسة ولسان حالهم يقول: "حبذا لو كان ممكناً ألا نغادر فناء هذه الكنيسة، ففي الخارج هناك مجتمع غريب" وننسى أن المسيح قال لنا "اذهبوا كخرافٍ بين الحملان، اذهبوا إلى العالم وبشروا كل الأمم". البشارة هي من ثمار الليتورجيا، ونحن بالليتورجيا، ندخل في شركة مع المسيح والروح القدس، وعلينا بعدها أن نمنح الآخرين ما حصلنا عليه من الفرح والمحبة.

    الرهبنة وتكريس الحياة:
    الكثير من الأمور تغير منذ استقرار الكنيسة. معدن الرجال والنساء الذين كانوا مستعدين للحياة والموت من أجل المسيح كان مختلفاً عن معدن أولئك الذين انضموا إلى الكنيسة، لأن الإمبراطور انضم لها. فهؤلاء انضموا إلى الكنيسة طلباً للأمان، لكن أمان من؟ أمان الله؟ أم أمان الإمبراطور؟ في تلك الأوقات بالذات، بدأت الحركة الرهبانية. رجال ذوو أرواح جريئة تركوا راحة المدن وذهبوا إلى البرية ليحاربوا الشر في ذواتهم والشر الذي كان ينتشر من حولهم. يصر الأب جورج فلورفسكي على حقيقة أن الحركة الرهبانية لم تكن هروباً من مجتمع وثني ولا هروباً من الاضطهاد. بل كانت ابتعاداً عن مسيحية "أضاعت ملحها". كانوا يبتعدون عن مجتمع مسيحي لا طعم له ولا نكهة، ولم يعد هو نفس الجسد البطولي الذي كان في البداية. من هنا كانت بداية الحركة الرهبانية وهذا ما شكّل القوة الدافعة لها على مر العصور. الراهب يرفض الموقف الضعيف وغير المسؤول الذي يتخذه المجتمع الراكد، فيتخلى عن حياته ويختار أن يكون وحيداً مع الله ليختبر المواقف التي تتطلب حضوره في حياته كافة. عندما أتكلم عن التخلي عن الحياة، لا أعني بذلك الموت فقد تكون الحياة المديدة الغنية بالألم والتضحية أهم من الاستشهاد الفوري.
    يقول أحد الأساقفة الروس، وهو بطل من أبطال الاضطهاد السوفييتي للكنيسة، أن واجب المسيحي المؤمن في بعض الأحيان هو النجاة من الموت.
    منذ أن قتل قايين أخاه هابيل صار كل "القايينات" يحاولون قتل "الهابيلات" في هذا العالم، لكن على هابيل أن يسود ويحيا طالما أن ذلك ضروري، مع إدراكه أن الله سوف يختار اللحظة التي سوف يموت فيها.

    الامتلاك والعبودية:
    يمكن للمرء أن يسأل: ماذا علينا أن نفعل؟ هل علينا كلنا أن نصبح رسلاً أو رهباناً وأن نتخلى عما نملك؟ في الحقيقة ليس المهم ما نملك، بل موقفنا مما نملك. الامتلاك قد يكون طريقاً للعبودية وأحياناً نكون مستعبدين لأشياء صغيرة جداً. نجد في الإنجيل مثلاً هاماً جداً حول هذا الموضوع، وهو مثل الملك الذي يدعو أصدقاءه المقربين ليشاركوه في وليمة عرس ابنه. يستعفي الأول لأنه اشترى حقلاً والثاني لأنه اشترى خمسة أزواج من البقر، والثالث لأنه تزوج حديثاً. إلى ماذا يشير ذلك؟ يعني أنني لم أشترِ الأرض فحسب، بل ظننت أني امتلكتها فأصبحتُ مثل الشجرة التي لا تستطيع التحرك بعيداً عن جذورها. اشتريتُ خمسة أزواج من البقر وبالتالي أصبح لدي ما يشغلني في حياتي وهو أهم من أي شيء آخر، من الصداقة ومن المحبة ومن العطاء ومن التضحية. تزوجت، فامتلأ قلبي، ولا مكان فيه لأي شخص آخر. إلى من وُجهت الدعوة بعد ذلك؟ أرسل الملك خدمه ليدعو المساكين والمشردين الذين يشعرون أنهم لا يستحقون أن يكونوا في حضرة الملك. لكنهم سوف يجدون الملاك على البوابة قائلاً لهم : "تعالوا، لأعطيكم ثياباً جديدة لتصبحوا مستعدين لرؤية الملك".
    للأسف، غالباً ما يكون موقفنا مشابهاً لموقف أصدقاء الملك: اشترينا قطعة أرض، لدينا ممتلكات، لدينا التزامات عائلية ومن ثم لا نعود قادرين أن نعطي حياتنا لأبعد من أنفسنا ومما نحن مستعبدين له. علينا أن نسأل أنفسنا دائماً: هل نحن عبيد أم أحرار؟ ولنتذكر أن هناك فرقاً شاسعاً بين المحبة والعبودية، فيمكن أن تكون عبداً في علاقةٍ ما، ويمكن أن تكون حراً فيها.

    الليتورجيــا:
    تأثرت الخدم الليتورجية عموماً بعلاقتها مع السلطة، ومنها خدمنا الأرثوذكسية التي تأثرت بعمق بالاجتماعات الاحتفالية البيزنطية. في الكنيسة الأولى، كانت هناك أشكال ليتورجية متعددة، ثم تطورت في بيزنطة لتكون مكافئة للمجلس الإمبراطوري ومشابهة له. وكانت النتيجة هذا الشكل الرائع الموجود لدينا حالياً. لكن من الخطأ أن نظن أن هذا هو الشكل الوحيد الصحيح، ففي الكنيسة الأولى كان هناك العديد من الأشكال الليتورجية ضمن الكنيسة المسيحية الواحدة، التي لم تكن قد انقسمت بعد. فمثلاً، كانت هناك الليتورجيا الرومانية التي صاغها القديس غريغوريوس ديالوغوس وليتورجيا القديس أمبروسيوس من ميلانو وليتورجيا ليون والليتورجيا العربية وليتورجيا القديس جيرمانوس التي كانت تقام في باريس وأشكال أخرى كثيرة. جميع هذه الخدم متطابقة في الجوهر، لكنها مختلفة في الشكل واللغة وتعبر عن حرية غالباً ما افتقدناها، حرية تعبر عن البيئة والمكان والمحتوى الاجتماعي والثقافي. يجب علينا أن نتعلم الصلاة ضمن الليتورجيا الموجودة ونستفيد من الغنى الموجود فيها، لكن من دون أن نكون عبيداً لها.

    التقليد كذكرى حية:
    لا أريد أن أقول أي كلمة حول موضوع التقليد، فكلما تجرأ أي شخص على اقتراح تغيير ولو بسيط في الطرق الكنسية، يُتهم بكسر التقليد. من المهم جداً أن ندرك غنى التقليد، لكن من المهم أيضاً أن نفهمه بشكلٍ واضحٍ كي لا نصبح سجناء لفهمنا الخاطئ له. التقليد هو تراث كبير تسلمناه جيلاً بعد جيل ابتداءً من الكنيسة الأولى وحتى يومنا هذا. لكن المهم فيه هو المضمون والمعنى وليس الشكل. يعبر أحد الأساقفة الروس المهاجرين عن مثل ذلك الفهم الخاطئ حين يقول لرعيته: "ليس مسموحاً أن نصلي بلغة غربية لأن معظم الهرطقات وُلدت في الغرب"، متناسياً أن الكثير من الهرطقات ظهرت في الكنيسة البيزنطية وكنائس شرقية أخرى! إذا فُهم التقليد بهذا الشكل، نصبح سجناء فيه، فالتقليد هو ذاكرة الكنيسة الحية. لدينا جميعاً ذاكرة لكننا غالباً ما ننسى ماضينا. أما الكنيسة فلا تنسى ماضيها ولديها ذاكرة أبدية لا تمحى. لكن وجود الذاكرة لا يعني عدم اختبار أي جديد. التقليد إذاً هو خبرة نمت بالتدريج وأعطت خبرات أخرى جميعها متعلقة بالله ومُلهمة من الروح القدس. ما تفعله الكنيسة هو أنها تفكر بكل خطوة من خطوات نموها بما يدعوه القديس بولس "فكر المسيح"، وتصغي دوماً إلى تعليم الروح القدس، والروح القدس دوماً جديد، دوماً عصري، ولا يطلب منا أن نعيش كما عاش أسلافنا في القرن الثاني عشر. خلال أحد نقاشات الأساقفة الروس حول موضوع سيامة النساء، توصل أحدهم إلى الاستنتاج التالي: "ليس لدي إجابة حول هذا الموضوع، لكنه لم يحدث في الماضي وبالتالي يجب ألا يحدث في المستقبل". لسنا الآن بصدد النقاش حول هذا الموضوع لكن الحجة المطروحة ليست سبباً منطقياً. التقليد هو ذاكرة حية لألفي عام من المسيحية التي عاشت ونمت بفعل وإلهام الروح القدس وثبّتها السيد المسيح بحيث تكون صلبة لا تهتز. يصف القديس هرماس لقاءه مع امرأة شابة فائقة الجمال ذات شعر أبيض، يسألها: "من أنتِ؟" تجيبه: "أنا الكنيسة"، "كيف لا تزالين شابة وقد ولدتِ منذ زمن بعيد؟" تجيبه: "لدي شباب الأبدية" "لكن لما شعرك أبيض؟" فتجيبه: "لأن لدي شعر الحكمة". هكذا يجب أن تكون الكنيسة فهي ليست كائناً غامضاً وفوضوياً، إنها أنت وأنا ونحن. وبالتالي علينا أن نمتلك شباب الأبدية وحكمة القرون التي سبقتنا، بل أكثر من ذلك، حكمة الله الممتدة إلى الأزلية.

    قيادة الكنيسة والخدمة:
    تأثرت الكنيسة كثيراً كما أسلفنا بالدولة الإمبراطورية التي كانت هرمية بشكل واضح. لكن، بحسب الأب صفرونيوس، فإن الدولة هي عبارة عن هرم مستند على قاعدته، بينما الكنيسة هي هرم مرتكز على رأسه. هذا الرأس ليس شخصاً علمانياً ولا كاهناً ولا حتى مجمعاً أسقفياً، إنه الرب يسوع المسيح الذي هو رأس الكنيسة. عند الكلام عن التسلسل الهرمي، يجب أن نذكر كلام الرب يسوع : "أنا في وسطكم كالخادم" وأولئك الذين يرغبون أن يكونوا في المسيح يجب أن يتعلموا أن يكونوا خداماً ولا شيء آخر. لكن لا بد من الاعتراف أنه، على مر العصور، نشأت تراتبية في السلطة داخل الكنيسة: تراتبية تسيطر، ليس لأن ما تقوله مقنع، بل لأنها تستطيع أن تفرض ما تقوله. إذا كان التسلسل الهرمي في الكنيسة هو ببساطة تسلسل للسلطة حسب المراتب والألقاب الكهنوتية، فإننا نكون قد أضعنا الجوهر الأساسي في حياة الكنيسة. نعرف، على مر تاريخ الكنيسة، كيف كان قديسون بسطاء مرشدين لأشخاص أعلى منهم كثيراً في الرتبة الكنسية أو الاجتماعية. في الكنيسة يجب أن تُستبدل السلطة بالخدمة، وطالما بقينا نؤمن بالتراتبية في السلطة عوضاً عن التراتبية في الخدمة، لن نكون الكنيسة التي بحسب الإنجيل.
    هذا يعني أن علينا إعادة دراسة العلاقة بين جمهور المؤمنين والكهنة والأساقفة. بدايةً، ظهر الشمامسة بعد زمن قليل من صعود المسيح، ولم تكن رسامتهم من المسيح، بل من الرسل ولغاية محددة. ثم الكهنة الذين سيموا من الرسل، وأخيراً المتقدمين في النعمة والعمل. إذاً، لم يُحدد التسلسل الكنسي في الإنجيل. كانت الكنيسة الأولى تعرف شيئاً واحداً: أن تكون جسد المسيح وهيكل الروح القدس والأذن المنصتة له والذي يعلمها أن تشهد بما بشر به المسيح. إنها رجال الله الذين تصفهم الرسالة بـ "الكهنوت الملوكي"، الذين عليهم أن يحولوا كل ما يلمسوه إلى شيء مقدس، والذين يمكنهم أن ينقوا كل شيء بتنقية نفوسهم أولاً حتى يملأ الله "الكل في الكل".
    يذكرنا القديس باسيليوس أنه "يمكن لأي إنسانٍ أن يحكم، لكن الملك وحده يضحي بحياته من أجل مرؤوسيه". من هذا المنظور نكون كلنا موهوبين للمسيح الملك الذي مات من أجل خلاص العالم، ومدينين له بأن نكون مستعدين لمحبة القريب حتى الموت. هكذا يجب أن يكون الشعب المؤمن الذي يشكل جسد المسيح ومن ضمنه الإكليريكيين، وأؤكد على كلمة من ضمنه. من المهم جداً أن نتذكر أننا جميعاً نؤلف الشعب المؤمن، والأساقفة هم من ضمن هذا الشعب ويحملون نعمة الأسقفية. جميعنا نسعى لأن نكون أعضاءً في جسد المسيح ونكون أعضاءً متميزين فيه بقدر ما نكون مستعدين لتقديم حياتنا للآخرين.

    الحرية والطاعة والإيمان:
    لا ندرك غالباً ماذا تعني الحرية، وبالمقابل نتكلم كثيراً عن فضيلة الطاعة. كثيراً ما تُفهم الطاعة في الكنيسة على أنها عبودية وخضوع وجاهزية لتلقي الأوامر وتنفيذها، لكن الطاعة بهذا المفهوم مناقضة للحرية. الطاعة الحقيقية مختلفة، وهي تأتي من الإنصات والاستماع. ويمكن أن نصف الطاعة أنها مدرسة للإصغاء وليست مدرسة لتلقي وتنفيذ الأوامر. إنها تساعدنا في أن نتعلم من شخص يمتلك خبرةً أكبر لننمي خبرتنا الذاتية، وفي أن نتخلى عن تحيزنا لإرادتنا الخاصة وخبرتنا الضيقة لنمتد إلى خبرة من يعلمنا. يجب أن نتعلم تدريجياً الإصغاء إلى صوت الروح القدس في داخلنا وأن نسمع صوت الحق عند قراءتنا للإنجيل، هذا الصوت قادرٌ على تغييرنا وجعلنا نتجلى. عند ذلك لا تعود الحرية هي النقيض للطاعة. تعود كلمة الحرية إلى الجذر السنسكريتي Privia والتي تعني أن نحب وأن نكون محبوبين. الحرية هي علاقة محبة متبادلة، هي الاستعداد لأن نصغي بكل عقلنا وقلبنا ووجودنا وأن نحب بكل عقلنا وقلبنا ووجودنا، عندها تكون الحرية ظاهرة في طريقة حياتنا. غالباً ما نتخيل أننا مسيحيون أو أرثوذكسيون لأننا نحفظ مجموعة من العقائد التي وضعتها المجامع أو السلطات الكنسية العليا. في الحقيقة علينا أن نتلقى كل ما أُعطي لنا من الماضي بقلبٍ وفكرٍ متجدد، وإيمانٍ معبّرٍ عن نفسه في كل ما نعيشه، فالإيمان، إضافةً لكونه اليقين بأشياء غير مرئية، هو أيضاً طريقة حياة.

    متى يحق لنا أن نقول أننا أرثوذكسيون؟
    عندما نعيش الإنجيل بكل ما نملك من قوة وجرأة (وحين نفتقد الجرأة والقوة نصلي إلى الله قائلين: "يا رب املأ ضعفي بقوتك واستبدل جبني بشجاعتك"). عندها فقط يكون لنا الحق بأن نكون أرثوذكسيين. سأختم كلامي بمقولة لأحد الأساقفة الغربيين: "يمكن أن يكون الإنسان هرطوقياً حتى لو جاهر بكل العقائد، وذلك حين يخالف هذه العقائد في أسلوب حياته. الهرطوقي هو من ينكر الإيمان الحق وهو أيضاً من لا يعيش بحسب هذا الإيمان".

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

  2. #2
    أخ/ت مبارك/ة
    التسجيل: Jan 2008
    العضوية: 2463
    الإقامة: القسطنطينية - 1453
    هواياتي: loving all
    الحالة: Maximos غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,456

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: اللقاء مع مجتمع غير أرثوذكسي

    شكرا ً لك أخي الحبيب ..

    "لا، لم نستطع قتله، عندما التقينا به وجهاً لوجه رأينا فيه الكثير من المحبة والرقة حتى أننا ركعنا أمامه وطلبنا بركته". هذا هو التبشير.
    المحبة لا تسقط أبدا ً

    بالمقابل، كتب أحد المبشرين الغربيين في الهند إلى رئيسه في إسبانيا : "أرسلوا لنا كهنة، لا يهم مدى سوئهم، أي شيء مناسب لهؤلاء الهمج".
    سمعتُ (سمعا ً ) قولين لغاندي : (1) أسوأ مثال عن المسيحية هو المبشرين(الغربيين)
    (2) لولا المسيحيين (يقصد الغربيين الذين احتك بهم) لصرتُ مسيحيا ً...

    فيأتون إلى الكنيسة ولسان حالهم يقول: "حبذا لو كان ممكناً ألا نغادر فناء هذه الكنيسة، ففي الخارج هناك مجتمع غريب" وننسى أن المسيح قال لنا "اذهبوا كخرافٍ بين الحملان، اذهبوا إلى العالم وبشروا كل الأمم". البشارة هي من ثمار الليتورجيا، ونحن بالليتورجيا، ندخل في شركة مع المسيح والروح القدس، وعلينا بعدها أن نمنح الآخرين ما حصلنا عليه من الفرح والمحبة.
    يوحنا (4 : 14) : و لكن من يشرب من الماء الذي اعطيه انا فلن يعطش الى الابد بل الماء الذي اعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع الى حياة ابدية

    يصر الأب جورج فلورفسكي على حقيقة أن الحركة الرهبانية لم تكن هروباً من مجتمع وثني ولا هروباً من الاضطهاد. بل كانت ابتعاداً عن مسيحية "أضاعت ملحها".
    أذكر أن القديس يوحنا الذهبي الفم قال في ذلك ما معناه : الرهبان تركوا المناطق المأهولة لأن الناس جعلوها غير قابلة للسكن .

    يمكن للمرء أن يسأل: ماذا علينا أن نفعل؟ هل علينا كلنا أن نصبح رسلاً أو رهباناً وأن نتخلى عما نملك؟ في الحقيقة ليس المهم ما نملك، بل موقفنا مما نملك. الامتلاك قد يكون طريقاً للعبودية وأحياناً نكون مستعبدين لأشياء صغيرة جداً.
    اكو( 6 : 12 - 13 ) : كل الاشياء تحل لي لكن ليس كل الاشياء توافق كل الاشياء تحل لي لكن لا يتسلط علي شيء* 13 الاطعمة للجوف و الجوف للاطعمة و الله سيبيد هذا و تلك

    توصل أحدهم إلى الاستنتاج التالي: "ليس لدي إجابة حول هذا الموضوع، لكنه لم يحدث في الماضي وبالتالي يجب ألا يحدث في المستقبل".
    أولا ً..
    عدم وجود جواب لدى هذا الشخص لا يعني عدم وجود جواب لدى غيره
    ثانيا ً..
    احترام رأي الآباء ليس نقيصة .. والطاعة تؤتي ثمرها (كمثل قصة ثمر الطاعة المعروفة -أعتقد-لدى جميعنا ) .. حتى لو عشنا كما عاش الآباء (بعيدا ً عن أي تطوير أو تحديث ) أي كما يحيى الكوماندوس الآثوسي اليوم ...... فهذا ليس نقيصة .. المملكة التي نبتغيها ليست من هذا العالم ..



    صلواتك

  3. #3
    أخ/ت مشارك/ة الصورة الرمزية الأورثوذكسي السوري
    التسجيل: May 2008
    العضوية: 3384
    الإقامة: سوريا
    هواياتي: الرسم، والقراءة
    الحالة: الأورثوذكسي السوري غير متواجد حالياً
    المشاركات: 156

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: اللقاء مع مجتمع غير أرثوذكسي

    [align=center]
    ربنا يحرسك أخي صلواتك
    [/align]

    †††التوقيع†††

    "شكراً لله الذي أعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح"

المواضيع المتشابهه

  1. الإلحاد هو الحل من أجل بناء مجتمع يتساوى فيه البشر
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى اللاهوت المقارن، البدع والهرطقات
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 2012-01-18, 09:09 PM
  2. طريقة التسجيل في القسم الجديد - مجتمع أرثوذكس أونلاين
    بواسطة Alexius - The old account في المنتدى إعلانات الإدارة لبقية الأخوة
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2009-11-14, 01:01 AM
  3. عيد اللقاء
    بواسطة Bassilmahfoud في المنتدى الليتورجيا
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2009-01-31, 11:21 AM
  4. في مجتمع الاستهلاك
    بواسطة بندلايمون في المنتدى القضايا الإجتماعية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 2009-01-26, 11:00 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •