[align=center]في مجتمع الاستهلاك
جاء في جريدة (لو موند ديبلوماتيك) عام1999 أن سكان العالم البالغ عددهم 6 مليارات نسمة، يعيش منهم مليار فقط في بحبوحة، بينما يعاني مليار آخر من البؤس، والـ 4 مليارات الباقية بالكاد ينعمون بالحد الأدنى الحيوي. ورغم أن الإنتاج العالمي للمواد الغذائية يفوق10% حاجة كل سكان الأرض فقد مات 30 مليون شخص من الجوع، وعانى أكثر من 800 مليون من سوء تغذية خطير، وذلك حتى عام 1998. وأوضحت الدراسات أن إشباع جميع الحاجات الصحية والغذائية في العالم لا يكلف سوى13مليار دولار، وهو مبلغ بالكاد يصل إلى قيمة ما ينفقه سكان أمريكا وأوروبا ثمناً لما يستهلكونه من عطور. وماذا يحدث على أرض الواقع؟ هو أنه في مجتمع تعطى فيه القيمة الأولى لمظاهر الوجاهة الخارجية وللقدرة على الاستهلاك بصرف النظر عن مصدرها، وتقاس فيه المكانة من خلال تلك القدرة، ترتفع عادة مستويات الطموح ومعها درجة الشعور بالحرمان والغنى مما يسبب انتشار أعمال الجنوح وحالات الاكتئاب. هذا السعي اللاهث نحو اقتناء الكماليات يسجن الإنسان في وهم الشعارات الإعلانية المصاغة أحياناً بعبارات توحي بأن تحقيق كل ما يتمناه القلب من سعادة إنما هو في متناول اليد. ولكن في كل مرة يتهافت فيها المستهلك على محاولة تحقيق هذه الوعود الواهية مفتوناً ببريقها يرى نفسه لا يقبض سوى الريح، فيعيد الكَرَّة مدفوعاً بشعور الإحباط تذكيه الآمال الكاذبة إذ ينجح المشرفون على الإنتاج في التلاعب برغبة الإنسان. وهكذا يلهيه سعيه اللامتناهي إلى الأشياء عن أن يطرح على نفسه مسألة معنى الوجود ولماذا أعيش؟ وماذا أفعل لأكون قريباً من الله؟ هل أعطي أولادي الحب والعاطفة الصادقة والوقت؟ هل أكرس وقتاً لأعود إلى ذاتي؟ فينتاب الوالدين أحياناً شعور بالذنب لإحساسهم أن المشاغل تحولهم عن الاهتمام بأولادهم فيسعون إلى إسكات ذلك الشعور المضني عن طريق محاولتهم التعويض لأولادهم، فيُخَيَّلُ لهم أن تقديم كل وسائل الترفيه (ألعاب،موبايل،إنترنت،سيار ،ثياب من أفضل الماركات الأجنبية...الخ) يمكن أن يعوض غيابهم المادي والمعنوي. هذا المجتمع الاستهلاكي يخلق عقدة النقص المستمرة ويولد نوعاً من الألم والإحباط عند الطبقة الفقيرة التي لا تستطيع مجاراة الوجهاء مما يسيء إلى العلاقة بين الشبان وعائلاتهم، ويخلق حالات جنوح خطيرة.
ومن ناحية أخرى تزداد حالات الاكتئاب والسأم لدى الكثيرين وعادة يكون هذا الاكتئاب مستتراً بالحيوية والمرح ومظاهر النجاح بحيث لا يعي المرء إصابته به ناهيك عن جهله أسبابه ومما يساهم في تقوية هذه الحالة المرضية انتشارها الواسع وتهافت الناس على محاولة تجاهل اكتئابهم بشتى الوسائل كالانهماك بالعمل واللجوء إلى وسائل الترفيه المختلفة لتخدير شعورهم بالفراغ. قد لا يقتنع الكثيرون أن السعادة الحقيقية لا تأتي من الخارج متناسين أن السعادة الحقيقية هي في الله وأن الإنسان لا يحيا إن لم يدرك "أن الحاجة إلى واحد" (لو10: 41-42) وأن الإنسان "وإن كان في سعة فحياته لا تقوم على ما ملكت يده" (لو12: 15). والحقيقة الجارحة أننا في غمرة هذا الواقع لا ننتبه لأنفسنا ولا نربي أولادنا على مخافة الله. ونتساءل بعدها لماذا إبني فوضوي؟ لم تدنت مستويات الأخلاق؟ لماذا يجاوب؟ لم هو كثير التذمر؟ لم لا يحب الصلاة؟ الشباب طاقة مبدعة ومهمتنا باتت صعبة في توجيه هذه الطاقة بشكل مفيد فسَعْيُنا لإرضائهم وتجنب ثوراتهم بالكماليات غير مُجدٍ وإنما الحل هو في تفهمهم بالمحادثة والنقاش الهادئ دون أن نسايرهم عاطفياً، فكثيراً ما ينجرف الأهل في تدليل الولد لأنه كان ضعيف البنية في صغره، أو لأنه مرض مرضاً خطيراً، أو لأنهم يريدون أن يؤمنوا لولدهم ما حلموا به في صغرهم، فينسون أن قيمة الأشياء ليس في امتلاكها بل في إدراك قيمتها الحقيقية وكم تعبوا في تأمينها، فعندما يدرك الولد تعب أهله لن يكون سريع الاندفاع لاقتناء الأشياء بسبب او بغير سبب. علينا أن ندرك أن عصرهم هو غير عصرنا فلا نتطرف في حرمانهم من الحرية أو في إعطائها لهم. علينا أن نعلمهم كيف ينظرون إلى الواقع بشكل صحيح دون أن ننفرهم، وأن نستفيد من طاقاتهم ووعيهم بشكل بنَّاء فنكون لهم مثالاً في الحياة الصالحة و الصبر على الضيقات و الحكمة وحب الخدمة والصلاة، وأن نشعرهم بمحبتنا حتى نكون لهم حضناً دافئاً يعودون إليه مهما قست الأيام ومهما أخطأوا لنعلمهم أننا نحبهم ولأننا نحبهم لا نستطيع سوى أن نعلمهم أن الحاجة هي إلى واحد.
[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات